-ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الخميس 11/02/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


إيران.. ونذر الحرب 

الاحتمالات دوليا.. والرادع إقليميا

نبيل شبيب

ازدادت حدة التهديدات المتبادلة وأعلن عن الحشود العسكرية، فهل بدأت مقدمات حرب جديدة تستهدف إيران، أم أن الصواريخ والبوارج الحربية باتت جزءا من التراشق بالكلمات لاستخلاص أقصى ما يمكن تحقيقه على مائدة المفاوضات؟..

هل يريد أوباما، حامل جائزة نوبل للسلام دون مسوّغ مقبول، أن يحمل على عاتقيه أعباء مغامرة عسكرية أكبر مما حمل سلفه، أم يريد تشغيل مصانع السلاح الأمريكية التي كان تشغيلها على الدوام جزءا من مخططات مواجهة فترات الركود الاقتصادي في الماضي ومدخلا إلى فترة انتعاش اقتصادي جديد؟..

التسرع في الجواب يعني التسرع في التعرض للخطأ في التقدير، كما أن التهاون في تقدير الخطر الحقيقي خطأ أكبر. وتوجد عوامل عديدة ترجح الحرب وأخرى ترجح عدم نشوبها، وقد توصل الموازنة بينها إلى صورة أقرب للصحة للتوقعات المرجحة.

 

السياسة الداخلية الأمريكية

كان قرار العدوان الحربي خارج الحدود مرتبطا في الولايات المتحدة الأمريكية على الدوام بتقلبات السياسة الداخلية. ويواجه الرئيس الأمريكي هبوطا في شعبيته تجاوز به جميع أسلافه في العام الأول من السلطة، ويواجه عودة الغالبية لصالح الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ومتطلبات ما يسمى الانتخابات النصفية قريبا.

وما يزال التيار الذي يعتبر إيران عدوا لدودا يجب "كسر شوكته" انطلاقا من الاندماج الصهيوأمريكي الداخلي، هو التيار الغالب في الحزبين الجمهوري والديمقراطي وعبر وسائل الإعلام الأمريكية، ورغم كل ما يقال عن رغبة أوباما في دخول سجل تاريخ الرؤساء الأمريكيين أنه رجل سلام وليس رجل حرب، فقد أثبتت الساحة الأفغانية نقيض ذلك، وكان مؤشر شعبية الرؤساء الأمريكيين منذ مائة عام وأكثر يسجل على الدوام -إلا نادرا- ارتفاعا مرافقا لحلقات مسلسل الحروب العدوانية التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية، وجميع ذلك يرجّح اتخاذ قرار بالحرب.

إنما ظهر -منذ حرب فييتنام على الأقل- أن طول أمد الحرب يؤدي إلى رد فعل سياسي وشعبي معاكس، ولعل الرئيس الأمريكي الحالي ينطلق من ذلك فيخطط لعدوان عسكري قصير الأمد ضد إيران، وقد يتورط -رغم ذلك- في حرب طويلة وخاسرة، وهو ما يرتبط بالطرف الآخر-ولن يكون الطرف الآخر "إيران" فقط- وليس بالسياسات والإمكانات الأمريكية وحدها. 

 

بين الركود والانتعاش اقتصاديا

السؤال عن المكاسب والخسائر في أي حرب أمريكية كان في الدرجة الأولى سؤالا اقتصاديا ماليا محضا، ويوجد في الولايات المتحدة الأمريكية من الشركات النفطية وسواها من يعرب عن الانزعاج من سياسات المقاطعة والحصار تجاه إيران، وقد يوجد في إيران من يعوّل على ذلك، إنما كانت هذه حالة مشابهة للموقف من المقاطعة والحصار تجاه العراق، فالسؤال المطروح في مطابخ صناعة القرار الأمريكي بخلطته الجامعة للعناصر السياسية والعسكرية والاقتصادية معا، ليس مطروحا بصدد خسائر آنية ناجمة عن إجراءات مقاطعة تستخدم الاقتصاد وسيلة لتحقيق هدف سياسي (وهو ما يزعم الغرب معارضته.. عندما يصنع ذلك آخرون تجاه دوله وشركاته!) إنما هو السؤال المطروح بدم بارد -كما يقال- عن قابلية تحقيق مكاسب كبرى بعد الحرب، سيان كم تسبب من ضحايا بشرية، فالأمر الأهم بذلك المنظور هو أن تحقيق "نصر عسكري" يعني السيطرة على القرار الاقتصادي في البلد المستهدف، كما حدث في العراق، وأن "التدمير الكبير" يتحول إلى بوابة كبيرة الحصول على طلبات ضخمة لإعادة البناء، وإيران بهذا المنظور "غنيمة كبرى"، حتى بالقياس للعراق، وعلى قدر "حجم" الغنيمة المحتمل يمكن أن يكون الاستعداد للمخاطرة بدخول مغامرة عسكرية.

