-ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الخميس 04/03/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


"..نحن " وإيران ..

جلال عقاب يحيى

    "قصة" الحالة الإيرانية، وخلفيات تناولها حكاية متشابكة الخيوط، كأنها واحدة من الألغاز الثقيلة التي لا يعرف كنهها سوى القليل، بدليل هذا الخلاف والاختلاف في المواقف والتحليلات، والتقديرات حتى بين من يفترض أن يكونوا في خندق واحد  : خندق المقاومين والمعارضين والممانعين، ناهيك عن خنادق" المعتدلين" والفاترين، والمتأمركين، وقوافل" الليبراليين" وغيرهم .

      المسافة بعيدة بين الأطراف(العربية) بشأن الموقف من (الحالة الإيرانية)، والخندق يتسع، وكهف مخزون التفاسير والاتهامات عميق، وسراديبه كثيرة الاتجاهات والمقاسات .

     بين من يعتبر إيران عدواً رئيساً، وخطراً ماحقاً، شاملاً يتجاوز الخطر الإسرائيلي والأمريكي (وسواهما)، ومن يعتبرها حضناً وحاضنة، وداعماً أساسياً، ورأس حربة معسكر المقاومة والتصدي، و ( الممانعة) والمصارعة، وأنموذج الحكم الإسلامي ـ الثوري ـ العقلاني ـ الديمقراطي(وربما المتنوّر )، وصاحبة المشروع البديل، المناهض للكيان الصهيوني والوجود الأمريكي ـ الغربي في المنطقة..

    فرق يصل الذرى، خاصة وأن كل فريق يقدّم المسوّغات والبراهين(الدامغة) التي تؤكد(موضوعية) الموقف، ومضامين التحليل.. إلى درجة أن كثيراً من المهتمين يدوخون حتى الزوغان، ليتسع خندق الخلاف بين أبناء المعسكر الواحد(كأنّ ذلك أحد الأهداف المركزية للعبة الطميمة هذه) . والعجيب أننا نجد في معسكر المؤيدين، والمبهورين، والمتعاطفين متطرفين يساريين ناريين لا يقبلون(في حالات مخالفة) أن تقف ذرة غبار على نقاوة وصرامة الأفكار التي بها يؤمنون، ناسين، أو متغافلين أن جوهر النظام ديني، وأنه يعتمد، دون لبس، أو "تقيّة" أديولوجيا دينية صريحة، بل ومذهبية معروفة بشدّة تشددها، وبجانبها اللاهوتي الخاص الذي أقامته قرون الاختلاف مع السنة، وموجبات التمايز عن الفرق الإسلامية الأخرى، وأن ما يتحدثون به عن الاستبداد(الشرقي ـ المؤبّد) المُدان.. هو هنا جزء من منظومة فلسفية ـ فكرية ـ سياسية تفوّض، علناً، المرشد العام(ولي الفقيه شبه المعصوم، بله المعصوم) بصلاحيات مطلقة لا حدّ لها، تتجاوز كل صلاحيات الهيئات المنتخبة(الرئيس ـ مجلس النواب) لأنه المخوّل بتجميد وإلغاء قراراتها، بل وحلّها إذا ما أراد، وأن الرئيس نجاد، عدا عن خطبه اللاهبة عن محق وسحق وإزالة"إسرائيل" والتي لم تجد مرتسماتها(حتى الآن على الأقل) على الأرض، يدخل، واعياً سرداب اللاهوت الميتافيزيقي والماورائي، وكأنه أقرب للمنجّم منه للسياسي، وهو يتنبأ بالظهور القريب للمهدي(الإمام الغائب والمغيّب)، ويُرجع سبب تأخير قدومه إلى الولايات المتحدة الأمريكية : العدوة، الخبيثة(كأنها فوق إرادة، وقوة القدوم والقادم) !!! ..

