ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 16/06/2008


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

مشاركات

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


أوراق من دفاتر المخابرات..

في لقائنا معه، ماذا قال اللواء ناجي جميل؟

 وكيف كان ردنا؟

الطاهر إبراهيم*

في أحد الأوراق من دفاتر المخابرات ذكرت تحت عنوان: "ليلةَ أطلق سراحي من المعتقل" في 13 آذار 1980، أن الميكروباص نقلنا من سجن "المسلمية" (خمسة كيلومترات شمالي حلب) إلى فرع المخابرات العسكرية في حي "السريان" لأجد مجموعة من الإخوة المعتقلين قد سبقونا إليه وتكدسوا في غرفة لا تكاد تتسع لهم، منهم أبو عمار وأبو صبحي وأبو أنس والعبد الفقير، وأبو نعيم الذي رافقني. أفسحوا لنا بينهم، فجلسنا أنا وأبو نعيم معهم ننتظر ما ينتظرون. ومع أننا كنا نعتقد أن تجميعنا في معتقل السريان هو توطئة لإطلاق سراحنا إلا أن الشكوك ما تكاد تفارقنا، فربما يرجعون في قرار الإفراج، فيعودون بنا إلى سجن "المسلمية".
بعد ساعات الانتظار القلقة أُخِذنا إلى حيث كان ينتظرنا وفد من أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث، كان منهم اللواء "ناجي جميل" قائد القوى الجوية السابق، واللواء "ناصر الدين ناصر"، ومعهما رئيس فرع المخابرات العسكرية في حلب العميد مصطفى التاجر والرائد حسن خلوف وضباط آخرون. وخلافاً لمكاتب ضباط المخابرات الفخمة فقد كان مكان اللقاء معتماً ومتواضعاً بعض الشيء. بعد كلمات المجاملة التي لا بد منها التي تقال في مثل هذا الموقف، وهي كلمات فارغة لا تنبئ عن شيء ولا تفصح عن مكنون نفس، - يصح أن يقال فيها إنها لا طعم لها ولا لون ولا رائحة - تحدث الشيخ "محمد أديب حسون" وهو شخصية إسلامية معروفة في حلب، حضر ليعظنا، فوعظ الجميع قائلاً: إن سورية تحتاج لجهود كل أبنائها. وأحسب أنه قال خيراً، ولم يتزلف في كلامه إلى النظام، فقد كان كلامه تصالحياً.
استطراداً، وأنا أستعيد ذلك الموقف، لا يسعني إلا أن أترحم على الشيخ "أديب حسون" فقد انتقل إلى رحمة الله في شهر أيار من هذا العام 2008. كما لا يفوتني أن أقارن بينه وبين ابنه أحمد حسون، الذي سلك غير طريق والده. فمنذ أصبح يخطب الجمعة ويلقي الدروس في المساجد أسرف في التقرب من النظام لذا كافأه بتعيينه بمنصب "مفتي الجمهورية". هذا المنصب شغله قبل حسون علماء أثبات كان آخرهم الشيخ أحمد كفتارو الذي تحسنت سيرته كثيراً قبل موته. لا أريد أن أخوض كثيراً في سيرة حسون هذا. أذكّر فقط بما نقل إلينا –قبل تعيينه في منصب مفتي الجمهورية - أنه كان يختم دروسه فيقول: "اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وسلم"، فلا يصلي على صحابة رسول الله الكرام. وفي هذا انتقاص للصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم في كتابه الكريم. وزعم آخرون أن حسون "تمذهب" بالمذهب الشيعي، فكان ذلك دعماً آخر له – من بين محفزات أخرى كثيرة - ليعين مفتياً للجمهورية.

عودة إلى الموضوع: ختم الشيخ أديب حسون حديثه، فتكلم اللواء ناجي جميل وطلب التعرف على أسمائنا، وعن عمل كل واحد منا.

ابتدأ بالأخ "أبو نعيم" فسأله عن اسمه وعمله؟ فقال: اسمي "محمد نعيم فارس"، وأعمل مهندسا في "سد الفرات". وهنا ابتدره اللواء "جميل": إذا كنت بهذا المنصب العلمي فلِمَ هذا الإجرام؟ لمْ يدعه "أبو نعيم" يسترسل في حديثه، بل بادره بالقول: لا أقول لك اسأل عني "صبحي كحالة" مدير مشروع سد الفرات، ولا المهندسين في سد الفرات، لكني أحيلك إلى الناس العاديين، إلى العمال الذين يعملون في سد الطبقة، بل حتى الناس البسطاء الذين يعيشون في مدينة "الطبقة". اسألهم من هو "أبو نعيم"؟ كما يناديني الجميع. نحن لسنا مجرمين يا سيادة اللواء، بل أصحاب مشروع إسلامي يرفض القتل، ويرفض الجريمة، كما يرفض الاستبداد والقمع.

