ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 13/11/2005


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

إصدارات

 

 

    ـ أبحاث

 

 

    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


التحول الديمقراطي والدولة الحديثة

غالب عامر*

مقدمة : في حياة  الأمم والشعوب , وعلى سلم التطور التاريخي للبشرية  , ثمة محطات رئيسة لتحولات عميقة أصابت سيرورة هذه الشعوب نحو تطورها وتقدمها , بالرغم من التباين والاختلاف بينها في الزمان , وفي طبيعة التطور ذاته , ومستقره الأخير .

  وتشهد اللحظة الراهنة من تاريخنا العربي  المعاصر , مرحلة جديدة تتسم بالتناقض بين مساراتها المتعددة ,  وبالرغم من المخاض الصعب و المتناقض  هذا , يبدو أن صوت  الحرية والديمقراطية أضحى طاغياً على غيره في  ميادين الثقافة ,  السياسة , والاجتماع , وذلك في مواجهة عقود طويلة من القمع والاستبداد , ما تزال تلقي بظلالها الكثيفة على امتداد الوطن العربي , عبر استمرار الأنظمة الشمولية السائدة .

وعلى اعتبار  , أنه ليس ثمة نهضة حدثت في التاريخ الإنساني , إلاَ وتقدمها فكر واضح وإرادة فاعلة لتحقيق هذه النهضة ,فلابدَ من وضع مجموعة الأفكار والآراء والتصورات حول المسألة الديمقراطية , وكيفية التحول الديمقراطي , في مركز الاهتمام , بحيث تشكل في منطلقها ومستقرها ,  سبيلاً لإعادة تأسيس المفاهيم , وأداة للتمييز بين مجموعة جديدة , وأخرى قديمة من المفاهيم الملتبسة في اللحظة الراهنة , في ظل العولمة التي تعيد إنتاج أدواتها ومفاعيلها بصورة جديدة , وفي واقع الأزمة الراهنة للثقافة العربية المعاصرة .

ولا بدَ أن نستبق هنا , لنشير إلى عددٍ من القضايا الرئيسة :

1.  بالرغم من توق الغالبية العظمى من أبناء الوطن العربي لتحقيق الديمقراطية , فلا يمكن للتجول الديمقراطي أن يتم هكذا بين عشية وضحاها , لأن بناء المجتمع  وفقاً لعلاقات سياسية واجتماعية مدنية معاصرة  , يحتاج بتقديري , إلى عملية تاريخية متواصلة , يمكن لها أن تمتد لسنوات طويلة , وقد تتخذ الأنظمة الشمولية من الصعوبات والمعوقات ذريعةً لها لمحاولة الالتفاف على مطلب الديمقراطية واستحقاقه الراهن , والنكوص إلى مواقع التأخر التاريخي الذي يضمن لها العودة لممارسة الاستبداد القائم حالياً . ومن المعروف لدينا أن معظم الدول الحديثة قد مرت بمراحل صعبة وقاسية في تاريخها ,وصولاً إلى ما وصلت إليه  من تقدم وتطور متسارع  في لحظتها الراهنة .

2.  من خلال التجربة التاريخية التي عاشتها أمتنا في العقود السابقة , تبرز العديد من المخاطر الماثلة أمامنا , ومن أبرزها إمكانية تحويل المطلب الحيوي الراهن لتحقيق الديمقراطية إلى مجرد شعار يفتقد لرصيده في الواقع الموضوعي , كما حدث للعديد من الشعارات الأخرى , في مراحل سابقة من نضالنا الوطني والقومي , وذلك في واقع المحاولات الرامية إلى إعادة إنتاج الانحرافات التي يمكن أن تقوم بها القوى المناهضة للديمقراطية , من أصول ظلامية أو غيرها , تلك التي يغريها الارتداد إلى الماضي المولد للحظة الراهنة وما فيها من أنظمة استبدادية ما تزال ممسكة بمقاليد الأمور في معظم الأقطار العربية .