 

بالمقابل، وأمام تهافت الوضع العربي، وفوات، ونخر، ونحر المشروع القومي النهضوي، وتفتيت حتى صيغ التضامن العربي الرسمي البائسة، المصلحية، ووجود فراغ(سديمي) لا أثر للعرب وتأثيرهم فيه، ووقوع الوطن العربي تحت الاحتلال المباشر، والخضوع، والذيلية.. يبرز الدور الإيراني وكأنه البديل، المنقذ، المتصدي للكيان الصهيوني وعربداته، وللوجود الأمريكي المباشر في منطقتنا..(العناوين كثيرة وصاخبة عن الدور الإيراني)، ثم قصة السلاح النووي والتجاذبات المتماوجة أيضاً، وفصول التوقعات والاحتمالات، والغوص من جديد في أسباب انتظار أمريكا و"إسرائيل" كل هذه السنوات على تطور إيران النووي دون أن تجابهه بضربة ماحقة لمفاعلاتها، كما كان شأن مفاعل تموز العراقي، وبدايات النظام السوري في هذا الميدان، لتشتعل أوتار المناقرات والاجتهادات بين الأفرقاء العرب، وكلّ يقدّم تفسيرات معارضة للآخر .

بالمقابل، أيضاً، فأهل العراق المقاوم(بكل تنوّع وتعدد فصائل المقاومة)، والوطنيين العراقيين، والقوميين(داخل وخارج "العملية السياسية" ـ بما فيهم اتجاهات من أصول شيعية عربية)، يتحدثون ليل نهار عن (المشروع الفارسي)، وعن الدور التخريبي، الخطير الذي تقوم به إيران في العراق، ومعظمهم يجمع على اعتبار الخطر الإيراني رقم واحد، ويصنّفه على أنه أكثر خطورة من الخطر الإسرائيلي(مقدّماً براهينه على ذلك)، وتمتلئ المواقع الألكترونية وغيرها بكتابات يومية عن هذا ( الوباء ) الإيراني، وعديدها يُرجعنا إلى صفحات التاريخ الموغلة(قبل الإسلام) للدخول إلى حقل ألغام الصراع الفارسي(المجوسي) ـ العربي، ومؤامرة الفرس التي لم تتوقف، و"الشعوبية" المرتدية حللاً تآمرية متنوّعة، وصولاً إلى ما جرى للعراق، وما يحدث يومياً فيه، وفي الأمة (لبنان وسورية وحماس واليمن.. وربما السودان أيضاً، والقائمة مفتوحة على جميع بلدان الخليج المرشحة لخلخلات داخلية قوية، وحتى مصر وبعض بلدان المغرب العربي ...) .

     نفس أصحاب هذا الاتجاه، أو بعضهم، يرتبكون عند تناول ما قام به حزب الله في لبنان، بتحرير الجنوب، والتصدي للإعتداءات الصهيونية، وصموده البيّن في حرب تموز/2006/، وكذلك في تلك العلاقة الخاصة بين النظام السوري والإيراني، (علاقة تتجاوز السياسي، والمصلحي، وبالتالي : تلك المراهنات المراهقة، الغبية، أو الملغومة على فكفكتها)، فيصمت البعض، ويشير آخرون إلى ما هو أعمق من اللوحة الظاهرة(الحالة القومية الطائفية الحاملة لمشروع تطييفي كبير وخطير)، أو إلى الدخول في تفاسير الطميمة وتحت الطاولة(والمخفي أعظم) ..

****

قبل أكثر من عام كتبت مقالاً بعنوان:" إيران في موازين عربية"، حاولت، قدر المستطاع تجنب الدخول في مطبات المواقف المسبقة، والتصنيفات الرائجة، للوقوف عند ما أراه جوهر الموقف الإيراني ونقاط استناده، وجوانبه التسويقية والتكتيكية، ومفارقاته في النظرة والتعامل من ومع بعث العراق وبعث سورية، ومن النظامين فيهما(النظام السابق في العراق).. وصولاً إلى الدور الحقيقي له أثناء وبعد الغزو الأمريكي للعراق، وموقع حلفائه وعملائه وامتداداته منه، واختلاط اللوحة تماماً، بما يسمح لكل من يريد الغوص أن ينتشل الكثير من هذه البحيرة ووقائعها وموجوداتها ..

