-ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين  09/03/2009


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


الطريق إلى بناء حضاري يواجه تحديات العصر

بقلم : يسري عبد الغني عبد الله*

من الذي يتصدى للحديث عن الإسلام ؟

بداية : كم نتمنى أن يكون كل من يتصدى للحديث عن الإسلام ، وفكره ومنهجه ورؤيته المستقبلية ، كم نتمنى أن يكون هذا المتحدث من أصحاب البديهة الحاضرة ، والفكر المتجدد السابق لعصره ، والرؤيا الثقافية الواعية التي من خلالها يتمكن من وضع يده على مواطن الداء ، ولا يكتفي بذلك بل يضع له العلاج الناجع .

وإلى جانب ذلك فإن المتصدي للحديث عن قضايا الإسلام يجب أن يمتاز بالاعتدال ، بل عليه أن يؤكد دوماً أن أعظم ما في الإسلام هو سماحته وعقلانيته وعطاؤه المتجدد دائماً ، وعالميته وصلاحيته لكل زمان ومكان ، وهذا التأكيد يجب أن يصحبه الأدلة القاطعة ، والبراهين الواضحة .

تحديات كثيرة :

إن هناك تحديات كثيرة تواجه المسلمين في هذه المرحلة التي نعيشها ، وأهم هذه التحديات التخلف الذي تعاني منه معظم البلاد الإسلامية بدرجاته المختلفة ، وخاصة مع بروز قطبية وحيدة تقود العالم أجمع ، وهذا يعني أن المرحلة الحالية تحتاج إلى تجمع إسلامي حقيقي ، وإلى توحد وتوجه من الدول الإسلامية نحو من يتعاون معها بجدية والتزام من الدول المتقدمة .

ومن أبرز التحديات التي تواجهنا أننا في حاجة ماسة إلى تجديد أساليب الدعوة الإسلامية ، وبمعنى آخر تجديد أساليب الخطاب الديني مع المحافظة على ثوابتنا الدينية والتي تنطلق من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .

وعلينا أن نعي جيداً أن إدراك عطاء الإسلام الحضاري ومشاركته الفاعلة في واقعنا المعاش عملية تقوم على أساس الوعي بالذات وفهم العصر الذي نعيشه وآلياته ، والأخذ بأسباب العلم الحديث ، وحسن استيعاب التراث الإسلامي مع حسن الاستفادة منه , وتوظيفه من أجل حل مشاكلنا الراهنة .

وهذا الإدراك الذي نطالب به شرط جوهري لتقديم رسالة الإسلام إلى العالم ، والإسهام في الحضارة الإنسانية الراهنة ، ولن يتم للمسلمين عمل يؤدونه على الوجه الذي يرضي ضمائرهم ما لم يتضح لديهم هذا الإدراك الواعي الرشيد .

ولابد للأمة الإسلامية أن تعمق داخلها هذا الإدراك الذي أساسه الاعتماد على النفس ، وهي قادرة على ذلك إذا ركزت على منابع التقدم ، وأدركت أن التقدم يجب أن يقوم على بناء قوي ، والبناء القوي لابد له من التخطيط السليم ، وهذا التخطيط يكون تنفيذه باستكمال أدوات البناء الحضاري استعداداً للمستقبل .

إن التقدم في عصرنا الراهن , هذا العصر الذي يتسم بالتكامل بين القادرين ، ورفع مستوى الإنتاج المنافس ، عن طريق البحث العلمي المتقدم والتطور التكنولوجي الذي لا يهدأ ، ولكي تستطيع سلعنا المنافسة في الأسواق العالمية , يجب علينا السعي إلى بناء صناعات متعددة تعتمد على العلم والتخطيط العلمي , وتشجيع الاستثمارات والجهود الذاتية والخاصة , والعمل على زيادة المدخرات , ورفع مستوى الحياة ، وإحداث التنمية المنشودة بكافة مجالاتها .

