ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 01/02/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

كتب

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


اليهودية واليهودية الصهيونية في روسيا

(وحقيقة البروتوكولات)

ميثم الجنابي

المقدمة

النزاع العربي اليهودي المعاصر هو النزع الأخير "للمسالة اليهودية"، التي لا تتمثل في وجود اليهود أو عدم وجودهم في فلسطين ماضيا وحاضرا ومستقبلا، بل هي تراكم يمتد لألفي سنة ويمثل محصلة لمفهومي الشتات والغيتو. والألفة الغريبة بين هذين النقيضين هي جوهر العقدة اليهودية التي صارت عقيدة للصهيونية السياسية، التي نرى تجسيدها الآن في "اسرائيل" وعلى الساحة العربية.

فقد تحول الشتات والغيتو إلى مصادر مدت اليهود في غضون قرون عديدة بعناصر التجزئة والوحدة. وجعلت منهم سبيكة لها أشكالها الخاصة ومصائرها المتنوعة في مختلف البلدان. إذ كان لشتات (تشرذم) اليهود وغيتواتهم (انغلاقهم) في كل بلد توليفهما الخاص، الذي لم يكن معزولا عن تاريخ البلدان المعنية وطبيعة تطورها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. فكلما كان البلد المعني اكثر استعدادا للتجزئة (التشتت) سياسيا وقوميا وثقافيا، ازدادت قدرة الشخصية اليهودية، بوصفها توليفا للشتات والغيتو، اكثر قدرة على التأثير الاقتصادي والسياسي والثقافي. إذ يمكنها الدخول بسهولة في شقوق الشتات (القومي والسياسي والثقافي) والعمل فيها بهيئة غيتوات، كما هو جلي في تاريخ روسيا (وأمريكا والعالم العربي المعاصر).

لقد كان من الصعب على اليهودية الصهيونية أن تتصرف بحرية أو أن يكون لها وزنا يذكر في روسيا "المركزية" بالمعنى الثقافي والسياسي، المستندة إلى بؤرتها القومية (الروسية). وحالما جرى تفتيت الوحدة الروسية إلى قوميات ودويلات، وبالأخص بعد كسر روحها القومي، اصبح الغيتو اليهودي القوة الفاعلة والفاصلة في شقوق الدولة الروسية (السوفيتية). وهي ظاهرة يمكن ملاحظتها بدقة ووضوح بعد "الانقلاب البلشفي" عام 1917 و"الانقلاب الديمقراطي" عام 1991. بينما نلاحظ ضعفها واضمحلال قوتها بعد كل تركز للدولة القومية وتماسك ثقافتها الداخلية.

والقضية هنا ليست في فضيلة الدولة القومية المتماسكة وثقافتها المتوحدة فحسب، بل وفي رذيلة العقدة المتراكمة في شخصية الشتات والغيتو التي جعلت الأديب الروسي الكبير كوبرين يشّبه اليهودي بحلاق كما تروي إحدى النوادر الشعبية الروسية، الذي كان يتوقف أثناء حلاقته أحد الزبائن، لكي يتبول في إحدى زوايا المحل. وعندما أنهى حلاقته، قال للزبون المستغرب:

لا شئ! كل ما في الأمر أننا سوف ننتقل غدا إلى محل آخر!

أي أن الشعور بالغربة يجعل اليهودي كيانا غريبا ومغتربا لا ملجأ يأتمن إليه غير العزلة المغروسة في أعماقه على هيئة غيتو متنوع الصور  والأشكال، التي تجعل من كل ما ليس له مبولة ومزبلة!

أما في روسيا، فان "للمسالة اليهودية" تاريخها الخاص، الذي صنع سبيكة خاصة من نموذج الشتات والغيتو، أثر وما يزال يؤثر في حياة روسيا ومصيرها التاريخي.

إن روسيا من الناحية التاريخية هي المحطة الكبرى لتجمّع اليهود قبل احتلال فلسطين. وهي ميدان اليهودية الصهيونية ومرتعها المعاصر. وفيها نشأ وجرى تجريب الوعي الماسوني الصهيوني واليهودي الصهيوني، الذي تجسد مرة في "اشتراكية قمع" عام 1917، ومرة أخرى في "رأسمالية فقر" عام 1991. ذك يعني أن روسيا حاليا هي الميدان الملتهب خارج حدود فلسطين للصراع العربي اليهودي. فالوجود اليهودي في آسيا ضعيف ولا تكاد تكون له آفاق، وهو اخذ بالاضمحلال في أوربا، التي كانت إلى الأمس القريب بداية ومنطلق وأساس ظهوره المعاصر وقوته الكبيرة. في حين تتحول روسيا الآن إلى المحطة ما قبل الأخيرة خارج فلسطين لصنع السبائك المتنوعة لتقاليد الشتات والغيتو.

إن "مسالة" اليهود هي عقدة بالنسبة لروسيا والعالم العربي. فروسيا تعاني من ثقل "كينونتهم" الصهيونية في احتلال الاقتصاد والسياسة والإعلام، والعالم العربي يعاني من ثقل "كيانهم" في احتلال الأرض. كما أن لكل منهما طريقه الخاص في حلّ هذه العقدة وإنهاء الاحتلال. ولكنه طريق لا يمكن الشروع به وإنجازه دون وضع أسس الدولة القومية وتماسكها السياسي. فهي الأسس الضرورية لإنهاء الاحتلال. وهو سبب فزع اليهودية الصهيونية من "القومية" و"الأصولية"، لأنها تجد فيهما أوعية تذوب فيها شظايا الشتات والغيتو، وتصاب شخصيتها "النموذجية" بالعطل.

والمسألة هنا ليست فقط في أن روسيا احتوت على اكبر تجمع لشتات اليهود في أوربا وآسيا، بل ولخصوصية الغيتو فيها، وإفرازاته في الصهيونية السياسية التي جسدت نموذجا متميزا لكيفية تحويل العقدة اليهودية إلى عقيدة سياسية. لذلك من الصعب فهم ما جرى ويجري وسوف يجري في روسيا وآفاق الصراع العربي - اليهودي في فلسطين دون دراسة وتحليل خصوصية الشتات والغيتو اليهودي فيها (ونفس الشيء ينبغي فعله تجاه أمريكا وأوربا).

مما لا شك فيه، أن اليهودية الصهيونية، بوصفها قوة فاعلة ومؤثرة هي عرضة للزوال والانقراض في روسيا، بينما ستدوم فترة من الزمن في الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد ذلك ستتخذ المسار إياه سواء بدفع خارجي أو من دونه. والزوال مفروض بحكم المنطق على الشتات (التشرذم) والغيتو (الانعزال)، باعتبارهما بقايا المتحجرات العرقية. وهي متحجرات سوف نعيد دراستها في فلسطين تحت مجهر الرؤية الثقافية، قبل أن تؤول إلى متحف التاريخ العربي والعبري مرة واحدة والى الأبد، وكأنها مومياء محنطة لا معنى لفك أربطتها.

حينذاك سيفهم العبرانيون، بعد اندماج من هو مستعد وقادر على الاندماج في العالم العربي وثقافاته العريقة، بان اليهودية في غضون الألفي سنة الأخيرة، هي جزء من تاريخ "التيه الإسرائيلي". وان الصهيونية هي سراب سيناء، وما وراءها فلسطين. فهي بداية ونهاية العهدين القديم والجديد، وبوابة الانتماء الحقيقي لأصول المنطقة الثقافية، التي شكل العرب قاعدتها وأساسها. إذ ليس العبري التائه بالمعنى التاريخي والثقافي، سوى العربي المقلوب. والمهمة تقوم في أن يقف على قدميه كانسان طبيعي.

وهي مهمة يصعب تنفيذها دون إدراك حقيقة الشخصية اليهودية ومكوناتها الجوهرية أيضا. إذ يفترض إدراك صورة الخصم معرفة مكوناتها التاريخية والثقافية، وبدون ذلك يكون من الصعب مواجهتها وتحديها وتذليلها. فهو إدراك يساهم أيضا في تقويم الأنا من خلال كشف معالم القوة والضعف الفعلية في الصورة الذاتية. هنا تكمن القيمة النظرية والعملية لإدراك صورة اليهودي واليهودية في الصراع العربي – اليهودي المعاصر. والمهمة المطروحة أمامي لا تقوم في تخيل صورة اليهودي، بل في رسم صورة سياسية ثقافية لليهودية، بحدودها التاريخية ضمن المواجهة المعاصرة بيننا وبينهم. والمطلق في هذه الصورة هو نقد الواقع وضرورة تذليله بما يخدم الحق والحقيقة. وإذا كانت روسيا وتاريخها المعاصر والمنظور هو ميدان التحليل المباشر، فلأنه أحد العينات النموذجية لا غير.

فالصراع العربي – اليهودي المعاصر يتغلغل في كل مسامات وجودنا، ومن خلاله تتحدد أيضا ملامح الحلول الكبرى للصراع بين رؤيتين متباينتين وثقافتين متعارضتين عن الحياة والمثال. وهو صراع له تاريخ عريق في الصورة والمعنى.

 

ميثم الجنابي.

الشتات والغيتو روافد "الشخصية اليهودية"

لكل شعب مصيره الخاص. وما تصير إليه الشعوب هو نتاج لما فيها وتجل لاستعدادها الذاتي. وبالتالي لا تنعزل صفات الشعوب عن صيرورتها التاريخية. فعلى مجراها تتبلور الشخصية الواقعية والنموذجية للشعوب. وهي شخصية عرضة للتغير والتبدل، ولكنها تحتوي على بؤرة ثابتة وفاعلة تشكل في الإطار العام ما ندعوه بنموذجها التاريخي. وهو نموذج يجري التدليل عليه في الأقوال والأفعال (الأنا)، وكذلك في ما تولده من تصورات وانطباعات وأحكام وتقييمات في وعي الثقافات الأخرى (الآخر). وأخيرا في الأثر الذي تتركه على مسار التاريخ العالمي أو المحلي.

وليست هذه الحصيلة في الواقع سوى النتاج "الطبيعي" لاستعدادها الذاتي المتبلور في كيفية حلها لإشكاليات الوجود الكبرى وكيفية وضعها حلولها هذه في عقائدها الكبرى عن النفس والآخرين، وعن عوالم الملك (الطبيعة) والملكوت (ما وراء الطبيعة) والجبروت (الوجود الإنساني)، وما تخلفه فعليا في التاريخ الإنساني.

ولا يشذ تاريخ اليهود عن هذا الاتجاه العام. إن تصور اليهود عن أنفسهم هو  حصيلة متحجرة لبقائهم ضمن قيود ومعايير العرقية (العنصرية) الخالصة. وذلك لاستمرار اليهود واليهودية في مرحلة ما قبل التاريخ الثقافي. فالمعيار الحقيقي لتجاوز الأمم لكيانها العرقي يفترض تحررها الداخلي عبر ارتقاء نظراتها عن الملك (الوجود الطبيعي) والملكوت (الوجود الماوراطبيعي) إلى مستوى الرؤية الأخلاقية المتسامية، أي عبر ارتقاء تصوراتها وقيمها وأحكامها عن الوجود الطبيعي والماوراطبيعي إلى مصاف الفكرة الأخلاقية العامة (الإنسانية الجامعة). فهو ارتقاء يجعل من الممكن انتقال الشعوب والأقوام من مضيق العرقية البدائية إلى رحاب الإنسانية الثقافية، والذي يتحدد بكيفية حلهم لإشكالية الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة (الإنسانية)، وكذلك بكيفية وضع هذا الحل في "رؤية كونية".

إن بقاء الرؤية اليهودية ضمن معايير وقيود العرقية (العنصرية) جعل ويجعل "رؤيتها الكونية" أسيرة الافتقاد الدائم للبعد الإنساني – الأخلاقي. وإذا كانت صورة الأمم والثقافات عن ذاتها والآخرين هي التعميم المجرد عن تجاربها التاريخية، فان بقاء اليهودية ضمن معايير العرقية قيّد رؤيتها للطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة البشرية ضمن حدود ضيقة. لذا لم يكن (التكوين) اليهودي، الذي جعلت التوراة منه منطلق رؤيتها عن الآخرين أيضا، سوى كتلة عنصرية متراكمة من عناصر عقدة النفس بحيث جعلت من صفاتها صفات للإله نفسه. فالإله اليهودي هو جزء من الآلهة الوثنية لا قدسية فيه، وعادة ما يبرز من بين أظلاف التيوس والماعز وصوف الكباش وقرون الثيران وشحم الخراف، كما هو جلي في (سفر اللاويين). وفيه نرى ملامح الذبح والسلخ الدائمين ونشم منه رائحة الشي والحرق، باعتبارها الإثارة المغرية للروح اليهودي في التعامل مع كل ما هو حي. وهي إثارة يحددها الادعاء الكبير للإله القومي، الذي ما هو في افضل الأحوال سوى شيطان أمرد. وهو اله لا يربي في الإنسان بعدا إنسانيا، بسبب خضوعه لنزوات عبدته. لذا نراه في (سفر التكوين) يحزن ويتأسف ويرغي ويزبد في رغبته لمحو الإنسان عن وجه الأرض! بينما لا معنى "لتأسف" الإله على خلق مخلوقاته، لأن ذلك فعل يتناقض مع الحكمة العقلية والوجود الطبيعي والأخلاق الرفيعة للوجود نفسه. إذ ليس "تأسف" الإله اليهودي سوى هوى اليهود أنفسهم وسدنتهم. وليس مصادفة أن نسمع الآن من "علماء اليهود" المعاصرين صيغا شبيهة "بتأسف" الإله اليهودي، كما هو الحال بالنسبة لتصريح "الرئيس الروحي" لحزب شاس عن أن إلاههم يأسف لأنه خلق العرب! وهو تصريح سخيف بحد ذاته، لان الإله اليهودي لا يخلق إلا يهودا. وهو تصريح يشبه قول أحد حمقى العرب من انه لا يفهم حكمة الله في خلقه اليهود والذباب! مع أن لكل منهما "حكمة" دون شك! إلا أن استغراب "أحد العرب" هو "اجتهاده" الشخصي، بينما "اجتهاد" "الرئيس الروحي" هو "فتوى" معبرة عن إجماع التقاليد اليهودية على الزيف والضلال. والمسالة هنا لا تقوم في انه لا قيمة لحكم وتأسف ورغبات الإله اليهودي (القومي) تجاه الآخرين، بل ولمناقضة هذه الرغبة الهمجية المعطيات والحقائق الكبرى للتاريخ المادي والمعنوي الإنساني. إذ لم يتجرأ أي من الأدباء العظام والمفكرين الكبار والمؤرخين المشهورين والشعراء الفحول (من غير العرب واليهود) على صياغة فكرة سيئة بحق العرب، كما لم يصغ أي منهم فكرة حسنة عن اليهود.

هذه "الفتوى اليهودية" وأمثالها الكثيرة المعاصرة عن العرب لها تاريخ خاص في "المثال" اليهودي، كما هو جلي في موقفهم من الشعوب والأمم الكبرى. أننا نعثر في التوراة على رغبة الإله اليهودي في أن "يجعل من كنعان(أهل فلسطين الأصليين) ملعونا وعبدا"، بينما تصبح بابل المكان الذي تبلبلت فيه السن الشعوب والأمم، وتصبح مصر وأهلها، أي من أنقذ اليهود، حسب أساطير التوراة نفسها، من المجاعة والموت، تهمة وشتيمة. في حين يتحول (الخروج) وأحكامه كما وضعت على لسان موسى إلى "سفر" عن مشاركة "الملاك" إياه في طرد الكنعانيين والأموريين والحثيين والغرزيين والحوبيين واليبوسيين. بحيث طالب إلههم موسى في (العدد) بالانتقام لبني إسرائيل من المديانيين بقتل ذكورهم وسبي نسائهم وأطفالهم وسرقة مواشيهم وحرق مدنهم، كما لو أن قيمة (العدد) تتمثل في تعداد من ينبغي طرده وقتله. بينما تمثل "قوانين" و"تعاليم" (التثنية) في تعاملها مع "الأعداء" هراوة عنصرية دموية الظاهر والباطن. في حين لا نعثر في التوراة كلها على مديح أو ثناء لأي شعب من الشعوب التي أرست أسس الحضارة الإنسانية. على العكس أنها تكتظ بالشتائم القبيحة والأحكام المبتذلة والكراهية الوسخة، التي تكشف عن طبيعة النفس الغضبة اليهودية وإلهها. تلك النفس التي جعلت اليهودي وإلهه في مستوى واحد.

وفي تطابق الإله اليهودي مع اليهودية تكمن مصادر فكرة "الشعب المختار". فالإله اليهودي يهودي، واختياره منه إليه، أي انه اله اثني كشعبه. ومن ثم فهو خال من أي بعد إنساني شامل، ومن أي تجريد قادر على تحرير اليهود من يهوديتهم. وذلك هو سبب تحجر فكرة "الشعب المختار"، التي لا تعني ثقافيا سوى تميزهم عن الآخرين بالعجز عن تجاوز العرقية (العنصرية). في حين أدى تحجرها بفعل تداخل الإله الاثني مع العرقية العنصرية إلى بناء عقيدة تفتقد بالضرورة إلى عناصر الجمعية الإنسانية. ومن ذلك تكونت سلسلة إنتاج وإعادة إنتاج الانغلاق الذاتي لليهود وعدم قدرتهم على تذليل هوى الصورة الذاتية وتجاوزها إلى ميدان إبداع صورة المثال. لهذا لا تعرف اليهودية الفضيلة المجردة ولا القيم المجردة ولا الإله المجرد. أي أنها ليست قادرة على الارتقاء إلى مصاف السمو المطلق. مما اغلق عليها إمكانية التحرر الذاتي من إسار العرقية البدائية، وأبقى عليها ضمن حسيتها المباشرة في التعامل مع النفس والآخرين. بهذا المعنى يمكن القول، بان المغزى التاريخي "لاختيارهم" هو جعلهم عبرة لما لا ينبغي للأقوام والشعوب والأمم أن تكون عليه.

وجدت هذه النفسية انعكاسها في "العهد القديم"، الذي لم يكن هو الآخر سوى "صك الغفران" المزيف الذي ابتاعه اليهود لأنفسهم من اله لا يمثل الحق المتسامي. مما أدى إلى بلورة تقاليد اليهودية عن "الاصطفاء"، التي جسدها اليهود في كيانهم بهيئة أمة لا كالأمم، وتاريخ لا كالتواريخ. وهو تميز حددته تقاليد العقيدة المتحجرة في كيفية حلها لعلاقة الطبيعي بالماوراطبيعي في الإنسان والجماعة (البشرية). فالنموذج الأعلى لليهودية تجسد في اله لا حق فيه. لهذا عجزت اليهودية عن إبداع صورة للمثال الإنساني الشامل. مما افرغ تاريخها من وحدة القيم والفضائل المتسامية.

لقد جعلت فكرة "الشعب المختار" منه شعبا محتارا، ولكن لا بمعايير الحيرة المعرفية، بل بتقاليد التيه الدائم. حتى الأسطورة التوراتية لم يكن بإمكانها التخلص من ثقل الجسد في تعاملها مع "التيه اليهودي" في سيناء. إذ ليست سيناء في الواقع سوى الصحراء التي لا يمكن للنفس اليهودية أن تذللها ما لم تذلل مكونات اليهودية العنصرية (الإله القومي والاصطفاء المزيف والنفس الغضبية). بل حتى النموذج الموسوي، كما تصوره التوراة، ما هو إلا نموذج المكان اليهودي الذي لا زمان فيه. فالخلاص اليهودي ليس مبنيا على أساس تطهير النفس، باعتباره تجسيدا للتاريخ الحق والعدل المجرد، بل على أساس تطهير المكان من "الآخرين". وهو تقليد ميز اليهودية بروح الغضب. فحيثما يكون اليهودي يكون الغضب القوة المحركة للعلاقات. وهو السبب الذي يفسر تعرضهم المتكرر "للتطهير الخارجي" من سرجون (721 ق.م.) إلى تيتوس ( 70 م .) مرورا  بنبوخذنصر (587 ق. م.). وانتهاء بالانتقامات الشعبية والحكومية المتكررة في جميع البلدان التي عاشوا فيها(باستثناء العالم الإسلامي). وليس الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين سوى الصيغة السافرة لتقاليد النفس الغضبية في تعاملها مع النفس والآخرين (العرب الفلسطينيين). وليس مصادفة أيضا أن يرتكب الإسرائيليون مجزرة قانا في الجنوب اللبناني تحت عنوان "عناقيد الغضب". ومن الناحية التاريخية والروحية لم يكن وصف النصرانية بدين المحبة اعتباطا. فقد كانت المحبة المفرطة، بوصفها العقيدة المركزية للمسيح رد الفعل المباشر على الكراهية المفرطة المميزة للنفس الغضبية اليهودية. وهو "غلو" ميز الاثنين، ولكن شتان ما بين غلو المحبة وغلو الكراهية. وهي حقيقة سجلها القران في إحدى آياته القائلة، بان اشد الناس كراهية للإسلام وحقدا عليه هم اليهود والذين كفروا. بينما اعتبر النصارى ارأف قلوبا وأميل في محبتهم للمسلمين.

إن تميز اليهود بسيادة النفس الغضبية بينهم هو نتيجة لافتقادهم معنى الحق المتسامي والفضيلة المجردة. وذلك ما جعل منهم قوما "مغضوبا عليهم". وليس مصادفة أن تبدأ السورة في القرآن (بسم الله الرحمن الرحيم) كإشارة إلى أن الإسلام هو دين الرحمة. وليس مصادفة أيضا أن تحتوي (فاتحة) القران على طلب الاهتداء بالصراط المستقيم (الحق) باعتباره نعمة مناقضة "للمغضوب عليهم". إذ ليس المغضوب عليه سوى ذاك الذي يفتقد لفكرة الحق ومثالها المتسامي باعتباره قبلة مطلبه ومساعيه. ويؤدي فقدان فكرة الحق المتسامي إلى سيادة النفس الغضبية التي لا تصنع عدلا ولا اعتدالا ولا تستفيد من حكمة. وهي نفس تؤدي بالضرورة إلى تشتيت الروح والجسد. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى تاريخ الشتات اليهودي باعتباره تاريخ النفس الغضبية. وليس تاريخ المغضوب عليهم سوى تاريخ اليهودية نفسها، أي أن الغيتو التاريخي لليهود هو النتاج الملازم لانغلاقهم العرقي الديني.

إن افتقاد اليهودية لتاريخ حقيقي جعل من انغلاقها وشتاتها وجهين للصورة الذاتية التي بلورها "العهد القديم" عن اليهودية واليهود. فافتقاد "العهد القديم" للفضيلة المجردة جعل موقفه من النفس والآخرين أمرا لا يبنى بالضرورة على أسس الحق والحقيقة. إذ ليست الحقيقة في "العهد القديم" سوى كذب اليهود عن أنفسهم، وما عدا ذلك فليس سوى سرقة لتراث الآخرين، ابتداء من أساطير الخلق والطوفان وانتهاء "بنشيد الأنشاد". وقد بلور ذلك في اليهودية شخصية الطفيلي الذي لا يتورع عن فعل كل شئ من اجل بلوغ غايته. مما وضع اليهودي واليهودية في صدام دائم مع الآخرين. فهو الشعب الوحيد الذي أثار عند كل من احتك به من الأقوام والشعوب والأمم شعور الاشمئزاز أو النقد اللاذع. وهي علاقة خلقت نفسية الغيتو اليهودية، باعتبارها استظهارا لروح الانغلاق اليهودي نفسه. فتقاليد الغيتو اليهودية لم تنبع من تقاليد الشتات، على العكس إن تقاليد الشتات كانت وليدة تقاليد الغيتو التي بلورها "العهد القديم" في شخصية اليهودي واليهودية. وهو ما يفسر بقاء اليهودية (كدين وعرق) منغلقة على ذاتها، أي غير مستعدة للانفتاح على الآخرين والاندماج الثقافي بهم.

