-ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الخميس 29/04/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


إشكاليات الحركات القومية

بنى المجتمع ـ إرهاصات إصلاحية ـ نهضوية ..

( 2 ـ 2)

جلال / عقاب يحيى

ـ إرهاصات إصلاحية وحداثية :

ـ بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر، عموماُ، وبفعل احتقان أوضاع السلطنة وتشديد القمع والملاحقة ضد الأفكار الجديدة ودعاة الإصلاح والتطوير، وامتهان العرب والعربية، أولاً، وانتشار أفكار وفلسفة الغرب التنويرية، وما أحدثته الثورة الفرنسية(وعصر الأنوار)، وسلسلة الثورات البرجوازية من تأثيرات عمّت العالم وقرعت ذهنه بشدّة، ثانياً، وعبر عديد الشبّان الذين تلقوا تعليمهم في مدارس البعثات التبشيرية، أو في الغرب، والذين احتكّوا به، وعايشوا منجزاته وأفكاره الجديدة، ثالثاً، ودور الحركات والمحاولات، والدعوات الاستقلالية ـ الإصلاحية التي انتشرت في عديد أرجاء الوطن العربي(من حركة محمد علي وابنه إبراهيم، وضمّه سورية الطبيعية وجزءاً هاماً من الجزيرة العربية والعراق إليه عبر حملاته العسكرية التي قادها ابنه إبراهيم تحت راية الاستقلال عن الأتراك، وتوحيد البلاد العربية في دولة واحدة، في إطار مشروع حداثي يعتبر الأهم والأشمل بين جميع المحاولات والدعوات والمشاريع السابقة واللاحقة عليه، إلى السنوسية والمهدية والوهابية وعديد الحركات والتمردات والانتفاضات والجمعيات الجنينية) ..رابعاً ..وصولاً إلى حركة المصلحين الدينيين، والقوميين العرب الحداثيين، وبداية تكوّن مشروع النهوض القومي ـ التوحيدي ـ الاستقلالي، خامساً .

 

شهدت البلدان العربية بدايات نهوض اتخذ، بشكل عام، منحيين رئيسين :

آ ـ منحى إصلاحي ـ ديني ـ اجتماعي أسس له عدد من المتنورين، الداعين إلى نفض الغبار عن جوهر الدين، وتنقيته مما لحق به من شوائب وتشويهات وبدع، وتفاسير تحريفية وتبسيطية، وقدرية، واستخدامٍ مكروه وممسوخ لمصالح الحكم والسيطرة الاستبدادية، وتنويم الشعب وتجهيله، وتنمية الاتكالية القدرية فيه، وسط سيادة الأمية(إلا ما ندر)، والمرض والأوبئة، والمجاعات المتتالية، وإلى مخاطبة العقل بما يفعله الإنسان في كوكبنا بدل مخاطبة الغرائز بتلك الأساطير الخرافية، والثقافة البالية المغرقة في التفقير والتجهيل، وإلى إحياء التراث العربي ووضعه على جدول التنقيح والتواصل بدل إهماله، والاهتمام بالعربية المضطهَدَة والسجينة بإعادة بعثها وتنقيتها مما لحق بها من شوائب العاميّة والتركية وغيرها لتكون لغة العلم والتعليم والتداول والتأليف، والضغط لاعتمادها لغة رسمية للسلطنة( على الأقل إلى جانب التركية)، والانتقال من الميدان الاجتماعي إلى السياسي الأهم بالدعوة إلى إصلاح شامل في جميع مفاصل السلطنة يرتكز على إقرار دستور يحدد الصلاحيات بين المؤسسات ، ويرسم ويضمن حقوق المواطنين(من شتى الأقوام التي تشكلها السلطنة ـ خاصة العرب الذين يمثلون الثقل الأكبر فيها)، ويعطي العرب، والقوميات الأخرى غير التركية، حقوقها الأساسية في الحكم الذاتي واللغة والثقافة، وفي الجيش والمناصب الهامة والموازنة، وصولاً إلى بناء الإنسان من خلال تفتيح الأذهان ونشر التعليم، ومحاربة الشعوذة والسحر وثقافة التجهيل، وغير ذلك من الأفكار الجديدة التي انتشرت بسرعة في بعض القطاعات المتعلمة، وبعض الفئات الشعبية، والوجهاء وأبنائهم والضباط في الجيش التركي . مع تركّيز معظم هؤلاء المصلحين الدينيين على الجانب العقيدي، والحاكمية في الإسلام، والانطلاق من وحدة الدولة (الخلافة) بزعامة الأتراك العثمانيين كضرورة يجب الحفاظ عليها وتقويتها، مع التنصيص على دور اللغة العربية وأهمية اعتمادها لغة رسمية يصلح بها حال الأمة والتعليم، والفهم الصحيح لتعاليم الدين، وكذا الإشارة إلى أوضاع العرب السيّئة في جميع المجالات، وحقوقهم المهدورة، ودورهم الثانوي، المهمّش، والمُبعد عن المناصب الحيوية .

