-ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

السبت 04/07/2009


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


سيد قطب ضد العنف

الحلقة التاسعة

د.منير محمد الغضبان*

لاشك أن ذروة فكر سيد قد برز من خلال المعالم، وحيث أن المعالم قد احتوت على ثلاثة عشر فصلاً منها أربعة مأخوذة من الظلال سبق أن عرضناها في الحلقات السابقة فسيكون الحديث عن الفصول المتبقية في المعالم مع مقدمة الكتاب كذلك.

1 ـ كيف تبدأ عملية البعث الإسلامي:

فكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي؟

إنه لابد من طليعة تعزم هذه العزيمة، وتمضي في الطريق، تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعاً، تمضي وهي تزاول نوعاً من العزلة من جانب، ونوعاً من الاتصال من الجانب الآخر، بالجاهلية المحيطة.

ولابد لهذه الطليعة التي تعزم هذه العزمة من «معالم في الطريق» معالم تعرف عنها طبيعة دورها وحقيقة وظيفتها، وصلب غايتها، ونقطة البدء في الرحلة الطويلة ـ كما تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعاً، أين تلتقي مع الناس وأين تفترق ؟ وما خصائصها وما خصائص الجاهلية من حولها؟ كيف تخاطب أهل الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها؟ ثم تعرف من أين تتلقى في هذا كله وكيف تتلقى؟

2 ـ جيل قرآني فريد

«.....نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية... تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم، وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيراً إسلامياً، هو كذلك من صنع الجاهلية...

فلابد إذن في منهج الحركة الإسلامية أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها لابد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال.... ولابد أن نرجع إليه حين نرجع بشعور التلقي للتنفيذ والعمل، لا بشعور الدراسة والمتاع...

ثم لابد لنا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية، والقيادة الجاهلية ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي... إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع مهمتنا تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه...

إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المنهج الجاهلي وقيمه وتصوراته وألا نعدل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيراً لنلتقي معه في منتصف الطريق كلا إننا وإياه على مفرق الطريق وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق »([1]).

قد نختلف مع أستاذنا سيد في تعميم الجاهلية على العالم كله، وخاصة العالم الإسلامي، والتي سنناقشها فيما بعد، لكننا نسأل: كيف يتم التغيير؟ هل يتم التغيير بالقوة؟

إنه الجواب الذي نبحث عنه دائماً عند سيد ـ رحمه الله تعالى ـ ولا جواب عنده إلا الحوار والتربية.

الطريق صعب لكنه الوحيد:

« وسنلتقي في هذا عنتاً ومشقة، وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله منهجه الإلهي، ونصره على منهج الجاهلية »([2]).

3 ـ لا إله إلا الله منهج حياة

فإذا تقرر أن هذا هو المجتمع المسلم فكيف ينشأ هذا المجتمع ؟ ما منهج هذه النشأة ؟

إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله، لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور ولا تدين بالعبودية لغير الله في العبادات والشعائر، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع، ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة...

عندئذ وعندئذ فقط تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلماً كذلك، فأما قبل أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله، على النحو الذي تقدم فإنهم لا يكونون مسلمين وأما قبل أن ينظموا حياتهم على هذا الأساس فلا يكون مجتمعهم مسلماً.

وإذن قبل التفكير في إقامة نظام اجتماعي إسلامي، وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام، ينبغي أن يتجه الاهتمام أولاً على تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله، في أية صورة من صورها التي أسلفنا، وأن يتجمع الأفراد الذين نخلص ضمائرهم من العبودية لغير الله في جماعة مسلمة، وهذه الجماعة التي خلصت ضمائر أفرادها من العبودية لغير الله اعتقاداً وعبادة وشريعة، هي التي ينشأ منها المجتمع المسلم، وينضم إليها من يريد أن يعيش في هذا المجتمع بعقيدته وعبادته، وشريعته التي تمثل فيها العبودية لله وحده أو بتعبير آخر تتمثل فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هكذا كان نشأة الجماعة المسلمة الأولى التي أقامت المجتمع المسلم الأول، وهكذا نكون نشكل جماعة مسلمة»([3]).