أحياناً، وأمام مغالاة المريدين، والمعارضين، وأمام بقية ما تبقى من أحلام متناثرة(تبخّر معظمها) تخصّ الأمة ومستقبلها، يتمنى أحدنا لو وضع حجاباً كثيفاً على العقل والوقائع المحرْضة كي يُقنع نفسه بالوجه الآخر للموقف الإيراني الذي يبدو(في هذه الحالة) شديد الإشراق، والوضوح، والقوة، فهو يطرح علانية العداء الجذري للكيان الصهيوني، مع خطاب ناري عن زواله يذّكرنا ب(أيام زمان) الخطاب القومي الملتهب، ويعتبر أمريكا الشيطان الأكبر، ويدعم حركات المقاومة بوسائل وأشكال متعددة . وفي ميدان التسلّح النووي فإن من حقّ إيران وغيرها من الدول العربية والإسلامية أن تمتلكه، خصوصاً وأن العدو التاريخي للعرب(والمسلمين) يمتلك ترسانة هائلة تتجاوز مئات الرؤوس .            وحتى إذا ما عرّجنا على الجانب الديني وتطبيقاته الرسمية نلاحظ نوعاً من العقلنة والانفتاح والحداثة في الخطاب والعلاقات والتحالفات، وما يشبه الانتخابات الديمقراطية في الرئاسة واختيار النواب(رغم أنها معابة جوهرياً باقتصارها على أهل الدين المعترفين بصيغة " ولاية الفقيه" وتتماتها، ومشروطة بأثقال كثيفة مانعة للتعددية وحرية الرأي والتحزّب)، وذلك التنظيم القوي، المتشابك القادر على الحشد والتعبئة والتجييش، المستند إلى شبكة قوية(قاعدية ـ متصاعدة) تقدّم الخدمات المختلفة، وتؤمّن إعداد الإطارات التعبوية اللازمة..

وإيران في الأول والأخير لديها مشروعها الطموح، مشروعاً نهضوياً يريد الانتقال بإيران إلى قوة معتبرة تتجاوز الجانب التسليحي، والعسكري إلى عموم الميادين، انطلاقاً من الاعتماد على النفس وتحقيق الاستقلال الفعلي في الاقتصاد والإنتاج، وفي توزيع الثروة ....

    لكن، إذا ما دخلنا الأغوار، وإذا ما حاولنا قراءة اللوحة من زاوية، أو وجوه أخرى، يمكن الوصول إلى تفاسير، وآراء مختلفة تماماً عن تلك، خاصة وأن ما جرى للعراق،(وقبله أفغانستان.. بشكل ما)، وما قامت وتقوم به إيران وأعوانها فيه يُبرز شيئاً آخر يسمح لمنطق الاتهام أن يتبحبح وينتشي وهو يُمسك بالكثير من الوقائع الدامغة، كما يمكنه المضي بعيداً في رسم تصورات(استراتيجية) عن المغازي والأبعاد والخلفيات .

     بعيداً عن دور إيران التسهيلي في إنجاح غزو العراق، والضغط لإطلاق فتاوى مهادنة الغازي وإلقاء السلاح(وغيره كثير)، واحتلاله، وتدمير الدولة العراقية(وهو دور مهم كما اعترف به بعض المسؤولين الإيرانيين)، وهو على كل حال يتلاقى مع أدوار قذرة مباشرة لجلّ النظام العربي، الذي انطلقت من بعض أراضيه وأجوائه ومياهه الإقليمية جحافل العدوان وطائراته وصواريخه (عدا عن الدور التآمري المفضوح : السابق للغزو، واللاحق)، بما يسوّغ المقولة الإيرانية في التخلص من عدو شرس حاربها لأزيد من ثماني سنوات .

 

فإن الموقف الإيراني من مرحلة ما بعد الاحتلال لا يمكن تسويغه، وتسويقه تحت أية مسميات تكتيكية، أو مصلحة ذاتية . فالشيطان الأكبر حُرُمٌ مُحرّم التعامل معه، ومساعدته، والسكوت عن جريمته الآثمة باحتلال أرض إسلامية تقع في الجوار، والجهاد ضدّه لا يحتاج إلى فتوى، أو تفسير .. مع ذلك تعاطت إيران، بشكل مباشر، وبشكل فاضح عبر أعوانها وصنائعها(حزب الدعوة ـ المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ـ ثم عبر حركة الصدر وتماوجاتها، وعبر عديد الصيغ والتواجدات) مع المحتل ومنحته نوعاً من الشرعية والتغطية التي يحتاجها، وأسهمت في منع الانتصار عليه بوقت مبكر .(ملف الاتهامات في هذا المجال كبير وثقيل)، بما يتجاوز كل تبرير محتمل عن المصالح الإيرانية، والحقد على البعث العراقي وأمينه العام، ونظامه(العلماني)، وعن النفوذ داخل العراق، واستخدام هذا النفوذ للضغط والحماية، والمقايضة، إذا لزم الأمر، أو تلك الدعاوى الغريبة عن (التجربة الديمقراطية العراقية ـ الأنموذج)..