وهو انغلاق صنع اليهودية الصهيونية، مع أنها ولدت وترعرعت وتبلورت في عالم الانفتاح الأوربي. فمن الناحية المنطقية يفترض ذلك انفتاحها الإنساني والديمقراطي، على الأقل بمعايير القومية الأوربية. إلا أنها سارت من حيث الجوهر بتقاليد الجرمانية بشكل عام والعنصرية منها بشكل خاص. أي أن لها جذورها العريقة في تأثير التقاليد الألمانية على يهود أوربا في مرحلة خروجهم الظاهري من تقاليد الغيتو. من هنا اتخاذها شكلا ومضمونا دونيا لا إنسانيا حقيقيا. إذ يفترض التحرر الحقيقي والانفتاح الاندماج الثقافي. فعندما قال اليهودي جبرائيل ريّسر، أحد دعاة التحرر والانفتاح على الثقافة الأوربية، أن اليهودي الذي يحلم بدولة لا وجود لها (الدولة اليهودية) عوضا عن ألمانيا، ينبغي أن يراقب من قبل الشرطة، لا لان آراءه معارضة لألمانيا، بل لأنه مصاب بمرض نفسي، فانه لم يع تعقيد "المسالة اليهودية". وبغض النظر عن انه نفسه لم يكن بإمكانه التخلي عن يهوديته، فان إحساسه تجاه الثقافة الألمانية واثر لغتها القومية وإبداع شعرائها العظام، التي أشعلت نار الحرية في قلوب اليهود، كما يقول ريّسر، ظل فرديا. بما في ذلك عندما دعا إلى أن يتبع اليهود الشعب الألماني في كل ما يقوله ويفعله. ووضع ذلك في شعر يقول، بان أبانا في السماء واحد، وأمّنا في الأرض واحدة، وإذا كان الله هو أبو الجميع، فان ألمانيا أمّنا.[1] أما في الواقع، فان تمسك اليهودي باليهودية هو الذي يعيق تحرره من إسار الغيتو والشتات. فاتباع الثقافة الألمانية في كل شئ لا يخلق ثقافة ألمانية ولا ثقافة يهودية، بل يصنع إعلانات ودعايات براقة، غير قادرة على إنتاج معرفة حقيقية وإبداع أصيل. وفي افضل الأحوال هي مجرد نسخة موازية للأصل، وباهتة بمعايير الإبداع الحر.

يفترض الإبداع الأصيل التحرر أولا من تقاليد الشتات والغيتو، بوصفها تقاليد الابتعاد عن الحق والحقيقة. لأنه لا حق ولا حقيقة خارج المعاناة الصادقة في معترك المشاكل الإنسانية الكبرى وحلولها. وهو ابتعاد يؤدي بالضرورة إلى فقدان الاعتدال وشّحة الرؤية الثقافية عن الوجود في مختلف مستوياته. وذلك لان العزلة والعرقية الضيقة لا يصنعان اعتدالا ولا حقيقة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمات.

فقد رسخت تقاليد الشتات والغيتو في أعماق اليهودية نموذجا تاريخيا جرى تحويله لاحقا إلى تاريخ نموذجي. وهي قوقعة صنعت "الشخصية اليهودية" "التاريخية" عبر انتزاعها منذ البدء من عبرانيتها القديمة، ووضعتها في صراع مع أسلافها أولا، بحيث جعلها في غربة غريبة وتامة مع الآخرين.

فقد نظرت اليهودية إلى نفسها واتباعها باعتبارهم تجسيدا للمقدس. وشارك هذه النظرة "الفاسقون" منهم و"الورعون". فقد قال اللاويون، كما تحكي التوراة في (العدد، الإصحاح 16) لموسى في معارضتهم إياه "إن كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب، فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب" (أي أننا مقدسون والإله بيننا فما بالك تستعلي علينا). ووقع موسى في الفخ، حسب الصيغة التوراتية، عندما أجابهم قائلا، بان الإله سوف يقرر من هو المقدس بيننا! وهي مغالاة بلغت ذروتها عبر انتشارها واليقين بها في "العهد القديم" عن انه "شعب مقدس" و"كل ما يفعله مقدس" لأنه "شعب مختار".

وسارت آراء اليهود المدونة والشفوية عند مؤرخيهم وكتابهم وأدبائهم ضمن الإطار العام الذي سطروه هم عن أنفسهم ورفعوه إلى مستوى "المقدس" كما هو الحال في التوراة وكتبهم الأخرى، مع إضافة ما "يتجدد" في مجرى التاريخ وتجاربهم الجزئية فيه.

وفي الإطار العام يمكن صياغة تقييم اليهود عن أنفسهم، بأنهم "الشعب الأعلى شأنا روحيا والأفضل أخلاقا من باقي الأمم والشعوب"، و"انهم الأكثر علما وإبداعا، وفيهم منبت المعرفة والعلم والدين". فالباحث اليهودي (أ. ماير)، يقول، بان "اليهود بقوا على الدوام في عوالم الخيال"، و"لم يتميزوا في يوم ما بالقسوة والثار المميزين للآخرين". في حين استعرض فريدليندر في أبحاثه التاريخية المتعلقة "بالعداء للسامية" في العالم القديم حصيلة الانطباعات الإيجابية عن اليهود في تقييمه القائل، بان "اليهود وضعوا أمام أنفسهم هدفا واحدا فقط ألا وهو قيادة الإنسانية في حياتهم الأخلاقية". وان "ما يميز اليهود عن غيرهم هو احتقارهم للثروة والمادة"، و"أن فضيلتهم الكبرى تقوم في إيمانهم العميق وإقرارهم بالقانون وتعظيمهم للأعراف والتقاليد وتواضعهم في العيش وتميزهم بالجود والعطاء والتماسك الاجتماعي واحتقارهم للموت في المعارك وحبهم للأعمال المنتجة". و"أن سبب حسد الآخرين لهم شعوبا ودولا وأفرادا هو لكونهم شعب الأنبياء والمتألهين والمخلصين".

بينما سارت انطباعات وتقييمات وأحكام الأمم والجماعات والأفراد والدول من غير اليهود عنهم في اتجاه معاكس ومضاد تماما. واشترك في هذه الأحكام أنبياء وأمراء، ودعاة مخلصون للإنسانية ومجاهدون من اجلها، قياصرة وأباطرة، جمهوريون وملكيون، مستبدون وديمقراطيون، أمميون وقوميون، يساريون ويمينيون، فلاسفة ومؤرخون، أدباء وشعراء، موسيقيون وفنانون، قديما وحاضرا.

ففي مصر القديمة جرى النظر إليهم كما تنقل التوراة نفسها، باعتبارهم شعبا لا يؤتمن إليه ويتصف بأخلاق دنيئة ونفس عبودية. ونظرت لهم حضارات العراق القديمة من بابليين وآشوريين وغيرهم نظرتها إلى همج وغوغاء. وفي الحضارة اليونانية والرومانية كانت كلمة اليهودي رديفا للوساخة والقذارة. لهذا عادة ما كان يجري مطابقة مظهره الخارجي (القذر) مع أخلاقه الباطنة. وليس مصادفة أن يجري تصوير موسى نفسه في كتابات القدماء المنتقدة لليهود واليهودية، على انه "نموذج للأخلاق الخربة". وأدى ذلك إلى أن ينظروا إلى اليهودي كما لو انه تجسيدا للنتانة والجيفة والروائح المقززة. فعندما مر مارك انطوني بفلسطين وشاهد مظاهر اليهود وأوساخهم صرخ بأعلى صوته قائلا: يا أيها الماركونيون والقلاوليون والصرمانيون! وأخيرا عثرت على من هو اكثر تخلفا منكم! كما نقل بلوتارخ أخبارا عن أن ما يميز الرومان هو معاملتهم الحسنة الموقرة والمحترمة للملوك المهزومين من أعدائهم، والاستثناء الوحيد كان موقفهم من ملوك اليهود. بينما تجنب ابن الإمبراطور اوغسطين المرور بأورشليم لعلمه بوجود بعض اليهود فيها. وعندما عرف أبوه بسلوكه هذا أثنى عليه وقدّره.

واشتركت تقييمات اغلب مؤرخي العالم القديم في اعتبار اليهود مزيجا من الرذيلة والقسوة والخزعبلات. فقد اعتبرهم شيشيرون "شعبا ولد للعبودية". ووصفهم سينيكا "بالشعب المجرم". واحتقرهم سترابون وانتقد أسلوبهم في الحياة. ووجد روتيلي نامسيان في اليهودية "مصدر الأفكار البليدة"، واعتبرها "مجرد خزعبلات تطير لها عقول العبيد وتجنّ بها". في حين أعتبرهم تاسيت "من أحقر العبيد" معبرا بذلك عن تقاليد المدرسة الاسكندرانية التي احتقرت اليهود واليهودية إلى أقصى الحدود كما هو الحال عند كسيريمون وجوستين وليسيماكس وأبيون، الذي اعتقد بان "اليهود لم يبدعوا شيئا ذا قدر، وان قلوبهم باردة مثلها مثل دينهم". في حين قال عنهم صولون الابالوني، بأنهم "اكثر البرابرة غباء، ولم يظهر بينهم قط شخصا لامعا لا في العلم النظري ولا في العلم العملي". بينما وضع كلوميد كلمة اليهود واليهودية إلى جانب الجلافة والسطحية والدونية في نقده ونعته لابيقور.

كما نظرت النصرانية في مختلف اتجاهاتها وفرقها إلى اليهود واليهودية باعتبارهما "نموذجا للخيانة والرذيلة". وشارك هذه المواقف والأحكام أيضا رجال الإصلاح الديني مثل مارتن لوثر، الذي قال بأنه "ليس هناك شعب تحت الشمس اكثر دموية وتعطشا للقتل والثأر من اليهود".

وفي هذا الاتجاه صبت آراء ومواقف رجال العقلانية الدينية (النصرانية) وممثلي العلوم الطبيعية الأوربية. فقد اعتبر ايرازم الروتردامي "السرقة وسلخ جلود الآخرين الصفات المميزة لليهود، والتي لا يجاريهم فيها أي إنسان أو شعب". في حين اعتبرهم جوردانو برونو "وباءا وجذاما يستلزم القضاء عليه قبل نشوئه"، وذلك لان اليهود، حسب تعبيره، " شعب دنيء، عبد، متملق، حقود، لا أخلاق له ولا ضمير".

وبنفس الاتجاه سارت أحكام وتقييمات رجال التنوير الأوربي. فقد اعتبرهم فولتير "شعبا صغيرا يتميز بإخفاء الحقد الدائم على الآخرين". ومن هذا المنطلق اعتبرهم "شعبا جاهلا وهمجيا يجمع منذ القدم بين الأنانية الضيقة والخرافات المقززة مع حقد لا حد له تجاه من يعطفون عليهم بما في ذلك تجاه من يعاملهم بالمعروف والإحسان".

ووصفهم الأدباء والشعراء من مختلف المشارب والقوميات بابشع الألقاب، بحيث جعلوا من اليهودي نموذجا متطرفا للحقد والجشع والبطش عند المقدرة ودناءة السلوك الباطن كما هو الحال عند شكسبير في (تاجر البندقية). وهي صورة فنية عن القبح والقبيح وجدت تعبيرها وتقييمها المباشر وغير المباشر عند اغلب الكتاب والأدباء العظام في أوربا القرن الثامن عشر والتاسع عشر. فقد قال لافونتين، بان "اليهودي لا يعرف الحدود"، وانه "ماكر ومنغلق وعنود ومنتقم لا حدود لقسوته". وهي "شخصية" جعلت غوته يعارض دخول اليهود في النصرانية، لأنه وجد في ذلك تخريبا لها من الداخل. بل أن اميل زولا، الذي اشتهر بدفاعه عن اليهود عبر دفاعه عن دريفوس في القضية المشهورة، ورد في كتابه الصادر عام 1898، بان اليهود "جنس ملعون، بلا وطن ولا وازع. يعيشون بين الأمم مثل الطفيليين، يداهنون، يعبدون السرقة وحب الدماء والكراهية. فهي آلهتهم الدائمة. انهم كالعنكبوت يلفون ضحيتهم بخيوط دقيقة ناعمة ويمتصونها قطرة فقطرة حتى النهاية". بل أن فاختفانغر نفسه يصف المرابي (اليهودي) بالعبارات التالية:"إن عيونه كبيرة وجاحظة، جشعة وذكية، حذرة ومتوحشة. وتحت مجهر عينيه هذه تتحول الأفكار المتسامية كلها إلى مسخرة ومضحكة".

كما اجمع أساطين الفلسفة الألمانية على إدانتهم العلنية والدائمة لليهود واليهودية. فقد وقف فيخته بالضد من منحهم حقوقا مدنية مساوية للألمان واعتبرهم "دولة داخل دولة". بل انه مرة قال، من الأفضل لو جرى قطع رؤوسهم واستبدالها برؤوس أخرى. في حين اعتبر هيغل الديانة اليهودية مجرد عويل تافه وتعيس ومشوه يفتقد للوحدة الداخلية والهرمونيا. وصورهم ماركس بمختلف الصور والألقاب التي تضعهم في نهاية المطاف خارج تاريخ الإنسان والطبيعة، معتبرا إياهم كيانا منافيا للطبيعة والجمال والحق. في حين اعتبر دوهرنغ الحقد مصدر تغذية اليهود "الروحية". وجعله ذلك يرى فيهم مصدر الخطر الأكبر على الإنسانية.

وتعمقت هذه الصورة وتوسعت ملامحها المتنوعة في مجرى صيرورتهم الجديدة في عوالم الرأسمالية. فحتى نابليون، الذي "يقدسه" اليهود على معاملته إياهم، قال في خطابه أمام مجلس الدولة في 30 نيسان 1806، بان تاريخ اليهود "منذ أيام موسى حتى الآن هو تاريخ الربا والابتزاز". و"أدى سلوكهم هذا إلى استحواذهم على فرنسا وتحولهم الفرنسيين إلى عبيد". فاليهود حسب نظرة نابليون ليسوا فرقة أو طائفة، بل شعب داخل شعب. وان الأذى الذي يلحقونه بفرنسا هو ليس فعل أفراد منهم، بل منهم جميعا. فهم "كالديدان والجراد يقضمون فرنسا ويلتهمونها حتى عظامها". وهي فكرة لم تستند إلى مزاج عنصري انطلاقا من انهم يهودا، بل استنادا إلى تنظيمهم. في حين توصل تشمبرلن في معرض تقييمه دور اليهود في الحروب الطاحنة التي أشعلتها أوربا في مجرى القرن التاسع عشر، إلى أن المال اليهودي وابتزازه الدائم كان وراء جميع هذه الحروب ابتداء من حروب نابليون (ناتان روتشيلد) ضد روسيا وانتهاء بحروب ألمانيا وفرنسا وكومونة باريس، التي لم تكن من ألفها إلى يائها سوى مضاربة يهودية. وهو السبب الذي جعل جملة من العلماء والباحثين الاقتصاديين يرون فيهم شعب المرابين، كما هو الحال بالنسبة للباحث للمؤرخ الاقتصادي زومباردت في بحثه الكبير عن (اليهود والحياة الاقتصادية). بينما اعتبرهم البعض "شعبا بخيلا محبا للدماء" (شتيغلين). ورسم هالفين شخصية اليهودي بعبارة تقول، "بان الشيء الوحيد الذي يثير الدهشة في سلوك اليهودي هي البرودة التي ينفذ بها انتقامه وقسوته. بحيث ترى أمامك آلة بلا روح. فهو كالجزار أمام جثة ميتة. وكل ما يقوم به يشير إلى أن اليهودي كيانا بلا قلب". كما اعتبر اليهودي "بطبعه جبان، وبالأخص عندما يكون وحيدا". وانه "لا شئ يفزع اليهودي ويثير خوفه وهلعه مقارنة بأي إنسان آخر مثلما يثيره ويفزعه المال". ورسم اوتو فينينغر شخصية اليهودي بألوان مكثفة أنجز منها لوحة تقول، بان "اليهودي لا يعرف الشجاعة ولا الخوف ولا يعرف الثبات". فهو "ليس لطيفا ولا خشنا. في الظاهر يبدوا لينا بينما في باطنه قاس". وانه "لا يعرف البشاشة ولا الإيمان الصادق. ولا تثيره إلا المادة ولا يسعى إلا إليها. من هنا ولعه بالمال وتميزه بالجشع، مع انه لا يتمتع بملكة النجاح ومبرراته. غير انه شديد المكر كثير التحمل". فهو "لا يؤمن بالمقدس، بل لا يحب المشروبات الروحية كما يعجز عن الارتقاء إلى مصاف السكر الروحي". وفي افضل الأحوال "لا يندهش إلا ظاهرا وبالمظاهر فقط. لهذا لا يستطيع محبة العالم حبا خالصا". كما انه "يعجز عن بلوغ حقيقة اللذة وذروة الأخلاق". و"ليس مصادفة أن ينتشر بين اليهود اكثر مما بين غيرهم الزواج بدون حب". واليهودي "بلا شخصية، لهذا يعمل ليل نهار من اجل ثلم شخصية الآخرين، ومن اجل إظهار نفسه أمام الآخرين". انه كيان "خال من الفضيلة واحترام الآخرين". أما ما يدعى بالثقافة والتثقف عنده فهو مجرد "تعلق بقشور الثقافة وأصدافها". انه "يبحث دوما عن اكثر من احتمال وإمكانية، إذ لا يوجد عنده ما يستحق أن يعطيه كامل حقه حتى النهاية". انه "لا يعرف الكلّ، وكل كلّ عليه غريب. وهو سبب غياب العبقرية عندهم".

إننا نكتشف في هذه الآراء المتنوعة والمختلفة والمتضادة أحيانا تجانسا وثباتا وإجماعا في الموقف السلبي من اليهود واليهودية. نجد صورة لملامح القبح الشامل لليهود واليهودية في انطباعات وتصورات ومواقف وأحكام وتقييمات المؤرخين والفلاسفة والكتاب والأدباء والشعراء والسياسيين ورجال الدولة من مختلف الحضارات والثقافات والبلدان والأديان والمراحل التاريخية والمشارب السياسية والعقائدية.

وهذا الإجماع قد يتصف في بعض جوانبه بالغلوّ، إلا انه يواجه في واقعيته التاريخية غلوّ الانطباعات والتصورات والأحكام اليهودية عن نفسها. وهي مواجهة نعثر عليها بما في ذلك في الموقف من "النصوص المقدسة" وتأويلها. فإذا كانت اليهودية واليهود قد ادخلوا "مأثرة" استير في كتابهم "المقدس"، وجعلوا من يوم الرابع عشر من آذار عيدا (يوم الفرح) وسموه يوم الفوريم (القرعة) اعتقادا منهم، بان فعل استير يمثل نموذجا للعدل والنصر، وانه فعل لا يتميز بالتعطش للقتل والثأر. لهذا لم يسرقوا ولم ينهبوا بعد قتلهم 75 ألفا من أهل فارس. وقد سلكوا هذا السلوك لأنهم للمرة الأولى بعد قرون من الاضطهاد نراهم يخرجون ويقتلون أعداءهم بقسوة ولكن دون سرقة أموالهم. لقد كانوا يحلمون بالدفاع عن النفس بصورة شرعية. بهذا المعنى لم يكن في سلوكهم أخذ بالثأر. في حين اعتبر بعضهم سلوك اليهود في (كتاب أستير) نموذجا للفعل الثوري. في حين أثار هذا السلوك منذ القدم تصورا مضادا تماما، بحيث تنسب لمارتن لوثر كلمات تقول بان التأوه الجبان لليهود ورغباتهم الدفينة تكشف عن مساعيهم لفعل ما فعلوه بالفرس زمن استير. لذا نراهم يحبون هذا الكتاب الذي يستجيب لحبهم سفك الدماء والأخذ بالثأر والقتل. وجعله ذلك يقول بان الشمس لم تظلل بشعاعها شعبا دمويا ومتعطشا للقتل والانتقام من المؤمنين الآخرين مثلما هو الحال بالنسبة لليهود. في حين وجد اغلب الكتاب المعاصرين، وبالأخص بين الروس الوطنيين، في (كتاب أستير) مصدرا لما يدعوه بالفاشية اليهودية. أما في الواقع فان (كتاب أستير) ليس نموذجا "للفعل الثوري"، وليس نموذجا "للفاشية اليهودية"، كما انه ليس نموذجا للحلم بالدفاع عن النفس بصورة شرعية، وليس تعبيرا عن غريزة يهودية بالانتقام، بقدر ما انه انعكاس لتاريخ الشتات والغيتو بعد انكسارهما في موشور اليهودية. فالشخصية الرئيسية (مردخاي) هو من بقايا السبي البابلي، واستير ابنة عمه اليتيمة، التي تبناها لاحقا، والتي دخلت قصر شوش كواحدة من وصيفاته المرشحات لتلبية رغبات الملك أحشويروش. وقد أثار سلوك اليهود حفيظة الوزير الأكبر هامان، بعد أن اكتشف حقيقة اسمها وجنسها، الذي أخفته بطلب من مردخاي نفسه. واستجابة إلى تقاليد القرعة، أشار الوزير هامان على الملك أحشويروش، بان هناك شعبا مشتتا ومتغربا في المملكة بين شعوبها، لا يتقيد بسنن الملك (الدولة). بمعنى خروجهم عن الدولة وتقاليد الأمة التي يسكنون بينها وانعزالهم عنها وانزواءهم الذاتي. واقترح هامان لذلك إبادتهم. واستطاعت استير استغلال محبة الملك لها كي تطلب منه طلبات لنفسها ولشعبها، لأنها لو تعرضت وشعبها للبيع كالعبيد لما اعترضت على ذلك. أما الإبادة فلا! وبما أن تقاليد الملوكية حينذاك كانت لا تسمح بإلغاء القرارات بعد صدورها، لهذا أعطى لها ولشعبها حق الدفاع عن أنفسهم بإهلاك وإبادة كل من يعارضهم بما في ذلك الأطفال والنساء وسلب غنائمهم لمدة يوم واحد هو يوم الثالث عشر من آذار. وحالما حان الوقت استغل اليهود الفرصة وبدءوا بالهجوم مباغتين "أعداءهم"، بحيث قتلوا من وصلت أيديهم إليه. وعندما انتهى اليوم الأول، سألها الملك إن كان لها طلب آخر فاختارت أن يعطي لها يوما آخر للانتقام! وكرروا ما فعلوه في اليوم السابق بحيث قتلوا كما يذكر (كتاب أستير) حوالي 75 ألف إنسان. واستراحوا في اليوم الرابع عشر من آذار الذي أعلنوه عيدا "مقدسا"، وجعلوه "يوم شراب وفرح". مما سبق يتضح افتقاد هذه الأفعال إلى معنى البطولة و"العمل الثوري". على العكس أننا نعثر فيها على فرح الانتقام السافر للنفس المكبوتة، التي لم تجد لذة أطيب من مطالبتها بالقتل لأجل القتل (بدون مصادرة الغنائم!). فعدم اخذ الغنائم لا يشير إلى "السمو" و"عدم السرقة" بقدر ما يكثف حزمة الضوء على نفسية الانتقام السادية. أما تحويل القتل الجماعي إلى عيد للاحتفال فهو تحويل السادية إلى فعل "مقدس".

ففي هذا القصة تنعكس نموذجية الشخصية اليهودية المتبلورة في تاريخ الشتات (بعد السبي البابلي) وسيادة الغيتو (الانغلاق) كما هو جلي في عدم تمسكهم بقوانين الدولة وتقاليد الأمة التي يسكنون بيتها. وفي وحدة الشتات والغيتو يكمن أحد أسباب تعرضهم "للإبادة". إذ لم يعن اقتراح الوزير هامان "إبادتهم" في الواقع سوى أحد النماذج العادية والمتكررة في تاريخ اليهود واليهودية لمطاردة انعزالهم وابتعادهم عن تقاليد الحقوق (الحق) السائدة في الدولة. وهي مطاردات عادة ما تسمى خطأ "بالمذابح اليهودية". ومع ذلك تكررت بصيغ وأشكال ومستويات متنوعة ومختلفة.