وتأسيساً على ما سلف فإن الأساس لإحداث تقدم الأمة هو الإنسان بكل عظمته , فالألة المنفردة , والموارد الغزيرة ، والمصادر المتوفرة لا يمكن لها أن تصنع التقدم , فالتقدم صناعة إنسانية في المقام الأول ، ولا يتحقق إلا عندما تبدعه أيد قادرة على تحريك كل القدرات والإمكانيات والأفكار لمصلحة رقي الأمة ونهوضها.

نؤكد على أن الإنسان الفرد هو لب التقدم , وإليه يعود النفع ، لذلك ينبغي أن يكون هذا الفرد قادراً على القيام بواجبه الفاعل ليستفيد ويتمتع بكل جديد ومستحدث في المعارف عن طريق التعليم المتميز المستمر .

وهنا يجب أن نلح على أن التطور لا يبدأ إلا من المعمل المدرسي , ومن تعليم شبابنا البحث العلمي المنهجي ، والمثابرة ، والقدرة على اقتحام المشاكل ، ورفع مستوى الإنتاج في كل المجالات بما يمكننا من توفير متطلبات التقدم على الصعيد المحلي , وعلى الصعيد العالمي الذي يؤهلنا للمنافسة العالمية , والمشاركة الفاعلة , بعيدأ عن الاكتفاء بالجلوس في مقاعد المتفرجين .

 

الوحدة أمر حتمي :

إن الأمة الإسلامية تواجه في هذه المرحلة مشاكل وتحديات كثيرة ، تقتضي من الجميع الترابط والتقارب والتفاهم , فالعالم توحد قبلنا حتى لو كان هذا التوحد أساسه المصالح والمنافع , وإن لم نفعل كنا على شفا التهلكة .

نحن في عالم أضحت فيه وسائل الاتصالات والمواصلات سهلة ميسرة , ولذلك ظهرت تلك المفاهيم التي تدعو إلى ترابط الأمم والشعوب , وتقارب المصالح ، وهنا ظهرت قضايا التعاون بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتأكيد التكامل بين القادر وغيره ، ثم ظهرت قضايا تنظيم التجارة العالمية واتفاقيات الجات , وهي أخطر أساس تشريعي ظهر في تاريخ البشرية لتحكم القادرين في غير القادرين .

ومن كل ما سبق ، يتحتم أن تترابط الشعوب ، وتتقارب العقائد ، وتتفاهم العقول , وتتحد القدرات , بعيداً عن التعصب الأعمى ، وعن ضيق الأفق ، وعلينا أن نسعى جميعاً من أجل الحفاظ على الإنسان من مهاترات ومخاطر الحقد والكراهية , ومخاطر التحديات المليئة بالصراعات والصدامات التي لا طائل منها .

 

حقيقة التخوف :

البعض يكتب ويقول : إن الغرب يتخوف من الإسلام والمسلمين (الزحف أو الخطر الأخضر) ، والكاتب بدوره لا يميل إلى نظرية المؤامرة ، بمعنى أن نرجع أي أمر لا نرجوه ولا نتمناه إلى تأمر الآخرين علينا , على كل حال فإن هذا التخوف من الإسلام ـ إن صح ـ فهو بسبب ظهور بعض التيارات الإسلامية الخاطئة المُضلَلة أو غير الواعية بمنهج الإسلام الذي أساسه احترام الآخرين ، والتعاون معهم ، من أجل التقدم إلى الأمام .

إن واجب أمتنا أن تقف بصدق وجلاء مع نفسها ، وتبرز السمو في العقيدة الإسلامية ، ودعوتها إلى السماحة في التعامل مع الآخر واحترامه , بعيداً عن التعصب والتطرف والعنف وضيق الأفق ، ولعل أكبر الأدلة على ذلك الأسوة الحسنة التي برزت في أقوال وأفعال وتقارير الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) والذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ، وكان بحق على خلق عظيم ، لأنه لو كان فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله , وكذلك صحابته البررة الكرام وتأكيدهم على رعاية الآخرين , وكذلك الأقليات الذين اعتبرهم الإسلام جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع ، وأهل الذمة الذي دعا الإسلام إلى الحفاظ على حقوقهم وممتلكاتهم , ودياناتهم ، وأرواحهم .. وكل ذلك يؤكد الأسلوب الأمثل في التعامل مع الآخر وقبوله .