ولكن ما هو المجتمع الجاهلي:

لا نختلف مع أستاذنا سيد ـ رحمه الله تعالى ـ في أن المجتمعات (الشيوعية) والمجتمعات (الوثنية) والمجتمعات ( اليهودية والنصرانية) أنها مجتمعات جاهلية.

لكننا نختلف معه في تعميم صفة الجاهلية على كل المجتمعات القائمة في العالم الإسلامي إذ يقول: « وأخيراً يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضاً ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها، فهي وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله، تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها، وكل مقومات حياتها تقريباً، والله سبحانه وتعالى يقول عن الحاكمين: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) المائدة: ٤٤.

ويقول عن المحكومين: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنو بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ))النساء إلى أن يقول: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ))  ﭾ النساء: ٦٥.

... المجتمعات بعضها يعلن صراحة (علمانية) وعدم علاقته بالدين أصلاً، وبعضها يعلن أنه يحترم الدين، ولكنه يخرج الدين من نظامه، الاجتماعي أصلاً، ويقول أنه ينكر (الغيبية) ويقيم نظامه على (العلمية) باعتبار أن العلمية تناقض الغيبية وهو زعم جاهل لا يقول به إلا الجهال، وبعضها يجعل الحاكمية، الفعلية لغير الله ويقول عما يشرعه من عند نفسه، هذه شريعة الله، وكلها سواء في أنها لا تقوم على العبودية الله وحده.

وإذا تعين هذا فإن موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة: إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره إن الإسلام لا ينظر إلى العنوانات واللافتات والشارات التي تحملها هذه الاجتماعات على اختلافها. إنها كلها تلتقي في حقيقة واحدة، وهي: أن الحياة فيها لا تقوم على العبودية الكاملة لله وحده، وهي من ثم تلتقي مع سائر المجتمعات الأخرى في صفة واحده ـ صفة الجاهلية »([4]).

ولابد من الإشارة إلى نقاط ثلاثة حول هذا الموضوع.

النقطة الأولى: أن المجتمعات شيء، والدول شيء آخر، وإذا آمنا أنه  ينطبق تجاوزاً على  الدول ـ مع التحفظ فيها ـ فإنها لا تنطبق أبداً على المجتمعات  الإسلامية فيها الدعاة إلى الله، وإلى تطبيق شرعة الله في الأرض، وفيها المقتنعين والحريصين على تطبيق شريعة الله.

وفيها من يحمل هذه القناعات ويبرأ إلى الله تعالى من كل حكم بغير ما أنزل الله فلا يصح في نظري وصم هذه المجتمعات بالجاهلية.

النقطة الثانية: الحكم على المجتمعات لا يعني الحكم على الأفراد، ولا يجوز إطلاق الاتهام لسيد بعملية التكفير لأي فرد بذاته، فهو يتكلم بمنطق الداعية الذي يوضح فهمه للإسلام، وليس بمنطق القاضي الذي يصدر حكمه على فرد من الناس بالإسلام أو الكفر، وكما يقول أستاذنا محمد قطب أن سيد هو صاحب هذه العبارة: نحن دعاة لا قضاة، ثم صارت عنوان كتاب يحتج به على سيد ـ رحمه الله تعالى ـ.

النقطة الثالثة: ما يمكن القطع به بالنسبة للدول هي الدول التي تعلن العلمانية في دساتيرها وتتبنى عقيدة الاشتراكية أو القومية بديلاً عن الإسلام أما غيرها فلا يسهل الحكم عليها بالجاهلية وهي أقرب إلى الإسلام منها للجاهلية.

4ـ الإسلام هو الحضارة عودة للحديث عن المنهج

قاعدة انطلاق المجتمع الإسلامي:

وبعد....فإن قاعدة انطلاق المجتمع الإسلامي، وطبيعة تكوينه العضوي تجعلان منه مجتمعاً فريداً لا تنطبق عليه أي من النظريات التي تفسر قيام المجتمعات الجاهلية.

وطبيعة تكوينها العضوي المجتمع الإسلامي وليد الحركة، والحركة فيه مستمرة وهي التي تعين أقدار الأشخاص وقيمهم، ومن ثم تحدد وظائفهم فيه ومراكزهم.