 

 ولعل أكثرهم إفصاحاً عبد الرحمن الكواكبي(1849 ـ 1903) الأكثر ثورية، ونضجاً في التعبير والتمايز عن غيره من الإصلاحيين لجهة صراحته وحدّة مواقفه من السلطنة، وفي الإلحاح على محوري : العروبة والديمقراطية، ومقارعة الاستبداد، والتصدي لمظالم، ومفاسد السلطنة العثمانية وما ألحقته بالعرب من تخلف وتجهيل وتفقير لهم وللغتهم العربية : لغة القرآن الكريم والدين الحنيف .

 

 كان الكواكبي واضحاً في موقفه الداعي إلى الاستقلال عن الأتراك بلا لبس، وأنه لا لقاء فيه بين افكاره وبين استمرار العرب جزءاً من السلطنة(استمرار بالإكراه والقوة العسفية)، والدعوة إلى وحدة العرب ككيان مستقل في إطار دولة موحّدة(يمكن أن تكون خلافة تختار خليفتها من قريش بعد أن يجتمع ممثلو البلدان العربية في مكة(أم القرى)، أثناء موسم الحج، ويتفقون على اختيار الحاكم) .. فإن جلّ كتاباته ونضالاته(في سورية، ثم في مصر اللاجئ إليها بعد سجنه)، وجهوده خصّت العرب أكثر مما تناولت حال المسلمين الآخرين، كما أنه لم يفرّق بين دياناتهم ومذاهبهم انطلاقاً من قناعته بأنهم أرومة واحدة، وأنهم بوحدتهم ودورهم وإقامة كيانهم السياسي يصلح حال المسلمين، لذلك لم يهتمّ كثيراً بفكرة البقاء ضمن إطار السلطنة العثمانية، أو إصلاحها من الداخل . على العكس من ذلك فقد وجّه لها سهام نقده الصارم محمّلاً إيّاها مسؤولية ما لحق بالعرب والعربية، والدين الإسلامي من تهميش وتجهيل، وتدمير وتسطيح، وأن المخرج لا يكون إلا بتحرر العقل ومقاومة الاستبداد، وإعادة الدولة العربية المركزية الموحّدة : خلافة تتعزز فيها الشورى ومشاركة البشر .

 