هنا قاطعه الرائد "حسن خلوف" قائلا: لكن "عبد الغني كعكي" كان في أسرتك الإخوانية، اعتقل  ثم أطلق سراحه، فالتحق بهؤلاء المجرمين ثم قٌتِل. قال أبو نعيم: عبد الغني كعكي هذا لم يكن كما قلت يوم كان في الأسرة عندي! بل كان ودودا رفيقا. فلما اعتقلتموه وصعقتموه بالكهرباء، وجلدتموه بالكرباج، أصبح إنسانا آخر. وجد أن الموت قتلا أهون مما يفعل به في المعتقل.

عندها التفت اللواء جميل إلى الأخ "أبو أنس"، قائلا: وأنت ما كان عملك؟ قال "أبو أنس": كنت مدرسا لمادة الديانة، فنقلتني وزارة التربية إلى وظيفة مدنية في إحدى الدوائر في مدينة حلب، لا تتناسب مع مؤهلاتي. قال "ناجي جميل": طبعا، لقد أرادوا أن يبعدوك عن التأثير في عقول الناشئة، حتى لا توجههم إلى الإرهاب، فيصبحوا قتلة، بدلا من أن يصبحوا بناة للوطن. عندها اعتدل "أبو أنس" في جلسته، ثم قال: اسمع يا سيادة اللواء: إننا بقدر ما نرفض سياسة الاستبداد بالحكم وسياسة القمع فإننا نرفض أيضا تغيير ذلك عن طريق القتل والاغتيال. أنتم وصلتم إلى الحكم عن طريق الانقلاب، ونحن نرفض التغيير بانقلاب. لأن من جاء بانقلاب ذهب بانقلاب. قال اللواء: فما هو إذن مشروعكم للتغيير؟ قال: نحن نلتزم بمنطوق الآية القرآنية: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".

وكأن اللواء "جميل" قد ضاق ذرعا بالأسلوب العقلي الذي اتبعه أبو أنس، فالتفت يسألني: وأنت ما هو اسمك وماذا تعمل؟ قلت: اسمي طاهر وأعمل في مكتبي الهندسي في حلب. قال: ما هو مشروعك للتغيير؟ ولأن رجال السلطة نَفَسَهم قصير في الحوار ولا يقبلون سماع إلا ما يوافق أهواءهم وآراءهم، فقد شعرت أن الجدل لن يصل بنا إلى نتيجة مجدية، فعدلت عن الجدال كما فعل من سبقني. قلت سأذكر لكم ما لا أوافق عليه، وعليكم أن تقرؤوا منه ما تريدون:

ابتداء فأنا أدين عمليات القتل المتبادلة، سواء منها ما كان من المعارضين أو من أجهزة الأمن. لقد فشل الطرفان، -السلطة والمسلحون- في أن يلتقوا حول طاولة الحوار، لأن كل طرف لا يريد أن يحاور إلا نفسه. مع ذلك فإني أعتقد أن مسئولية السلطة أكبر لأنها تملك خيارات أكثر ، لكنها لا تقبل إلا بما تراه هي، حتى ولو كان لا يصلح علاجا للمشكلة. وذكرت الحاضرين: اللواء جميل واللواء ناصر وضباط الأمن بواقعتين، لم يمض عيهما إلا شهور قليلة، أفشلت فيهما الأجهزة الأمنية حوارا، كان يمكن أن يعمل على وقف الاقتتال الأهلي.

أولهما قصة اللقاء بين الشيخ "عبد الله علوان" عالم حلب المعروف، وبين قادة الأجهزة الأمنية في حلب، أواخر شهر آب من عام 1979، وبعض أولئك الضباط يحضر معنا الآن:

لقد كان الشيخ متخفيا عن أنظار أجهزة الأمن خوفا من اعتقاله. فلما تصاعدت المواجهات في حلب وكاد الأمر يفلت من أيدي الأجهزة الأمنية، جاءهم توجيه من العاصمة دمشق للبحث عن آليات أخرى غير المواجهة العسكرية لإيجاد حل للموقف المستعصي، وربما كسباً للوقت الذي يعمل في غير صالحهم، وكان "حسني عابو" مسئول الطليعة المقاتلة في حلب معتقلا عندهم. وقد سأله ضباط الأمن عن رجل يحظى باحترام المقاتلين يمكن الحوار معه؟ وبدون تردد قال: أفضل من يستمع له المقاتلون هو الشيخ "عبد الله علوان".