إن المذابح والقتل الجماعي والمطاردات ظاهرة "عادية" في تاريخ جميع الدول والشعوب والأمم والثقافات. وتاريخ اليهود واليهودية في فلسطين منذ القدم هو أيضا  تاريخ الإبادة والقتل الجماعي والمطاردة لمختلف أقوام وشعوب وقبائل فلسطين. وتاريخ الاحتلال اليهودي المعاصر لفلسطين وسياسة القتل الجماعي والمطاردة والإبادة لسكانه الأصليين هو نموذج كلاسيكي لما جرى في الماضي. إلا أن ما يميز مطاردة اليهود وتشريدهم وقتلهم أحيانا هو اشتراك السلطات والشعوب بالحق أحيانا وبالباطل أحيانا أخرى. ولكنها أفعال تصب في نهاية المطاف في مياه الطاحونة العمياء، التي تحركها حيوانات الشتات والغيتو وآثارها المتولدة في سلوك اليهود أنفسهم. وهو سلوك ارتبط غالبا بمزاولتهم التجارة والربا، الذي شكل على خلفية الشتات والانعزال الذاتي نموذجا للطفيلية التامة.

فقد كان وجود اليهود التاريخي في الشتات سلسلة من "المذابح"، التي كانت بمعنى ما الصيغة المقلوبة للمذابح التي اقترفها اليهود بحق غيرهم ولنفسيتهم الغضبية المتربية بتقاليد التوراة والتلمود المتطفلة بآلية الربا. وهي آلية رسمت القصة التي أوردها إخوان الصفا في الرسالة التاسعة من القسم الرياضي، في "مطلب التربية" نموذجها التاريخي في عالم الإسلام. وهي صورة ليست اقل درامية مما وضعه شكسبير في "تاجر البندقية" عن شايلوك. وتحكي القصة كيف أن رجلين اصطحبا في بعض الأسفار، أحدهما مجوسي من أهل كرمان، والآخر يهودي من أهل أصفهان، وكان المجوسي راكبا على بغلة عليها كل ما يحتاج إليه المسافر في سفره من الزاد والنفقة والأثاث. فهو يسير مرّفها، واليهودي كان ماشيا ليس معه زاد ولا نفقة. فبينا هما يتحدثان، قال المجوسي لليهودي:

- ما مذهبك واعتقادك، يا خوشاك؟

- اعتقادي أن في هذه السماء إلها هو اله بني إسرائيل وأنا اعبده، وأسأله واطلب إليه ومنه السعة والرزق، وطول العمر، وصحة البدن، والسلامة من الآفات، والنصرة على الأعداء، أريد منه الخير لنفسي ولمن يوافقني، ولا أفكر فيمن يخالفني في ديني ومذهبي، بل أرى واعتقد أن من يخالفني في ديني ومذهبي، فحلال لي دمه وماله، وحرام علي نصرته أو نصيحته أو معاونته أو الرحمة أو  الشفقة عليه". ثم التفت للمجوسي قائلا: "قد أخبرتك عن مذهبي واعتقادي لما سألتني عنه، فاخبرني، يا مغا، أنت أيضا عن مذهبك واعتقادك". عندها قال المجوسي:

- أما اعتقادي ورأيي فهو أني أريد الخير لنفسي ولأبناء جنسي كلهم؛ ولا أريد لأحد من الخلق سوءا، لا لمن كان على ديني ويوافقني، ولا لمن يخالفني  ويضادّني في مذهبي".

- وان ظلمك وتعدى عليك؟ استفسر اليهودي.

- نعم، لأني اعلم أن في هذه السماء إلها خيرا فاضلا عادلا حكيما عليما لا تخفى عليه خافية في أمر خلقه، وهو يجازي المحسنين بإحسانهم، ويكافئ المسيئين على إساءتهم"، أجاب المجوسي.

- فلست أراك تنصر مذهبك وتحقق اعتقادك". علق اليهودي على كلام المجوسي.

- وكيف ذلك؟ استفسر المجوسي.

- لأني من أبناء جنسك، وأنت تراني امشي متعوبا جائعا، وأنت راكب شبعان مترفه.

- صدقت، وماذا تريد؟ استفسر المجوسي من جديد

- أطعمني واحملني ساعة لاستريح فقد أعييت.

عندها نزل المجوسي عن بغلته، وفتح سفرته، فأطعمه حتى أشبعه، ثم اركبه ومشى معه ساعة يتحدثان. فلما تمكن اليهودي من الركوب، وعلم أن المجوسي قد أعيا، حرك البغلة وسبقه، وجعل المجوسي يمشي فلا يلحقه، فناداه:

- يا خوشاك، قف لي وانزل فقد أعييت!

- أليس قد أخبرتك عن مذهبي يا مغا، وأخبرتني عن مذهبك، ونصرته وحققته، وأنا أريد أيضا أن انصر مذهبي وأحقق اعتقادي".

وجعل يجري البغلة والمجوسي في أثره يعدو، ويقول:

- ويحك يا خوشاك، قف لي قليلا واحملني معك، ولا تتركني في هذه البرية تأكلني السباع وأموت جوعا وعطشا، وارحمني كما رحمتك".

في حين استمر اليهودي لا يفكر في نداء المجوسي، ولا يلوي عليه حتى مضى وغاب عن بصره. فلما يئس المجوسي منه واشرف على الهلاك، تذكر تمام اعتقاده، وما وصف له بان في السماء إلها خيرا فاضلا عالما عادلا لا يخفي عليه من أمر خلقه خافية، فرفع رأسه إلى السماء فقال:"يا الهي، قد علمت أني قد اعتقدت مذهبا ونصرته وحققته ووصفتك بما سمعت وعلمت وتحققت. فحقق عند اليهودي خوشاك ما وصفتك به ليعلم حقيقة ما قلت". فما مشى المجوسي إلا قليلا حتى رأى اليهودي قد رمت به الغلة فاندقت عنقه، وهي واقفة بالبعد منه تنتظر صاحبها. فلما لحق المجوسي بغلته ركبها ومضى لسبيله، وترك اليهودي يقاسي الجهد ويعالج كرب الموت. فناداه اليهودي:

- يا مغا، ارحمني واحملني ولا تتركني في هذه البرية تأكلني السباع وأموت جوعا وعطشا، وحقق مذهبك، وانصر اعتقادك.

- قد فعلت مرة، ولكن بعد لم تفهم ما قلت لك، ولم تعقل ما وصفت لك.

- وكيف ذلك؟ استفسر اليهودي

- لأني وصفت لك مذهبي فلم تصدقني بقولي حتى حققته بفعلي، وأنت بعد لم تعقل ما قلت لك، وذلك أني قلت لك أن في هذه السماء إلها خيرا فاضلا عالما عادلا لا تخفى عليه خافية، وهو يجازي المحسنين بإحسانهم، ويكافئ المسيئين بإساءتهم.

- قد فهمت ما قلت وعلمت ما وصفت. أجاب اليهودي.

- أذن ما الذي منعك أن تتعظ بما قلت لك يا خوشاك؟!

- اعتقاد قد نشأت عليه ومذهب قد الفته وصار عادة وجبلة بطول الدؤوب فيه، وكثرة الاستعمال له، اقتداء بالآباء والأمهات والأستاذين والمعلمين من أهل ديني ومذهبي، فقد صار جبلة وطبيعة ثانية، يصعب علي تركها والإقلاع عنها".

فرحمه المجوسي وحمله معه حتى جاء به إلى المدينة وسلمه إلى أهله مكسورا. وعندما استغرب أهل البلدة ما قام به المجوسي، أجاب، بان سلوك اليهودي "صار جبلة وطبيعة ثانية، يصعب عليه تركها والإقلاع عنها، كما صار رأي ومذهبي عادة وجبلة يصعب الإقلاع عنها والترك لها".

وليست صورة اليهودي التي سجلها (أخوان الصفا) في (رسائلهم) قبل اكثر من ألف عام في محاولتهم للتدليل على وجود ما أسموه "بمن يكون اعتقاده تابعا لأخلاقه، ومن تكون أخلاقه تابعة لاعتقاده"، سوى الصورة التي تشير إلى ما أسميته بتطابق اليهودي واليهودية، أو تطابق الصورة والمعنى بين اليهود واليهودية، باعتباره مصدر "قوتهم" المادية وهشاشتهم المعنوية، النابعة من عدم تجاوزهم مرحلة العرقية – الدينية (الأسطورية). وهو التطابق الذي صنع شخصية اليهودي وصفاته الجوهرية، بحيث "صار جبلة وطبيعة ثابتة" فيه، تتميز بنفس غضبية مثالها البطش (الجور) وسلوكها الاستحواذ والغلو.[2]

فالبقاء ضمن قواعد العرقية واليهودية التلمودية، هو الذي أدى إلى صيرورة ما دعاه القرآن بقسوة قلوبهم. ومن ثم لم يكن تاريخ "مذابح اليهود" ومطارداتهم سوى تاريخ المذابح والمطاردات التي دبرها اليهود أنفسهم ضد الآخرين، والتي اشتدت تاريخيا بعد إخراج العرب المسلمين من الأندلس. منذ ذلك الحين لم يخل قرن من الزمن دون اشتعال فتن مطاردة اليهود وإهلاكهم بين الحين والآخر حتى تتوجت في ألمانيا القرن العشرين على اثر ممارستهم الشنيعة تجاه الألمان قبل صعود الهتلرية إلى السلطة. فقد اضطرت أسبانيا عام 1492 إلى طرد ما يقارب الأربعمائة ألف يهودي من أراضيها في وقت بلغت نسبة الربا 600%! وقبل ذلك بنحو مائتي سنة طردهم الملك إدوارد الأول من انجلترة. وبعدها بقرن طردهم الملك شارل السادس من فرنسا عام 1391، ثم طردهم فردناند ملك صقلية عام 1493. وهكذا فعل ايفان الرهيب معهم في روسيا عام 1580. ونفس الشيء قام به الملك فيليب الرابع عام 1639. واستمرت هذه المواقف من جانب السلطات على مجرى القرون حتى القرن العشرين. كما جرت مطاردتهم من جانب الشعوب على مجرى تاريخ الشتات، كما حدث في الإسكندرية عام 68 وفي روما عام 381 وفي كليرموند عام 516. واضمحلت هذه المطاردات في ظل الخلافة الإسلامية، ولكنها عاودت للظهور في أوربا ابتداء من القرن الثاني عشر. فقد جرت مطاردتهم في مدن ألمانيا عام 1146، وفي لندن عام 1169، وفرنسا (بلوا عام )1171. وتكررت في القرن الثالث عشر كما هو الحال في فرنسا (أنجو عام 1236) وإنجلترا (لندن 1262) وألمانيا (ميونخ 1285)، ثم في بريطانيا جميعها عام 1287 حيث جرى سجن جميع اليهود. وتكررت هذه المطاردات ثماني مرات كبرى في القرن الرابع عشر واكثر من عشر مرات في القرن الخامس عشر، ومرتان في القرن السادس عشر، وأربع مرات في القرن السابع عشر. ونفس الشيء يمكن قوله عن القرون اللاحقة. أما ذروتها فقد بلغت في ثلاثينيات القرن العشرين مع صعود الهتلرية إلى السلطة في ألمانيا.

*** 

اليهود واليهودية في روسيا مفارقة البداية وإشكالية النهاية

لا يشذ تاريخ "المسالة اليهودية" في روسيا من حيث الظاهر عما هو عليه الأمر بالنسبة لها في الدول الأخرى. إلا أن لليهودية واليهود "مآثرهم" الخاصة في روسيا، والتي بلورت شخصية اليهودي فيها وكذلك الموقف منها على المستويين الحكومي والشعبي.

فقد ظهرت "المسألة اليهودية" في روسيا مع أول ظهور اقتصادي لليهود، بعد أن أقامت روسيا في بداية تكونها كدولة وازدهارها في القرن الحادي عشر. حيث أخذت بتوسيع علاقاتها التجارية ببيزنطة، التي اشترك اليهود في بعض معاملاتها التجارية. حينذاك ظهرت أولى التجمعات اليهودية في العاصمة كييف. وفي نفس القرن سجلت أولى الهجمات الشعبية على اليهود، التي حدثت في عام 1069. وكانت الأسباب الاقتصادية هي الأسباب الرئيسية القائمة وراء هذه الهجمات. وليس مصادفة أن يجري للمرة الأولى في تاريخ روسيا اتخاذ قرار بالإجماع في لقاء بين أمراء روسيا المنعقد في مدينة لوبيتشه في بداية القرن الثاني عشر بمنع عيش اليهود في الأراضي التابعة لإمارة كييف الروسية.

وترسخت مواقف الروس السلبية من اليهود بعد مقتل الأمير اندريه بوغولوبوف عام 1174، بأثر ما سمي حينذاك "بالهرطقة اليهودية". إذ تروي بعض الأخبار التاريخية أن أحد مساعدي الأمير كان يهوديا من اصل خزري. وترتب على ذلك إبعاد اليهود من روسيا. ومنذ ذلك الحين خلت روسيا من اليهود. ولم تظهر تسمية "رسمية" منتشرة عن اليهودي (السيئ) إلا في القرن الخامس عشر في مدينة نوفغورود بعد ظهور ما يسمى بهرطقة المتهودين، التي أدانها المجمع الكنسي الأرثوذكسي الروسي عام 1490.[3] مع أن هذه "الهرطقة" لم تتعد في الواقع التصورات العقائدية اليهودية المعروفة بمعارضتها للرؤية النصرانية عن ألوهية المسيح وفكرة الثالوث (الاقانيم الثلاثة) والصوم النصراني وما شابه ذلك.

وتحول هذا الخزين الديني والمعنوي في معاداة اليهود إلى طاقة سياسية بعد انتصار الروس عام 1563 على قوات الليفونيين.[4] حينذاك اتخذ ايفان الرهيب قرارا، استنادا إلى شكاوي السلافيين، من المعاملة القاسية والمهينة من جانب اليهود في ظل سيطرة الليفونيين، بإغراق يهود مدينة بولوتسك. ومنذ ذلك الحين جرى منع اليهود منعا باتا من دخول الأراضي الروسية وإمارة موسكو وأراضي الإمبراطورية كلها في وقت لاحق. واستمر هذا المنع حوالي 200 سنة. وسار على هذا الموقف أمراء روسيا حتى صعود يكاترينا الثانية.[5] فقد كتب أحد الأمراء الموسكوفيين (يوحنا المعظم) ردا على طلب ملك بولندة (الأمير المعظم ليتوفسكي) منه السماح لليهود بدخول روسيا وألا يعرقل أعمالهم التجارية فيها، قائلا: "لقد كتبت إليك مرارا عديدة أخبرك فيها بأعمالهم الخبيثة، وأنصحك بعدم الثقة بهم". وبهذا المنحى سار بطرس الأول عندما قال مرة بأنه يفضل ممثلي كل الأقوام والأديان بما في ذلك الوثنيين للعمل في روسيا باستثناء اليهود، وانه لا يود مشاهدتهم في روسيا لأنهم مخادعون وماكرون، ولأنهم مصدر الشر وانه لا يريد تكثير الشر في روسيا. لهذا عارض مشاركتهم وأعمالهم التجارية في روسيا ورفض كل نوع من خدماتهم بهذا الصدد. من هنا أيضا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء اتخاذ يكاترينا الأولى (زوجة بطرس الأول) قرارها الصادر عام 1727 بطرد اليهود من روسيا. وهو قرار استمر حتى تسلم يكاترينا الثانية للسلطة، عندما سمحت لهم بدخول روسيا والعمل فيها، ثم تبعته بقرارها الصادر عام 1791 والقاضي بمساواة التجار اليهود في الحقوق مع غيرهم من التجار في روسيا.

ومنذ نهاية القرن الثامن عشر اخذ وجودهم يتوسع ويزداد في روسيا. ومع صعود الكسندر الأول إلى سدة الحكم وما تميز به من سلوك "ليبرالي" بما في ذلك سماحه للحركات الماسونية بالعمل رسميا عام 1804. وقبل ذلك بعام بدأ بإجراء بعض الإصلاحات بتحسين حال اليهود في روسيا، إذ سمح لهم في عام 1804 بالتعلم والدراسة. واستمرت فاعلية هذه الإصلاحات والقوانين حتى عام 1887، عندما صدر قرار قيصري بإدخال ما يسمى "بقانون النسبة" في قبول مختلف الأقوام والشعوب للدراسة في المدارس والجامعات بما يتناسب مع عدد السكان. وهو قرار حاول إصلاح الحيف الذي اخذ يلحق بالروس وغيرهم من شعوب روسيا الأصليين فيما يتعلق بدخولهم المدارس والجامعات. فقد كان الأغلبية الروسية من أصول فلاحية، لا تمتلك القدرة المالية والاجتماعية (بسبب نظام القنانة) على إرسال أبنائها للدراسة. على عكس اليهود القلة، ولكن المتمكنين ماديا بفعل مزاولتهم التجارة. فقد بلغت نسبة الدارسين من بين اليهود حتى عام 1887 حوالي 10% ضمن "نطاق الإقامة" و5% خارج "نطاق الإقامة" وحوالي 3% في مدينتي بطرسبورغ وموسكو.[6]

ومهما قيل عن مثالب "قانون النسبة" إلا انه لم يغير في الواقع شيئا. إذ تكشف نسبة اليهود بين الدارسين حتى عام 1917 (أي بعد ثلاثين عاما من صدور القانون) عن زيادتهم أضعافا مضاعفة مقارنة بما قبله! فقد بلغت نسبتهم حتى عام 1917، حيث الغي القانون في بداية ثورة شباط، حوالي 12% بين الطلبة بينما لم تكن نسبتهم إلى عدد السكان في روسيا تتجاوز 4%. لقد كان قانون النسبة رد فعل على رؤية النتائج السلبية لحالة اليهود في روسيا بعد قرن من محاولات دمجهم الثقافي بالدولة الروسية. إذ بقي اليهود "دولة داخل دولة" وشعب داخل شعب". وفي نفس الوقت حاولوا الاستفادة القصوى من الشروط  والإمكانات المتوفرة لهم في روسيا حينذاك.

فقد كان فعل "قانون النسبة" مثل فعل قانون "نطاق الإقامة". إذ تكشف نسبة وجود الطلبة اليهود خارج "نطاق الإقامة" وفي مدينتي بطرسبورغ وموسكو أن "نطاق الإقامة" لم يكن "سجنا" أو قيودا تمنع تحرك اليهود وانتقالهم وعملهم ودراستهم أيضا. على العكس! لقد كانت نسبتهم بين المتعلمين والدارسين اكثر بكثير من نسبتهم إلى عدد السكان في روسيا. ذلك يعني أن قوانين النسبة ونطاق الإقامة لم تكن موجهة ضد اليهود كشعب أو ديانة، بقدر ما كان يستجيب لبنية وتركيبة وأيديولوجية القيصرية الروسية آنذاك القائمة على نظام القنانة ونظام دفع الضريبة المفروض على مختلف الفئات الاجتماعية من فلاحين ومهنيين وتجار وبرجوازية. حيث كان كل منهم مقيدا بمكان.[7] إضافة لذلك لم يعق قانون "نطاق الإقامة" من انتقال اليهود وتغلغلهم في المدن الروسية الكبيرة مقارنة بالروس أنفسهم والقوميات الأخرى للدولة القيصرية. فقد كان لهذا القانون "استثناءات" بالنسبة لليهود أنفسهم، مما فسح المجال أمام اختراقه الدائم، مثل السماح لليهودي (يفري) بحسب الانتماء الجنسي بالانتقال على عكس اليهودي (ايودي) بحسب الانتماء الديني. وكذلك استثنيت من قوانين الإقامة طبقة التجار العليا والحاصلون على شهادات عليا وكذلك أطباء الأسنان ومساعديهم والميكانيكيين وصناع النبيذ والبيرة. لهذا يشير البعض إلى أن مفعول نظام "نطاق الإقامة" قد انتهى عمليا عام 1865 بعد إلغاء القنانة رسميا عام 1861. لا سيما وان هناك جملة من الإجراءات الكبرى التي قامت بها الدولة الروسية تجاه دمج اليهود في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ابتداء من عام 1802، مثل العمل على تعليمهم وتدريسهم مرورا بقوانين عام 1844 القاضية بإخضاع اليهود لنفس قوانين الدولة والمجتمع الروسيين، ثم السماح لهم بامتلاك المحلات والورش عام 1852، وأخيرا السماح لأبناء اليهود بالدراسة الجامعية ابتداء من عام 1859.

مما سبق يبدو واضحا بان "المسألة اليهودية" في روسيا قد تبلورت تدريجيا عبر مرورها وتأثرها بعوامل عديدة ارتبط اغلبها بمساعي وخصوصية القيصرية الروسية ومساعيها الإمبراطورية للتوسع الخارجي الذي لم "يكتمل" في الواقع حتى عند بدء الحرب الإمبريالية الأولى عام 1914. بهذا المعنى كانت "المسالة اليهودية" في روسيا جزءا ونتاجا لسياسة التوسع الكولونيالية. فقد كانت روسيا القيصرية قبل احتلال بولندة لا تحتوي إلا على عدد قليل من اليهود. وبعد ضم الأجزاء الشرقية منها على اثر مقررات مؤتمر فينا عام 1815، اصبح اليهود بين ليلة وضحاها يشكلون عددا لا يستهان به في الإمبراطورية الروسية من جهة، ونسبة لا يستهان بها فيما سيحتلونه لاحقا ضمن منطقة "نطاق الإقامة" من جهة أخرى، أي في المناطق الغربية الجنوبية التي تداخلت فيها الكثير من المناطق المهمة والمدن الكبرى لكل من أوكرانيا وبيلوروسيا ومنطقة البلطيق وبالأخص ليتوانيا. وبهذا تكون روسيا قد واجهت للمرة الأولى، وان بصورة كامنة ما كان يحذر منه أمراء روسيا القدماء وما حاول ايفان الرهيب وضع حد له قبل قرنين من احتلال بولندة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تعقيدات ومآسي التاريخ البولندي، وبالأخص ما يتعلق منه بالمحاولات العديدة لبناء إمبراطورية فاشلة، أو توحيد أراضيها على أسس القومية البولندية، ثم تجزئتها بين مثلث الإمبراطوريات الروسية والألمانية والنمساوية الهنغارية، ستتضح عقدة الخيوط القومية والاجتماعية المتهرئة التي حاولت روسيا استعمالها في مغزلها الجديد. والقضية هنا ليست فقط في أن روسيا لم تهضم حتى زمن احتلالها للأراضي البولندية أراضيها الشاسعة التي بلغت حينذاك حوالي تسعة أعشار مساحة العالم، بقومياتها وشعوبها وأديانها وثقافاتها المتنوعة، بل ولأن لبولندة القرن التاسع عشر مذاقها أو بصورة أدق مرارتها الخاصة.

فقد جرى ضم بولندة للدولة الروسية في وقت تميز فيه الروح القومي الروسي بصعوده الكبير بعد طرد القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1812. ثم دحره عام 1814. وعندما جرى تقسيم بولندة بين المثلث القاري الأوربي، فان روسيا شكلت ضلعه الأكبر. ودخلت الدولة الروسية بدون إرادة منها الأراضي المتاخمة لحدودها التي كانت مسكونة بأغلبية يهودية. وبذلك تكون روسيا قد جمعت بعد انتصاراتها الكبيرة في الغرب على أراض احتوت أساسا على شتات اليهود وتقاليد الغيتو.