ـ العالم جمال الدين الأفغاني (1839ـ 1897)الذي يُعتبر أشهر الدعاة الإصلاحيين، الذين عملوا على تطوير واقع العالم الإسلامي، ركّز، خلافاً للكواكبي، على أوضاع المسلمين عموماً، والمنضويين تحت سيطرة السلطنة خصوصاً، باعتبارها خلافة المسلمين، ودولتهم الواحدة، كما أنه اهتمّ بإنشاء تنظيمات سريّة مؤمنة بتلك الأفكار، والتي انتشرت في عدد من البلدان العربية والإسلامية . وقد حاول بروح منفتحة إرساء أفكار جديدة تناقض السائد وتقاومه، جسّدها في حركته السياسية الواسعة، وجرأته في انتقاد القائمين على أمر المسلمين، والدعوة لتغييرهم، وإصداره عدداً من الصحف(أهمها : العروة الوثقى الصادرة في باريس) التي تناولت عديد القضايا بروح إصلاحية معاصرة، مخالفة للعقل السائد، وللركود المهيمن، وفي تلك الحوارات والمجادلات التي خاضها ضد الرجعية وأفكارها البائدة، والاستبداد وقوى التخلف، والعلمانيين العرب والأوربيين أيضاً، خاصة سنوات إقامته وتلميذه وصديقه (محمد عبده) ردحاً من الزمن في أوربا (فرنسا نحو سبع سنوات)، والاحتكاك المباشر بنهضتها وعطاءاتها وأفكارها وصحافتها وأحزابها وفلاسفتها، ودعوته إلى فكرة (الجامعة الإسلامية) التي تحمّس لها كثيراً كصيغة وحدوية جامعة للمسلمين، وحلّ ومخرج لفرقتهم وتشتتهم وضعفهم، والتي كان ينادي بها السلطان عبد الحميد(وإن اختلف المضمون والهدف)، فاستدعاه للإقامة عنده،(أو استدرجه بتعبير أدقّ ـ للعمل معاً من أجل تحقيق المشروع) وهناك تمّ ما يشبه الحجر عليه، بينما تشير الكثير من الدلائل على أنه قتل غيلة بالسم للتخلّص منه ومن المتاعب التي يثيرها ضد السلطان وحاشيته، وفي تأليب المسلمين وتوعيتهم على واقعهم المتخلف، وأسباب ذلك التخلف، ووسائل الخروج منه، وقد اكتشف أنه غرر به، وأن السلطان غير جاد، وغير صادق في الدعوة إلى وحدة المسلمين، وتحسين أحوالهم، والأخذ بالأفكار الجديدة التي نادى بها هذا المصلح الكبير، فشعر أنه وقع في الفخّ، وأنه لا مهرب له سوى مواجهة قدره .

 

وكان تلميذه وصديقه ورفيق دربه محمد عبده(1849 ـ 1905) قد تركه لقناعته بعدم جدوى العمل السياسي، والتنظيمات السريّة التي وُجهت لها ضربات متتالية، ثم تلاشت بغياب قائدها، ومقارعة الحكام، والدعوة إلى الثورة عليهم، وتغييرهم، فقام بانعطافة كاملة باتجاه إصلاحي سلمي، لم يمنعه من مصالحة الخديوي والتعاون والعمل معه، والقبول بوظيفة القاضي، ثم مسؤول التعليم، ومفتي الديار المصرية، معتبراً أن نشر التعليم، ومحاربة الأمية، وإصلاحه مما هو فيه من تخلف ومناهج سطحية، بالية ..حجر الرحى، وقاعدة ومنطلق أي نهضة . وهو المجال الذي أسهم فيه بفعالية، خاصة في تجديد هيكل ومنهج الأزهر ومركز البحوث والدراسات فيه، وإعادة الروح إليه ليكون منارة الإشعاع ومدرسة جامعة لا تقتصر على علوم الدين بتلك الطريقة التقليدية، وإنما تدريس كافة العلوم بذهنية عصرية تماشي أرقى الجامعات في العالم، وكذا في عديد خطوات إصلاح التعليم والمناهج، ونشر المدارس، والاهتمام ببناء الإنسان، ومحاربة الأمية.. وغير ذلك من الأفكار التي أمضى حياته في سبيلها . يترافق ذلك مع ظهور دعوات أوضح للإصلاح الشامل : الديني والتعليمي، وحتى السياسي، عبر عدد من الروّاد الكبار الذين يأتي في مقدمهم : العلامة رفاعة الطهطاوي الذي درس في أوربا وعاد محمّلاً بأفكار تنويرية عمل كل ما بوسعه لنشرها وتجسيدها، وعلي عبد الرازق وكتابه النوعي عن الإسلام والحكم فيه(الإسلام وأصول الحكم فيه) الذي أثار زوبعة من التهجمات والانتقادات، كان أبرزها انتقاد رشيد رضا(تلميذ الأفغاني وعبده، والذي انعطف نحو التشدد)، (ومجموعة واسعة من الروّاد في بلاد الشام والعراق، وتونس والجزائر والمغرب، وغيرها)، وبحدود ما رشيد رضا الذي بدأ على نهج محمد عبده وانتهى متشدداً، ومبشراً بولادة حركة الإخوان المسلمين(أحد أهم الآباء الفكريين ـ النظريين لها)، التي تبلورت وتأسست من خلال مؤسسها الرئيس : الشيخ حسن البنا، الذي لم يكتف بالتبشير والدعوة إلى أفكار الإصلاح، بل قرنها بوجوب إنشاء تنظيم حديدي، مركزي يبثّها، ويعمل على تجسيدها والنضال في سبيل الوصول إليها(الدولة الإسلامية كهدف الأهداف)، ومساهمات محمد عودة الذي يعتبر من المؤسسين أيضاً لفكرة التنظيم المركزي، ومنصب المرشد العام صاحب السلطات الواسعة، وقوفاً عند خليفة البنا الشيخ السيد قطب(مع تسجيل الفارق الكبير بينهما في عدد من القضايا الرئيسة) الذي تجاوز عمومية البنا إلى خصوصية الإسلام عبر مناداته بالحاكمية للإسلام وحده، وتكفيره، أو اعتبار المجتمع والدولة في مرحلة الجاهلية، واصطدامه مع ثورة يوليو، ثم إعدامه على هذه الخلفية ..