3.  لذلك  تعتبر مسألة التحول الديمقراطي مسألة اجتماعية / سياسية بامتياز , لا يقتصر تحقيقها في مؤسسات الدولة وفقط , إذ لا بد ان تطال  كافة الفئات والشرائح الاجتماعية المعنية تماماً بعملية التغيير الديمقراطي , وبذلك تصبح الدولة , عبر هذا المفهوم العام والشامل , دولة للكل الاجتماعي , وليست مجرد مؤسسة لفئة معينة من فئات المجتمع دون غيرها , وبهذا تتخذ عملية التحول أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية .

4.  ومن هذا المنظور ,  تتضح أهمية التنمية المستدامة في مختلف الميادين , باعتبارها القاعدة المادية المتينة , في الاقتصاد والانتاج , والتقدم العلمي والتقني , وفي الثقافة والسياسة والاجتماع , للتأسيس لتحول وطني ديمقراطي لا عودة عنه إلى مواقع الجهل والتخلف والاستبداد , ذلك ان العمل على ترسيخ  منظومة القيم الديمقراطية ,  مرتبط بدرجة معينة من تحقيق التنمية البشرية في مجالاتها المتعددة ,  والاقتصادية في فروعها المختلفة .

من هذه المعايير , وغيرها الكثير , مما يدخل في إطار الإرادة الوطنية , وطبيعة العقد الاجتماعي المزمع تحقيقه , , يتضح أن عمق التحولات الديمقراطية واتساع مداها وأبعادها  مرتبط أساساً بطبيعة آليات الانتقال للواقع الذي نطمح  إليه , والكيفية التي يتم من خلالها إطلاق أفاعيل التقدم والتطور في المجتمع .

 

إشكالية التحول الديمقراطي في الوضعية العربية الراهنة :

 

1.    

منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن , وشعبنا يعاني من القمع والتعسف , وانتهاك حقوق الانسان وافتقاد حقوق المواطنة بصورة لا حدود لها , عبر تغييب الحريات العامة المدنية والسياسية , وطغيان قانون الطوارئ كسيفٍ مسلط على رقاب المواطنين , إضافةً لاحتجاز السياسة عن المجتمع , وإقصاء فاعلياته الرئيسة عن المساهمة الفاعلة في تحديد التوجهات العامة في مختلف الميادين , وفي تطوير العلاقات الاجتماعية لمجتمع يعاني من واقع التأخر التاريخي والتخلف الحضاري , إضافة لانتشار الفساد والإفساد الذي طاول كافة مؤسسات الدولة , والإصرار على التحكم السلطوي الفئوي بمقدرات المجتمع ومصيره , ومحاصرة طموحاته الوطنية في بناء دولة مدنية حديثة تواكب التقدم الإنساني , وما فيه من تحولات عالمية عميقة ومتسارعة في السياسة , والاقتصاد , والاجتماع , والتقدم العلمي والتقني والثقافي .

 لقد حاصرت الدولة الأمنية القطرية , وما تزال , الطموحات الشعبية والوطنية لبناء مقومات التحديث والحداثة في العديد من الأقطار العربية , ومارست عملية القمع اتجاه كافة أشكال الحراك الثقافي والسياسي المدني , وامتنعت عن السماح لمنظمات وهيئات المجتمع المدني , وفي مقدمتها منظمات وجمعيات حقوق الانسان , في ان تتشكل بصورة طبيعية وقانونية , بالرغم من توافر كافة الشروط المنصوص عنها في القانون والدستور , وأحكمت القبضة الأمنية المتشددة على تكويناتها الأولى , وما تزال تمارس سياسة الإقصاء إزاء التشكيلات الثقافية والحقوقية , او محاولة الاحتواء للهيمنة عليها , وحرفها عن الأهداف النبيلة التي أنشئت وقامت من أجلها , وذلك عبر ممارسات القمع والاعتقال , ومنعها من ممارسة نشاطها المحدود والمتواضع أصلاً , في مجتمع يشكو من أسباب التخلف كحالة عامة وقائمة  ونتائجه التي تنعكس سلباً في الواقع الموضوعي .