فقد تجمع اليهود تدريجيا في مجرى "زحفهم التاريخي" لأسباب اقتصادية ودينية وثقافية في بولندة، باعتبارها الطرف الأقصى للغرب الأوربي آنذاك. وجرى تجمعهم فيها على شكل موجات ابتدأت الأولى منها عام 1096 بعد الهجمات الصليبية الأولى. وتكررت ثانية من جانب الصليبين الجرمان في القرن الثالث عشر. وتبعتها موجة ما يسمى "بالموت الأسود" (الطاعون) الذي عبث بأوربا عام 1348-1349، عندما كان ملك بولندة حينذاك كازيمير المعظم. أما الموجة الأخيرة فقد تبعت فحشاء محاكم التفتيش في أسبانيا في القرن الخامس عشر واستمرارها اللاحق في فرنسا والمناطق الجرمانية على التوالي. بحيث بلغ عدد اليهود في بولندة عام 1764 حوالي 578 ألف شخص. واخذ عددهم بالزيادة مع تزايد ثرواتهم المالية، بحيث تضاعف بعد خمسين عاما، وبلغ ذروته حتى بداية القرن التاسع عشر بحيث وصل إلى 1،200،000 شخصا. ورافق ذلك ازدياد دورهم التجاري واحتكارهم المالي. مما استدعى تشكيل لجنة بولندية عام 1805 لدراسة "المسألة اليهودية"، توصلت بعد دراستها تاريخ اليهود في أسبانيا وتركيا وبولندة إلى أن اليهود يشكلون "دولة داخل دولة" (دولة يهودية داخل الدولة البولندية). وان سلوكهم هذا محكوم ليس بأسباب خارجية، بل بأسباب داخلية تخص وجود اليهود وشخصيتهم نفسها، وبالأخص "تنظيمهم الداخلي". وليس مصادفة ألا يعاني اليهود أو يتألموا من تجزئة بولندة وضمها للدولة الأخرى عام 1815. إذ لم يشكل ذلك بالنسبة لهم هما معنويا أو أخلاقيا. وحدا ذلك بالبعض إلى القول بان أحد أسباب خراب بولندة وسقوطها في الهاوية وتفتيتها مرتبط بتسوسها الداخلي ونخر جسدها الذي قام به اليهود على امتداد قرون عديدة استغلوا فيها طيبة البولنديين وتسامحهم واحتضانهم لهم وإيوائهم من مهالك المطاردات والمذابح التي تعرضوا لها بدء من أسبانيا وانتهاء ألمانيا. وهي فكرة تجسدت "رسميا" في التقرير الذي أعده ستاشيتس عضو مجلس الدولة والرئيس العام للصناعة والفنون عام 1816 (بعد تقسيم بولندة). فقد توصل هذا التقرير إلى أن هناك ثلاثة أسباب وراء انحطاط بولندة وهي نظام انتخاب الملك، وحلّ الجيش النظامي، ودور اليهود.

ذلك يعني أن انتقال اليهود من بولندة إلى روسيا يعني من الناحية الرمزية، انتقال أحد أسباب الخراب والدمار إلى روسيا. فتقاليد الربا و"دولة داخل دولة"، أي الطفيلية والانغلاق بوصفهما الوجهين الملازمين للشتات والغيتو جرى نقلهما إلى "نطاق الإقامة" الروسية. ولم يعق "نطاق الإقامة" ولا المضايقات الجزئية التي قامت بها السلطات الروسية في سنوات معدودة من القرن التاسع عشر، على تزايد عدد اليهود. فقد ازداد عددهم في مجرى قرن من الزمن حوالي خمس مرات، حيث بلغ عام 1915(بعد قرن على إلحاق بولندة بروسيا عام 1815) حوالي 5،500،000 فرد. وهي اكبر نسبة للزيادة بين سكان القيصرية الروسية آنذاك. وبهذا تكون روسيا قد احتوت عند تخوم القرنين التاسع عشر العشرين على اكبر تجمع يهودي في أوربا. فقد كانت نسبتهم في روسيا حينذاك 5%، في حين لم تكن نسبتهم في ألمانيا حينذاك تتجاوز 1،15%، وفي فرنسا 0،28%، وفي سويسرة 0،27%، وفي كل من إيطاليا وإنجلترا 0،13%، وفي الدانمارك 0،12% وفي السويد 0،07%، وفي بلجيكا 0،05%، في أسبانيا 0،01%.

بهذا تكون روسيا قد احتلت الموقع الأول بين الدول الأوربية بالنسبة لعدد اليهود، ومن ثم الميدان الأكبر لإمكانية تأثيرهم السياسي. وقد جعل ذلك من روسيا مركزا للحياة اليهودية بمختلف أنواعها (الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية)، كما جعل من اليهود قوة كامنة تفجرت بعد الانقلاب البلشفي عام 1917، بحيث تحولت إلى قوة سائدة ومالكة، بعد أن كانوا قوما لا قيمة لهم ولا أثر بالنسبة لإبداع وحقائق التاريخ الروسي. وترتب على ذلك إمكانية فرضهم لنمط تفكيرهم وحياتهم عبر تفريغ شحنة الثأر التاريخي "بدون سرقة الأموال" و"كسب الغنائم" كما فعلوها مرة في أهل فارس بعد توصيلهم استير إلى سدة الحكم. وقد كانت استير"هم" هذه المرة في روسيا تتحول تدريجيا في مجرى القرن التاسع عشر من امرأة تباع إلى سيدة تحكم. وهي الحالة التي وصفها دوستويفسكي لاحقا بعبارة إن كل واحد من اليهود هو يشوع بن نون ومردخاي واستير، أي في كل واحد منهم توجد عناصر الانتقام الدموي والمؤامرة والإغواء. إذ وجد في سلوكهم على مدار القرن التاسع عشر تجسيدا لمراحل ثلاث جسدوا منها المرحلة الأولى والثانية، إلا وهما تدميرهم لروسيا وتشويه تاريخها، والثانية سرقة روسيا وإضعافها. ولم يبق أمامهم في المرحلة الثالثة سوى سرقة أراضي روسيا عبر بيع الأرض.[8] واعتقد دوستويفسكي، بان سلوك اليهود سوف يؤدي إلى ذبح روسيا، لان اليهودي وعشيرته يعادل المؤامرة ضد روسيا. وشارك اغلب كتاب روسيا وأدباءها ومؤرخيها العظام هذا التصور وأحكامه الدفينة. لهذا نرى كوبرين يقول، بان اليهود قد حولوا شبه جزيرة القرم إلى مقحبة، والتهموا بولندة، وخربوا فنلندة وأقاموا مذابح في الشرق الأقصى. وان سلوكهم في كل مكان حلوا فيه مثل سلوك الحلاق الذي يبول في زاوية المحل الذي هو مكان رزقه، لأنه سوف يرحل عنه غدا. وذلك لان اليهود رحل لا علاقة لهم بالمكان الذي يقومون فيه، كما انهم كارهون حتى النخاع لكل ما هو روسي.

لم تكن هذه الانطباعات الوجدانية لعظماء الأدب الروسي وليدة الصدفة أو وليدة مواقف شخصية أو نزوات عابرة بقدر ما أنها كانت الرحيق الأدبي لحدس الإفراز الواقعي لماهية اليهودية واليهود في روسيا. أي أنها كانت نتاج "انكسار" تقاليد الشتات والغيتو اليهودية في التاريخ الروسي بعد دخولهم فيه بأثر "الغنيمة البولندية". وقد جعل ذلك بعض المؤرخين الروس يقولون، بان ابتلاع بولندة أدى إلى إدخال ديدانها في أمعاء الإمبراطورية الروسية، والتي قضت عليها في وقت لاحق. وفيما لو نحينا جانبا هذه المقارنة، فان "ديدان" اليهودية أو طفيليتها التاريخية قد تجسدت بأرذل صورها في المصير التاريخي للدولة الروسية وتراثها القومي.

فمن المعلوم تاريخيا، أن اليهود قاموا بور الوسيط التجاري والربوي بين روسيا وبيزنطة وبقية أوربا بشكل عام وبينها وبين روسيا بشكل خاص. وشغلوا أسلوب "الوساطة"، الذي لم يكن في الواقع سوى أسلوب الاستحواذ على الثروة دون أي جهد يذكر، أو بأسهل الطرق.[9] وليس اعتباطا أن يجد البعض في تركزهم اللاحق في ميدان المحاماة استمرارا لنفسية الوساطة وطفيليتها "المتمدنة". فالمحامي هو وسيط بين اثنين، لا همّ له سوى ربح "المعركة" من اجل اقتسام الغنيمة، دون أن يكون طرفا مباشرا في المعركة، ودون أن يتعرض إلى أذى مادي أو معنوي بما في ذلك في حالة "الخسارة".

وقاموا بدور الوسيط في كل الميادين المتاحة لهم. واستغلوا الفرص المناسبة للتغلغل في كل الأماكن المربحة. ونعثر على صدى سلوكهم هذا في الأغاني والحكايات والقصص الشعبية للسلافيين (الروس والأوكرانيين والبيلوروسيين). فقد جمع غروشيفسكي هذه المعطيات وكتب عنها الكثير، وبالأخص ما يتعلق منه بكيفية جمعهم الأموال الطائلة في القرى والأرياف الروسية والأوكرانية من خلال احتكارهم بيع الفودكا. بل وصل بهم الأمر إلى درجة استئجار الشوارع المكتظة بالمحلات التجارية والحانات، واخذ الرشوة والإتاوات من كل داخل إليها وخارج منها، بما في ذلك "جمركة" ما يحصل عليه المتسولون منها.[10]

كما تشير جميع الدراسات الروسية المتعلقة بتاريخ اليهود في روسيا، إلى ترسخ سيطرة اليهود على امتداد القرن التاسع عشر في ميادين بيع المشروبات الكحولية والبيرة والحانات والسجائر، بحيث جعلوها في "نطاق الإقامة" حكرا لهم. فقد كان يعود لهم من بين بارات "نطاق الإقامة" 1548 محلا من اصل 1650، و1293 محلا لبيع السجائر من اصل 1297، أي حوالي 99%. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تقاليد السكر والعربدة الروسية خصوصا بين أوساط الفلاحين، فمن الممكن توقع الأرباح الخيالية والأموال الحية التي كانوا يجنونها أولا، ثم إعادة توظيفها في "دورة الرأسمال" الربوية قبل أن تتحول لاحقا إلى عمولة وأوراق نقدية تفعل فعلها الخاص عبر البنوك والمصارف. وأدى ذلك تدريجيا إلى أن تتكون حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شريحة من أصحاب الملايين تعد بالمئات من بين اليهود. ومنهم تكونت عائلات مالية مشهورة قبل الثورة مثل عائلة بوليانسكي وزلاتوبولسكي وفيسّوتسكي في موسكو، وعائلات روبنشتين وغينزبورغ في بطرسبورغ، وبرودسكي ومارغولين وشيرمان وزوروخوفتش في كييف.

وازداد دورهم المؤثر بصورة خاصة في البنوك وصناعة النبيذ والبيرة. فقد كان اشتراكهم في عمل البنوك والمصارف واسعا وكبيرا. واحتلوا مواقع حساسة في اغلب البنوك. بل انه لم يوجد في روسيا قبل الثورة سوى بنكين اثنين لو يوجد في رئاستهما يهود، وهما البنك المسكوفي للتجار (الباعة) وبنك فولجسكي كامسكي. كما سيطروا على اغلب معامل صنع الأغذية، مثل صناعة السكر والطحين، وكذلك وسائط النقل النهري. فقد امتلكوا حوالي 22% من مصانع البيرة، و30% من مصانع النسيج، 31،5% من معامل السكر، و70% من وسائط النقل النهري. وكانوا يمثلون حوالي 95% من بين تجار الحبوب. والمكان الوحيد الممنوع عليهم تملكه حينذاك هو الأرض.

أما في ميدان التعليم فقد أحرز اليهود في مجرى القرن التاسع عشر نجاحا كبيرا. إذ استطاعوا التخفيف من انتشار الأمية والجهل والتخلف المنتشر بينهم. فقبل دخولهم الدولة الروسية لم توجد عندهم سوى المدارس الدينية التي لم تتعد معلوماتها تلقين الصغار بعض تعاليم اليهودية (التوراتية التلمودية). أما اللغة الدارجة بينهم فهي الايدش، التي أطلق الروس عليها حينذاك تسمية "الجارغون".[11] واصبح تجاوز الايدش والتكلم باللغة الروسية الأسلوب الوحيد الممكن للتعلم. وصدرت دعوات إلى الاندماج والتمدن والأخذ بأسلوب الحياة الروسية الأوربية والخروج من الغيتو والانعزال، كما هو الحال بالنسبة لنشاط اسحق ليفنسون (1788 1860)، الذي دعا اليهود للانخراط في الحياة الاجتماعية والأخذ بناصية العلم والمعرفة والانفتاح على الحياة الأوربية، مشددا على أن الايدش هي لغة مشوهة وقبيحة، لأنها مجرد مجموعة من كلمات توراتية وألمانية وبولندية وروسية مكسرة، إضافة إلى فقرها الشديد وعجزها عن التعبير عن خلجات النفس والضمير وصياغة الأفكار العلمية الدقيقة. وأشار إلى أن علماء اليهود المشهورين في الماضي كتبوا بلغات الشعوب التي عاشوا بينها مثل فيلون الاسكندراني ويوسف الفيلاوي وابن ميمون وغيرهم ممن كتب بالإغريقية والعربية والأسبانية.

ورافق توسع إمكانياتهم المالية وازدياد المتعلمين بينهم من بين الأغنياء خصوصا إلى الانهماك في معاهد الاقتصاد والمالية والتجارة والحقوق والطب. وتشير الإحصائيات إلى أن اليهود يشكلون ثلث طلبة الحقوق والطب في جامعة خاركوف وجامعة نوفوراسيسك (أوديسا). ونفس الشيء يمكن قوله عن الصحافة ودور النشر.

فقد كان اغلب دور النشر والصحف حتى الحرب الإمبريالية الأولى بيد اليهود أو خاضعة لتأثيرهم. وهي ظاهرة لها تاريخها الخاص، الذي يمكن تفسير آلياته وبواعثه في تاريخ الشتات والغيتو اليهوديين. حيث أدرك اليهود منذ وقت مبكر، بان الأسلوب الأمثل للدفاع عن النفس وتحييد الخصم أو شلّ حركته تكمن في الصحافة، بوصفها أداة التأثير على الرأي العام والسلطة. وان امتلاك الصحافة والإعلام هو الأسلوب الأمثل لفرض شروطهم في مختلف ميادين الحياة. وهو درس أتقنه اليهود منذ قضية دريفوس الشهيرة في فرنسا. إذ كشف الصراع حولها ونتائجها عن أن الفوز والهزيمة في المعارك السياسية والحقوقية وغيرها يتوقف إلى درجة كبيرة على دور الصحافة. ومن ثم فان ملكيتها تعني في حالات عديدة إمكانية التحكم بمسار الأمور وامتلاك الكثير من مفاتيحها.

أدرك اليهود أن امتلاك الصحافة يؤثر لدرجة كبيرة، بحيث يجعل من التخطيط السياسي المستتر أمرا معقولا ومقبولا بما في ذلك في اشد نماذجه همجية.[12] فقد صرفت المنظمات اليهودية أموالا طائلة في قضية دريفوس، بما في ذلك تأسيس الجرائد الخاصة بها، والتي تلاشت مع انتهاء القضية لصالحهم. وشكلت قضية دريفوس الدرس البليغ الأول بما في ذلك في مجال "تجربة" شراء ذمم الكتاب والصحفيين والأدباء وزجهم في "الدفاع" المتحمس عن "القانون" و"العدالة" و"الإنسانية" ومعارضة "العداء للسامية" وما شابه ذلك من الشعارات. بينما كانت الأهداف النهائية مغايرة تماما. بمعنى الاستعمال الجزئي للشعارات الجيدة من خلال مطابقتها مع المصالح اليهودية.[13] إذ كشفت أرملة اميل زولا في نهاية عام 1903 عن أن زوجها كان يستلم 50 ألف فرانك فرنسي كل سنة قسطا لدفاعه عن دريفوس في صحيفة الفيغارو.

أما في روسيا فقد تحولت الصحافة إلى الوسيلة الأكثر فعالية بالنسبة لنشاطهم السياسي، والأسلوب الأمثل للاندماج الصعب في الحياة الروسية، بحيث تحولت أحيانا إلى أسلوب للابتزاز ضد المعارضة والمؤيدين على السواء. ويشير كثير من المؤرخين إلى أن طغيان اليهود في الصحافة أدى إلى إفراغها من مضمونها الاجتماعي الحقيقي، بوصفها وسيلة التنوير الشامل وبناء القاعدة المتينة للدولة المتنورة والمجتمع المدني. إذ تحولت الصحافة بأيديهم إلى أشبه ما يكون بمفتاح يغلق ويفتح أبواب الرزق والشهرة للصحفيين والكتاب والأدباء والسياسيين أيضا.

لقد جعلوا من الصحافة وسيلة فوز أو خسارة الأفراد، ونجاح أو هلاك الصحفيين والكتاب والأدباء والسياسيين. واصبح الموقف من "المسالة اليهودية" معيارا وحيدا وشاملا بالنسبة لهم في لصق إعلان التقدمية والرجعية، الإنسانية والهمجية على سمعة الكتاب والأدباء والصحفيين والمؤرخين والسياسيين.

وأدى احتكار للصحافة إلى أن تصبح الفكرة وتأويلها رهينة النفسية اليهودية المترعرعة في الشتات والغيتو. ومن الممكن الإتيان بوقائع الحادثة التالية كمثل نموذجي على هذا الواقع. ففي معرض رده على المعارضة التي طالبت في الدوما قبل الثورة، بضرورة إعطاء حرية اكبر للصحافة، انطلاقا من أن كل ما يكتب ويقال ويصور عن روسيا والعالم يخضع إلى رقابة شديدة من جانب الدولة، أجاب أحد أعضاء الدوما قائلا:

نعم! هذا كلام حق يراد به باطل. لان الرقابة الفعلية ليست من جانب السلطة، بل من جانب "نطاق الإقامة"!

وأشار بإصبعه إلى من كان يجلس على شرفة قاعة الدوما المخصصة للصحفيين والزوار. وعندما جرى فحص وثائقهم الشخصية، وليس بطاقات العمل، تبين أن الأغلبية المطلقة منهم كانوا يهودا. إضافة إلى أن رئيس قسم الصحافة  في الدوما كان يهوديا أيضا بلقب روسي هو زايتسوف، بينما اسمه الحقيقي بيرنشتين.

وفي الإطار العام يمكن القول، بان تاريخ روسيا الصحفي من نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن هو تاريخ السيطرة الإعلامية لليهود (بأسماء روسية مستعارة في الأغلب). وقد جعل ذلك من الصحافة مرتعا للرذيلة في مختلف أشكالها وأنواعها، مع افتقداها العميق لقواعد الأدب والأخلاق والحقيقة. وقد أدى ذلك ببعض الكتاب الروس، استنادا إلى تجربة روسيا نفسها، للقول بأنه ليس هناك شعب في العالم قدم هذا العدد الهائل من الكتاب والصحفيين القذرين والمبتذلين والرخيصين مثلما قدمه اليهود.

وفي ظل هذه الحالة، اصبح النقاش والجدل، أو دراسة "الظاهرة اليهودية" و"المسألة اليهودية" في روسيا موضوعا خطرا قد يعرض صاحبه للابتزاز السياسي والإعلامي والمعنوي. بل أصبحت من الموضوعات شبه المحرمة على غير اليهود، والتي تحتاج إلى جرأة فردية وأدبية في التصدي لها.[14] وهي حالة سبق وان صورها كوبرين في العقد الأول من القرن العشرين، عندما قال بان كثيرا من الروس يخضع لتأثير اليهود وضجيجهم الإعلامي، ويتأثر بهوسهم الفض. كما أن اليهود عودوا الروس على المسكرات. مما جعل منهم ناسا فظيعين وشنيعين وأقوياء، مثل ذباب الخيل القادر على قتل حصان. ولكن المثير في المسالة هو أننا نعي ذلك وندركه غير أننا لا نفعل اكثر من أن نهمس به بيننا ولا يتجرأ أي منا على الجهر به. إذ يستطيع كل فرد بيننا شتم القيصر والنيل من الإله، ولكنه يتهيب الاقتراب من اليهود!

وهي حالة سوف تتكشف أعماقها الفعلية ويبرز وجهها على حقيقته بعد الثورة البلشفية. حينذاك سوف تظهر وتتفجر الأحقاد الدفينة للنفس الغضبية اليهودية المتراكمة في عقد التاريخ الروسي. فالتاريخ الباطني "للمسالة اليهودية" هو التاريخ الظاهري لشتات اليهود وانعزالهم في المجتمعات التي سكنوا فيها. وهي مفارقة لها مذاق مر لا يمكن تحليته دون القضاء على العناصر العضوية لليهودية وكيانها الاثني المغلق. وذلك لان كل محاولة لجعل التاريخ اليهودي جزءا من "التاريخ العالمي" سوف تؤدي بالضرورة إلى احتدام شرارة لا يمكن إطفاؤها دون العنف. وهي حلقة مفرغة أثارت وتثير وسوف تثير على الدوام "المسالة اليهودية"، باعتبارها حالة مرضية. وهي حالة مترتبة على "الذهنية اليهودية"، التي وصفها أحد اليهود (ا.م. بيكرمان) يوما قائلا، بان اليهودي لا يعترف و لا يقر بحكم التاريخ. انه يضع نفسه حكما وقاضيا على التاريخ نفسه! وهو موقف متأت من عقد اليهودية العديدة، مثل عقدة النقص وعقدة التفوق. ومنها برزت المشتقات العديدة لتناقضات المشاعر. إلا أن اليهودية واليهودي لا يتمثلان بذاتهما وحدة المتناقضات، بل يتعايشان معها بصورة منعزلة كانعزالهم في التاريخ الواقعي للأمم. من هنا غياب التاريخ الفعلي في وجود اليهودي وفي وعيه. انه لا يفقه المعنى ولا الرمز في الأشياء ولا قيمة الخلود ولا قيمة الحق. من هنا فقدانه لوعي الذات الخالص. لهذا لا يبحث في التاريخ إلا على ما يشكل بالنسبة له ذريعة أو دمغة للإدانة أو الشماتة. ووجد ذلك انعكاسه في ازدواجية الظاهر والباطن على السواء وتداخلهما في أفعاله المثيرة والمريبة في نفس الوقت. فهو يشكك بكل من يتدخل في شئونه الداخلية وتقاليده وأفكاره ومعتقداته وقيمه ونمط حياته، ولكنه يتدخل في كل صغيرة وكبيرة للآخرين بأساليب تتسم أحيانا بالغلوّ والانتقام.

أدت هذه الازدواجية الغريبة إلى تمرير "الشخصية اليهودية" عبر تاريخ الأمم بمختلف أنواع الرذيلة المتلونة في الأسماء والصور والألقاب والأديان، مع أن دينه الأوحد هو المال. فالربا والرب بالنسبة له واحد، والدَيْن والدين واحد. وهو سلوك أنهك الحوافز الجزئية المحتملة في إمكانية تحويل التاريخ اليهودي، بفعل احتكاكه بتاريخ الأمم، إلى الذوبان فيها أو السير معها. ولكنه لم يحدث لا هذا ولا ذاك. بسبب بقاء العناصر العضوية المميزة لليهودية التاريخية. وهي يهودية لا تاريخ فيها من حيث الجوهر، لان بدايتها ونهايتها رهينة "الإهانة الأبدية" القائمة في تحجر الآلهة والقيم وقواعد السلوك اليهودية. أي كل ما وجد انعكاسه في "اختيار النفس". "فالشعب المختار" هو اختيار للنفس. ومن ثم فلا فضيلة فيه. لان الفضيلة تفترض اختيار المثال المتسامي لا حماقات النفس. وحالما جرى رفع هذه الحماقات والرذائل إلى "معالم المقدس"، أدى ذلك بالضرورة إلى حجبها عن إمكانية الارتقاء والسمو الأخلاقي، وحجرها في أصداف العرقية. ومنها نشأت سبيكة الانغلاق، التي لا حدود داخلها أو بينها وبين الآخرين. مما جعلها عاجزة عن فهم ما هو غيرها. ومن ثم فقدت القدرة على المساهمة في إبداع التاريخ العالمي (الإنساني)، لأنها لا تفهم إلا أبناء فصيلتها كالكلب بين الكلاب والحمار بين الحمير. مما أدى بدوره إلى إثارة الكراهية تجاههم. بينما لم يجدوا فيها سوى "نقمة إلهية". وهي رؤية أسطورية بدائية، لأنها لا تربط فكرة النعمة والنقمة بالحق، بل بالأنا اليهودية. وهي "أنا" لا علاقة لها بغير ذاتها. مما جعل من وعيهم التاريخي والذاتي "تقديسا" للرذيلة. ولا يمكن لوعي كهذا ألا يخلق شعور الحقد والكراهية الدفينة تجاه الآخرين. وافقدهم ذلك بدوره أيضا إمكانية تحسس معنى الحرية ولذتها. فعندما يشترك اليهودي في "صنع الحرية"، فانه لا يترك وراءه إلا خرابا، وذلك لأنه لا يفعل بمقاييس ومعايير الحرية الإنسانية والروح الأخلاقي، بل بمقاييس ومعايير الماكنة الصماء. من هنا إمكانية تقلبه وانقلابه ودورانه والتفافه على الأفكار والقيم، وسواء بالنسبة له المشي في صحراء أو غابة، في شارع مبلط أو ترب، في الخباء والعراء، أو في القصور والمساجد، أو سحق الخضار والأحجار، أو الأطفال والأطلال. لأنه يفعل ذلك بمعايير ومقاييس اليهودية لا التي روح فيها. وهي روح تؤدي إلى مسخ القدرة على الإبداع الإنساني والإخلاص له، والذي وصفه كوبرين مرة بالمسخ الجسدي والروحي، الذي يجعل من إنتاج اليهودي، في افضل الأحوال، عملا من "الدرجة الثالثة". لأنه لا همّ له سوى التهام ما هو أمامه. فهو لا أبالي تجاه الطبيعة وتجاه لغة الآخرين. انه متاجر بلحم ودم الآخرين، وهو سارق ونصاب وجاسوس وفي نفس الوقت يهودي. ولم يكن حكم كوبرين الآنف الذكر نتاجا لما يدعوه البعض بتأثير تقاليد المدرسة البيزنطية التي وصفت اليهودي بالإنسان المتهرئ الجائف، التي اعتمدت بدورها على تقاليد المدرسة الاسكندرانية في موقفها من اليهود، بقدر ما كان مستنبطا من معاناة وتأمل فعلهم التاريخي في روسيا قبل الثورة.