والحركة التي يتولد عنها هذا المجتمع ابتداءً حركة آتية من خارج النطاق الأرضي، ومن خارج المحيط البشري، إنها تتمثل في عقيدة آتية من الله للبشر، تنشئ لهم تصوراً خاصاً للوجود والحياة والتاريخ والقيم والغايات، وتحدد لهم منهجاً للعمل يترجم هذا التصور... إنه ينطلق عن عنصر خارج عن محيط الناس وعن محيط الكون المادي.

وبهذا العنصر القدري الغيبي الذي لم يكن أحد من البشر يتوقعه أو يحسب حسابه، ودون أن يكون للإنسان يد في ابتداء الأمر، تبدأ أولى خطوات الحركة في قيام المجتمع الإسلامي، ويبدأ معها عمل الإنسان أيضاً، إنسان يؤمن بهذه العقيدة الآتية له من ذلك المصدر الغيبي الجارية بقدر الله وحده، وحين يؤمن هذا الإنسان الواحد بهذه العقيدة يبدأ وجود المجتمع الإسلامي حكماً إن الإنسان الواحد لن يتلقى هذه العقيدة، وينطوي على نفسه، إنه سينطلق بها، هذه طبيعتها طبيعة الحركة الحية.

إن القوة العليا التي دفعت بها إلى هذا القلب تعلم أنها ستتجاوزه حتماً... إن الدفعة الحية التي وصلت بها هذه العقيدة إلى هذا القلب ستمضي في طريقها قدماً.

وحين يبلغ المؤمنون بهذه العقيدة ثلاثة نفر فإن هذه العقيدة ذاتها تقول لهم: أنتم الآن مجتمع، مجتمع إسلامي مستقل، منفصل عن المجتمع الجاهلي الذي لا يدين لهذه العقيدة، ولا تسود فيها قيمها الأساسية، القيم التي أسلفنا الإشارة إليها ـ وهنا يكون المجتمع الإسلامي قد وجد فعلاً.

 والثلاثة يصبحون عشرة والعشرة يصبحون مائة، والمائة يصبحون ألفاً، والألف يصبحون اثني عشر ألفاً، ويبرز ويتقرر وجود المجتمع الإسلامي.

وفي الطريق تكون المعركة:

«قد قامت بين المجتمع الوليد الذي انفصل بعقيدته وتصوره، وانفصل بقيمه واعتباراته، وانفصل بوجوده وكينونته عن المجتمع الجاهلي ـ الذي أخذ منه أفراده ـ وتكون الحركة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوجود البارز المستقل قد ميزت كل فرد من أفراد هذا المجتمع، وأعطته وزنه ومكانه في هذا المجتمع ـ حسب الميزان والاعتبار الإسلامي ـ ويكون وزنه هذا معترفاً له به من المجتمع دون أن يزكي نفسه أو يعلن عنه، بل إن عقيدته وقيمه السائدة في نفسه وفي مجتمعه لتضغط عليه يومئذ ليواري نفسه عن الأنظار المتطلعة إليه في البيئة»([5]).

ولنا ملاحظتان: الملاحظة الأولى:هي أن الوصف الذي وصفه سيد ـ رحمه الله تعالى ـ ينطبق مائة في المائة على المجتمع النبوي المكي الأول، ولا نتصور أن التطابق في المجتمع الإسلامي الذي ننشده في هذا العصر سيكون تماماً بهذه الدقة من التطابق، ولدينا تراث خمسة عشر قرناً قام المجتمع الإسلامي فيه بحمل لا يقل عن 70% من الإسلام الذي أنزله الله تعالى على نبيه، وإن كنا نلتقي مع أستاذنا سيد أن وضعنا في العصر الحاضر متشابه مع العهد المكي، لكنه ليس متطابقاً، ويحكمنا في هذا العصر من حيث التعامل هو كف اليد كما هو الحال في العهد المكي.

الملاحظة الثانية: إن قناعة سيد بالتطابق بين إقامة المجتمع الإسلامي اليوم من المجتمع الرباني الأول جعله يؤمن أن المنهج في عملية البناء هو مرحلة كف اليد، ولا يجوز استعمال السلاح قبل قيام الدولة من خلال جيشها الذي يدافع عنها وينشر عقيدتها، وهو الذي ينقل رأي ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ ويؤمن به فيقول:

« لخص الإمام ابن القيم سياق الجهاد في الإسلام في «زاد المعاد» في الفصل الثاني الذي عقده باسم: فصل في ترتيب هديه مع الكفار والمنافقين من حيث بُعث إلى حين لقي الله عزوجل.