2.  وفي إطار التنمية البشرية , في مجال التعليم والتربية , وتوفير المناخ اللازم والشروط الموضوعية للإبداع والابتكار , وفي مجال التقدم العلمي والتقني , وممارسة النشاط الثقافي في مناحيه المتعددة , يتجلى بصورة واضحة القصور الكبير عن مواكبة العصر الحديث , وتطوراته المتسارعة , نتيجة للانتهاكات الواضحة لحقوق أبناء المجتمع في إيجاد الفرص المتكافئة في مجالات التعليم المتعددة , ومحاصرة الإبداعات الثقافية , والنشاط السياسي وعمل الجمعيات التي تعنى بالفضاء المعرفي والفني والأدبي , وحصر ممارسة النشاط القائم فيها على فئة معينة ارتضت الانضواء تحت بطانة السلطة , مما يشوه المقاصد التنموية البشرية الحقيقية لإمكانات وطاقات أبناء المجتمع بصورة عامة

3.  وفي الاقتصاد والتنمية الاقتصادية , تتجلى الصورة بأوضح أبعادها في افتقاد الانتاج الاقتصادي , على نحوٍ ما , لبنياته وآلياته الحديثة , وتفاقم الأزمة الاقتصادية في سورية "نموذجاً " نتيجة للنهب المنظم لموارد الثروة الوطنية وطغيان الفساد الإداري والمالي في المؤسسات التي تسيطر عليها السلطة القائمة , من جانب , والضعف الكبير للضمانات القانونية اللازمة لاستثمارات القطاع الخاص , وعدم اهتمام هذا القطاع بإنشاء المشاريع الاقتصادية / الإنتاجية , وانتشار ظاهرة التهرب من دفع الضرائب من جانب آخر , إضافة لطغيان قيم النزعة الاستهلاكية في مجتمع يعاني من محدودية الانتاج الزراعي والصناعي . وينعكس هذا بصورة مأساوية واضحة على حقوق الانسان في مجال العمل والاستثمار , حيث تنتشر البطالة بنسبة عالية تصل إلى أكثر من 25% من القوى العاملة في كلٍَ من مصر والسودان وسورية وفلسطين والعراق , مما أدى إلى انتشار الفقر المدقع والأوضاع المعيشية البائسة , وعدم قدرة المواطنين على تلبية احتياجات أبنائهم وأسرهم المادية في أبسط مستوياتها , وسط أوضاعٍ اقتصادية متردية تنذر بمخاطر كبيرة في حال استمرار هذا التدهور الواضح .

4.  ومن قبيل التحديد الواضح بشأن جمعيات ومنظمات حقوق الانسان في الوطن العربي بشكلٍ عام , وفي سورية بوجهٍ خاص , تمتنع السلطات إلى الآن عن منح الترخيص والإشهار القانوني لمعظم هذه الهيئات وفقاً لقانون الجمعيات المنصوص عليه لدى الجهات المختصة , وقد لجأت السلطات السورية في الأشهر الماضية إلى إغلاق كافة المنتديات في المحافظات , وفي مقدمها منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي , ضاربة عرض الحائط بحقوق المثقفين والمهتمين بالشأن العام من الناشطين السوريين في ممارسة حقهم في التعبير عن آراءهم بمناخٍ من الحرية التي يطمح الشعب إلى تحقيقها , كما قامت باعتقال عدد كبير من هؤلاء الناشطين , وفي مقدمهم الأستاذ المحامي محمد رعدون رئيس مجلس إدارة المنظمة العربية لحقوق الانسان في سورية ,الذي أفرج عنه أخيراً فيما لا يزال ناشطي ربيع دمشق قيد الاعتقال .