فعندما وقف دوستويفسكي أمام "المسألة اليهودية" في روسيا، فانه أكد على أن كراهية الروس لليهود مبنية لا على أساس ديني أو عرقي. فالروسي لا يكره اليهودي لأنه يهودي، مع انه يصعب الإعجاب به بتاتا. بل قد يشعر بالقرف أحيانا، ولكن ليس لأسباب عنصرية أو دينية، بل لأسباب نابعة من اليهودي نفسه. ولعل أهمها صفة الانعزال والانغلاق المتمثلة في كونه "دولة داخل دولة". مما جعل منه كيانا يتسم بالغربة والاغتراب في الدين والاجتماع والثقافة. وفي هذا يكمن سر اندفاعه لتحطيم وتخريب كل ما يقف أمام مساعيه الحثيثة لاستعباد الآخرين وذبحهم. ووضع دوستويفسكي هذه الصفات جميعا في مفهومه عن "الدولة داخل الدولة". وشأن كل دولة، فان لها قواعدها الداخلية. مما حدد بدوره نشاط اليهود في روسيا بوصفه فعلا يهدف إلى استعباد السكان الأصليين أو تقييدهم بقيود لا يمكنهم الفكاك منها. فاليهود يسيطرون على البورصة والبنوك، ويستأثرون بالقروض (الحكومية) وإعادة إقراضها بنسبة فاحشة. ويرافق سيطرتهم الاقتصادية نزوع مبتذل وتعطش جسدي أعمى للحصول على المنافع الفردية والأنانية، مع ضمأ دائم لجمع المال وادخاره بكل السبل. وتحويل كل هذه الفواحش إلى غاية الوجود ومعنى العقلانية وجوهر الحرية. مما جعلهم وسطاء في كل شئ. فهم يتاجرون بعمل الآخرين. ولما كان الرأسمال هو العمل المتراكم، فان اليهودي يسعى للمتاجرة بعمل الآخرين. ووجد دوستويفسكي في هذه الممارسة جوهر ما اسماه باليهودية الدنيئة، التي تحاول فرض رؤيتها وشروطها على العالم. وأستشف من وراء ذلك رؤيته عن مصير روسيا في حالة قلب معادلة نسبتهم إلى نسبة الروس في روسيا. وتوقع في نهاية المطاف ليس فقط استعباد الروس وإذلالهم، بل وسلخ جلودهم وإفناءهم كما كانوا يفعلون دوما حالما تتوفر لهم الفرصة للقيام بذلك.

نعثر في هذه الرؤية على حدس وجداني عميق بمستقبل روسيا ومصيرها في ظل السيطرة اليهودية. وهي رؤية حددها شعور الانتماء الحقيقي للكلّ الروسي، لا حجج السياسة وأدلتها المتقلبة بين أصابع العقل الماكر والفعل السافر للديماغوجية الشرسة. فقد مثلت آراء دوستويفسكي وأحكامه وتخيلاته حدس الرؤية الروسية القومية في مواجهة ما اسماه بممثلي "الدولة داخل الدولة"، أي ممثلي الشتات والغيتو. وهي رؤية تقاسمها الوعي القومي الروسي بمختلف ألوانه وأطيافه، على عكس ما هو عليه الحال بالنسبة للتيار اليساري بشكل عام والاشتراكي بشكل خاص. وهو خلاف نشأ في الأساس عن سيادة الأوهام "اليسارية" وخصوصيتها في روسيا القيصرية.

من حيث الجوهر لم يكن هذا الخلاف ضروريا من وجهة نظر الواجب، باعتباره الغاية النهائية لكل فعل يساري حق. طبعا في حالة فهم اليسار لنفسه، باعتباره ممثلا للمصالح الجوهرية للامة، والمدافع عنها بمعايير وقيم العدل والعقل والجمعية الإنسانية. بينما كان من الصعب بالنسبة لليسار الروسي آنذاك أن يسلك هذا السلوك، بسبب تهويد الفكرة اليسارية بشكل عام والاشتراكية بشكل خاص. فقد كانت الغلبة المطلقة للعنصر اليهودي في قيادات الأحزاب السياسية اليسارية الاشتراكية والثورية الكبرى في روسيا. فمن بين أعضاء اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلاشفة) الأثني عشر كان هناك تسعة أعضاء يهود: تروتسكي (برونشتين)، زينوفيف (أبفيلباوم)، لارين (لوريه)، أوريتسكي (رادوميلسكي)، فولودارسكي (كوهن)، كامينيف (روزنفيلد)، ستيكلوف (ناخامكس)، سميدوفتش، سفيردلوف.[15]

بينما كان جميع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الديمقراطي (المناشفة) الأحد عشر يهودا: ديماند، غيمر، شتراوس، راتنر، ليبر، زون، دان، ابراموفتش، رابوبورت، مارتوف (تسيدرباوم)، ليفيتسكي (تسيدرباوم).

ومن بين أعضاء اللجنة المركزية لحزب الاشتراكيين الثوريين (الجناح اليميني) الخمسة عشر، كان هناك ثلاثة عشر عضوا يهوديا: هارونفتش، غوسلر، لفوفتش دافيدوفيتش، غوريفتش، غوتس، غولشتين، ليخاتش، كينتشوك، بيرلينروت، ديستلر، تشيرينافسكي، روزينبرغ، راتنر.

ومن بين أعضاء اللجنة المركزية لحزب الاشتراكيين الثوريين (الجناح اليساري) الأثني عشر، كان هناك عشرة أعضاء يهود: شتيرنبرغ، ليفين، فيشمان، لينبرغ، شتيتسا، لاندر، غريسر كامكوف (كوهن)، كاتس (بيرنشتين)، فيغة اوتروفكس، ناجمان.

ومن بين أعضاء اللجنة المركزية الخمسة للفوضويين في موسكو كان هناك أربعة يهود: غوردين، تشورني، بلبيخمان، يامبولسكي.

وفيما لو أبعدنا حزب البوند، بوصفه حزبا يهوديا قوميا خالصا في قيادته وقواعده، مع انه خرج من أحشاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، فانه يتبين انه من اصل 55 عضوا سياسيا قياديا في الحركات اليسارية والثورية الروسية كان هناك 47 يهوديا. بينما كان يمثل البقية الباقية من شعوب وقوميات روسيا القيصرية البالغ عددهم اكثر من مائة قومية وشعب مجرد 8 أعضاء فقط! أي شكل اليهود حوالي 6 مرات اكثر من ممثلي القوميات الأخرى مجتمعة في روسيا في الأجهزة القيادية للحركات السياسية اليسارية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن نسبتهم إلى السكان لم تتجاوز آنذاك 2%، فان نسبتهم تكون قد تجاوزت عشرات المرات في التمثيل السياسي للمعارضة ضد القيصرية. وهي نسبة لم يكن بإمكانها أن تؤدي إلى صياغة واستتباب رؤية عقلانية معتدلة، لأنها بحد ذاتها خرق للاعتدال. إننا نرى في هذه النسبة ظاهرة اقل ما يقال فيها وعنها أنها غير طبيعية، وجدت انعكاسها "الطبيعي" في الطابع الراديكالي والمتطرف والإرهابي والفوضوي للحركة الثورية والاشتراكية الروسية.

وجاء رد الفعل الأول على هذه الظاهرة، وان بصورة غير واعية ولا عقلانية أيضا، بعد عملية اغتيال القيصر الكسندر الثاني في الأول من آذار 1881، التي اشترك فيه اليهود أساسا. حيث أخذت الجماهير الروسية بتوجيه غضبها المتنوع على اليهود بشكل عام فيما يسمى بمطاردات اليهود والهجمات عليهم في ذكرى اغتيال القيصر عام 1882. وأدى ذلك تاريخيا إلى ظهور خلاف بين رؤيتين عن هذه الهجمات. فقد أيدت حركة نارودنيا فوليا (حرية الشعب) هذه الهجمات، باعتبارها أعمالا تخدم في نهاية المطاف مستقبل روسيا. وفي وقت لاحق استبدلوا في خطابهم كلمة العبري بكلمة اليهودي. واستتبع ذلك أيضا انشقاق في الوسط اليهودي "الثوري"، أدى في النهاية إلى ظهور "الاشتراكية الصهيونية" بعد عقدين من الزمن. إذ لمس اليهود من جديد حينذاك، بان "العداء للسامية" و"كره اليهود" في الوسط الروسي هما عداء وكره لا يفرق  بين اليهود جميعا. أما في الواقع، فان الانشقاق العميق والجوهري في الحركات الثورية واليسارية الروسية كان نتاجا لسيادة العنصر اليهودي في قيادة الحركات السياسية اليسارية. مما أدى بالضرورة إلى تهويد الفكرة السياسية الاشتراكية. بمعنى تشتيتها من الداخل وانغلاقها (تعصبها وتطرفها)، كما نعثر عليه في طغيان التيار الراديكالي في الثورية الروسية وضعف الرؤية الإصلاحية فيها والاعتدال العملي.

حقيقة أن ذلك لم يكن معزولا عن تخلف البنية السياسية للقيصرية وقمعها الشامل للحرية القومية والاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية. إلا أن مجرد سيطرة ممثلي "الأقوام الصغيرة" المتربية بتقاليد الشتات والانغلاق في قيادة الحركات السياسية كان لابد له أن يؤدي إلى التطرف والتخريب وإنهاك ماهية الثورة الحقيقية والاعتدال العقلاني. إذ أن مجرد نسبتهم الغالبة في قيادة الحركات السياسية الثورية والتي تراوحت ما بين 60% إلى 80% و100% في حزب البوند، كان لابد له من أن يصب ويقولب نفسية ورؤية اليهود المترعرعة في تقاليد الشتات والغيتو في نفسية ورؤية الحركات السياسية الثورية. وبالتالي جعل مستقبل روسيا جزءا من ماضي اليهود واليهودية. وهي نفسية ورؤية يمكن مشاهدة ملامحها الظاهرية في حوافز وغايات نشوء حزب البوند نفسه، باعتباره الممثل الكلاسيكي لليهود واليهودية في روسيا. فبغض النظر عن تشكله الأول عام 1897 تحت اسم (الاتحاد العمالي اليهودي العام في ليتوانيا وبولندة)، إلا انه كان واقعيا في روسيا، الحربة السياسية العسكرية (للاتحاد العالمي الإسرائيلي). فقد تشكل البوند، من الناحية الظاهرية، تحت ضغط "معاداة اليهود" في الإمبراطورية الروسية. أما من الناحية الفعلية فقد كان نتاجا لانكسار تقاليد اليهود واليهودية المشار إليها آنفا في ظروف سياسية ملموسة. إضافة لذلك أن حوافر "المعاداة" وآثرها في بناء الحركة السياسية ورؤيتها للبدائل لا يمكن أن تبدع رؤية عقلانية. ثم أن اغلب قياداته كانوا من بين محترفي الحركات الثورية الروسية وبالأخص الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (والأكثر انتشارا في الأجزاء الغربية من الإمبراطورية الروسية). ومنذ إعلانه اعتبر حزب البوند نفسه حزبا يهوديا خالصا من حيث مقوماته وأعضائه وأهدافه. أي إعلانه انه يستند على اليهود، وان غايته الدفاع عن اليهود وتحريرهم. وهي فكرة لها ما يبررها من الناحية الشكلية، إلا أنها كانت تعاني من نواقص ومثالب جوهرية في ظل الحوافز القائمة وراء تشكيله، وفي ظل سعيه للعمل ضمن الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية في نفس الوقت. حيث دخل البوند مشاركا في المؤتمر الأول للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي المنعقد عام 1898 بصفة منظمة لها استقلالها الذاتي في القضايا المتعلقة بالبروليتاريا اليهودية. كما سعى البوند إلى تحويل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي إلى منظمة كونفدرالية للأحزاب القومية في روسيا. وهي فكرة رفضها الحزب في مؤتمره الثاني. وعلى أساسها جرى فصل البوند من الحزب. غير انه رجع إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي في ما سمي "بالمؤتمر التوحيدي" الرابع المنعقد عام 1906، بعد ثورة 1905. وهي سياسة لازمت تذبذب البوند مع تذبذب "آفاق" الانتصار والهزيمة، و"تحسس" مستوى الاستفادة منه بالنسبة "للبروليتاريا اليهودية". لذا نراه يؤيد استمرار روسيا في الحرب الإمبريالية الأولى بعد ثورة شباط 1917، لأسباب متعلقة بمواقف اليهود من الإمبراطورية الهنغارية النمساوية، ثم يؤيد الحكومة المؤقتة التي دعمت وأيدت مصالح اليهود، ووقف بالضد من البلاشفة في بداية ثورة أكتوبر، ثم عاد لتأييدهم عاد 1921 بعد استتباب سيطرتهم العسكرية والسياسية وبروز ملامح "اليهودية" الناتئة في الثورة. حينذاك حلّ البوند نفسه واندمج في الحزب الشيوعي الروسي (البلشفي). وهو ذوبان سوف يكشف عن "مآثره" في مجرى الحرب الأهلية ونتائجها. أما الحزب الأم للبوند، فقد استند إلى تقاليد الحركة الثورية الأوربية (الألمانية والفرنسية بالأخص) وتجارب الحركات الثورية والراديكالية الروسية. فإذا كان خروج البوند من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي "رد فعل" على مظاهر "العداء لليهود"، ومحاولة التعبير "الخالص" عن تحرير اليهود ضمن الواقع الروسي آنذاك، فان خروجهم لم يعن تطهر الحزب الأم من بقايا اليهودية وأثرها الكبير، رغم أيديولوجيته الماركسية (اللينينية).

فقد وقف لينين، باعتباره أيديولوجي الحزب الأكبر والقائد السياسي للحزب بالضد من توجهات البوند السياسية والفكرية. ووجد في سلوك البوند فعلا سياسيا يؤدي إلى شق الحركة الاشتراكية الديمقراطية داخل العمال اليهود. وانطلق بذلك من أن آراء البوند آراء قومية تتعارض مع التوجه العام للاشتراكية الديمقراطية. وهو موقف لم يتغير عند لينين من الاستقلالية اليهودية و"خصوصيتها". لهذا نراه يعارض بشدة الصهيونية السياسية في أول مواجهة "عالمية" حدثت في المكتب الاشتراكي العالمي، بوصفه الجهاز الدعائي التنفيذي الدائم للأممية الثانية، والمنعقد عام 1908. حينذاك عارض لينين دخول "الاشتراكيين الديمقراطيين الصهيونيين" في المكتب بصفة حزب مستقل، حيث أعتبرهم "أسوء من البوند". واستند في أحكامه هذه إلى رؤية اشتراكية متجانسة عن أولوية المصالح الطبقية وضرورة دمج الشعوب في روسيا في حركة ديمقراطية حقيقة مهمتها بناء مجتمع خال من الاضطهاد والاستغلال القومي والطبقي والاجتماعي. لهذا اعتبر فكرة "الثقافة القومية اليهودية"، التي دافع عنها حزب البوند فكرة "رجال الدين اليهود" و"البرجوازية اليهودية". كما وجد فيها بقايا إصرار اليهود أنفسهم على البقاء بهيئة "طائفة مغلقة". ووجد في ذلك أمرا يتناقض مع واقع تأثيرهم ونسبتهم الفعالة في الحركات الثورية في أوربا ككل. إذ أن افضل العقول اليهودية المشتركة في الحركات الثورية، كما يقول لينين، هم من أنصار الاندماج الثقافي بين الشعوب التي يقطنون بينها. ومن ثم فان رفع شعار "الثقافة القومية اليهودية" يعني الإصرار على إبقاء اليهود "طائفة مغلقة في روسيا".

إن محاولة دمج اليهود في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية، ومن خلالها بالمجتمع الروسي، كانت بالنسبة للينين جزءا من تصوراته العقائدية عن أولوية الفكرة الطبقية والأممية على القومية. وهي فكرة متسامية من حيث حوافزها وغاياتها، إلا أنها كانت مليئة بخواطر الخراب الكامنة في نفسية الشتات والغيتو، التي تعامل معها لينين بنفسية الروسي الكبير ذي الانفتاح الاورآسيوي. أي أن دعوته اليهود للاندماج في الثقافة الروسية عبر تمثل الفكرة الاشتراكية كانت من حيث الجوهر استمرارا للوعي الروسي وتقاليده الثقافية العريقة المتناسبة مع تاريخ الجامعة (الأمة) الروسية ودولتها الإمبراطورية. في حين أدت في نتائجها الواقعية إلى خاتمة غاية في الخطورة بالنسبة لتقاليد الاورآسيوية والأممية الروسية نفسها، وذلك بسبب بقاء اليهود "طائفة مغلقة" على ذاتها. وليس مصادفة أن يصف "الاشتراكيون الصهيونيون" والبوند اتباع لينين بالماركسيين الأرثوذكسيين والاندماجيين ويضعوهم في أول قائمة المعادين لهم.

لقد كانت خطيئة لينين بهذا الصدد تقوم في استلهامه المباشر للماركسية. فقد نظرت الماركسية إلى "المسألة اليهودية" في أوربا بشكل عام وفي ألمانيا بشكل خاص من وجهة النظر الفلسفية والاقتصادية، وفي ظل انحلال الديانة اليهودية التلمودية، والاندماج التدريجي لليهود في الثقافة الألمانية. أما في روسيا فقد كان من الصعب تطبيق الأحكام الفلسفية والاقتصادية الماركسية على "المسالة اليهودية"، وذلك لاختلاف واقع هذه المسالة في روسيا سواء من حيث نسبة اليهود إلى السكان ومن حيث مستوى الاندماج الثقافي، ومن حيث نوعية الحركات الاجتماعية والسياسية ومستوى تأسيسها النظري. فقد كان الفكر الألماني في مختلف اتجاهاته المانياً، أي إبداعا قوميا عظيما، في حين كان الفكر الروسي "عالميا" في اغلبه. مما جعل من الممكن تسرب الحثالات الاجتماعية والقومية في مجاريه "الأممية" والإبقاء في نفس الوقت على كياناتها كما هي. وأدى ذلك إلى أن تصبح النظريات عصبيات فرقية، والممارسات السياسية راديكاليات متطرفة. ونشأت عن ذلك مفارقات همشت الأبعاد الإنسانية في الفكرة الاشتراكية نفسها.

فقد كانت "المسالة اليهودية" بمعايير النظرية الطبقية ومسلماتها السياسية سهلة الحل ممكنة التطبيق. وعندما رد لينين على آراء الصهاينة والبوند المتعلقة "بخصوصية القومية الثقافية اليهودية" من أنها تؤدي بالضرورة إلى الإبقاء عليهم بهيئة طائفة مغلقة، فانه استند في أحكامه هذه أيضا إلى الآراء التي نطق بها كاوتسكي واوتو باور صاحب فكرة "الاستقلال الثقافي القومي" في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الأوربية. إذ أكد كاوتسكي من أن اليهود  في أوربا ليسو قومية بسبب اندماجهم في الشعوب الأوربية، أما في روسيا فانهم مجرد فرقة مغلقة. بينما اعتبر اوتو باور في معرض تناوله "للمسالة اليهودية" في أوربا، أن فكرة الاستقلال القومي الثقافي لليهود لا تصلح لأوربا بشكل عام ولروسيا بشكل خاص. واعتبر لينين وجود اليهود على هيئة طائفة مغلقة مع كثرة عددهم البالغ في روسيا حينذاك خمسة ملايين فرد نتاج لما اسماه بسياسة السلطة الآسيوية للقيصرية، المبنية على أساس نظام القنانة. وهي سياسة تسعى لرمي اللوم على اليهود والألمان وغيرهم مع أن ابسط الناس يعرف بان أقسى وابشع الناس اضطهادا للآخرين هم الرأسماليون الروس والشرطة الروسية والحكومة الروسية والأرستقراطية الروسية. إذ يعملون جميعا من اجل إثارة "العداء للسامية"، مما يعرض اليهودي لاضطهاد مزدوج سياسي واقتصادي مع فقدان للحقوق المدنية. وذلك لان سياسة اضطهاد القوميات ما هي إلا سياسة التفرقة بينها، والتي عادة ما تؤدي إلى تشويه شامل للوعي الوطني. من هنا وضع لينين أمام الحزب مهمة الدفاع عن اليهود من اجل إشراكهم ودمجهم في الحركة البروليتارية الروسية، ومن اجل القضاء على مصادر الفتن القومية والاجتماعية. لان المستفيد الوحيد منها هو "السلطة الآسيوية" الروسية، التي تعمل إلى جانب الصحافة والبرلمان والمدرسة في بذر العداء لليهود. ومن ثم فإنها المسئول الأول والأخير عن إثارة العداء والكراهية تجاه اليهود في روسيا. ولعل محاكمة اليهودي بيلس عام 1913 بتهمة قتل أطفال نصارى لاعتبار طقوسي هو نموذج عن غياب القانون في روسيا وان كل شئ فيها خاضع للحكومة والشرطة فيما يتعلق بالسلوك الشائن تجاه اليهود، كما يقول لينين.[16] كل ذلك جعله ينظر إلى حل "المسالة اليهودية" في روسيا، باعتبارها جزءا من حل الإشكاليات الكبرى القائمة أمامها، وبالأخص ما يتعلق منها بالنظام السياسي والاقتصادي والثقافي. ووجد في ذلك الأسلوب الوحيد الذي يذلل ما اسماه بموضة العداء للسامية مثلها مثل موضة الشوفينية والفوضوية وأشباهها. وهو تقييم يمكن فهمه بمعايير ومقاييس السياسة المثلى، ولكنه سطحي فيما يتعلق بواقع وآلية فعل "المسالة اليهودية" في روسيا، كما سيكشف عنها التاريخ اللاحق للثورة ونتائجها.

***

الماسونية اليهودية و"المسألة اليهودية" في روسيا.