ولا يصح هنا القول إن الأعباء المالية الناجمة عن الأزمة الرأسمالية العالمية وحروب بوش الابن المستمرة مع أوباما، ستدفع إلى التردد عن إضافة نفقات ضخمة لتمويل حرب أخرى، فالمنطق "الرأسمالي" في حقبة الركود منطق آخر، يهمّ منه بصدد الحرب انطلاق أصحاب ذلك المنطق من أن تشغيل مصانع السلاح، يعني تشغيل اليد العاملة، وتنشيط حركة التصدير، لينتعش الاقتصاد من جديد.

وشبيه ذلك ما يجري تنفيذه فعلا من صرف نفقات ضخمة -تزيد عبء الديون- للقيام بمشروعات من قبيل مدّ الطرق وبناء السدود وما شابه ذلك مما سبق تأجيله في فترات الانتعاش الاقتصادي، فالمطلوب -وقت الشدة المالية- هو "الاستثمار.. اعتمادا على الديون" لتشغيل المصانع والأيدي العاملة، على أمل صاحب الفكر الرأسمالي بتسديد الديون من بعد!..

على أن هذا الجانب الاقتصادي المغري بالعدوان، يقابله جانب التخوف مما يمكن أن تسببه ردود الفعل الإيرانية نفطيا وإقليميا، وهذا ما تطرحه الحسابات الاقتصادية والمالية "الباردة" بصدد قرار الحرب، فانقطاع تدفق النفط، وارتفاع تكاليفه، وتدمير منشآت استخراجه، يعرض الاقتصاد الأمريكي والغربي إلى خطر كبير يمكن -مع مراعاة الظروف التاريخية- أن يتجاوز بمفعوله ما كان فيما يسمى ثورة أسعار النفط التي رافقت حرب 1973م. وهنا تظهر مرة أخرى أهمية العامل الزمني، أي أن المعطيات المذكورة يمكن أن تدفع إما إلى الامتناع عن اتخاذ القرار بالحرب أصلا، أو إلى اتخاذ القرار بها ولكن مع التخطيط أن تكون شديدة الضربات، وسريعة التنفيذ، وقصيرة الأمد، ولهذا يظهر أيضا أن هذا بالذات ما لا يرتبط بالطرف العدواني وحده، بل بالطرف الآخر أيضا، إيرانيا وإقليميا.

 

المسرح الدولي

تعبير المسرح الدولي تعبير ساخر في الأصل، يجعل من القرارات السياسية والعسكرية التي ترتبط بها مصائر الدول وأرواح البشر وثروات الارض، وكأنها لعبة هزلية أو مأساوية تدور فصولها على خشبة المسرح، إنما هو في الوقت نفسه تعبير يصوّر إلى حد بعيد حقيقة أسلوب تعامل صانعي القرار فيما يسمّى "الأسرة الدولية" ويعني القوى الدولية المهيمنة عالميا، مع ما "نحسبه بمنظورنا مهمّا" ولا يحسبونه كذلك وإن زعموا، بشأن مصائر الدول وأرواح البشر وثروات الأرض.

على خشبة مسرح السياسات الدولية الراهن تبدو بالمنظور الأمريكي سلسلة من الوقائع، التي يمكن أن تشكل خلفيات صناعة القرار بشأن حرب تستهدف إيران، في مقدمتها:

1- سقوط سطوة الزعامة الانفرادية الأمريكية في العراق وإيران في الدرجة الأولى، لم يعقبه صعود حقيقي للقطب الأوروبي كما كان يتردد، فبقيت حالة العلاقات الأوروبية-الأمريكية كما كانت عليه قبل عام واحد، عندما انتقل كرسي الرئاسة الأمريكية من بوش الابن إلى أوباما.. وفي ذلك ما يغري صانعي القرار الأمريكي بمحاولة تجاوز "الكبوة" الحالية واستعادة مكانة الزعامة الانفرادية.