5.  وتجدر الإشارة ,هنا , إلى مسألة هامة تتلخص في أن كافة المنظمات والتنظيمات الخاصة بحقوق الانسان وشؤون المجتمع المدني , والتي تعمل في إطارٍ مستقل عن دائرة الأنظمة وتأثيرها , تعتمد في تمويلها الذاتي على اشتراكات أعضائها التي لا يمكن لها تغطية احتياجاتها المادية للقيام بكافة نشاطاتها التي نذرت نفسها لها , وتفتقد , إلى الآن , لأي دعمٍ مادي أو معنوي من الجهات الرسمية , أللهم إلاَ محاصرة نشاطاتها وتقييد حرياتها , ولا بد والحالة هذه , من البحث في كيفية إيجاد حلول موضوعية على المستوى العربي للهيئات والمنظمات بما يكفل ديمومتها واستقرارها . وقد أشارت تقارير التنمية العربية في السنوات  الثلاثة السابقة , والصادرة عن هيئة الأمم المتحدة , والتي جاءت نتيجة للجهود البارزة لعددٍ من المثقفين العرب , لطبيعة المشكلات التي تواجه قضية التنمية والحريات العامة في الوطن العربي , وأبرزت ذلك الجانب بصورة واضحة .

6.  ولا يمكن هنا , عبر هذه الإشارة المكثفة لعدد من الإشكاليات القائمة  في الوضعية العربية الراهنة , إغفال واقع المرأة العربية , والوضع المأساوي الذي تعاني منه , والناجم تاريخياً عن العادات والتقاليد البالية , واستمرار هذا التشويه الكبير لدورها الإنساني في المجتمع العربي , و عدم تمكينها من الاهتمام بالشأن العام سياسياً واجتماعياً وثقافياً  , وإغفال دورها في المساهمة الفاعلة في إعادة  التأسيس لنهضة عربية معاصرة . ولا ريب أن الوضع الراهن للمرأة العربية يعتبر بحدَ ذاته اختراقاً واضحاً لمنظومة حقوق الانسان في مستوياتها المتعددة .

7.  وعلى السفح الآخر , يشكل الصراع العربي / الصهيوني , وتداعياته المستمرة على امتداد نصف القرن الماضي وبدايات هذا القرن مصدر تهديد دائم للاستقرار في المنطقة , وتقوم إسرائيل بصورة مستمرة بممارسة الانتهاك الفاضح لحقوق الانسان , عبر اعتداءاتها المتكررة على الشعب العربي الفلسطيني , واستمرار احتلالها للضفة الغربية والقدس عاصمة فلسطين  وهضبة الجولان السورية  ومصادرة حق المواطنين  العرب السوريين في التحرر والحرية وممارسة حقوقهم الإنسانية , وزج العديد منهم في سجونها ومعتقلاتها  , ومحاصرة جهودهم الرامية إلى تطوير التنمية الاقتصادية والبشرية في وطنهم , ومن شأن هذا الصراع  والاحتلال للأرض العربية أن يهدد الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة  و يحاصر دوماً إمكانات المجتمع العربي من إجراء التحولات الديمقراطية , وفقاً لبرنامج واضح ومحدد .

8 – أما بالنسبة لمشروع الشرق الأوسط الكبير أو الموسع الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية و وافقت عليه الدول الصناعية الثمانية في حزيران عام 2004 , نلاحظ أنه يتعرض لنقد كبير من جانب القوى الوطنية الديمقراطية وهيئات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان على امتداد الوطن العربي , ومن شأن هذا النقد ان يأخذ موقعه الصحيح ليكون منطلقاً في اتجاه  إعادة البحث فيه بصورة موضوعية وبعيداً  عن تفرد الإدارة الأمريكية في طرح المشاريع التي تتجاوز فيها الإرادة الشعبية والوطنية للوطن العربي المعني مباشرة بهذا المشروع , ويمكن لنا في هذه المداخلة المكثفة أن نشير إلى أهم الثغرات والأخطاء الواردة فيه :

  لقد تمت صياغة المشروع بعيداً عن مشاركة القوى والفاعليات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية العربية , مما أدى إلى أن  يحفل بالعديد من الأخطاء المنهجية وأهمها هذا الخطأ نفسه الذي يوضح مدى انتهاك هذه الإدارة بالحقوق الإنسانية والسياسية للمجتمع العربي في تقرير مصيره ومستقبله بنفسه .