 

 هذه الحركة الإصلاحية ـ التنويرية التي رفضت الخوض في أمر(الحاكمية)، أو اعتبار الخلافة الإسلامية الصيغة الوحيدة للحكم، والتي تجنّبت زجّ الدين في السياسة، أو قصر شكل الحكم بنمط واحد .. قد انتشرت بزمن قياسي قصير، واستقطبت جموعاً متكاثرة من المتعلمين، وظهرت وكأنها تقتحم سدود التخلف والاستبداد والركود، كما أن تنظيماتها المبشّرة راجت في عدد من الدول الإسلامية، وبرز لها أتباع ومؤيدون مكافحون أشداء ضد الاحتلال الأجنبي والاستبداد المحلي بآن.. كما أن انعطافة محمد عبده : الإصلاحية ـ التربوية ـ التعليمية وجدت لها أنصارا كباراً في عدّة أقطار عربية ساروا على نفس النهج في بلدانهم، وعملوا على تطوير وسائلهم بالتركيز على فكرة : التعليم وبناء الإنسان : قاعدة للتطور ومكافحة الواقع والمستعمر، وكان عبد الحميد بن باديس وزملائه في جمعية العلماء المسلمين تعبيرا واضحاً عن هذه الحركية الإصلاحية، وخير الدين التونسي، والثعالبي، وغيرهم كثير في المغرب العربي والمشرق .

 

 لكن عوامل عديدة، متداخلة أدّت إلى فشل حركة الأفغاني، بينما انقطعت حركة محمد عبده الإصلاحية ولم تعط ثمارها المرجوة(لعوامل كثيرة يصعب الخوض فيها هنا)، ويمكن القول : أنها تحوّلت إلى سلفية متشددة كانت حركة الإخوان المسلمين، وما تفرّع، لاحقاً من تنظيمات إسلامية متشددة(جهادية)البديل . لقد انتصرت الأفكار التقليدية المتشددة، والماضوية السلفية(والسلفية أشكال وأنواع)، ولم تقم قائمة من يومها لحركة دينية تنويرية ـ حداثية توائم بين العقيدة والتراث وبين العصر ومعطياته وضروراته، وتنأى بزجّ الدين ومذاهبه في السياسة .