ـ أول ما أوحي به تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته.

ـ فأمره أن يقرأ بنفسه «فأنذر» فنبأه بقوله: إقرأ وأرسله بـ يا أيها المدثر

ـ ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة ثم أنذر العالمين.

ـ فأقام بضعة عشر سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، يؤمر بالكف والصبر والصفح.

ـ ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال.

ـ ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكسف عمن اعتزله ولم يقاتله.

ـ ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.

ـ ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام.

ـ أهل صلح وهدنة.

ـ وأهل حرب.

ـ وأهل ذمة....

فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام:

ـ مسلم مؤمن به، ومسلم مسالم له آمن، وخائف محارب.

ـ وأما سيرته مع المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمره أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم... فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين»([6]).

5 ـ جنسية المسلم عقيدته:

« يجب أن لا ندع الناس حتى يدركوا أن الإسلام ليس هو أي مذهب من المذاهب الاجتماعية الوضعية، كما أنه ليس أي نظام من الأنظمة الحكم الوضعية، بشتى أسمائها وشياتها وراياتها جميعاً، وإنما هو الإسلام فقط، الإسلام بشخصيته المستقلة وتصوره المستقل، وأوضاعه المستقلة، الإسلام الذي يحقق للبشرية خيراً مما تحلم به من وراء هذه الأوضاع، الإسلام الرفيع النظيف المتناسق الجميل الصادر مباشرة من الله العلي الكبير.

وحين ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو فإن هذا الإدراك بطبيعته سيجعلنا نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام، في ثقة وقوة، وفي عطف كذلك ورحمة؛ ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق، وأن ما عليه الناس هو الباطل، وعطف الذي يرى شقوة البشر، وهو يعرف كيف يسعدهم، ورحمة الذي يرى ضلال الناس وهو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى،

لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسساً، ولن نربت على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة، سنكون صرحاء معهم غاية الصراحة هذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم.

ـ هذه الأوضاع التي أنتم فيها خبث والله يرد أن يطيبكم.

ـ هذه الحياة التي تحيونها دون والله يرد أن يرفعكم.

ـ هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد، والله يريد أن يخفف عنكم ويرفعكم ويسعدكم والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها، وإلى أوضاع أخرى تحتقرون معها أوضاعكم في مشارق الأرض ومغاربها وإلى قيم أخرى تشمئزون معها من قيمكم السائدة في الأرض جميعاً...»([7]).

ولن يكون هذا بأن نجاري الجاهلية:

في بعض الخطوات ما أنه لن يكون بأن نقاطعها الآن، وننزوي عنها وننعزل، كلا إنما هي المخالطة مع التميز، والأخذ والعطاء مع الترفع، والصدع بالحق في مودة، والاستعلاء بالإيمان في تواضع، والامتلاء بعد هذا  كله بالحقيقة الواقعة، وهي أننا نعيش في وسط جاهلية وأننا أهدى طريقاً من هذه الجاهلية.

وأنها نقلة بعيدة واسعة، هذه النقلة من الجاهلية إلى الإسلام، وأنها هوة فاصلة لا يقام فوقها معبر للالتقاء في منتصف الطريق، ولكن لينتقل عليه أهل الجاهلية إلى الإسلام سواء كانوا ممن يعيشون بما يسمى الوطن الإسلامي، ويزعمون أنهم مسلمون، أو كانوا يعيشون في غير الوطن الإسلامي، وليخرجوا من الظلمات إلى النور، وحاولنا أن نعيش به، وإلا فلنقل ما أمر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله: ((لكم دينكم ولي دين )) الكافرون: ٦([8]).

6 ـ استعلاء الإيمان:

((لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلد . متع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهر خالين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير  للأبرار )) آلعمران: ١٩٦ - ١٩٨

«وتسود المجتمع عقائد وتصورات وقيم وأوضاع كلها مغاير لعقيدته وتصوراته وقيمه وموازينه فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى، وبأن هؤلاء كلهم في الموقف الدون، وينظر إليهم من علٍ في كرامة واعتزاز، وفي رحمة كذلك وعطف، ورغبة في هدايتهم إلى الخير الذي معه، ورفعهم إلى الأفق الذي يعيش فيه.