  لقد أغفل المشروع البحث في أبرز قضية تقلق الأمة العربية ’ وتهدد مستقبلها والاستقرار السياسي في أقطارها , ونعني بها القضية الفلسطينية وسبل  حل الصرع العربي / الإسرائيلي بطريقة عادلة وشاملة , تضمن الحقوق الوطنية والإنسانية الثابتة للشعب الفلسطيني . وقد تنبهت مجموعة الدول الأوربية لهذه المسألة الهامة وطرحت ضرورة إدراجها بالمشروع المقترح

  وفي الجانب الاقتصادي والإنتاجي  طرح المشروع اقتراحا بدعم المشروعات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة للتنمية الاقتصادية ومعالجة قضية البطالة في الوطن العربي , ومن الواضح تماماً  ان هذه المشاريع لاتبني تنمية حقيقية في منطقة متخلفة في مجال العلم والتقدم العلمي والتقني , في زمن عاصف بالتقدم في مختلف الميادين وفي ظل العولمة الرأسمالية الراهنة , ولا بد والحالة هذه من التأكيد على إقامة المشاريع الاقتصادية والإنتاجية الكبرى في منطقة تتوافر فيها المقومات الاقتصادية من أموال وثروات وطنية لمثل هذه المشاريع التي يمكن لها وحدها ان تشكل القاعدة المادية المتينة لا لتطوير الاقتصاد في أقطارنا العربية , وحسب , وإنما في المساهمة الفاعلة في تحقيق التنمية البشرية والتقدم العلمي والتقني , ومعالجة مشكلة البطالة والفقر السائد في قطاعات واسعة من مجتمعنا , والمساهمة أيضاً وبصورة واضحة في تمكين المجتمع من مواجهة الفساد الاقتصادي والإداري والمالي , إضافةً لحل الأزمة الثقافية والعلمية القائمة وإنهاء مظاهر العطالة الاستبدادية وانتهاك حقوق الانسان

  لكل أمة من الأمم حقوقها الوطنية والقومية الثابتة التي تم التأكيد عليها  في القوانين والمواثيق الدولية , ومن أبرزها حق الاستقلال والسيادة الوطنية , وإعادة انتاج مشاريعها النهضوية والحضارية وفقأ لاحتياجاتها الداخلية وطموحاتها في بناء مستقبلها الوطني والقومي , بالتفاعل والتعاون الكامل مع الجوار الإقليمي وعلى مستوى العالم , دون أن يؤدي هذا الانتقاص من مقومات السيادة للمجتمع المعني , وقد اعتبر الكثير من المثقفين والسياسيين العرب ان مشروع الشرق الأوسط الموسع تم وضعه والموافقة عليه باعتباره البديل الأمريكي والأوربي للمشروع النهضوي العربي الذي تعمل كافة الأطياف السياسية والثقافية والاجتماعية العربية المناهضة للاستبداد والتخلف على إعادة إنتاجه كمشروع قومي ديمقراطي  وإنساني , ولذلك تنعدم الإشارة في المشروع الأمريكي لحق الأمة العربية في بناء دولتها , او بناء أواصر التعاون الوحدوي بين أقطارها كالسوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي والمشروعات المشتركة في الجانب الاقتصادي , والتعاون العلمي والتقني عربياً في مجال التنمية البشرية , او التعاون في مجال بناء الدولة المدنية الحديثة التي تحقق الديمقراطية وتحصن حقوق الانسان وكرامته من الانتهاك أو الاعتداء عليها

في ظل هكذا أوضاع عربية وإقليمية , يبدو أن مهام التحول الديمقراطي سوف تتخذ مدىً زمنياً معيناً تحدده مرحلة من التطور والتقدم تتسم بكونها عملية تاريخية تفترض مقدماتها الموضوعية , ومن أبرز هذه المقدمات  تطور الوعي العلمي والثقافي والسياسي بضرورة إشاعة المناخ الديمقراطي وتحوله إلى نسيجٍ متكامل لعلاقات الداخلية في  مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

آليات التحول الديمقراطي : قبل البحث في مجمل الآليات والبنيات التي تسهم في الانتقال إلى الديمقراطية والدولة الحديثة تجدر الإشارة . هنا إلى ملاحظتين :

الأولى : لا يمكن أن تشكل الديمقراطية حلاً سحرياً لكل المشكلات والإشكاليات التي تواجهنا إلا أنها تحقق المناخ السياسي اللازم لحل هذه الإشكاليات بطريقة موضوعية صائبة , بعيداً عن ارتكاب الحماقات والأخطاء  التي كثيراً ما ترتكب في ظل غياب  الديمقراطية , وحضور القمع والاستبداد وانتهاك كرامة الوطن والمواطنين .