وفي حين كانت تلك الدعوات الإصلاحية، وإن غلب الديني فيها على القومي، تركّز على أوضاع العرب والعربية، وتدعو إلى الوحدة العربية.. حدثت، بعد ذلك، الخندقة بين التيارين، والتي تطوّرت إلى خلافات تناحرية بينهما ذهبت بعيداً، وطويلاً .

 

 ب ـ منحى حداثي ـ قومي، أقرب للعلمانية والأوربة ..

كنا قد مررنا في مقال سابق، بإيجاز شديد، على ملامح هذا الاتجاه، وذكرنا بعض رموزه الهامة .

لقد تضافرت مجموعة عوامل وظروف لولادة التيار القومي بتوجهاته العلمانية ـ الحداثية .

ـ فمن جهة أولى كانت أوضاع العرب مزرية في كل مجال وميدان، إن كان ذلك على صعيد موقعهم في السلطنة لجهة حقوقهم غير المعترف بها، أو على صعيد الوضع الاجتماعي الذي يتصف بشدة العسف والتهميش، وتعميم الأمية والجهل والفقر، وسط تناوب المجاعات الناجمة بدرجة رئيس عن سياسة الإفقار المقصودة : نتيجة مصادرة أرزاق الفلاحين وتوجيهها إلى الجيش، وإلى جيوب المتنفّذين والحكّام، وتفريغ الأرض والمدن من الشبان الذين سيق عديدهم إلى الحروب(خاصة الحرب العالمية الأولى)، وما لحق الأمة العربية من اضطهاد وجور، واللغة العربية من مهانة وإقصاء وطمس وتشويه، واحتلال أجزاء من الوطن العربي دون أن تستطيع السلطنة حمايتها : الجزائر ـ مصر والسودان ـ تونس والمغرب وليبيا ( بدايات وحتى نهايات القرن التاسع عشر..) ..

 

ـ ومن جهة ثانية : فقد بدت السلطنة وكأنها تعيش في عالم آخر شديد التخلف لا علاقة له بما يجري من تطورات تقنية وعلمية وعسكرية واجتماعية، ومن ثورات متعاظمة تدعو إلى انعتاق الإنسان والاقتصاد، وإلى إطلاق الحريات الديمقراطية على مدياتها الأوسع، بما يتجاوز الحريات الاقتصادية (دعه يعمل، دعه يمرّ)إلى الحريات الاجتماعية والفردية، وفصل الدين عن الدولة، وإيقاف تدخّل الكنيسة في الشأن السياسي . أي : إنهاء حكم الاستبداد والفرد، وبروز طبقات جديدة(البرجوازية) الصاعدة فابتعدت المسافة كثيراً بينها وبين أوربا، وكان هذا يعني أن السلطنة تنوخ، وأن زمانها قد أفل، وأن عصراً جديداً يفرض منطقه وأفكاره ونظمه سيقتحم العالم، ويهدّم أسوار الإمبراطورية ثم يحطّ رحاله فيها .

 

ـ ومن جهة ثالثة، فإن تلك الأفكار التي راجت وانتشرت(كالنار في هشيم الاستبداد) التقفتها بشغف تلك النخب العربية المتعلمة التي تلقى معظمها تعليمه في المدارس التي أشرفت عليها البعثات التبشيرية، أو في أوربا. إضافة إلى الفئات المتنوّرة من الوجهاء والتجار والأغنياء، وبشكل مهم وفاعل : عديد الضباط العرب الذين درسوا العلوم العسكرية في معاهد الجيش التركي وتخرّجوا برتب منه . ورغم قلّة عددهم، وارتباط عديدهم بالسلطنة، وبجملة المكاسب المحققة، إلا أن الإحساس القومي تغلب عند بعضهم فتمرّد، ورفض ما هو فيه( كان الضابط الشهير عزيز علي المصري عنواناً وملهماً)، ملتحقاً بالجمعيات والحركات والمنتديات الثقافية والسياسية، خاصة تلك السريّة التي لعبت دوراً مهماً في بلورة الركائز الرئيسة للشخصانية القومية العربية(العربية الفتاة بوجه محدد، والقحطانية، وجمعيه العهد السريّة، وغيرها)، والتي عملت على صياغة مهمات المرحلة المتدرجة من فكرة إصلاح السلطنة جذرياً من داخلها، ومنح العرب حقوقهم القومية واللغوية والثقافية، والتأكيد على العمل بالدستور المجمّد، وتحديد السلطات والصلاحيات، وصولاً إلى القطع الكامل مع السلطنة(بعد اليأس من محاولات الإصلاح وتجسيد دستور 1908، وبعد نجاح الطورانية التي ذهبت بعيداً في الشوفينية والتتريك، واحتقار العرب وحقوقهم، وضرب عرض الحائط باتفاقاتهم السابقة مع العربية الفتاة وغيرها من الجمعيات العربية)، والدعوة إلى استقلال ووحدة العرب، ثم التفكير بالثورة لتحقيق هذا الهدف الكبير : الحلم..(تمهيداً لقياكم الثورة العربية بقيادة الشريف حسين ومآلها المعروف) .