 

للتاريخ مفارقاته الخاصة في تعظيمه الصغار وتصغيره العظام ولكنه مع ذلك يعيد الأمور في نهاية المطاف إلى مجراها الطبيعي كما لو انه يضع الجميع أمام امتحان "مكره" الدائم. وسواء جرى النظر إلى ذلك بمعايير الرحمة أو العقاب، فان للتاريخ رغم مفارقاته، "منطقه" الخاص. والمهمة الآن لا تقوم في إبراز ما لليهود من دور في التاريخ السياسي الروسي، بل ما للظاهرة الماسونية اليهودية من اثر في المصير السياسي للاستحالة الدرامية لروسيا القيصرية إلى الاتحاد السوفييتي ومنه إلى روسيا المستقلة وفيدراليتها المعلنة. غير أن التاريخ لم يقف عند حدود فيدراليتها المعلنة ومخاض آفاقها المجهولة. ومن العبث البحث عن سبب نهائي لذلك في فاعلية الماسونية اليهودية، ووريثتها الصهيونية. إلا انه لا يمكن تجاهل ما في "مآثرها" من فاعلية كانت وما تزال تقلق الوعي القومي الروسي وفكرته الذاتية (الفكرة الروسية). 

فالماسونية اليهودية لم تعد مسألة جدلية فكرية لمماحكات المعترك السياسي ـ الأيديولوجي بقدر ما اتخذت في واقعيتها هيئة الكيان المتآمر والمميز لضيق الأفق الثقافي في أحد نماذجه السياسية الماكرة. إلا أن لهذه الظاهرة مقدماتها التي لا تتطابق بالضرورة مع حصيلتها النهائية أو إحدى حصائلها في الماسونية اليهودية. إن (بروتوكولات حكماء صهيون)، باعتبارها البرنامج السري لليهودية الماسونية كانت وما تزال مثيرة للجدل من حيث صحتها أو انتحالها. وتؤكد الصهيونية المعاصرة على أن (البروتوكولات) التي نشرت باللغة الروسية للمرة الأولى عام 1901 هي من وضع المخابرات الروسية القيصرية من اجل تشويه مبادئ وأهداف الصهيونية اليهودية.

من الواضح أن "البروتوكولات" بصيغتها المنشورة والمنسوبة "لحكماء صهيون" هي من وضع "الحاصل" عليها وناشرها سرجي نيلوس. وهو بدوره اسم مستعار. وقد أشار نيلوس نفسه إلى انه حصل على هذه "البروتوكولات" من فرنسا عام 1901، بوصفها النسخة الوحيدة المتبقية من اجتماعات الماسونية اليهودية. وهو "عثور" يتسم بالخيال يستجيب فيما يبدو لخيال سيرجي نيلوس نفسه في استلهامه كتابات الرومانسي الألماني المشهور في ستينيات القرن التاسع عشر جون ريغكليف (وهو اسم مستعار بدوره)، الذي صور في إحدى قصصه الخيالية اجتماع رجال الدين اليهود في إحدى مقابرهم ومناقشتهم فيها سبل ووسائل السيطرة على العالم.

إلا أن ظهور "البروتوكولات" لم يكن صدفة. انه يشير إلى واقع وجود الماسونية اليهودية وأهدافها البعيدة المدى. إذ من الصعب توقع ظهور هذه (البروتوكولات) من لا شيء. فقد كان نشاط الماسونية بشكل عام وتيارها اليهودي الصهيوني بشكل خاص المادة "الحية" والواقعية في نفس الوقت، التي استجمعتها "البروتوكولات". بصيغة أخرى لقد احتوت "البروتوكولات" من حيث الجوهر على الصيغة العامة والمجردة لتأمل أفعال الماسونية - اليهودية واليهودية الصهيونية وغاياتها النهائية. وسواء جرى نسبها إلى سيرجي نيلوس أو مجموعة اليهود الصهاينة أمثال آحاد عاموم[17] ونعوم غولدمان وجابوتينسكي[18] وماكس نرداو وايخيل تشلينوف[19] ويوسف ترومبيلدورف[20]، فان مما لا شك فيه هو أنها عبرت بحدس بالغ عن الأساليب الممكنة في كيان الحركة الماسونية - اليهودية الصهيونية نفسها، والتي أيدها التاريخ اللاحق والمعاصر بكثير من أحداثه ومجرياته. والشيء الوحيد الذي يمكن الاعتراض فيه على "البروتوكولات" هو كلمة حكماء. إذ لا حكمة فيها على الإطلاق. بل على العكس أن كل ما فيها يناهض الحكمة ومعطياتها، اللهم إلا إذا جرى فهمها باعتبارها "الحكمة" الوحيدة الممكنة بالنسبة لتفكير أهل الشتات والغيتو في كيفية "التحرر".

فقد تضمنت "البروتوكولات" جملة من الأفكار التي هي اقرب إلى "قواعد عمل" في بلوغ "السيطرة على العالم"، تستند إلى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، لهذا سمحت باستعمال كل الوسائل الممكنة لبلوغ أهدافها. ففي المجال الاقتصادي جرى التركيز على ضرورة استعمال الحرب الاقتصادية، واستعمال القروض المالية بالصيغة التي تضمن التحكم بالسياسة الداخلية للدول وإخضاعها الدائم للرقابة الخارجية، والتركيز. وفي مجال السياسة العمل على استخدام كل النظم السياسية لتحقيق الأغراض بغض النظر عن طبيعتها وتوجهها مازال ذلك يخدم الأغراض الكبرى، وكذلك القضاء على الحماسة والجرأة السياسية للأحزاب والأفراد من خلال معاقبتهم كلما سنحت الفرصة كما لو انهم مجرمون وسراق. العمل على بناء نظام الإرهاب في كل مكان واستغلاله حسب الظروف والمهمات المباشرة. وفي مجال الفكر النظري العمل على بناء وتقديم النظريات الجديدة بصورة دائمة وفي مختلف الاتجاهات من اجل إضعاف هيبتها من جهة والقدرة على استغلالها أو تسخيفها عند الضرورة. وتجسيد ذلك عمليا من خلال رؤية الأفكار الجديدة واستغلالها  لا محاربتها، والعمل على إضعاف الفكر الحر والنقدي، وان يجري سحق الشخصيات الحرة بالأقدام وكمّ أفواه حتى العباقرة منهم. والعمل على فرض موضوعات النقاش والجدل على الجميع، واشغال الجميع بأمور ثانوية والقضاء على كل فرصة للتأمل الفردي الحر. وهي عملية تستلزم إعادة تثقيف الشعوب وفرض نمط من التفكير عليها. ففي مجال الدين العمل على هدم الأديان جميعا باستثناء اليهودية، وتسخيف الروحانيات والأخلاق والاستعاضة عنها بالنزعة النفعية والوصولية والتأقلم الكلبي. وهي مهمة يمكن تنفيذها بواسطة الصحافة ووسائل الإعلام. فالصحافة هي الأداة الفعالة الحاسمة. لهذا ينبغي استغلالها بكل الطرق والوسائل ولأقصى حد بالشكل الذي يخدم مصالح الصهيونية اليهودية عبر إبراز دور وقيمة اليهود بالنسبة للتاريخ العالمي، وتحقير إبداع الأمم الأخرى، وتفريغ الوعي النقدي للناس، وإزالة كل المعطيات التاريخية الملموسة من ميدان الدعاية والإعلام. ولا يمكن بلوغ هذه الأهداف جميعا دون بناء تنظيمي. وافضل بنية تنظيمية لذلك هي المؤسسات الماسونية، التي يمكن استغلالها كغطاء لعمل الصهيونية اليهودية.

وهو التقاء لم يكن طارئا. فالمؤسسة الماسونية تتميز بصفات جوهرية استجابت تاريخيا ونفسيا "للشخصية اليهودية" المتربية ضمن تقاليد الشتات والغيتو، مثل نظام "الفئات المغلقة" وما يسمى "بالمعرفة الباطنية" والنخبوية المتعالية على "الرعاع والدهماء والغوغاء"، واستعمال كل الوسائل لبلوغ أهدافها من خلال شراء الذمم و"تأهيل الكوادر" للسلطات والحكومات والدعاية والإعلام وتمويل الحركات السياسية والأفراد والتخطيط الاستراتيجي في تقويض الخصم وجعل المصالح الأنانية المالية فوق كل اعتبار وفقدان الأخلاق والضمير الإنساني

مما سبق يبدو واضحا بان الشيوع العادي لالتقاء الماسونية واليهودية في الوسط الجماهيري وأوساط المثقفين والسياسيين والمفكرين لم يكن نتاج صدفة طارئة، بقدر ما انه كان يحتوي على صلة فعلية. "فالشائعات" المترددة في الأوساط الاجتماعية الأوربية منذ الثورة الفرنسية لا تفتأ تؤكد ما أسمته "بمؤامرات اليهود" وأجهزتهم الماسونية السرية من أجل تفتيت وانحلال العالم النصراني (الأوربي). وان الثورة الفرنسية الكبرى نفسها من فعل اليهود. أي كل تلك الافتراضات الجدلية واستمرارها في الأحكام الأيديولوجية والسياسية الجازمة، التي اعتبرت الثورة البلشفية أيضا "مؤامرة ماسونية يهودية". ومن هنا تسميتها باللغة الشعبية الروسية الدارجة "زجيدوفسكايا ريفالوتسيا"، أي الثورة اليهودية وهو لفظ يوحي بالتهكم والاحتقار في الوقت نفسه.

إن التأكيد الدائم على "قدرة" الماسونية اليهودية في التاريخ السياسي العالمي المعاصر لم يعد قضية سياسية أيديولوجية خالصة بل وتحول لحد ما إلى جزء من الثقافة المعاصرة كأحد نماذجها المؤامراتية. فالثقافات التاريخية تبدع إلى جانب ثمارها "الطبيعية" طفيلياتها وأمراضها. غير أن هذا التقييم يبقى بمعنى ما أيديولوجي المنزع. ومن الممكن النظر إلى هذه الشائعات باعتبارها جزءا من الوعي الجماهيري لطفيليات الثقافة. وبغض النظر عن أن ذلك لا يمكنه كشف حقيقة الماسونية اليهودية ودورها في التاريخ السياسي إلا أن السؤال ذاته يبقى قائما، بمعنى استحالة ظهور وانتشار وبقاء الشائعات المتنوعة لعقود وقرون عديدة في الأوساط الجماهيرية والمثقفة لو لم يكن لها أسسها ومقدماتها الموضوعية.

"فالحدس" الجماهيري يمتلك أسسه الواقعية بما في ذلك في اشد أشكاله السطحية أيضا. كما أن "شائعة" الماسونية اليهودية لم تكن من إبداع الوسط الجماهيري العادي بقدر كونها ترعرعت في أوساط المثقفين والفنانين والسياسيين وأحكامهم القائلة بدورها الكبير في أحداث العصر وإرهاصاته.

كانت الماسونية في بادئ الأمر حركة باطنية سرية تتسم بالسمات المميزة للحركات السرية  بخصوصية العلاقة "المقدسة" للسر والعلن من خلال قلب موازينهما الظاهرة والباطنة. فهي تظهر الجزء الأيسر مما تخفيه وتخفي الجزء الأعظم مما تظهره وتسعى إليه.

واتخذ هذا التعارض المميز للحركات السرية الباطنية في نشاط الماسونية صيغته المتطرفة، أي كل ما يمكن حدسه وراء مواقفهما من قسم الانتماء للماسونية ومعاقبة المخلين به أو من يكشف عن أسرارها النهائية. ذلك يعني أن وراء هذه الأسرار يكمن العالم الحقيقي للماسونية وأهدافها النهائية.

فمن الناحية التاريخية كان ظهور الماسونية في نهاية القرن السابع عشر في إنجلترا نتاجا لتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية العديدة. والمهمة الآن لا تقوم في تتبع حيثياتها في الحركات الماسونية ونماذجها، بل في كشف المقدمات الكبرى لظهورها وتطورها التي حددت آلية التقائها باليهودية وامتزاجها في التركيبة الجديدة ـ الماسونية اليهودية.

اتخذت الماسونية، باعتبارها حركة فكرية ـ سياسية وثقافية روحية باطنية، في بادئ الأمر هيئة "الدين الجديد" للمثقفين التنويريين. وبما أنها ولدت في أحشاء العالم النصراني كان تأثرها بالنصرانية فعلا محتما. غير أنها أخذت منذ القرن الثامن عشر تتجه في تأملاتها صوب عصر ما قبل النصرانية "الخالصة"، أي عصر (العهد القديم). وهو التوجه الذي حددته من حيث الجوهر نفسية الثقافة الملازمة للنزوع النقدي في مساعيه للرجوع إلى ما قبل تاريخ الظاهرة المنتقدة. فانتقاد النصرانية المميز لمزاج المثقفين المنورين الأوربيين عادة ما كانت ترافقه سيطرة الشعور الجارف بالرجوع إلى العناصر "النقية" الأولية في النصرانية. وبهذا اصبح الرجوع إلى (العهد القديم) الطريق الضروري للبحث عن المثال الارقى لحقائق النصرانية ومعالم طفولتها النقية ووهجها الوجداني. أي كل ما اخذ يجذب انتباه "الورع" اليهودي ويحمس مشاعره الخفية. ويمكن القول بان توجه الماسونية صوب العناصر النصرانية ـ اليهودية جعل منها مرتعا جذابا لليهود موضوعيا. ولم يكن ذلك معزولا عن عالم الماسونية النصراني وسيادة تعاليم الرجعة والخلاص السائدة، وكذلك تقاليد الحركات الإصلاحية الدينية.

فمن المعلوم تاريخيا أن صراع البروتستانتية ضد الكاثوليكية جرى من خلال الرجوع لحقيقة النصرانية الأولى ـ يسوع المسيح. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مهاجمة البوريتانية لكل من الكاثوليكية والبروتستانتية، ولكن من خلال الرجوع إلى المصادر الأولى للنصرانية أي (عهدها القديم). وبهذا المعنى ساهمت الماسونية في استثارة تقاليد الرجوع للعهد القديم وتعميقها. مما جعل منها "الكنيسة الجديدة" "لأهل الكتاب" (اليهود). ولم تكن هذه العملية الفكرية ـ الثقافية معزولة عن تلك التحولات التي رافقت تحلل التقليديات الأوربية ونظمها السياسية ومؤسساتها الدينية. فقد سمح لليهود رسميا على سبيل المثال عام 1657 بالعيش والإقامة في انجلترة بعد طردهم منها عام 1290. إلا أن هذا التحلل العاصف في البنية التقليدية لأوربا اخذ يكتسح تدريجيا معالم الغيتو اليهودي وقيوده التي كلستها تقليدية رجال الدين اليهود. ولم يكن القرن الثامن عشر قرن انحلال التقليديات الأوربية فقط بل وعالم الغيتو اليهودي التقليدي أيضا. ومن الممكن الإشارة هنا على سبيل المثال إلى محاربة رجال الدين اليهودي "لخروج" سبينوزا من الغيتو اليهودي.

من كل ما سبق نستطيع القول بان تمثل الماسونية صيرورة "الكنيسة الجديدة" أعطى لليهودي إمكانية بقائه يهوديا والانخراط في الوقت نفسه بالعالم النصراني. ومن هنا الاندفاع الكبير من جانب اليهود للانخراط في الحركة الماسونية. وليس مصادفة أن يقول أحد أعلام اليهودية عن الماسونية بأنها حركة يهودية اكثر مما هي حركة نصرانية. وقد ولد ذلك أحيانا ردود فعل في الأوساط الماسونية إزاء دخول اليهود إليها وتعزز موقعهم فيها كما في ألمانيا، إلا أن مجرى التطور الرأسمالي جعل من الماسونية الكيان المناسب لهذا الانخراط المتزايد بحيث يمكننا القول بأن القرن الثامن عشر هو قرن صراع اليهود من اجل الماسونية. وذلك لان باطنية الحركة الماسونية ونخبويتها الاجتماعية الثقافية فتحتا المجال أمام انتقال اليهود، من عالم الغيتو إلى عالم الفئات الأوربية المتنورة. أي انتقالهم المباشر إلى "الطبقات العليا"، لا سيما وان الماسونية قدمت لليهود بفعل طابعها التنويري الأولى وروحها الانتقادية المناهضة للدين (النصراني خصوصا) إمكانية الاندماج والمهاجمة الشديدة للكيان النصراني والمساهمة الفعالة في هدمه.

واستلزمت المسيرة الموضوعية للاندماج في العالم النصراني في آن واحد هدم أسس النصرانية والإبقاء على "النفس اليهودية" خارج إطار النقد المباشر. لهذا اصبح النضال من اجل "العالم الجديد" في واقعيته يتطابق مع هدم العالم النصراني وكسر قيوده المكبلة لليهود في عالم الوحشة المنعزل (الغيتو). وكمن في ذلك أحد الحوافز الثقافية ـ السياسية لفعاليتهم المتحمسة في رفع شعار الإلحاد الذي اصبح الوسيلة المناسبة موضوعيا لهدم "العالم القديم". ولم تكن هذه الممارسة الانتقادية مقترنة على الدوام بحوافز المعرفة المتجردة أو حرية الفكر العملية. ذلك أن وراء تحطيم هيبة الكنيسة النصرانية كانت تكمن في حالات عديدة أهداف سياسية بعيدة المدى. فعندما قال لافير (الرئيس الأعظم) (لجمعية الشرق العظيم) الماسونية الفرنسية بان غايته النهائية هي تحطيم كل الأديان فانه لم يقصد في الواقع آنذاك سوى الكاثوليكية. أما النتائج العملية المباشرة لذلك فقد شملت مختلف نواحي الحياة بما في ذلك "الأسس الروحية" للجيش، باعتباره القوة الأكثر تنظيما آنذاك. وليس مصادفة أن يستأثر الصراع المفتعل حول قضية دريفوس بذلك الاهتمام الهائل آنذاك وان يؤدي موضوعيا إلى كسر هيبة الجيش الأرستقراطي الكاثوليكي. وإذا لم تكن المعالم الكبرى لهذه النتيجة واضحة للعيان آنذاك كل الوضوح فإنها أوضحت للماسونية اليهودية أن القوة المعاصرة والحق هما في أيدي من يمتلك وسائل الدعاية والإعلام.

طوى القرن الثامن عشر "شائعات" الماسونية اليهودية ليكشف من خلال الماسونية اليهودية (أو اليهود أنفسهم). فعندما جرى الإعلان عن تأسيس ماسونية يهودية خالصة عام 1843 في نيويورك وهي جمعية (بناي بريت) لم تعد الشائعات السابقة من حبك الخيال الشعبي أو الخواطر المفتعلة. فقد كتب اليهودي كوهن عام 860 بمناسبة تأسيس (الاتحاد العالمي الإسرائيلي)، بأنهم أسسوا هذه الاتحاد نتيجة لضعف الماسونية وفقدانها لقوتها الماضية. وبهذا أصبحت الوحدة الخفية علنية في ظل "العالم الجديد" وقواه الراديكالية الجديدة. وليس مصادفة أن تشكل الماسونية اليهودية إحدى النوى الفعالة في الحركات السياسية المتطرفة من فوضوية واشتراكية.

استجابت هذه الخلفية العامة في مقدماتها الاجتماعية الاقتصادية والسياسية - الفكرية والأخلاقية - النفسية لمتطلبات صيرورة "العالم اليهودي الجديد" - عالم العلاقات الرأسمالية الصرف وآلهتها الجديدة ـ المال. فإذا كان الوعي السائد عند العوام يفترض في قناعاته الثقافية صحة الفكرة القائلة بان اليهودي والمال توأمان فانه لم يضمنها روح الكراهية الفاعلة أو الانتقاص المباشر بقدر ما عكست تلك الحالة التي لازمت شخصية اليهودي التاريخية وواقعيتها في أحكام وخيال الأوساط العريضة باعتباره الإنسان الربوي البخيل الجشع المحب للمال. ولم تكن هذه الصورة "عرقية" المنزع بقدر ما تعكس في الأغلب حيثيات "الشخصية اليهودية" وواقعيتها التاريخية منذ عهود "ما قبل التاريخ". فالمؤرخون والكتاب والأدباء والشعراء والفلاسفة وكذلك العامة من الناس، القدماء منهم والمعاصرون أشاروا جميعا إلى واقع انهماك اليهود بالتجارة والمال وانهم شعب بلا وطن وأينما حلوا يضعون مصالحهم فوق مصالح الآخرين وما شابه ذلك. وسواء تطابقت هذه الأحكام التاريخية مع الحقيقة أم لا فان مما لا شك فيه أن هذه الصورة العامة التي لازمت وجود التشكيلات اليهودية المغتربة وارتباطها بالتجارة والمال أدت إلى خلق نفسية خاصة ساعدت على تعميقها وغرسها في اليهود قيود الديانات والثقافات التي اضطروا للعيش في ظلها بعد الشتات (الجغرافي) إضافة إلى "الحرية" التي أعطتها لهم الديانة اليهودية نفسها.  

فإذا كانت النصرانية والإسلام قد وقفتا ضد الربا فان اليهودية لم تجد حرجا في جعله أحد حقوقها الشرعية. وقد تحولت هذه الممارسة إلى قدرهم التاريخي. أي في الوقت الذي تحول جمع المال من خلال التجارة والربا إلى جزء عضوي للشخصية اليهودية فان منعهم من مزاولة الزراعة (في أوربا) أدى إلى بقائهم خارج إطار الأرضية الطبيعية للحياة الاجتماعية. وإذا ما لجأنا إلى شاعرية العبارة فان اليهود قضوا سباتهم مع المال حتى صعود الرأسمالية التي أذابت، كما يقول ماركس، كل الحمية الدينية والعلاقات العاطفية في مياه الحسابات الباردة للعد والنقد فتحول "المرابي الجبان" بين ليلة وضحاها إلى "بطل العصر". وما إن أخرجت السفينة الرأسمالية يهود الغيتو إلى سطحها حتى سعوا لاحتلال موقع قبطانها. وليس مصادفة أن يشدد ماركس في (المسألة اليهودية) على أن اليهود هم حملة الاستغلال الرأسمالي وأكثرهم تمثيلا له. بل أن موريس هيس، أحد ممثلي الهيغليين الشباب، اليهودي الأصل الذي تحول لاحقا إلى أحد دعاة الصهيونية، طابق أيضا بين الرأسمالية واليهودية.

وبغض النظر عما يكتنف هذه المطابقة من مثالب موضوعية تبعدها عن الدقة إلا انه تجسد في الكثير من حيثياتها اوجه الشبه بين الروح اليهودي الربوي والروح البرجوازي المالي. وقد خلق ذلك إمكانية التزاوج "الطبيعي" بين منطلقات الرأسمال واليهود.

ثم أن القرن التاسع عشر كان قرن ازدهار المال اليهودي متمثلا في آدلر (ألمانيا) وشيفي (أمريكا) وروتشيلد (بريطانيا). وقد أدت هذه الظاهرة بدورها إلى نتائج متناقضة، فاستثارت من جهة،  موجة العداء لليهود، وحفزت في الوقت نفسه الأوساط اليهودية (المالية خصوصا) للتكاتف والتوحد، وترافق ذلك مع إعادة النظر بالأيديولوجية اليهودية ذاتها. أي بوعي الذات اليهودي الذي لم يعد يستند إلى آراء (العهد القديم) إلا من حيث طابعها النفعي والديماغوجي. لقد ظلت فكرة "المسيح المنتظر" تراود أوهام الحلم اليهودي إلا أنها أخذت تتراجع أمام عنفوان الآلهة اليهودية الجديدة ـ المال[21]. وعوضا عن المهدوية الدينية الخنوعة بدأت تستفحل علمانية الجشع البرجوازي، عوضا عن دعوى "شعب الله المختار" الدينية الضيقة أخذت تبرز "أفضلية" و"عبقرية" اليهودية العلمية والثقافية. وبفعل الدعاية اليهودية نفسها بدأت تترسخ أوهام ووقائع الإفراط بالفن والأدب والعلم، كما لو أنها حاولت تأويل العصا الموسوية بمعايير ومفاهيم اللغة البرجوازية، أي تحويل أكياس المال إلى أكياس عبقرية.

غير أن هذه العملية اللاطبيعية في مجراها الطبيعي أفرزت كل التناقضات الملازمة لموقع اليهود الاجتماعي - السياسي في التاريخ الأوربي المعاصر. فالأغلبية اليهودية لم تكن غنية أو مولعة بشئون الأدب والفن مثلما لم يكن اغلبهم ماسونيا. أي انهم لم يختلفوا كثيرا بهذا المعنى عن الشعوب الأوربية الأخرى، اللهم باستثناء تلك الخصوصية التي أبدعها عالم (العهد القديم) في بوتقة الغيتو العتيقة.