الثانية : نقصد في بحثنا هذا وبالدرجة الأولى الاهتمام بشؤون حقوق الإنسان في سورية والوطن العربي , وكيف يمكن  للدولة الحديثة الديمقراطية القيام بتحصين هذه الحقوق ورعايتها .

من هذا المنطلق نلاحظ أنه ثمة عقبات واضحة أمام التحول الديمقراطي في الوطن العربي , بالرغم ان العملية ممكنة وراهنة , وضرورية في لحظتنا العربية الراهنة , وقد أشرنا من خلال البحث في طبيعة الأوضاع القائمة إلى العديد من هذه المعوقات والصعوبات , وأبرزها الطبيعة البنيوية للدولة الأمنية القطرية السائدة , وفي الوقت الذي يعتبر فيه عدد من المثقفين والسياسيين العرب أن التحول الديمقراطي  يمكن أن يتم   بوجود الأنظمة القائمة واستمرارها في الحكم , وذلك من خلال القيام  بعملية إصلاح عامة وشاملة تتناول كافة الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ,يرى القسم الآخر منهم أن إحداث التغييرات التي تشكل مقدمة موضوعية للانتقال نحو الديمقراطية يتطلب تغييراً كاملاً في بنية الأنظمة القائمة , لكن الأمر في رأينا يجب أن لا يقع أسيراً بين حدي هذه الثنائية التي تولد سجالاً لا طائل منه  , ومن الأفضل العودة إلى تحديد عدداً من المعايير والأسس التي يتصف به النظام الديمقراطي ويتميز بها عن غيره من أنظمة الحكم الأخرى

وفي تقديرنا أن الأمر يتجاوز الأطر الضيقة نحو التأسيس للفضاء الفكري والمعرفي للمسألة , وفي هذا الإطار وبتكثيفً مباشر يمكن القول أن أبرز معايير الديمقراطية والنظام الديمقراطي تتمثل في عددٍ من الأسس الرئيسة, نتخير منها  : أولاً  إقامة دولة الحق والقانون , أو بالأحرى سيادة القانون العادل ناظماً للعلاقات بين أبناء المجتمع وفئاته المختلفة ومساواتهم الكاملة أمام القانون  , وبينها وبين مؤسسات الدولة في مستوياتها المتعددة , وان لا شيء في المجتمع بدون قانون , وهذا يتطلب بالضرورة أولاً وقبل كل شيء التأسيس لعقد اجتماعي وتعاقد مجتمعي مدني وديمقراطي يشكل المحور والناظم لكل القوانين المنبثقة والمعبرة عنه كمحورٍ رئيس ينظم العلاقات بين أبناء المجتمع المعني .

ثانياً: هذه المعايير يتمثل في الفكر المؤسساتي وتعبيراته المتعددة في مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع , ومن شأن هذا الفكر أن يعيد تنظيم العلاقة وتصويبها بين الفرد والمؤسسة التي يعمل بها وفقاً للائحة الداخلية التي يحددها معيار كون المؤسسات العامة هي ملك للمجتمع وليست مزرعة للقائمين عليها , وان قيمة المؤسسات الخاصة تنبع من مدى ما تقدمه للشعب من فوائد وخدمات ومن مساهمتها في بناء النهضة متعددة الجوانب .

ثالثاً : يتمثل في حضور الإرادة الشعبية , والتعبير عنها في الانتخابات الحرة والنزيهة للسلطة التشريعية , وتمكين هذه الإرادة من التعبير عن  نفسها في محاسبة المسؤولين في الدولة.