 

ـ ومن جهة رابعة.. يجب الإشارة إلى أن عديد هؤلاء الروّاد، بمن فيهم بعض الاتجاهات الدينية : الإسلامية والمسيحية واليهودية، وأصحاب فكرة الإبقاء على السلطنة كإطار جامع، بعد إصلاحها، كانوا متأثرين بالأفكار الغربية الجديدة : الليبرالية والعلمانية والمتنورة والحداثية، وبشكل خاص : بالحركات القومية التي عرفتها أوربا، والتي أنجزت وحداتها القومية، وبمقومات الأمم والقومية، وعوامل وجودها، وغير ذلك من الأفكار الجديدة التي لم تكن معروفة في المنطقة، ونزوع بعضهم إلى تطعيمها بنكهة عربية تتشدد في الأصول العرقية النقية، وفي اعتبار الأمة العربية أمة قائمة في الزمان والمكان، وهي أمة تاريخية عظيمة كانت أساس ومحرّك تلك الإمبراطورية العملاقة، والمساهم الرئيس في نشر الدين الإسلامي وانتصاره .

 

 بين الانبهار الذي يصل حد الانخلاع ـ عند البعض، وبين مزاوجة التراث بالعصرنة . العروبة بضمون تقدمي، والقومية بآفاق حداثية، والنظام الجمهوري بالعلمانية المتداخلة مع البعد الديني، خاصة الإسلام ودوره في كوننة الأمة العربية ووحدتها، وبين إحياء اللغة العربية، والتراث العربي الغني، وعموم أعمدة الثقافة العربية، والعربية ـ الإسلامية، وإدخال رياح الحداثة الأوربية المنشأ..

أخذ التيار القومي يشقّ طريقه، رغم التضاريس الكثيرة التي مرّ فوقها وعبرها، ورغم التماوجات والأمواج الصاخبة التي عاشت داخله، وواجهها.. وصولاً إلى ما يمكن اعتباره : أرضية المشروع القومي النهضوي الذي عرف تطورات نوعية في المرحلة التالية لمآل "الثورة العربية الكبرى"، واغتصاب فلسطين .

****

هنا، يجب تسجيل عدة ملاحظات تعتبر تأسيسية :

آ ـ لم تستمر طويلاً حالة الانبهار بالغرب، خاصة وأن عديد أولئك الروّاد كان شديد الوطنية، وشديد الحذر من المطامع الأوربية في البلدان العربية وقد نبّه بعضهم صراحة إلى ذلك . وبالتالي : فإن حجم الأوربة في التيار العروبي الذي أخذ مرتسماته الأوضح لم تكن قوية . ومن الملاحظ أن تلك الغلبة للاتجاهات المتأوربة لم تدم طويلاً حيث نما، وتأصل الاتجاه القومي ـ العروبي، وقد أصيب بالتشدد وردود الفعل في عديد أوجهه ومضامينه نتيجة الاتهامات التي وُجّهت له، أو كنوع من الدفاع عن الذات، وعن الهوية القومية المهددة بالتقسيم والمسخ والضياع . وقد لاحظنا أن تغليب العروبة قاد إلى نوع من العنصرية الممجدة للعرب، والمهملة لأصول وحقوق وواقع عديد المكونات غير العربية في تشكيل الأمة، أو حقوق الأقليات القومية كتنوّع موجود، وواقع قائم .