2- اهتراء سطوة حلف شمال الأطلسي أمام "فلول طالبان" بأفغانستان، لم يعوضه -حتى الآن على الأقل- الانتشار التدريجي لمهام الحلف ودوله، جماعيا وانفراديا، باتجاه شرق البحر الأبيض المتوسط (لبنان) وجنوب البحر الأحمر (الصومال واليمن) أي على محور حصار المنطقة المحيطة بفلسطين من جميع أطرافها.

ومع ما يقال عن تعاظم تأثير الدور الإقليمي الإيراني في هذا المحور، لا يستبعد أن يصبح استهداف إيران عسكريا مدخلا لتحقيق هدفين في وقت واحد، توجيه ضربة "قاصمة" للدور الإقليمي الإيراني، واسترجاع "الهيبة الأطلسية" المهترئة عالميا، ويرجّح ذلك أن الدول الأوروبية الأكبر في الحلف، أقرب إلى تأييد استهداف إيران، بما في ذلك الدول التي كانت تعترض بشدة على حرب احتلال العراق.

واتخاذ قرار أمريكي بالحرب على خلفية اقترانه بقرار أطلسي، لا يعيد لزعامته الأمريكية مكانتها فيه فحسب، بل يساهم في تحقيق حلم الأطلسي أيضا أن تكون له "مكانة شرطي العالم" (بمعنى الكلمة وفي كل ميدان، حتى على صعيد الطرق التجارية.. مثل شرطي السير) وهذا ما أراد انتزاعه لنفسه عبر ما وضعه من "مهام جديدة" في قمته الخمسينية عام 1999م.

ولا يعني ذلك أن يشارك الحلف بقوات كبرى -ودوله تتردد عن مثل ذلك في أفغانستان- إنما يمكن أن يشارك بصناعة القرار رمزيا، وبعمليات "مساندة" بالغة الأهمية كما بات معروفا، كدوريات الحصار وعصابات الملاحقة في البحار (عصابات.. لأنه دور أشبه بدور القراصنة عبر التاريخ) والمراقبة مع القرصنة الجوية، والتمويل، وما شابه ذلك.

3- رغم التقارب بصورة استعراضية بين موسكو وواشنطون على خلفية الحد من التسلح النووي، وبهدف "احتكاره" عبر الحد من حصول دول أخرى عليه، فما يقال عن اتهام الرئيس الأمريكي الحالي بالضعف على صعيد السياسة الخارجية، تنعكس ردود فعله بوضوح من خلال تصعيد مزدوج للهجة الخطاب "السياسي" من جهة وللتحرك الفعلي لإثبات الوجود الأمريكي -بمعنى الهيمنة- عالميا من جهة أخرى، ومثال ذلك استئناف تزويد تايوان بالسلاح الآن بالذات، رغم أن الصفقة المعنية عقدت عام 2001م، وشهدت تباطؤا مقصودا بتنفيذها حتى في عهد بوش الابن، على خلفية التطور المصلحي للعلاقات الأمريكية-الصينية.

إن اللعبة الصينية الدولية التي اعتمدت حتى الآن على الأبعاد الاقتصادية في الدرجة الأولى، وتشمل فيما تشمل العلاقات مع إيران (والسودان أيضا.. ويلاحظ هنا التصعيد الأمريكي الأخير بصورة مباشرة، وعبر ما يسمى المحكمة الجنائية الدولية)، وبالتالي يمكن أن يكون من العوامل المرجحة لقرار الحرب، محاولة الحد من أن تتحول إيران إلى مدخل للنفوذ الصيني (والروسي أيضا) باتجاه منطقة الخليج، مع تحوله من الأبعاد الاقتصادية إلى الأبعاد السياسية والعسكرية أيضا.

 

الفوضى الإقليمية

إذا كان الخوف عاملا من عوامل التأثير على صناعة قرار الحرب، فهو في هذه الحالة متعدد المواطن والأشكال، ومن ذلك بإيجاز:

1- ما ساهمت به إيران قصدا أو دون قصد من إثارة مخاوف الدول العربية الخليجية، وهو ما انصب مباشرة في الأهداف الصهيوأمريكية التي بدأت منذ حرب احتلال العراق بالعمل على اختزال الخطر الصهيوني وكأنه يقتصر على فلسطين والفلسطينيين (فيمكن وفق ذلك المنطق القاصر التضحية بها وبهم من أجل سواهم!) والعمل على تضخيم الخطر الإيراني، وكأنه يوشك أن يتحول من خطر سياسي واقتصادي، ومحاولات لا جدوى منها على الصعيد المذهبي، إلى خطر عسكري!.