ويضج الباطل ويصخب: ويرفع صوته وينفش ريشه، وتحيط به الهالات المصطنعة التي تغشي على الأبصار، فلا ترى ما وراء الهالات من قبح شائه دميم، وفُجر كالح لئيم، وينظر المؤمن من علٍ إلى الباطل المنتفش، وإلى الجموع المخدوعة، فلا يهن ولا يحزن، ولا ينقص إصراره على الحق الذي معه، وثباته على النهج الذي يتبعه، ولا تضعف رغبته كذلك في هداية الضالين والمخدوعين.

ويغرق المجتمع في شهواته الهابطة: ويمضي مع نزواته الخليعة، ويلصق بالوحل والطين، حاسباً أنه يستمتع وينطلق من الأغلال والقيود، ويعز في مثل هذا المجتمع كل متعة بريئة، وكل طيبة حلال ولا يبقى إلا المشرع الآسن، وإلا الوحل والطين، وينظر المؤمن من علٍ إلى الغارقين في الوحل اللاصقين بالطين، وهو مفرد وحيد، فلا يهن ولا يحزن، ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه النظيف الطاهر ـ وينغمس في الحمأة ـ وهو الأعلى بمتعة الإيمان ولذة اليقين.

ويقف المؤمن قابضاً على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع الشارد عن الدين، وعن الفضيلة وعن القيم العليا، وعن الاهتمامات النبيلة، وعن كل ما هو طاهر نظيف جميل.

ويقف الآخرون هازئون بوقفته، ساخرين من تصوراته، ضاحكين من قيمه، فيما يهن المؤمن وهو ينظر من علٍ إلى الساخرين والهازئين والضاحكين، وهو يقول كما قال واحد من الرهط الكرام الذين سبقوه في موكب الإيمان العريق الوضيء، في الطريق اللاحب الطويل، نوح عليه السلام ((إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون )) هود: ٣٨.

وهو يرى نهاية الموكب المضيء، ونهاية القافلة البائسة في قوله تعالى: ((إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون . وإذا مروا بهم يتغامزون . وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين . وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون . وما أرسلوا عليهم حافظين . فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون . على الأرائك ينظرون . هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ))المطففين: ٢٩ - ٣٦([9]).

7 ـ هذا هو الطريق

ونصل إلى نهاية المطاف بعد هذه المعالم في الطريق، ونسأل سيد ـ رحمه الله تعالى ـ كيف يكون الطريق ؟ ما هو منهج السير؟ كيف تكون المعركة مع الجاهلية ؟ كيف يتم التغيير، وندع لسيد ـ رحمه الله تعالى ـ يحدثنا عنه بوضوح ليس بعده وضوح، وبجلاء ليس بعده جلاء، في الفصل الأخير من المعالم لمن أراد أن يعرف طريق الدعاة ـ بكل ما شهدنا من ذروة للفكر عنده في المفاصلة الكاملة بين الإسلام والجاهلية يقول ـ رحمه الله تعالى ـ:

«إن قصة أصحاب الأخدود ـ كما وردت في سورة البروج ـ حقيقة بأن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض، وفي كل جيل، فالقرآن بإيرادها في هذا الأسلوب مع مقدماتها تصور طبيعة الدعوة إلى الله، ودور البشر فيها، واحتمالاتها المتوقعة في مجالها الواسع، وهو أوسع رقعة من الأرض، وأبعد مدىً من الحياة الدنيا، وكان يرسم للمؤمنين معالم الطريق ويُعدُّ نفوسهم لتلقي أي من هذه الاحتمالات التي يجري بها القدر المرسوم، وفق الحكمة المكنونة في غيب الله المستور.

إنها قصة فئة آمنت بربها:

واستعلنت حقيقة إيمانها، ثم تعرضت للفتنة من أعداء بطاشين جبارين، مستهترين بحق الإنسان في حرية الاعتقاد بالحق، والإيمان بالله بالعزيز الحميد، وبكرامة الإنسان عند الله أن يكون لعبة يتسلى الطغاة بآلام تعذيبها، ويتلهون بمنظرها في أثناء التعذيب بالحريق وقد ارتفع الإيمان عند هذه القلوب على الفتنة، وانتصرت فيها العقيدة على الحياة، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة، ولم تفتن عن دينها، وهي تحرق بالنار حتى تموت.