 

ب ـ لقد جرى خلط كبير : مقصود، أو نتيجة البلبلة بين مفهوم العلمانية كما طرحتها البرجوازية الغربية، والقاضية بفصل الدين عن الدولة تماماً، وإبعاد رجال الكنيسة عن التدخل في الشؤون السياسية، بما في ذلك الإلحاد الصريح وظهور عديد المدارس والمذاهب المادية والوجودية وغيرها، وبين استخدام المنهج العلمي، والعقل في فهم الظواهر، وفي التحليل والتركيب وصياغة المهام والبرامج، وعدم توريط الدين في الاستخدام السياسي . ويلاحظ، هنا، أن العلمانية العربية(إن صحّت التسمية) لم تكن تكفيرية وإلحادية، ولا يعني شطط بعض المحسوبين عليها أنها كذلك، لأنها ببساطة أرادت إقامة نوع من توليفة خلائطية بين التراث الذي ينهض الدين، والإسلام فيه على وجه التركيز، بدور هام يتجاوز ظاهرته الشعبوية، وحجم المؤمنين به إلى الاعتراف بدوره البارز في مسار العرب، وفي توحيدهم وإقامة دولتهم المركزية، وفي حماية هويتهم ولغتهم من المسخ والانقراض، وبين مفهوم الحداثة، ومعطيات الحضارة البشرية باعتبارها ملكاً عامّا لا تخص منطقة أو شعباً، ولا يمكن لأحد احتكارها، أو منعها، كما لا يمكن الهروب منها ومن تأثيراتها الواسعة، وبضائعها الفكرية والفلسفية والصناعية وغيرها .

هنا لا بدّ من تسجيل ملحوظة بارزة، هي أن تلك الحركة القومية ـ الإصلاحية'بمعظم تلاوينها وتنوعاتها ومدارسها) خاصة الحداثية ـ العلمانية فيها، إنما وجدت تربتها الأخصب في بلاد الشام والعراق على وجه الخصوص، بينما لم تكن بهذا الوضوح، والزخم، والبعد القومي في عموم البلدان العربية الأخرى .

ج ـ لقد نظر البعض إلى الغرب على العموم، والإنكليز منهم على وجه الخصوص، كأصحاب رسالة عالمية عنوانها : حرية وحقوق البشر، وأهل ثقة فيما يقولون ويتعهدون، بل وصديق للعرب، وافضل جهة يمكن التحالف معها لتحرير البلاد العربية من الاحتلال التركي، وإقامة(مملكة العرب الموحدة)، وكان هذا بارزاُ، على سبيل المثال، في رأي ومواقف ودور(الأمير عبد الله بن الشريف حسين) وبعض دعاة التعاون مع بريطانيا للخلاص من نير الاحتلال التركي(وقد أسهم الأمير عبد الله بدور مؤثر في إقناع والده بالتعاون مع الإنكليز وبدء المباحثات معهم، وفي التخفيف من حذره ومخاوفه من أطماعهم، ومحاولة التغلب على تردده إزاء ما كان يظهر له في محادثاته مع مكماهون من خبث وتلاعب وغموض)، بينما كان عديد روّاد الحركة القومية شديدو الوضوح في عدم التورّط مع الإنكليز أو غيرهم، وقد أعلنوا ذلك بالصوت القوي، وحاولوا، ما أمكنهم التأثير، منع الشريف حسين من المضي قدماً في ذلك التعاون، خصوصاً بعد نشر نصوص اتفاقية(سايكس ـ بيكو) من قبل لينين(بعد انتصار الثورة البلشفية)، وتسليم جمال باشا(السفاح) لنسخة منها إلى الأمير فيصل وهو في زيارة لسورية . لكن مجموعة العوامل : الذاتية والعامة دفعت إلى مدّ اليد للإنكليز كحلفاء ومخلّصين مخلصين.. فكانت(محادثات الشريف ـ مكماهون) والاتفاق الذي أعلنت الثورة على الأتراك من خلاله، في حين كان الإنكليز والفرنسيين، ومعهم الروس يوقعون اتفاقية (تقسيم تركة الرجل المريض فيما بينهم، ويمنحون الصهيونية فلسطين لتكون" الوطن القومي لليهود") .