2- ما أنجزته المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية والأفغانية وحتى في المنطقة المحيطة بمضيق المندب، وصحيح أنها لم تحقق "نصرا شاملا مستديما بعيد المدى.." (وهو ما يحمله منتقدوها وخصومها تحت إبطهم، كما لو كان مطلوبا منها بالفعل!) ولكن وصلت بإنجازاتها، رغم أشد الظروف قسوة، إقليميا ودوليا، إلى استعراض مبدئي بالغ الأهمية (معنويا وسياسيا وعسكريا) لقابلية مواجهة أي عدوان خارجي، مهما كان إجراميا بممارساته، وكبيرا بعدة جنوده وعتاده، بإمكانات المقاومة المحدودة للغاية، ما دام احتضانها الشعبي ممكنا ولو بالحد الأدنى الذي يتيحه الاستبداد المحلي والدولي.

من هنا يمكن القول إن الخوف من حرب عدوانية أخرى قد تحوّل "لهيب" المقاومة إلى "حريق" واسع النطاق، هو أحد العوامل المهمة وإن كانت قليلة، التي قد تمنع من اتخاذ قرار الحرب.

هذا مع عدم الإغفال أن "المنطق السياسي والعسكري" الغربي، لا ينطلق من حجم الخسائر البشرية والمادية في التعامل مع ظاهرة المقاومة، إنما ينطلق في الدرجة الأولى من السؤال: هل يمكن القضاء عليها قضاء مبرما وبأي وسيلة، وقد أخفقت الوسائل المتبعة حتى الآن في المناطق المذكورة لاشتعال المقاومة، وهنا يمكن أن يستهدف قرار الحرب القضاء على "مصدر دعم المقاومة" إذا صحت -بمنظور الغرب نفسه- المزاعم الغربية بأن إيران هي المصدر الأول لاستمرار المقاومة وليس الشعوب.

3- قضية فلسطين هي القضية المحورية وسط جميع ما تشهده المنطقة، على أهمية كل قضية بحد ذاتها، قطرية كانت أو متجاوزة للحدود، سياسية أمنية أو اقتصادية وحضارية.

وقضية فلسطين وصلت بمجرى صناعة النكبات إلى مرحلة حاسمة يمكن وصفها ببوابة التصفية النهائية، ولا تزال توجد عقبات كبيرة، سيان هل حملت هوية فلسطينية أو لبنانية أو سورية أو إيرانية، فالأهم -غربيا- أنها عقبات، وسيان هل توجد أهداف أخرى من وراء ذلك أو عدم وجودها، كالقول إن إيران تدعم المقاومة لحساب نقوذها الإقليمي ليس إلا، أو القول إن سورية تصنع ذلك حرصا على بقاء نظام الحكم فيها فحسب، أو ما يقال عن منظمة حزب الله في إيران وفصائل المقاومة في فلسطين.. جميع ذلك لا يبدل شيئا من أن المطلوب هو القضاء على المقاومة وأشكال دعمها ومواطن وجودها، حتى ولو أصبح محدودا في صيغة "مقر إعلامي" أو "دائرة اتصالات سياسية".

هنا تسيطر "الفوضى" على نطاق واسع لدى من يعمل سياسيا أو إعلاميا على الفصل بين قرار حرب تستهدف إيران، وقرار القضاء على المقاومة بفصائلها وأنشطتها الحالية مهما كانت قوية أو ضعيفة، باعتبارها العقبة الأكبر الباقية في وجه تصفية قضية فلسطين المحورية، إقليميا ودوليا، وليس فلسطينيا فقط، وبالتالي الفصل بين قرار حرب تستهدف إيران، وبين استهداف المنطقة بمجموعها بالهيمنة المطلقة، الصهيوأمريكية، أو الغربية، أو الأطلسية.. فالمسميات أشبه بالمترادفات!

إن الحرب على إيران، سواء كانت سريعة أو طويلة الأمد، محققة لأهدافها "الرسمية" بشأن الملف النووي، أو غير محققة لها، فالحصيلة بعد الحرب هي نشأة أوضاع إقليمية فوضوية، يمكن التكهن بما سيكون عليه حجمها ومفعولها وامتدادها الجغرافي، عند التأمل فيما صنعته حرب احتلال العراق، رغم أن المقاومة فيه منعت من تحقيق أهدافه بصورة "كاملة"، من حيث الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية المطلقة.

إن هذه الفوضى الخلاقة/ الهدامة، هي "هدف" غربي شمولي بحد ذاته.. ومعلن رسميا، والحرب المحتملة ضد إيران مدخل من مداخله الممكنة.