إذا كان دخول اليهود في الماسونيات الأوربية قد شكل المنفذ الطبيعي لاتقاء اليهودية بالماسونية، فان خصوصيته الروسية أبدعت في إحدى ذرواتها الدرامية نموذجها الخاص ـ الماسونية الراديكالية. فقد تغلغلت الماسونية في روسيا كجزء من تقاليد الراديكالية الأوربية المميزة لعصر التنوير ومحاربة القيم التقليدية. وقد كان تأثيرها قويا للدرجة التي دورت في أفلاكها الكثير من الشخصيات الروسية الكبرى في الأدب والفكر والسياسة، مما دفع بالدولة الروسية في زمن الكسندر الأول عام 1822  إلى سن قانون يمنع الماسونية، وبالتالي غلق الأبواب أمامها في الأراضي الروسية. فإذا كان القرن التاسع عشر قرن محاولات الماسونية التغلغل في روسيا، فانه كان أيضا قرن هزيمتها الأولى. غير أن فشلها المباشر سرعان ما عوضه أحياؤها الراديكالي في الحركات الثورية التي شكل اليهود فيها الأغلبية القائدة.

***

"الثورة اليهودية" - من حضيض الغيتو إلى هرم الفيتو

 

للأحداث التاريخية الجسام مقدماتها ونتائجها. ومن ثم منطقها الخاص بها. واشتراك اليهود الفعال في الحركات الثورية الروسية ونتائجها المركزّة في ثورة أكتوبر 1917، لم يكن نتاجا "للثورية اليهودية" كما لم يكن صدفة طارئة، بقدر ما كان النتيجة الطبيعية والخاصة لواقع اليهود في العالم الروسي. إذ لم يكن أمام اليهودي سوى طريق الاندماج المباشر بالمجتمع الروسي (وهي عملية غاية في التعقيد) أو طريق الانخراط في سلك الثورية الراديكالية (وهي العملية التي كانت بحد ذاتها أيضا الأسلوب غير المباشر للاندماج في المجتمع أو الخروج من انعزالية الغيتو). وبغض النظر عن حوافز الطريقين الاجتماعي والثقافي المختلفة، إلا انهما أديا في حالات عديدة إلى نتائج درامية متشابهة. وإذا كان الطريق "المالي" و"الثوري" مفتوحا أمام اليهود فان الأخير (الثوري) كان الأكثر جاذبية للأغلبية. من هنا اشتراكهم الفعال في أولى واغلب الحركات ثورية وراديكالية مثل (نارودنيا فوليا) وفي تأسيس الحلقات الماركسية الأولى وحزب (الاشتراكيين الثوريين) وكذلك فرقتي البلاشفة والمناشفة في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية التي احتلوا اغلب مراكزها القيادية. ففي (نارودنيا فوليا) كان من بين المشتركين في اغتيال القيصر الروسي عام 1881 غولدينبيرغ وديتش وزونديليفيتش وغولتمان وكلهم يهود. وليس مصادفة أن تبدأ في روسيا عام 1882 (في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال القيصر) أولى الهجمات الشعبية ضد اليهود (أو ما يسمى بالعرف واللغة الروسية "بالبغروم" كشكل من أشكال رد الفعل الجماهيري، الذي لم يتعارض مع سياسة السلطة.

لقد كان اشتراك اليهود في الحركات السياسية المعارضة للنظام على قدر من القوة جعل السلطات القيصرية تراقبها عن كثب. فمنذ سبعينيات القرن التاسع عشر اخذ اليهود بتسلم المواقع القيادية في الحركات الثورية، كما هو الحال بالنسبة لديتش وأكسلرود في حركة (تحرير العمل)، وأوتين في حزب الاشتراكيين الثوريين، الذي حكم عليه بالإعدام لنشاطه المناهض للقيصرية. حيث اضطر للهرب إلى الخارج والعمل مع ماركس وباكونين، ولكنه رجع إلى روسيا بعد طلبه العفو من السلطة، حيث اصبح تاجرا كبيرا. ونفس الشيء يمكن قوله عن دورهم في الحركة الماركسية الروسية كما هو الحال بالنسبة لكثافة وجودهم في حزبي الاشتراكية الديمقراطية الروسية (البلاشفة والمناشفة)، مثل تروتسكي (برونشتين)، زينوفيف (أبفيلباوم)، كامينيف (روزنفيلد)، ستيكلوف (ناخامكس)، دان (غورفيتش)، مارتينوف (بيكر)، كولتسوف (غينزبورغ)، غرينيفتش (كوهن)، ريازانوف (غولدينداخ) وكثير غيرهم. وهي ظاهرة سجلها تيودور هرتسل نفسه في مذكراته بعد زيارته لروسيا من اجل الحصول على تأييدها لمشروعه الصهيوني. فقد حصل على تأييد جزئي استجاب لرغبة السلطة القيصرية بنزوح اليهود منها، ولكنه واجه في نفس الوقت انتقادا حادا من جانب الوزير الروسي فيته، الذي قال له، بان اليهود لا  يتجاوزون الخمسة بالمائة من عدد سكان الدولة، بينما يقدمون اكثر من 50% من المعارضين للسلطة.

ولم يكن انخراط اليهود في الحركة الثورية نتاجا "للثورية اليهودية"، بقدر ما كان شكلا من أشكال الانخراط في المجتمع واحتجاجا عليه في نفس الوقت، بفعل انحصارهم في الغيتو. وهي حالة متعددة المستويات من حيث فاعليتها وتأثيرها على النفس والمجتمع (الروسي). فقد كان الاحتجاج ضد السلطة أيضا احتجاجا ضد الغيتو ونموذجه الموسع في "نطاق الإقامة". إذ يفترض الخروج على السلطة والغيتو خروجا على النفس. وبما أن النفس اليهودية المتربية في تقاليد الغيتو لا تعرف نماذج اكثر إثارة من قيود اليهودية ونفسها الغضبية، لذا لم يتعد "خروجها" من حيث حوافزه وغاياته حدود التمرد وشعور المرارة اللذين لا يصنعان في افضل الأحوال اكثر من هراوة الانتقام وذهنية المؤامرة، اللتين بدورهما كانتا نتاجا لانغلاقهم الذاتي. "فجنون المطاردة" و"مذابح اليهود" ونفسية الانتقام المكبوتة يصنعون بالضرورة خيال المؤامرة، ويغذونها بكل الصور والأساليب الغريبة. ويجعلون من هذا الخيال المريض حلما واقعيا. وليس مصادفة أن يجعل اليهود منذ القدم المجزرة التي اقترفوها ضد الأبرياء من أهل فارس، والتي دونها (كتاب أستير) عيدا روحيا ودينيا ومعنويا. بينما لم تكن "بطولتهم" هذه سوى مذبحة محبوكة من ألفها إلى يائها بذهنية المؤامرة. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى تركزهم في قيادة الحركات الثورية، بوصفها نموذجا كلاسيكيا لتقاليد العصبية والنخبة. فعادة ما تنظر "النخبة الثورية" إلى أحلامها كما لو أنها اصدق من اليقين، بينما تعتبر اجتهادها الخاص حقيقة مطلقة. وهو الأمر الذي يفسر دخولهم المبكر في حركة "تحرير العمل" التي كانت الحاضنة للحركات الثورية الماركسية في روسيا. ومنها خرجت الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية بشقيها البلشفي والمنشفي، ومعها تشكلت حركة الاشتراكيين الثورين بجناحيها اليساري واليميني، ومنها أيضا خرج حزب البوند اليهودي. بل حتى حالما تشكلت الحركة اللبرالية الروسية في حزب الكاديت (الدستوريين الديمقراطيين)، الذي تولى قيادته في بادئ الأمر نخبة أرستقراطية روسية مثل بترونكيفتش وراديتشف والأمير شاخنوفسكي والأمير لفوف والأمير تروبتسكوي، فانه سرعان ما تغلغل اليهود فيه ليحتلوا بعد فترة وجيزة اغلب أجهزته العملية والنشطة مثل فينافير، زيلبير، اليوس، ماندلشتام وغيسين. ووجدت هذه الحالة انعكاسها أيضا في تمثيل اليهود للحركة الثورية الروسية في الخارج، بحيث لا نعثر في مؤسسات الأممية الثانية على روسي واحد. فقد كان جميع ممثلي الحركات الاشتراكية الديمقراطية الروسية في الخارج يهودا. ففي أحد تقاريرها السرية للعقد الثامن من القرن الماضي تشير وزارة الخارجية الروسية إلى أن من بين 145 سياسيا مغتربا هناك (51) من اصل يهودي. أما اشتراكهم في الحركات السياسية وصعودهم إلى مراكزها القيادية فواضح في قيادة اليهود لحزب الاشتراكيين الثوريين ـ قسم الخارج ـ عبر كل من غوتس وشيشكو وليفيت ومينور وغوريفتش، اما الروسي فهو جرنوف. في حين ضم الجهاز السري للحزب طاقما آخر من اليهود أيضا، مثل: ميندل وفيتنرغ وليفي وعازييف. وينطبق هذا بالقدر ذاته تقريبا على اغلب الأحزاب الأخرى، بما في ذلك البلاشفة. وبهذا الصدد يمكن الإشارة إلى النكتة الشائعة عن ستالين الذي تنسب إليه عبارة قالها بعد توحيد البلاشفة والمناشفة عام 1906: إن من الضروري القيام بـ"بغروم" (أي مطاردة اليهود) في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية!! إضافة إلى أن اغلب العناصر الإرهابية المتمركزة في الحركات الراديكالية، مثل حزب الاشتراكيين الثوريين، كانوا من اليهود. فقد قاد المنظمات الإرهابية السرية في الحزب يهودي هو غيرشوني من عام 1901 حتى عام 1903، ومن بعده اليهودي عازييف، ثم اليهودي زيلبيربيرغ.

ولم يكن نشاط اليهود السياسي مستقلا على الدوام عن تأثير الماسونية اليهودية التي ساهمت من خلال أموالها في توتير العلاقات الخارجية والداخلية لروسيا القيصرية. وفي تقديم الأموال لكثير من الحركات السياسية المناهضة للنظام. فقد قدمت المنظمات اليهودية العالمية، على سبيل المثال، دعما ماليا لثورة 1905 الروسية الأولى، قدرت بحوالي ثمانية ملايين وسبعمائة وأربعة وأربعين ألف روبل جرى استلامها من ألمانيا (115000 جنيه إسترليني = 1150000 روبل) وإنجلترا (149341 جنيه إسترليني = 1493410 روبل) وأمريكا (240000 جنيه إسترليني = 2400000 روبل) ومن فرنسا والنمسا (370000 جنيه إسترليني = 3700000 روبل). وقد أشار الماسوني أ. دافيد في كتابه المنشور في باريس عام 1982 إلى انه عثر زمن اشتغاله في وزارة المالية الروسية على وثائق تشير إلى سعي الدولة الروسية إلى إقامة صلات مع البنوك اليهودية من اجل إقناعهم بعدم تزويد الحركات اليهودية السياسية بالأموال.

في حين أشار الكسندر برادور في مذكراته الشخصية الصادرة في باريس عام 1937 إلى أن جميع قادة الحركات اليهودية السياسية هم من الماسونية. ويتمتعون بقوة كبيرة ليس بين أوساط الحركات اليهودية فحسب، بل وبين الحركات السياسية الأخرى. وتكفي الإشارة هنا، للتدليل على صحة ذلك، إلى أن اغلب أعضاء الحكومة المؤقتة كانوا من الماسونيين، فرئاسة مجلس بتروغراد بأعضائها الثلاثة كانوا من الماسونية، وهم جغيدزه وكيرنسكي وسكوبيليف، في حين أن اثنين من اصل أربعة من سكرتارية القيادة كانوا من الماسونيين وهم غفوزدييف وسوكولوف.

لكن إذا كانت الثورات الكبرى هي نتاج تفاعل أسباب ومقدمات عديدة غاية في التعقيد فإنها تكشف أيضا عن حقيقة بسيطة قوامها واقع التأثير البالغ والحاسم أحيانا للأفكار والقيم والمفاهيم. ويمكن القول أيضا بان ثورة شباط الروسية لعام 1917 التي أطاحت بالقيصرية(السابقة لثورة أكتوبر بعدة اشهر) كانت نتاجا لنشاط الماسونية اليهودية سواء باشتراكها الفعال في القيادات السياسية للأحزاب أو من خلال مدها بالأموال. وإذا كانت هذه الحقيقة تنطبق في إطارها العام على كافة الحركات الراديكالية والثورية الروسية فان صيغ تجليها تباينت من حزب لآخر. ولم تخل الحركة البلشفية من تأثير الماسونية اليهودية رغم ضحالة الفكرة القائلة بماسونية البلاشفة. إلا أن التأثير الموضوعي ولحد ما غير الواعي للماسونية اليهودية في الحركة البلشفية واقع لا يمكن تجاهله حتى في مسار الأفق اللاحق للدولة السوفيتية. وإذا كانت البلشفية قد حطمت في وقت لاحق للثورة الهيئة العامة للماسونية كظاهرة فكرية ـ تنظيمية ، فان فعالية تلك الهيئة تواصلت من خلال النشاط اليهودي في عصر الثورة البلشفية. وفي حين ساهمت الماسونية اليهودية في أعمال الثورة الروسية، فان الثورة (بما في ذلك البلشفية) جعلت روسيا منطقة نشاط هائل للماسونية ـ اليهودية، بعد أن ارتدت مسوح "ثورية". أما في الواقع، فان هذه الثورية لم تكن من حيث حوافزها وأساليبها سوى قوى تخريبية بسبب امتلائها بشحنة العداء للروس وروسيا وتراثها القومي الكبير.

فمن الناحية التاريخية لم تكن الثورة الروسية فعلا يهوديا، لأنه لا ثورية بالمعنى السليم للكلمة في التراث اليهودي. إذ لا يوجد في تراث اليهودية بعدا إنسانيا عاما، لان حد اليهودية هو نفسها فقط. لهذا جرى استغلال الثورة في روسيا، وكما حدث قبل ذلك في فرنسا عام 1789، بطريقة جعلت منها أسلوبا للتشفي والانتقام والاستحواذ. فقد استطاعت أوربا، على سبيل المثال تلافي وتحييد اثر اليهود واليهودية التخريبي في تقاليدها السياسية والثقافية بفعل تجذر وترسخ تقاليد الدولة والحقوق والمجتمع المدني وإبداعها الفكري السياسي المستقل. أما في روسيا فقد اتخذت الحركة الثورية فيها، بسبب ضعف الدولة وضعف بنية الحقوق والعلاقات الاجتماعية إضافة إلى تعدد قومياتها وأعراقها وثقافاتها وأديانها، هيئة الحركة السرية الباطنية. مما أدى بها بالضرورة إلى أن تكون اكثر تدميرا وعنفا وتخريبا. وان تستجيب بالتالي لتقاليد ونفسية الشتات والغيتو. أي أن الظروف التاريخية المشوهة للثورة جعل من الممكن سيادة وغلبة اليهود واليهودية في الحركة الثورية الروسية.

فمن المعلوم تاريخيا، أن الحركة الثورية والديمقراطية الروسية الأولى جعلت من الحرية والأرض شعارها الأساسي. وقد كان ذلك يعني من الناحية الواقعية - الحرية للإنسان الروسي (تحرير الأقنان)، والأرض للفلاحين (المحررين). وهي حركة استقطبت بالضرورة الجماهير الروسية (الفلاحية) وغاب اليهود فيها لأنه لم يكن لهم وجود في الريف والقرى وفلاحة الأرض. وأدى ذلك بالضرورة إلى أن تكون قيادة الحركة السياسية ومفكريها ومادتها الفلاحية روسية الأصل والمنشأ والفعل. غير أن الأمر اختلف مع صعود الحركة الاشتراكية الديمقراطية، التي جعلت من البروليتاريا قوتها الطليعية والقائدة للمجتمع ككل. كما لم تكن أيديولوجيتها روسية من حيث اصلها واستجابتها للحركة التاريخية الفعلية لروسيا. فالماركسية الروسية لم تكن حركة وطنية وقومية روسية بالمعنى الدقيق والسليم للكلمة. بل شكلت من حيث قيمها المتسامية وشعاراتها الكبرى حجابا اختبأت وراءه كل نزعات الاحتجاج والمعارضة. وبما أن اليهود واليهودية هما نموذج التطرف والتعصب الديني والعرقي. لذا اصبح دخولهم "طبيعيا"، ولحد ما انسيابيا استجاب للحالة "الثورية" التي بلورتها تقاليد الماركسية الروسية بشكل عام وتياراتها الراديكالية بشكل خاص. أي تناغم روح الغلوّ، الذي جعل من الفكرة الاشتراكية غلافا للتعصب الفئوي الضيق، ومن مادتها "الطليعية" الجمهور الأكثر جهلا وتخلفا من الناحية الثقافية. وأدى امتزاج التخلف الثقافي "للطليعة الثورية" في روسيا مع تقاليد الثورية الماركسية، التي تشبعت بعناصر الغلوّ والتعصب اليهودي بسبب غلبة العصر اليهودي في قياداتها، إلى صنع سبيكة "الثورية اليهودية". ولم تكن هذه "الثورية اليهودية" في الواقع سوى حركة تخريبية وإرهاب منظم، بسبب نفسية "المغضوب عليهم"، التي تجعل من الانتقام والتشفي الأسلوب الأكثر انتشارا و"معقولية" للسلوك الفردي والجماعي والحزبي.[22] أي كل ما كان يلازم ماهية "الشخصية اليهودية". لهذا لم يعرف اليهود في تاريخهم بعدا ثوريا بالمعنى الصحيح للكلمة. على العكس!

كان تاريخ اليهود واليهودية تاريخ الشتات والانغلاق. وهو تاريخ لا يمكنه إبداع بعد ثوري حقيقي. إضافة لذلك كان تاريخ اليهود بشكل عام تاريخ الخنوع والخضوع للسلطات ومجاراتها ومحاباتها في اغلب ما تراه. وان تاريخ وجودهم في أوربا بشكل عام وفي روسيا بشكل خاص حتى نهاية القرن التاسع عشر هو نفس تاريخ ونموذج وجودهم قبل ألفي عام قبل ذلك. فقد كان المدافع عنهم بين الحين والآخر ليسوا هم أنفسهم، بل الملوك والأمراء والباباوات. إذ حصلوا على الحرية في فرنسا ومن بعدها في أوربا بمساعدة نابليون بونابرت. فقد كان ولا يزال اله اليهود واليهودية وغاية وجودهم ونموذجهم الأعلى هو المال والثروة وليس الحرية والحق. بل لم يفكر اليهود يوما بان يكونوا ثوارا وثوريين. على العكس! بل تبجحوا على الدوام بتمسكهم الدائم بتراث الآباء والأجداد وإلههم. ولكن حالما انتصر الانقلاب البلشفي، الذي شكل اليهود النسبة الغالبة في قيادته، حينذاك بدا الأمر كما لو انه انتصار "للثورية اليهودية". عندها اندفع وتدفق اليهود من مختلف الحركات للانضمام إلى تيار الثورة وتوظيفه بالطريقة التي جرى فيها "التأسيس" أيضا "للروح الثورية اليهودية". وهي صيغة تعكس في الواقع النفس الكلبية والتأقلم الفاضح المميزين لتاريخ اليهود واليهودية. حينذاك جرت أولى محاولات تصوير تاريخ اليهودية باعتباره تاريخ الصراع من اجل تقويض النصرانية، أما "صراعها" الحالي فهو "نضال" من اجل تقويض نظم الاستبداد. وبهذا الصدد كتب الدعائي الصهيوني الكسندر امفيتياتروف بعد ثورة أكتوبر في كراسه (اليهودية والاشتراكية) قائلا، بان المسيحية تلاقحت نظريا وعمليا عبر آراء بولص مع أخلاق النظام البرجوازي! أما اليهودية بمختلف مظاهرها فقد بقت محافظة على ذاتها. مما عرضها إلى مختلف صنوف الاضطهاد والملاحقة، لا لشيء إلا لأنها حافظت على اشتراكية المسيح فيها! وكتب فريتس عام 1921 كتابا بالألمانية تحت عنوان "الشعب اليهودي عنصرا وثقافة" يقول فيه، "بان موسى بشر بأفكار ناضل في سبيلها بعد ألف سنة وصلب لأجلها. ثم جاء ماركس فصاغ تلك الأفكار في البيان الشيوعي عام 1848". وبالتالي إن موسى والمسيح وماركس هم "سلسلة تمثل الخصائص القومية لليهود". وكما "يعمل لاسال في ألمانيا من اجل سعادة البشرية، يعمل جيش المقاتلين الثوريين اليهود في روسيا من اجل تحررها"! وكتب يهودي آخر (وايزمان)، بأنه "إذا كان في الماضي اله واحد. فالان يوجد الاهان وهما ماركس ولاسال"! في حين اعتبر الكسندر امفيتياتروف "كتاب أستير" برنامجا "يستمد اليهود المعاصرون منه نموذجهم للفعل الثوري"، أي انه وجد في "كتاب استير" برنامجا للفعل الثوري! وهو خلط للمفاهيم والقيم تجعل من الإبادة والانتقام والتشفي فعلا ثوريا لا فعلا إجراميا وهمجيا. وليس مصادفة أن يتوصل امفيتياتروف في مهاتراته الأيديولوجية، على خلفية التخمة الهائلة لليهود في جوف السلطة السوفيتية للقول، بان "اليهود لم يقتنعوا يوما ما من الأيام بالواقع كما هو، لان نموذجهم الأمثل للديمقراطية لا وجود له إلا في قلوبهم"! بل "حتى الرأسمالي في أعماقه هو اشتراكي ثوري"! لان "الرأسمال بالنسبة له مجرد غلاف لحقيقته الثورية"! و"مع مرور الزمن سوف تتساقط هذه الحراشف  لتظهر الأصوات العميقة لليهودية فيه، كما نسمعها في أصوات لاسال وماركس، ونراها في سلوك اليهود في روسيا، التي نعثر فيها على صدى بكاء ارميا وطوباوية المسيح".

أما في الواقع، فان "الفعل الثوري" لليهود في روسيا كشف عن أن "دموع ارميا" هي دموع تمساح، و"طوباوية المسيح" هي خديعة يهودية عادية. كما برهن تاريخ روسيا فعلا على أن كل ما في اليهودية غلاف. فالرأسمالية غلاف والاشتراكية غلاف والثورية غلاف والديمقراطية غلاف.

بهذا المعنى يمكن القول، بان "حدس" امفيتياتروف هو "حدس" مقلوب. وان تجربة روسيا في القرن العشرين وتحول اليهود في مجراه من "قوة اشتراكية وشيوعية" إلى قوة معادية للاشتراكية والشيوعية، ومن "قوة ثورية" إلى قوة مضادة للثورة، ومن "مناهضين للرأسمالية" إلى مدافعين عنها، ومن دعاة للحفاظ على دين الآباء والأجداد إلى ملحدين، ومن ملحدين إلى دعاة للإيمان الجديد، ومن الدعوة للأممية إلى تكذيبها، ومن نصرة القومية إلى اتهامها بالفاشية، ومن السماء إلى البورصة، كل ذلك هو مجرد تلون يكشف ماهية القلب اليهودي الذي لا علاقة للمسيح وماركس به بتاتا، ولا بأي شكل كان من الأشكال.