 

 لقد دللت قيادة الشريف حسين، ومعه بعض النخب والقيادات، على مستوى البساطة والبداوة في التعامل مع الآخر الأجنبي، وخلط الخلقي، المبدأي بالمصالح وعلم السياسة وألاعيبها، بل عدم التمييز بينها.. بما أدى إلى تجويف الثورة العربية من أهدافها الرئيسة، وإيصالها إلى تلك النهاية المأساوية حين رفض الشريف حسين، ومعه تلك النخب القومية، الانصياع للمطالب الإنكليزية، خاصة في موضوع فلسطين، والوحدة العربية المتفق على إقامتها ضمن رقعة بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، وحدود الأرض العربية من جهة تركيا، فحوصر الشريف، ثم رُفع الدعم عنه، بينما مدّت بريطانيا يد المساعدة لمنافسيه الذين قبلوا شروطها، فطردوه من نجد والحجاز، لينتهي منفيّاً منبوذاً لا يجرؤ أولاده على قبوله بينهم .

د ـ وإذا ما واجه الاتجاه الإصلاحي الديني تلك النهاية المقطوعة. أي بعثرته وتلاشيه، وتحوّل فئات منه إلى اتجاه متشدد يخالف روحيته ومبتغاه.. فإن تيار النهوض القومي الذي وقف إلى جانب الثورة العربية، وعملت عديد رموزه في صفوفها وصحفها.. واجه، بدوره، مآلاً فاجعياً، وإن لم ينقطع تواصله كسلفه، حيث أن انكشاف تآمر الغرب على الاتفاقات المعقودة، وبدء عملية اغتصاب فلسطين، وترجمة(اتفاقية سايكس ـ بيكو) باحتلال سورية والعراق وفصلهما، وتقسيم بلاد الشام بتلك الطريقة، ورخاوة ومساومات، وانصياع (الأمير ـ الملك فيصل)، وقبوله اللقاء مع حاييم وايزمان ـ الزعيم الصهيوني، بضغط وإغراء وتوريط الجاسوس الشهير(لورنس)، وعدم وضع الجمعية الوطنية السورية(مجلس النواب) بصورة مداولاته في جولاته الأوربية، وحضوره مؤتمري فرساي وسان ريمو اللذان كانا يناقشان أوضاع البلدان العربية( بلاد الشام والعراق) ، ثم الموافقة على إنذار غورو، خلافاً لرأي الوطنيين العرب، ولمعظم وزراء حكومته السورية.. كل ذلك كان صفعة قوية لرواد حركة النهوض القومي التي تخلخلت وتفرّقت باتجاهات مختلفة، حيث أن عديدها آثر الانزواء ورفض النتائج، وبعضهم أصيب باليأس والإحباط، بينما آثرت بعض الفئات مواصلة خط التسوية والتصالح مع الأوربي، حتى بعد أن احتلّ البلاد، في حين رفعت بعض الفئات راية المقاومة ضده، أو ركبت عليها ونجحت في تجييرها لصالحها، ثم وراثته بعد رحيله ..

 

 لكن النتيجة العامّة.. أن تلك الحركة، بشقيّها : الإصلاحي والقومي : العلماني أصيبت بالعجز، وأثبت عدم قدرتها على الانتقال بمشروعها الذي نادت به، فناخت تحت حمله، وحدث فيها ما حدث .

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