 

المفكر الواعي :

إننا في أمس الحاجة ونحن نواجه مشاكلنا وقضايانا ومتاعبنا إلى المفكر الواعي الذي يدرك جيداً ما على أرض الواقع ، المفكر المعتدل فكراً وفعلاً , ولا يمكن أن يتواجد أمثال هؤلاء إلا بتوفير المناخ الصالح .

إن الباحث والمفكر عندما يتابع عن كثب ما يجري في العالم الإسلامي يجد قائمة طويلة من المنازعات والصدامات والصراعات تستهلك ـ دون أدنى سبب ـ طاقات المسلمين ، وتبدد جهودهم في غير طائل , وتشغلهم عن قضاياهم الحيوية , والتي من أهمها : البناء والتعمير والتحديث واللحاق بركاب العلم والتحضر .

لقد وقع أهل الإسلام في خلل جسيم حيث أنهم انساقوا في تفكيرهم إلى الجزئيات والتي شغلتهم الشغل التام عن الكليات , هذا الخلل الفكري أدى إلى انتشار صورة ظالمة للإسلام والمسلمين في العالم , فتصور البعض أن الإسلام عقبة كئود في طريق التقدم والعلم , وأن المسلمين أعداء للتحضر والاستنارة ، ودعاة للجمود والتخلف ، وعليه استخفوا بالمسلمين لأنهم أظهروا أنفسهم في صورة الجامدين والمتعصبين ، صورة المفرطين في حقوقهم ، صورة المتواكلين الخاملين , صورة المعتمدين على الآخر .

واللازم على كل مسلم تعزيز التعاون مع الآخرين في المجال الثقافي , وهذا فرض عين على كل قادر , بل هو حق وتكليف إسلامي من أجل التعايش مع المتغيرات والمستجدات العالمية المعاصرة , وإذا لم نستيقظ تمام اليقظة ، ونحاول العمل الجاد المثمر , ومواكبة عصرنا دون إفراط أو تفريط , سنكون منعزلين عن مواكبة عالمنا المتقدم .

لذلك كان حقاً على كل عالم ، ومفكر , وباحث ، ومثقف , أن يفتح قنوات التعارف والتقارب مع الآخرين ، دون خوف أو وجل ، فالتقارب والتعارف مع مختلف الثقافات والتخصصات يفيدنا ، ويضيف إلينا , فالله خلقنا من أجل أن نتعارف و نتعاون , من أجل أن نتبادل الآراء والأفكار والخبرات , بهدف تحقيق واقع أفضل لنا ولذوينا .

الحوار مع النفس أولاً :

وإذا كانت العالمية أو العولمة تدعونا إلى رفع الحدود , وتقارب الثقافات وحتى اللغات , فإن من الواجب الأكبر علينا ضرورة التقارب والتفاهم مع أنفسنا ، حتى لا يكون كل واحد منا في جزيرة منعزلة تماماً عن الجزيرة الذي يعيش فيها أخوه .

بمعنى آخر التفاهم الإسلامي فكراً وعلماً ، قولاً وفعلاً ، التفاهم الذي يقرب وجهات النظر , ويذوب الخلافات ، ويعمل على التقارب بين المذاهب المختلفة التي تفرق بين المؤمنين بالله تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وسلم) , وتلك بداية لفكر إسلامي معتدل ، فكر مقبول ومؤثر عالمياً ، ولعلنا نفعل ذلك ونحن على ثقة كبيرة في أنفسنا , دون أدنى خوف أو خشية .