لقد تحررت هذه القلوب: من عبوديتها للحياة، فلم يستذلها حب البقاء وهي تعاين الموت بهذه الطريقة البشعة، وانطلقت من قيود الأرض وجواذبها جميعاً، وارتفعت على ذواتها بانتصار العقيدة على الحياة فيها وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخيرة الرفيعة الكريمة كانت هناك جبلات جاحدة، شريرة مجرمة لئيمة، وجلس أصحاب هذه الجبلات على النار يشهدون كيف يتعذب المؤمنون ويتألمون، جلسوا يتلهون بمظهر الحياة تأكلها النار والأناسي الكرام يتحولون وقوداً وتراباً، وكلما ألقي فتىً أو فتاة صبية أو عجوز، طفل أو شيخ من المؤمنين الخيرين الكرام في النار، ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوس الطغاة وعربد السعار المجنون بالدماء والأشلاء.

هذا هو الحادث البشع، الذي انتكست فيه جبلات الطغاة وارتكست في هذه الحمأة فراحت تلتذ مشهد التعذيب المروع العنيف، بهذه الخساسة التي لم يرتكس فيها وحش قط، فالوحش يفترس ليقتات، لا ليلتذ آلام الفريسة في لؤم وخسة.

وهو ذاته الحادث التي ارتفعت فيه أرواح المؤمنين، وتحررت وانطلقت إلى ذلك الأوج السامي الرفيع الذي تشرف فيه البشرية في جميع الأجيال والعصور.

في حساب الأرض، يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان وأن هذا الإيمان الذي بلغ تلك الذروة العالية في نفوس الفئة الكريمة الخيرة الثابتة المستعلية، لم يكن له وزن ولا حساب في المعركة التي دارت بين الإيمان والطغيان.

ولا تذكر الروايات التي وردت في هذا الحادث، كما لا تذكر النصوص القرآنية، أن الله أخذ أولئك الطغاة في الأرض بجريمتهم البشعة، كما أخذ قوم نوح وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب وقوم لوط، أو كما أخذ فرعون وجنوده وأخذ عزيز مقتدر.

ففي حساب الأرض تبدو هذه الخاتمة أسيفة أليمة، أفهكذا ينتهي الأمر وتذهب الفئة المؤمنة التي ارتفعت إلى ذروة الإيمان، تذهب مع آلامها الفاجعة في الأخدود بينما تذهب الفئة الباغية التي ارتكست إلى هذه الحمأة ناجية في حساب الأرض يحيك في الصدر شيء أمام هذه الخاتمة الأسيفة.

ولكن القرآن يعلم المؤمنين شيئاً آخر، ويكشف لهم عن حقيقة أخرى، ويبصرهم بطبيعة القيم التي يزنون بها وبمجال المعركة التي يخوضونها، إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام، ومن متاع وحرمان، ليست هي القيمة الكبرى في الميزان، وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة، والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة.

إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة، وفي هذا الحادث انتصرت أرواح المؤمنين على الخوف والألم، وانتصرت على جواذب الأرض والحياة، وانتصرت على الفتنة انتصاراً يشرف الجنس البشري كله في جميع الأعصار وهذا هو الانتصار.

إن الناس جميعاً يموتون، وتختلف الأسباب، ولكن الناس جميعاً لا ينتصرون هذا الانتصار ولا يرتفعون هذا الارتفاع ولا يتحررون هذا التحرر، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق... إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت.

وتنفرد دون الناس في المجد، المجد في الملأ الأعلى، وفي دنيا الناس أيضاً، إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال.

لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجو بحياتهم، في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم، وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يتقلون هذا المعنى الكبير.

معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد.

أنه معنى كريم جداً، ومعنى كبير جداً هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض، ربحوه وهم يجدون حس النار، فتحترق أجسادهم الفانية وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار.

ثم إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها، وليس هو الحياة الدنيا وحدها، وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال، إن الملأ يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها، ويزنها بميزان غير ميزان الأرض في جيل من أجيالها، وغير ميزان الأرض في أجيالها جميعاً، والملأ الأعلى يضم من الأرواح الكريمة، أضعاف أضعاف ما تم تضم الأرض من الناس وما من شك أن ثناء الملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأرجح من أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم على الإطلاق.