الحالة العراقية فتحت أعين الاتهام إلى مداها، وسوّغت حتى للمتطرفين والمتعصبين العرب، والسلفيين المتشددين أن يغوصوا في أمواج التاريخ : توليفا وتفسيراً واتهاماً، وصولاً إلى بيت القصيد الإيراني الارتكازي : القومي ـ المذهبي، واعتباره المحرّك، والجوهر في كل حركة، وتكتيكات وسياسات النظام الإيراني، يلتقي بذلك مع دور النظام الشاهنشاهي، ومع الطموح القومي العميق بإعادة أمجاد فارس : قوة إقليمية معتبرة، منافسة، ومشاركة، ومحاصصة، ما لم تكن سيدة الخليج، وصاحبة القرار الأساس في هذه المنطقة الجيونفطوية ـ سياسية الحيوية .

بالطبع من حق إيران أن تفتخر بتاريخها وإمبراطوريتها السابقة، وأن تقوّي عوامل قوميتها الفارسية،(رغم التعدد الإثني الكبير فيها)، ومن حقها أيضاً أن تمتلك مشروعاً طموحاً لبناء دولة قوية : مستقلة، مهابة، لها شأنها في منطقة من أهم مناطق العالم، وقادرة على الدفاع عن نفسها إزاء مخاطر خارجية حقيقية، ماثلة بشكل دائم، وبالتالي : فامتلاكها السلاح النووي واجب وحق(حبذا لو الدول العربية نهجت نهج إيران) ..

ومن حقّ إيران أن تعتنق المذهب الذي ترتأيه وتختاره، وأن تعمل على نشره وتسويقه وتعميمه، وهو أمر تفعله معظم النظم والحركات، وأن تعتبره الإسلام الحق، والبديل الأنجع .....

لكن المشروع القومي الإيراني في تطلعه إلى السيادة على المنطقة، يأتي على حساب العرب من وجوه كثيرة، ناهيك عمّا يحمله ـ علنياً ـ من أطماع توسعية يعتبرها جزءاً من إيران التاريخية : بدءاً بالخليج الذي تصرّ إيران الإسلامية على تسميته بالخليج الفارسي، ووصولاً إلى معظم دويلات وإمارات الخليج العربي التي تعتبرها إيران(كما حال الجزر الإماراتية الثلاث) جزءاً سليباً منها، وبما في ذلك أجزاء من العراق . هنا يبتعد، أو ينفصل الديني عن القومي ليظهر الأخير عارياً عن الأديولوجيا ونقيضاً لها ، لكنه يعود لركوبه كلما احتاج الأمر تسويقاً مناسباً ..

 

والجانب الديني(عدا عن مخاطر وسلبيات الحكم الديني، والركوب على الإيديولوجيا الدينية وتطويعها واستخدامها لصالح قوى سياسية ـ طبقية، مهما ارتدت من عباءات، ومهما رفعت من شعارات، وخلطها بطريقة غامضة مع المشروع القومي، واستخدامها لصالحه عند اللزوم، أو فصلها وقت الحاجة)، فإنه، والحالة الإيرانية، مذهبي، أي : انقسامي، تقسيمي(بغض النظر عن النوايا) يحمل في صلبه عمليات التفتيت والشرذمة، بل ما هو أكثر وأخطر : الحروب الأهلية الداخلية والاحتراب العنيف الذي يمزّق المنطقة بطريقة غريبة، ويزرع فيها أحقاداً مُشبعة برائحة الدم، والقتل، وثارات التاريخ، بما يؤدي إلى تشقيف عمودي عجزت عن تحقيقه جميع الاستراتيجيات المعادية .