 

الحصيلة

كل رؤية مستقبلية تحمل في طياتها قدرا من التكهن، فهي في حصيلتها توقع مرجح، يستمد قوته ومصداقيته مما تستند إليه تلك الرؤية من عوامل مرئية عبر مسلسل الأحداث ومختلف المعطيات، في الحاضر وفي الماضي القريب، ومن هذا المنطلق يمكن ترجيح أن تتعرض إيران -بغض النظر عن كافة ما يجري في لعبة المفاوضات على الملف النووي- لحرب أمريكية بمشاركة إسرائيلية ودعم أطلسي، وليس لحرب إسرائيلية بغطاء أمريكي كما يتردد أحيانا. ولن تكون إيران بالضرورة هي الخاسرة على المدى القريب والمتوسط، إنما الأهم هو الخسارة الشاملة للمنطقة إقليميا بغض النظر عن حجم الخسارة الإيرانية المباشرة، وبغض النظر أيضا عن الموقف السياسي وغير السياسي من جانب دول المنطقة، المؤيد أو المعارض للحرب، والمساعد أو المحايد في تنفيذها، والودي أو العدائي تجاه إيران.

لا يعود البعد الإقليمي للخسارة إلى طبيعة إيران وسياساتها، بل يعود إلى أن المنطقة بأسرها مستهدفة، من قبل زرع الوتد السرطاني في قلبها الفلسطيني، وستبقى مستهدفة وإن زال من الوجود، كما أنها ستبقى مستهدفة ولو اختفت إيران من خارطتها الجغرافية.

لن يمنع حربا ضد إيران أن تخشى القوى الدولية من خسارة مصالحها المادية معها.. لا سيما مع قابلية تعويضها من خارج حدود إيران أو بعد الحرب على وجه الاحتمال، ولكنها تخشى قطعا من خسارة مصالحها المادية مع دول المنطقة في وقت واحد، ويعني هذا فيما يعنيه، أن المسألة ليست مسألة "معارضة لفظية" للحرب، فهذه لا قيمة فاعلة لها حتى وإن كانت صادقة وبلهجة حازمة، إنما هي مسألة اقتران الموقف اللفظي بسياسات عملية، وهذه مفتقدة، ليس في التعامل مع إيران فقط!..

كما لا يمنع الحرب أن تسمح أو لا تسمح دول خليجية وغير خليجية باستخدام أراضيها ومياهها وأجوائها، وربما مصانع التغذية والتمويل والوقود والترفيه، لتنفيذ أي عدوان عسكري صغير أو كبير، ضد إيران أو سواها، فجميع ذلك وسائل، ولكل وسيلة بديل، إنما يمنع الحرب -كأي حرب عدوانية أخرى- تقدير صانعي القرار بإشعالها، أن النتيجة لن تكون في صالحهم.

إن أي حرب عدوانية ضد أي موقع مستهدف في هذه المنطقة العربية والإسلامية، حربا أمريكية كانت أو غربية أو أطلسية، بمشاركة أو دون مشاركة إسرائيلية (وهذا من ترف الكلام الإعلامي والتضليل السياسي.. فما كان في الماضي ولا يوجد اليوم فارق بين الكينونة الإسرائيلية والكينونة الغربية سياسيا وعسكريا وفي كل مجال).. مثل تلك الحرب لن تنطوي على خطر الخسارة بمنظور من يصنع قرارها، إلا عندما يتحول العقل القطري وشبه القطري الضيق في بلدان المنطقة، والعقل الانفصالي والعدائي إقليميا، التبعي دوليا، إلى "عقل جماعي"، يوطّن كل مصلحة قطرية في موضعها من المصلحة العليا الجماعية المشتركة، ويعطي للتفاهم والتعاون والتنسيق والحوار والتفاوض، والخلاف والاتفاق، والمكاسب والخسائر، والإصرار والتنازل -باعتبار ذلك جميعه "عناصر متجاورة" في العلاقات بين الدول عموما.. ومغيّب في المنطقة العربية والإسلامية تحديدا- يعطيه الأولوية تجاه كل علاقة من أي مستوى وبأي صيغة مع أي طرف من خارج المنطقة.

ولتكن الحصيلة تكتلا أو رابطة أو اتفاقا أو ميثاقا أو سوى ذلك.. سيان، فالمهم هو المضمون لا الشكل والتسميات، والأهم من ذلك أنه لا يردع عدوانا دوليا سوى وجود الرادع المشترك إقليميا.

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