وبعد ذلك كله هناك الآخرة، وهي المجال الأصيل الذي يلحق به مجال الأرض، ولا ينفصل عنه لا في الحقيقة  الواقعة، ولا في حس المؤمن بهذه الحقيقة.

فالمعركة إذن لم تنته، وخاتمتها الحقيقية لم تجيء بعد، والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها على الأرض حكم غير صحيح، لأنه حكم على الشطر الصغير منها والشطر الزهيد »([10]).

8 ـ سيد قطب ضد العنف

هذا هو الطريق عند سيد ـ رحمه الله تعالى ـ في آخر ما طبعه من المعالم، وفي آخر فصل من المعالم هل تحس فيه قعقعة السلاح ؟ أم هل نشم منه رائحة البارود، أم هل تسمع  صوت التفجيرات والضحايا الآمنة وصراخ الأطفال وأنات المعذبين؟ أين العنف عند سيد، وأين الإرهاب عند سيد ـ رحمه الله تعالى ـ وهذا الذي يقدم الدعوة حتى للعتاة في استعلاء وثقة وفي رحمة وود ليهديهم إلى صراط الله المستقيم.

ألا نشم رائحة اللحم المشوي على النار للمؤمنين، وهم صابرون محتسبون، ثابتون صامدون ولماذا هذه الضحايا ؟ ((وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)) البروج: ٨. فكيف يتحول القتلة إلى مساكين عزل يغزوهم دعاة الإرهاب والتطرف، وكيف يتحول القتلة السفاحون إلى مساكين مظلومين.

كيف يتحول الجلاد إلى ضحية، والضحية إلى جلاد.

إن كان الثبات على العقيدة هو الذي ينقمه منا المجرمون، وهو الذي يريدون أن يذبحونا لما ندين به من فكر، لن يهن المسلم ولن يتراجع ولن يركع إلا الله، فلقد خير سيد ـ رحمه الله تعالى ـ بين أن يكون وزيراً مقابل كلمة اعتذار وبين الإعدام من الطاغية الجبار فاختار العقيدة على الحياة.

9 ـ رفض فكرة اغتيال جمال عبد الناصر

يقول أحمد عبد المجيد، أحد قادة التنظيم الخمسة: « عرضنا عليه فكرة اغتيال جمال عبد الناصر وأن لدينا أخاً في حرسه، يستطيع أداء ذلك بسهولة، ويلح بإصرار في ذلك، فأجاب: لا أريد أن تشغلوا أنفسكم بهذه القضايا ولو حتى كان الاستيلاء على الحكم وتطبيق الشريعة الإسلامية، ولا القضايا السياسية والوطنية، والإصلاحات الجزئية، نحن نريد الإسلام في نفوس وقلوب الناس قبل أي إجراء آخر، ويجب عدم إضاعة الوقت في فرض التشريع الإسلامي بالقوة، قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات، والتي تسعى لإقامة النظام الذي عاشت به وتعرفه، وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حتى تربت وتكونت القاعدة الصلبة القوية التي قام على أكتافها النظام بعد ذلك في المدينة.

وكان في استطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلف أحد أصحابه بقتل أبي جهل أو غيره، الذين يقفون في طريق الدعوة والتخلص منهم، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك رغم سهولة تنفيذه، وسرعة استجابة الصحابة رضوان الله عليهم، لذلك لو أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكنه لم يفعل لأن هذا ليس هو الطريق »([11]).

ـــــ

*باحث لإسلامي سوري



([1]) معالم في الطريق 17ـ19.

([2])معالم في الطريق 19، ط الثالثة، التحاد الإسلامي العالمي 1402هـ 1982م.

([3]) المعالم 87.

([4]) الظلال 91ـ93 مقتطفات.

([5]) المعالم 117ـ118.

([6]) المعالم 56.

([7]) المعالم 153ـ154.

([8]) المعالم 162ـ164.

([9]) المعالم 168ـ170.

([10]) المعالم 173ـ177.

([11])القصة الكاملة لتنظيم 1965لـ أحمد عبد المجيد ص 96.

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