    ربما يقول قائل : من حق إيران، وكل مسلم أن يختار المذهب الذي يقتنع به(وهذا حق لا بدّ من الإقرار به في صلب حرية الاعتقاد لجميع المواطنين)، وأن المذهب قديم، وعطاءاته كثيرة في منعرجات التاريخ(لن نناقش الصوابية ومن هو الأحق فتلك مسألة تدخلنا مستنقع الاحتراب).. وكل هذا صحيح من حيث السياق العام، والمظهري، لكن عندما يتحوّل الصراع في المنطقة(أرادت إيران، أو من حيث النتيجة ـ ولا نعفي الآخرين ـ خاصة المتشددين الإسلاميين، والمُخترقين الكثر من قبل التخلف، والخارج، والعقل الاستبدادي) إلى صراع مذهبي فإن الأمر يتجاوز كل حقّ ومشروعية ليصبّ مباشرة، ومن حيث النتيجة في مجرى أعتى الاستراتيجيات الصهيونية ـ الغربية المعادية التي ترمي إلى تقسيم الوطن العربي والعالم الإسلامي شذراً مذراً، من داخله، وبأسلحة صدئة، لكنها قاتلة، مجرّثمة بشكل فتّاك، تحمل الحقد الأسود، والفرقة، والتطييف .(وتلك بعض نتاجات العقل الديني وحكمه) .

    في هذا السياق، فإن ركوب المظلمة التاريخية وإسقائها يومياً بحقن الكره ضد الآخر، وإحياء الجانب الكالح من التاريخ العربي ـ الإسلامي : تاريخ الاقتتال والصراع المذهبي، وتاريخ التأويل المناسب، وتاريخ الأحق، والتذكير بالمظالم والمذابح والمجازر والفظائع(وجميعها حدثت، وإن اختلفت قراءة أسبابها، ومبرراتها)، ثم حقن الأجيال الجديدة بمفاعيل تلك المظالم(وهي حالة لا تقتصر على شيوخ المذهب الشيعي وحسب، بل لدى المذهب السني من هو أكثر شدّة، وتكوّراً، واستسهالاً في إطلاق أحكام التكفير، ونعوت المروق، والخروج من الدين.. وغير ذلك).. إنما تخلق المناخات اللازمة لحروب الحقد، وانتقامات الدماء( وما جرى في العراق شاهد كبير ـ في هذا الجانب)، حيث تشتعل الكثير من الأقطار العربية بنيران الاستعداء المشترك(نيران ظاهرة، أو تحت رماد الخوف من بطش السلطات، أو انتظاراً للفرصة المناسبة)، وبما يرشحها لمزيد من التفسخ والحروب الطاحنة، وعلى الأقل : حرف أنظار الشعوب عن أعدائها الطبيعيين، وعن مشاكلها الحقيقية، وواجباتها في التغيير، وفي التقدّم، والتحديث، ودخول العصر، ناهيك عمّا في هذه العملية (الشغّالة بتنهيج وفعل وردّ فعل متوترين) من ارتجاع ورجوع ونكوص، وتخلف وتجهيل، وكأننا نعود بالزمن قروناً، كأننا اليوم في (معركة الجمل)، أو (صفّين)، وربما (اجتماع السقيفة)..أو (كربلاء) وكربلائياتها.. طالما أن التوظيف علني، وهادف، وطالما أن النتائج تغطي وجه عديد الأقطار العربية، وتحوّل شباباً كثراً(بما فيها نخباً ومثقفين ورجالات دين بالآلاف)إلى كتل حقدية مستعدة لذبح الآخر ونحره(ما يجري في العراق بعض برهان) ..