إن التقارب بين الدول الإسلامية أضحى من أوجب الواجبات , ومن أهم المتطلبات في ظروفنا الراهنة ، ونضيف إلى التقارب الإسلامي الذي ننشده أهمية احترام العلم والمعرفة ، وتشجيع وتقدير العلماء والمفكرين ، والعمل على إصلاح النفوس ، وتقارب المصالح , فلا بد أن ندرك جيداً أن توحيد الجهود ، وتنسيق الأعمال , والانشغال بهموم الأمة هو الطريق إلى إزالة ما نحن فيه من غمة ، ووصولنا إلى طريق التقدم والرقي , ورعاية مصالح بلادنا المختلفة بعيداً عن التبعية والهيمنة .

 

الكفاءة القادرة :

نحن في حاجة إلى أن نتأمل واقعنا كمسلمين في أيامنا الراهنة ، في حاجة إلى أن نتحاور بجدية حول طبيعة الإسهام الذي يمكن أن نقدمه للحضارة الإنسانية بوجه عام .

أمتنا الإسلامية لا ينقصها الكفاءة القادرة على إثبات الذات , والمفكرون المسلمون على مدى عصور مضت كانوا هم المصابيح المضيئة في سماء الإنسانية , ثم ضلوا السبل عندما تفرقت بهم ، وذلك بسبب المعارك الداخلية غير المجدية ، وبسبب الاستعمار الثقافي , فتوقفت حركة التقدم ، حركة الوعي والاستنارة ، وانقسمت الأمة إلى غني وفقير ، إلى قادر وغير قادر ، ودخلنا في مهاترات سقيمة ، وجدل بيزنطي فارغ ، وسفسطة مضى عصرها إلى غير رجعة ، وبذلك وبسذاجة عجيبة وغريبة أضعنا عدة قرون دون طائل .. !!

لقد آن الأوان لأن تخرج الأمة من كربتها ، وأن تستغل أحسن استغلال قدرتها الكامنة فيها ، من أجل أن تجاري متطلبات عصرنا من علم وتكنولوجيا ، وهذه المجاراة لن تكون إلا بإيجاد الإمكانيات العلمية ، والإدارة الحديثة الهادفة ، والتي تمكن الأمة الإسلامية من دخول عالم التقنيات المختلفة .

كفانا قناعة بدور المتفرج على ما يحدث من تقدم في دنيانا ، كفانا قناعة بدور المستورد العاجز عن الإنتاج والابتكار والإبداع ، لقد حان الوقت لأن نتفاعل مع عالمنا ، لأن نكون مشاركين منتجين للتكنولوجيا ، مساهمين فيها ، وهنا : يتحتم علينا أن نضع طاقاتنا في خدمة مجتمعنا ، ومنحها ما يستحق من تشجيع وإمكانيات تمكنها من تجسيد تجاربها العلمية والتكنولوجية .

إننا لو فعلنا ذلك أمكننا بحق أن نثبت بالبرهان الدامغ , والدليل العلمي الواضح , أننا لا نعاني من عقدة التخلف العقلي أو العلمي ، بل إننا نستطيع القول جازمين بأن ما نملكه من قدرات علمية وموارد بشرية تؤهلنا إلى أن نكون في مستوى الدول المتقدمة ، ومن المعروف أن الوسائل العلمية تتطور وتتضاعف بشكل مستمر (ديمومي) ، فنحن نحتاج إلى حركة نشيطة ، حركة فاعلة متفاعلة , بل في حاجة إلى ثورة ندرك بها متطلبات العصر , واستعمال القوى الكامنة والقادرة على إحداث التقدم المنشود .

وختاماً : فإن رعاية المستقبل (مستقبل الأمة الإسلامية) , فرض واجب على كل مسلم ومسلمة ، هذا المستقبل لن يتحقق في أجمل صوره إلا بالعلم التعلم , والتعليم المجود ، والبحث المتفوق الجاد ، والتطور التكنولوجي , وذلك في إطار من التكاملية والتخطيط العلمي الممنهج ، أضف إلى ذلك الاندماج التام والكامل بين ومع شركاء المستقبل لخدمة أمتنا الإسلامية .

ــــــــــ

*باحث ومحاضر في الدراسات العربية والإسلامية

ayusri_a@hotmail.com

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