رابعاً :  وما يرتبط بذلك احترام حقوق المواطنة بكل ما تنطوي عليه من حريات مدنيةٍ وسياسية واجتماعية وثقافية محددة وفقاً للقانون المنبثق من العقد الاجتماعي .

خامساً : ضرورة الفصل بين السلطات الثلاث , التشريعية والتنفيذية والقضائية , وتحديد طبيعة العلاقة بينها بما يضمن فعلها وتفاعلها فيما بينها , دون طغيان إحداها على الأخرى

  ثمة , إذن , ما يمكن اعتباره أساساً لبناء الدولة المدنية الحديثة , وهي الأسس المنبثقة من المفهوم الذي نقصده من الديمقراطية , و التي تتميز عن الليبرالية الجديدة التي يتم التبشير لها في ظل العولمة الراهنة :

1.  ولعلَ  أبرز آليات العمل الوطني والاجتماعي للتحول الديمقراطي يكمن في توسيع وتعميق التفاعل بين مختلف مكونات المجتمع, وذلك من خلال إطلاق أفاعيل الحراك الثقافي والسياسي , والحوار الوطني الديمقراطي , عبر إعادة إنتاج وتشكيل الجمعيات والمنظمات  وهيئات المجتمع المدني في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية, وعلى اختلاف أنواعها  في مناخ من الحرية , وبعيداً عن تسلط أجهزة السلطة عليها وعلى القائمين على  تفعيل نشاطاتها المتعددة والمتنوعة .

2.  العمل على احترام الدولة والمجتمع لكافة منظمات حقوق الانسان في الوطن العربي , وتقدير نشاطها ومساعدتها في كافة الجوانب الحقوقية والمادية والمعنوية , وفسح المجال أمامها لرصد كافة الانتهاكات التي تقع لحقوق الانسان , والاهتمام بما يصدر عن نشاطاتها المتعددة من نتائج . ولابد من احترام الدولة وتقديرها لكل أشكال التعاون بين كافة هذه المنظمات على مستوى العالم , والمساهمة في تعميم ثقافة حقوق الانسان على كافة أبناء المجتمع , وان يكون لهذه   الثقافة مكانها في مناهج التربية و التعليم في الدول العربية  .

3.  الاهتمام بدرجة عالية بالتنمية البشرية , وخاصةً مسألة تعميم التعليم والتقدم العلمي والتقني , ومكافحة البطالة  , وتمكين المرأة من أن تأخذ دورها كاملاً في عملية التنمية في مختلف المجالات , ويتطلب هذا الأمر معالجة الأزمات الاقتصادية المتفاقمة ,وتحسين شروط الانتاج الاقتصادي , وتحديث بنيته الأساسية عن طريق إقامة المشاريع الإنتاجية الكبيرة , إذ لا يمكن الاقتصار في مرحلة التقدم الإنساني الراهنة والعاصفة على المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يغلب عليها طابع التراجع والانكماش في ظل المنافسة الدولية التي لا حدود لها مما هو معروف .إضافة لضرورة النهوض بالزراعة والانتاج الزراعي من أجل تحقيق الأمن الغذائي العربي الذي يشكل افتقاده معضلة اجتماعية واقتصادية تضاف إلى الأزمات التي تعصف في المنطقة العربية من كل جانب

4.  ويبقى العامل الحاسم في ذلك كله وغيره , وعبر تحقيق القصد السياسي للتحول الديمقراطي , فسح المجال كاملاً أمام تطوير وتحديث البنية السياسية , أو بالأحرى اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للإصلاح السياسي , باعتباره المقدمة لكل إصلاح في مختلف الميادين , ويتطلب الأمر إعادة تنظيم الحياة السياسية على قاعدة الديمقراطية , والعمل على إنهاء كافة مرتكزات النظام الشمولي , ومصادر قوته الأمنية المتسلطة على المجتمع , والتحول نحو بناء دولة الكل الاجتماعي , الدولة السياسية القادرة على استقطاب قوى المجتمع المتعددة من أجل تحقيق التقدم والتنمية في الوطن العربي .

* كاتب سوري , رئيس قسم الدراسات في المنظمة العربية لحقوق الانسان في سورية

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