هذه الحالة التأجيجية.. تتحمل إيران(وأتباعها) مسؤولية مباشرة فيها، مثلما تتحمل الأطراف الأخرى(السنيّة) نفس القدر من المسؤولية، وهي وضعية تضع جميع الشعارات الأخرى في ميزان الشك، وكهف الاتهام، لأنه لا يمكن لخط الاحتقاد، والتعبئة الطائفية، مهما بدا جميلاً ونارياً، واقتحامياً، أن يؤدي إلى نتائج إيجابية، أو أن يكون في مواجهة قوى الأعداء ومشاريعهم(خاصة الصهيونية). على العكس، فإن الحصائل : المباشرة، ومن حيث النتيجة، والخط الآفاقي تصبّ مباشرة في صلب الاستراتيجية المعادية(خاصة الاستراتيجية الصهيونية) القائمة على التفتيت والتشقيف والاحتراب الداخلي، دونما حاجة للتأكيد بأن ما يجري هو أخطر عمليات التمزيق الذي لا تقف آثاره في مجال واحد، ولا بشكل محدود، وإنما تمتدّ إلى عمليات استنزاف ماحقة، ويمتدّ مفعولها الحقدي عقوداً.. بما يمزّق ما تبقى من وحدات وطنية مترهلة، صورية، وقسرية في العديد من وجوهها، ويفتح الطريق أمام المزيد من الدماء والدمار والخراب .. والتلاشي .

****

إن أسئلة كثيرة ـ مشروعة ـ تطرح نفسها في هذا الجانب وغيره، حول وعي القيادة الإيرانية لفعل التأجيج المذهبي(ليس كردّ فعل فقط، إذ يفترض فيمن يكون حاكما، ويدّعي حمل برنامج مقاوم لأمريكا والصهيونية أن يرتقي فوق حقول الألغام الخطيرة، وأن يكون متبصّراً بالعواقب)، وبالوقت نفسه تمتدّ الأسئلة حول حقيقة الموقف من فلسطين، ومدى الاستخدام والركوب من فعل الفعل، وحقيقة المشروع القومي(آخر القرارات الإيرانية : إجبار الطيّارين العابرين للأجواء الإيرانية باستخدام مصطلح الخليج الفارسي وفقط، وعدم استقبال أية طائرة تستعمل اسماً مخالفاً !!! ـ لا ندري ماذا سيكون موقف الأنظمة العربية، خاصة القومجية والممانعة )  ..

إن إيران جار أبدي للعرب، وبينها وبينهم مشتركات كثيرة : التاريخ والدين والجوار، وحتى التركيبة المشابهة، والهموم المشتركة.. وكان يُفترض، في جميع المعنيين، وأولهم قادة النظام الإيراني(باعتبارهم أصحاب مشروع يعلنون فيه إسلامهم ومحاربتهم للأعداء الأساسيين للعرب) أن يلتفتوا إلى تلك المشتركات لتقويتها عبر المزيد من تمتين العلاقات البينية، وعلى قاعدة ترشيد وعقلنة الشطط الديني والمذهبي (نجاد صلّى في زيارته الأخيرة لدمشق خلف إمام سني ولا ندري موقع وتفسير هذه الحالة من الحقيقة ودوافعها بالضبط) ليكون عامل تجميع وتقارب، وليس عامل تمزيق وتحارب، والأمر نفسه ينسحب على المواقف ذات المنشأ القومي التعصبي التي تناقض جوهر الدين الجمعي .. وذلك من خلال مواقف عملية لا تقبل اللبس، والدخول في متاهة التفسير، و"التقية"، إن كان بإرجاع الجزر العربية الإماراتية الثلاث(مثلاً)، أو بقبول تسمية وسط للخليج(الخليج الإسلامي)، ومنع حملات فتح طيّات التاريخ والنكش فيها للتوظيف والتعبئات الحاقدة(بما في ذلك شتم خلفاء وصحابة، وشطب ذهني لتاريخ وتركيبه حسب الأهواء والرغبات...) ..ناهيك : بدءاً، وعلى طول مسافة تحرير العراق من المحتل، من ترجمة المواقف المعادية للشيطان الأكبر على أرض العراق باعتماد المقاومة، ودعمها، واحتضانها، وليس العكس، والتمسّك بوحدة العراق الترابية والسكانية، وليس خلاف ذلك ..

حينها يمكن للحالة الإيرانية أن تكون رافعة هامة للوضع العربي المتهاوي والمنخور، ويمكن أن تساعد فعلاً بنهوض المشروع الوحدوي العربي، الديمقراطي، النهضوي.. لتشكيل جدار قادر على صدّ الاستراتيجيات المعادية ودحرها، ووضع العرب وإيران في موكب العصر : قوى مستقلة، مُحتَرَمة، فاعلة .

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