لم يجد قادة الأمن أفضل من مفتي حلب الشيخ "محمد الحكيم" ليصلهم بالشيخ "علوان"، فاتصلوا به. وطلب منه العقيد رئيس فرع أمن الدولة الاتصال بالشيخ "علوان" وإحضاره إليهم. فقال له "الحكيم" بلهجته الحلبية: أيوه! وهل أنا ساذج إلى حدٍ يجعلني أسلمكم الشيخ فتعتقلونه؟ إذن أبوء باحتقار جميع مشايخ حلب. فطمأنوه أنه إذا أتى به، فسيعود معه، وهكذا كان.

كان الشيخ "علوان" جريئا، يسعى إلى حلٍ يجنب حلب إراقة الدماء، فقَبِلَ أن يحضر اللقاء مع القيادات الأمنية في حلب. حاول الشيخ "عبد الله علوان" الوصول مع ضباط الأمن إلى الإعلان عن "مصالحة وطنية" تبدأ بإعلان العفو عن المقاتلين، وإطلاق سراح المعتقلين، إلا من تورط فيحاكم. لكن بقدر ماكان المأزق محرجا للقيادات الأمنية كان هؤلاء على غير دراية بما يصلح كحل للموقف. فقد طلبوا من الشيخ "عبد الله علوان" أن يسعى مع قيادة الطليعة المقاتلة أن تقبل بوقف العمليات وإلقاء السلاح. فقال الشيخ: وهل يقبل من يحمل السلاح بأن يسلم سلاحه بدون ضمانة؟ وانتهى اللقاء من دون الاتفاق على قاسم مشترك. ووفّى ضباط الأمن بوعدهم للشيخ "محمد الحكيم"، فخرج مصطحبا معه الشيخ "علوان"، بعد أن فشل ضباط الأمن بالوصول معه لاتفاق على طريقة لإيقاف الاقتتال.

قصة أخرى توضح كيف أن الحلول الأمنية تفشل في اجتراح الحلول. بادر الأستاذ "أمين يكن" نائب المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين بالاتصال بالرئيس حافظ أسد أواخر عام 1979. وقد نجحت وساطته بإطلاق سراح بعض المعتقلين، وتخفيف حدة التوتر في البلد. وبدأ الناس يتكلمون عن عودة السلم الأهلي إلى سورية. لكن أطرافا أمنية في السلطة أجهضت الوساطة، التي كان مقدرا لها أن تئد الفتنة في المهد، ولتدخل سورية، بعد ذلك، في نفق مظلم، لم تستطع الخروج منه، وحتى الآن.

انتهى لقاؤنا مع وفد القيادة القطرية. فاستدعى الرائد "حسن خلوف" رقيبا وطلب تأمين سيارة توصلنا إلى مركز انطلاق الباصات بالمدينة. بعد أن أصبحنا خارج فرع المخابرات بالسريان قلنا للرقيب:هل من مانع عندك لو تدبرنا أمرنا بسيارة أجرة؟ فقال لا مانع. كنا نريد الخروج من هنا بسرعة خوفا من أن يعدلوا عن رأيهم –بعد الحوار الساخن معهم- فيعيدوننا إلى معتقل سجن "المسلمية".

ـــــــ

*كاتب سوري

هوامش واستدراكات:

1 - كانت الحلول التي اتبعتها السلطة دائماً أمنية صرفة. فمفاوضاتهم مع الشيخ "علوان" تمت لكسب الوقت واستيعاب الأحداث المتصاعدة، ولذلك لم يقدر لها النجاح.

2 - ربما كانت المفاوضات التي تمت مع نائب المراقب العام للإخوان - أقول ربما - تتسم بالجدية. لكن الجناح الاستئصالي في السلطة أحبط المصالحة.

3 - كان خوفنا من أن يلغى أمر إطلاق سراحنا مبرراً وفي محله. فقد أطلق سراحنا يوم 13 آذار 1980. وفي يوم 31 آذار توقفت أجهزة الأمن عن إطلاق سراح المعتقلين. بل قامت باعتقال أعضاء النقابات المهنية، ودخلت البلاد في دوامة العنف من جديد.

4 - لا يسعني عند استحضار هذه الأحداث إلا أن أترحم على من مات ممن وردت أسماؤهم في هذه الذكريات ومنهم: الشيخ عبد الله ناصح علوان والشيخ محمد الحكيم، ورفيقي في رحلة الإفراج عنا المهندس محمد نعيم فارس. وأخص هنا بطلب الرحمة لأستاذنا الفاضل "أمين يكن"، الذي قتل عام 1999 في ظروف غامضة وهو عائد من أرض له شمال حلب. وقد اتجهت الشكوك في تلك الجريمة إلى الجناح الاستئصالي في النظام، لإجهاض وساطة أخرى كان المرحوم يعد العدة للبدء بها. رحم الله الجميع رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

-------------------------

المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

الصفحة الرئيسةأعلى الصفحة

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