أننا نستطيع العثور في المسيح على كل شئ باستثناء اليهودي واليهودية، ونستطيع العثور في ماركس على كل شئ باستثناء اليهودي واليهودية. كما نستطيع العثور في اليهودية على أشياء عديدة باستثناء قيم الحرية والديمقراطية والحق والروح الإنساني الشامل. وهو استنتاج حققه تاريخ روسيا بعد الثورة، عندما ركب اليهود موجتها العارمة عام 1917، وكرروه في الثورة المضادة عام 1991، الأولى باسم الشيوعية والثانية باسم معاداة الشيوعية. وفي كلاهما كانت قلوب اليهود هي هي. فالشيوعية والاشتراكية بالنسبة لهم غلاف، لان ماهية اليهودي في يهوديته، واليهودية، كما قال ماركس مرة منافية للطبيعة والإنسان والجمال. وهي منافاة لا يمكنها صنع ثورة. أما "ثورية" اليهودية فهي مجرد أسلوب التأقلم الكلبي والاستغلال الشنيع للمفاهيم والقيم المتسامية، التي تجعل من غلاف الثورة والأفكار المتسامية غشاء على أعين الغافلين. الأمر الذي حوّل الثورة إلى مذبحة، وجعل معاناة الروس فيها مصدرا لاستدرار الأرباح. فقد كان النواح يهوديا والدموع روسية. بينما تفترض حقيقة الثورة الاندماج التام بقيمها العليا، وأولها تغيير النفس بما يتطابق مع معاني الحرية والحقيقة والعدل، لا مع معاني الرذيلة الكامنة في انقلابات النفس الغضبية.

إذ تفتقد النفس اليهودية (الغضبية) للحدود الداخلية، مما يجعل منها وعاء للتعصب والتحّزب والتطرف والغلوّ. لهذا نرى اليهودي اكثر عدمية وتطرفا وغلوا من غيره. ومن ثم اكثر تدميرا وتخريبا، وبالأخص حالما تسنح له الفرصة. وذلك لأنه لا يعرف حدود الاعتدال، إذ لا حدود داخلية فيه. مما يجعل من الشك والريبة بالنسبة له نموذجا ومثالا أعلى للفعل. لذا لم يؤد اشتراكهم النشط في "رسالة الحرية" إلا إلى تدميرها، لأنه لا جذور تربط اليهودية بالحرية الإنسانية. فموضوع اليهودية ومادتها هم اليهود فقط. وهم كيان بلا قلب. وبهذا المعنى يمكن الاتفاق مع ما قاله اليهودي يعقوب كلاتسكن في الكتاب الصادر في برلين عام 1930(قضايا يهودية معاصرة) عن أن سلوك اليهود عادة ما يؤدي إلى نقيضه في ميدان العمل السياسي. غير أن فكرته القائلة بان أولئك الذين لا جذور لهم يستطيعون أن يكونوا "رسلا للحرية" والعمل ضد كل ما هو حر في نفس الوقت، هو مجرد اختلاق للعبارة فقط. لان افتقاد الجذور يؤدي إلى انقطاع الأنا عن مكوناتها، مما يفقدها بالضرورة حدودها وأوزانها الداخلية، التي لا يمكن بدونها تحسس ومعرفة كمية الأفعال ونوعيتها. وهو أمر لا يمكنه أن يصنع ثباتا. بينما الحرية هي ثبات على الحق والحقيقة. وبهذا المعنى أيضا لا قيمة ولا صدق في تصوره عن اليهود باعتبارهم "نخبة روحية" مبدعة ومدمرة في نفس الوقت، وذلك لان حقيقة الإبداع عمران دائم، مادته حقيقة وأسلوبه حق.

لقد حدد ذلك غلبة التدمير والخراب في فعل اليهود وكل ما تصله أيديهم. وذلك لان الفعل اليهودي مرهون منذ البدء بحوافز وغايات النفس الغضبية المتربية بتقاليد الانغلاق. مما يجعل منه أسلوبا لإنتاج وتمرير التعصب والتحزب الضيقين، اللذين بدورهما ليسا إلا استمرارا لتقاليد العزلة اليهودية بمعناها الديني والثقافي والاجتماعي. ويكفي المرء إلقاء نظرة سريعة على مستوى وكثافة الوجود اليهودي في قيادة المستوى الأول والثاني وحتى الثالث في الحركات الراديكالية في أوربا بشكل عام وروسيا بشكل خاص ليرى بسهولة الأصول "العرقية" للتطرف.

إذ عادة ما ينقل اليهود إلى الوسط الثوري انغلاقهم الذاتي على هيئة تعصب وتحزب، وشتاتهم الروحي على هيئة تطرف وغلوّ. وهي صفات تجعل من الصعب تحررهم الصادق فكرا وعملا. ولعل تاريخ الحركة الثورية (الماركسية) في روسيا بشكل عام وفي البلشفية بشكل خاص محك لآلية التدمير والتخريب الهائل لليهودية بهذا الصدد. ولم تنج من ذلك اللينينية أيضا، مع أنها التيار الأكثر عقلانية في البلشفية. وعلى أطرافها تقع التروتسكية والستالينية. وكلاهما تطرف في الفكرة والتطبيق. لكن إذا كانت التروتسكية تحمل في أعماقها بصمات وآثار وثقل اليهودية، فان الستالينية هي الرد المباشر عليها. وهو سبب غلوّها وإرهابها الآلي. على عكس التروتسكية التي تميزت أيضا بتقلباتها الراديكالية ونفسيتها الغضبية، التي جعلت من العنف والبطش النموذج الارقى "للروح الثوري"، والذي سيتوج لاحقا في "الإرهاب الأحمر". أما بداياته الأولى فقد جرى وضعها في مجرى التحضير للثورة الروسية الأولى عام 1905. حيث استغل تروتسكي (برونشتين) عندما كان نائبا لرئيس مجلس النواب العمالي في بطرسبورغ، غياب خريستيليوف (الروسي) عن قيادة الجلسة ومرر اقتراحا (قرارا) بإعلان الثورة المسلحة، التي أدت بحياة الكثير من الأبرياء. ولكن حالما بدأت الحرب الإمبريالية الأولى، رجع خرستيليوف إلى روسيا للدفاع عنها، بينما بقي تروتسكي في الخارج حتى انتصار الانقلاب البلشفي عام 1917. وعندما اعترض خريستيليوف بعد الثورة على سلوك البلاشفة، وبالأخص ما يتعلق منه بسياسة البلاشفة اليهود وسرقتهم لروسيا، جرى إعدامه بتهمة الخيانة عام 1918.

شكل انتصار الثورة البلشفية عام 1917 مرحلة الانقلاب الكبرى في تاريخ السيطرة اليهودية في روسيا. مما حدا بالبعض للقول، بان البلشفية هي مجرد نوع "سوفيتي" لليهودية، بما في ذلك في نجمتها الخماسية (خاتم سليمان)، التي اقترحها تروتسكي. وبغض النظر عن التأويلات العديدة والممكنة بهذا الصدد، فان مجرد وجود النسبة الهائلة لليهود في مراكز السلطة السوفيتية بعد الثورة، جعل منها أداة يهودية وأسلوبا لتجسيد ما تراكم في تقاليدها من الانتقام المكبوت والأخذ بالثار والتشفي وما شابه ذلك من الرذائل الاجتماعية والسياسية. فقد أحصى المراسل الإنجليزي لجريدة التايمز بعد الثورة حوالي 447 يهوديا من اصل 556 شخصا قياديا في السلطة السوفيتية. وكتب في إحدى مقالاته عام 1919، بان 75% من البلاشفة يهود. وهي أرقام يمكن التدليل عليها بصورة ملموسة في حال النظر إلى نسبة اليهود استنادا إلى الأرقام العامة الأساسية في مؤسسات السلطة السوفيتية حتى عام 1921. فقد كان عددهم من بين أعضاء الهيئات التالية كما يلي:

اسم الهيئة

العدد

اليهود

سوفييت القوميساريات الشعبية (الحكومة)

22

17

قوميساريات الجيش (وزارة الدفاع)

43

35

قوميساريات الداخلية (وزارة الداخلية)

62

43

قوميساريات الخارجية (وزارة الخارجية)

16

13

قوميساريات المالية (وزارة المالية)

29

24

قوميساريات الحقوق (وزارة العدل)

19

18

قوميساريات المحافظات

18

17

قوميساريات التنوير الوطني (وزارة التربية)

53

42

لجنة المساعدات الاجتماعية

6

6

لجنة العمل

8

7

ممثلو السلطة السوفيتية في الصليب الأحمر

8

8

سوفييت رعاية الصحة

5

4

لجنة الاتحادات المهنية

5

4

المجلس الأعلى للاقتصاد الوطني

54

45

سوفييت عمال وجنود مدينة موسكو

23

19

اللجنة التنفيذية المركزية للمؤتمر الرابع للنواب

34

33

اللجنة التنفيذية المركزية للمؤتمر الخامس للنواب

61

43

اللجنة المركزية للحزب

12

9

هيئة تقصي نشاط الحكم البائد

7

5

هيئة تقصي مقتل القيصر نيكولاي الثاني

10

7

مراسلو صحف البرافدا والازفيستيا والمالية

41

40

 

من هذه المعطيات يتبين بان اليهود كانوا يحتلون النسبة الغالبة في مختلف مؤسسات الدولة الأساسية. بحيث وصلت نسبتهم إلى الآخرين حوالي 82%، وتوزعت النسبة الباقية 12% بين مختلف شعوب وقوميات روسيا القيصرية، والتي لم يحصل الروس فيها غير حوالي 6%. وهي نسبة لم يطرأ عليها تغير جوهري حتى بداية الحرب الوطنية العظمى. فحسب الإحصائيات الواردة ما بين أعوام 1936 و1939 (مرحلة ما يسمى بالتصفيات الجسدية) نرى نسبتهم ما زالت الغالبة بشكل فاضح في مؤسسات الدولة ومراكزها القيادية الأساسية، كما هو جلي في الجدول التالي:

اسم الهيئة

اليهود

غير اليهود

اللجنة المركزية للحزب الشيوعي

61

17

سوفيت القوميساريات الشعبية

115

18

قوميساريات وزارة الداخلية

53

6

قوميساريات وزارة الخارجية والعلاقات التجارية

106

17

اللجنة المركزية التنفيذية لعموم روسيا

17

3

مجلس التخطيط الحكومي

12

3

الادعاء العام

4

2

التوجيه السياسي

20

1

التنوير الثقافي واتحاد الملحدين

40

0

الاتحاد المركزي للجان الاستهلاكية

7

1

 

 مما سبق يبدو واضحا، تركزهم الهائل في أهم مراكز اتخاذ القرار السياسي والتنفيذي، أي في الحزب والحكومة ووزارات الداخلية والدفاع والمالية والخارجية والدعاية والإعلام والتربية والتعليم. فقد تراوحت نسبتهم في هذه المؤسسات ما بين 60% إلى 100%، بينما لم تكن نسبتهم إلى عدد السكان حينذاك تتجاوز 2%. ونعثر على نفس النسبة في كل الأماكن والميادين وعلى كافة المستويات بعد الثورة. فقد كانت اللجنة الحكومية لمدينة بتروغراد (العاصمة حينذاك) تتألف من 371 يهوديا و17 روسيا. ومن بين هؤلاء اليهود كان هناك 265 شخصا جاءوا إلى روسيا من الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتصار الثورة. حيث كان اغلبهم ينتمي إلى جهات المعارضة "اليسارية" التي كانت تمولها البنوك اليهودية، وبالأخص بنك يعقوب شيف. ونفس الشيء يمكن قوله عن سوفييتات وهيئات ومراكز الدولة والمجتمع.

واصبح طغيان اليهود في المؤسسات جليا للعيان بما في ذلك بالنسبة لعيون الزوار الأجانب والسياسيين والصحفيين. فقد استغرب دوغلاس ريد الصحفي الإنجليزي الذي زار موسكو مع انطون أيدن، الأعداد الهائلة لليهود في موسكو واحتلالهم افضل المواقع، وبالأخص في مجال الرقابة. وكتب بهذا الصدد في كتابه الشهير (جدل حول صهيون)، بان ما يجري في روسيا من إرهاب يكشف عن أن سلوك اليهود الدموي يجسد ما هو موضوع في (البروتوكولات)، وبالأخص بنودها الداعية لتصفية الطبقة الأرستقراطية والاستيلاء على السلطة والثروة من خلال إثارة الرعاع والغوغاء. وتوصل الرأسمالي الكبير هنري فورد في كتابه (اليهودية العالمية) إلى نفس الاستنتاج، عندما أكد على أن السلطة السوفيتية بعد الثورة وحتى عام 1920 هي سلطة اليهود. أما ما يسمى بدكتاتورية البروليتاريا، التي لا صوت للعمال فيها بتاتا، فهي روسية فقط من حيث أنها توجد في روسيا. واعتبر فورد البلشفية البرنامج العالمي لبروتوكولات الصهاينة. وكتب بهذا الصدد قائلا، عندما يقول الصحفيون اليهود، بان البحث عن علاقة بين البلشفية والبروتوكولات الصهيونية ضرب من الجنون، فإننا نقول لهم: إن الأعمى وحده لا يرى هذه الصلة بينهما! وجزم هنري فورد، بان سبب ذلك يقوم في اعتقاد اليهودي بان العالم ملك له! لهذا نراه يسعى بأقصر الطرق وأسهلها لبلوغ مرامه. كما نراه يخرب ويدمر كل ما يقف أمامه على انه حجر عثرة! ومن هذه الأفكار العامة توصل فورد إلى أن ما يقوم به اليهود في روسيا بعد الثورة هو العمل من اجل سحق الملكية غير اليهودية. فاليهود لم يدمروا الرأسمالية كما هي بعد الثورة البلشفية، بل دمروا الرأسمالية الروسية وجعلوا من كل شئ ملكا لهم.

يكشف هذا الاستنتاج الذي توصل إليه فورد بعد الثورة بقليل، وقبل سقوط الاتحاد السوفيتي بسبعين عاما، عن جرأته وحدسه العميق بعد أحداث 1991. فقد كشفت التحولات التي جرت بعدها عن أن القوة الداخلية للسلطة السوفيتية (أو سلطة الظل) كانت الرأسمالية اليهودية، التي حولت رأسمالية الدولة السوفيتية بين ليلة وضحاها إلى رأسمالية طفيلية شكل اليهود أسنانها ومعدتها وأمعاءها.

لقد طبع تأثير العدد الهائل لليهود في مراكز السلطة السوفيتية إجراءاتها العملية، وأثر على مسارها تأثيرا هائلا. إذ تعكس نسبتهم الكبيرة في السلطة المظهر الخارجي الكمي، الذي رافقه بالضرورة تأثيرهم الباطني، لاسيما وانهم أقلية اتسمت وتشبعت نفسيتها تاريخيا بضمأ التدمير العنيف وذلك لانعزالها الثقافي والاجتماعي، مع إتاحة الفرصة الخيالية لها في "التغيير الشامل" للحياة (لحياتها). وسوف تظهر هذه الازدواجية في حماسة اليهود المفرطة لمحاربة "القديم" عند الآخرين وحماية انعزالهم الذاتي وتراثهم الخاص من نقد الآخرين. وليس مصادفة أن يتولى الهجوم العارم ضد النصرانية والإسلام والتراث الثقافي للامة الروسية دارسون يهود انتحلوا أسماء وألقابا روسية مثل يروسلافسكي (في الأصل ويلمان) وروميانتسيف (في الأصل شنايدر) وكانديدوف (في الأصل فريدمان) وزاخاروف (في الأصل ايديلشتاين) وعشرات غيرهم. كما رافق هذه العملية هجوم شامل على "العالم القديم" وبناء "العالم الجديد" حسب معايير وقيم خاصة به. الأمر الذي كان يتضمن في ذاته تثليم حدود العقلانية المفترضة في النزعة الاشتراكية وهويتها الإنسانية.

أدت سيطرة اليهود في السلطة السوفيتية إلى ظهور تجربة جديدة وفريدة من نوعها بالنسبة لليهود واليهودية استثارت بدورها كوامن التاريخ اليهودي المكبوت في الشتات والغيتو. وجرى تفريغه في "العنف الثوري" و"الإرهاب الأحمر"، وتحطيم "العالم القديم" والدين والكنيسة، وإفناء "الجيش الأبيض"، وتدمير "قوى الثورة المضادة"، ورمي "الأرستقراطية الروسية والنبلاء في مزبلة التاريخ"، وما شابه ذلك من مكونات النفس الغضبية. مما جعل من اليهود كيانا مستعدا لانتهاك كل المحرمات واستحسان كل الموبقات وارتكابها في كل خطوة وخاطر وفعل وإشارة. بحيث أدى ذلك بهم في نهاية المطاف إلى أن يعتبروا أنفسهم ممثلي الشعب الروسي بما في ذلك في طقوس عرسه ودفنه. فقد جعلوا من موسيقى مندلسون معزوفة الزواج والأعراس، ومن موسيقى شومان معزوفة الجندي المجهول، كما لو انه لا يوجد موسيقيين روس عظام، وكما لو أن مندلسون وشومان يساوون شيئا مقارنة بتشايكوفسكي وموسورغسكي وريمسكي كورسيكوف وغلينكا وعشرات غيرهم. بل نقلوا ذلك إلى طريقة العيش و"آداب الوداع الأخير" بدفن رمادهم المتبقي بعد الحرق في علب صغيرة في روسيا التي تحتل تسع مساحة العالم، كما لو انهم صنعوا في رمزية الحرق هذه الأبعاد الدفينة القائلة بضرورة إلا يبقى بعد الروس وروسيا إلا الرماد، ولكي لا تلمع فوق قبورهم صلبان الأرثوذكسية، ولكي تندثر مع موتاهم ذكرى الأجيال وارتباطها الحميم بالماضي.[23]

لقد كانت هذه السياسة تعبر عن نفسية الأقلية المشحونة برذيلة التشفي والانتقام، التي جعلت البعض يقول، بأنها هي التي أسالت لعاب هتلر في وقت لاحق للسيطرة على الاتحاد السوفيتي، لا سيما وانه القائل بان روسيا جسد آسيوي برأس يهودي! فإذا كان اليهود يحكمونها بهذه الطريقة، فلم لا يحكمها مليون ألماني بطريقة افضل. وهو حكم "واقعي" يستمد خشونته ورذيلته من التدنيس الشامل لمقدسات الروس بعد الثورة. وهو تدنيس سبق وان حذر منه الكثير من المفكرين والأدباء والمؤرخين الروس قبل الثورة. فقد كتب أ.س. شماكوف بحثا ضخما صدر في بطرسبورغ عام 1906 بعنوان (الحرية واليهود) وكذلك مداخلات ي.أ.روديونوف عام 1912، وفي الدراستين تمت محاولة البرهنة على أساس معطيات ثورة 1905 (كما هو الحال عند شماكوف) على أن الخطر المميت بالنسبة لروسيا يكمن في سببن، الأول منهما اليهود. وذلك لأنهم يعيشون ويفعلون حسب قاعدة العين بالعين والسن بالسن. لهذا لا يمكنهم أن يكونوا مواطنين حقيقيين. إضافة لذلك أن اليهودي يعتبر كل إنسان ونظام ودولة ليس من أصول يهودية عدوا له، بما في ذلك في حال حصوله منهم على ما يريد ويشتهي. وان تجربة ثورة عام 1905 وقيادة اليهود لها تكشف عن خطورتهم بهذا الصدد. وحذر من أن سيطرتهم سوف تجعل من مصير روسيا مأساويا للغاية. لأنهم سوف يأكلون كل شئ ويدمرون كل من يقف أمامهم. بل سيحولون أحفاد النبلاء والعائلات المعروفة إلى خدم وحوذية عند حثالة اليهود، كما يقول روديونوف. وهي نبوءة برهنت على صدقها بداية الانقلاب البلشفي.

بدأت المأساة الأولية لهذا الانقلاب مع أول بوادر الحرب الأهلية. وإذا كان مظهر الحرب "أهليا"، فإنها كانت في الواقع تجري بمعايير القومية والعرقية، بسبب تركز اليهود في الأجهزة القمعية للسلطة من شرطة وأمن وجيش، إضافة إلى الحكومة والقضاء. فقد كانت الحكومة البلشفية المتشكلة بعد الثورة (1917) حتى عام 1921 تتألف من 22 عضوا، اليهود منهم 17 والروس ثلاثة وهم لينين وتشيتشيرين (وزير الخارجية) ولوناتشارسكي (وزير التربية والتعليم)، وارمني واحد هو بروتيان (وزير الزراعة) وجورجي واحد هو ستالين (يوسف جوغاشفيلي) وزير العلاقات القومية. بينما توزعت القوميساريات (الوزارات) الأخرى عليهم. فقد أسندت وزارة المجلس الاقتصادي الأعلى إلى لوريه (لارين) ووزارة إعادة التعمير إلى شليختر، ووزارة الدولة إلى زينوفيف (أبفيلباوم) ووزارة الرقابة الحكومية إلى لاندر، ووزارة الجيش والأسطول إلى تروتسكي (برونشتين) ووزارة أراضي الدولة إلى كاوفمان، ووزارة الشؤون الاجتماعية إلى شميت، ووزارة الضمان الاجتماعي إلى ليلينا (كينيغسين) ووزارة الشئون الدينية إلى شبيتسبيرغ، ووزارة الوقاية الاجتماعية إلى أنغيلت، ووزارة المالية إلى غوكوفسكي، ووزارة الطباعة إلى فولودارسكي (كوهن) ووزارة الحقوق إلى شتاينبيرغ، ووزارة الإنقاذ إلى فينيغشتين، ووزارة الشئون الانتخابية إلى اوريتسكي (رادوميلسكي).

ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة لوجودهم داخل الوزارات والمؤسسات. ففي وزارة الدفاع، التي ترأسها تروتسكي (روبنشتين) والذي كان يحتل أيضا منصب رئاسة المجلس العسكري لمنطقة موسكو، يساعده بذلك اليهوديان غيرشفيلد وسكلانسكي. كما أن أعضاء هذا المجلس يتألف من يهوديين هما شوروداك وبيتش. في حين كان رئيس المجلس العسكري لجيش الشمال فيشمان، وقوميسار المحكمة العسكرية للجيش الثاني عشر روم، في حين أن القوميسار السياسي للجيش الثاني عشر هو مينتشيك، وللجيش الرابع عشر ليفنسون. ورئيس مجلس الجيش للجبهة الغربية بوزرن، والقوميسار السياسي لمنطقة موسكو العسكرية غوبلمان، وللفرقة الخامسة عشر للسوفيت بولوفسكي، وقوميسار الطوارئ للجبهة الشرقية كل من برونو وشولمان، وأعضاء المجلس العسكري لمنطقة قازان روزينغولتس وميغوف، ورئيس مجلس الدفاع عن شبه جزيرة القرم زاك، والقوميسار السياسي للجبهة الرومانية سبيرود، وصاحب الصلاحية الحكومية (بصدد الحرب) في إجراء المحادثات مع ألمانيا هو داودوفيتش. من كل ما سبق يتضح وجودهم في قيادات كل مؤسسات الجيش وفي كافة المناطق الروسية.

ونفس الشيء يمكن قوله عن وجودهم في وزارة الداخلية، حيث كان جميع أعضاءها يهودا. فقد كانت الوزارة بيد زينوفيف (أبفيلباوم)، ورئيس لجنة الطوارئ اوريتسكي (رادوميلسكي)، ورئيس الدعاية غولدينرودين، ورئيس اللجنة الاقتصادية لكومونة بتروغراد أنيدر، وقوميسار شرطة بتروغراد فييرمان، وقوميسار الأمن الاجتماعي في موسكو روزينتال. وكذلك الحال بالنسبة للجنة الطوارئ (الأمن) في المدن الأساسية مثل بتروغراد (بطرسبورغ سابقا ولينينغراد لاحقا) وموسكو. فمن مجموع المجلس الأعلى للوزارة البالغ عددهم 62 عضوا كان اليهود فيها بين أعوام 1917 و1921 يشكلون 43 عضوا. بينما كان الروس اثنان فقط وتقاسم البقية أشخاص من أصول أرمنية وبولندية وألمانية وليتوانية. ونعثر على نفس الظاهرة في الأطراف الروسية.

وتمييز نشاط وعمل اغلب اليهود، خصوصا في المناطق البعيدة بقسوة بالغة وسادية لا حدود لها. فعلى اثر محاولة اغتيال لينين عام 1918 جرى إعدام 300 شخصا مشتبه بهم اغلبهم من الروس، مع أن المشتركين في المحاولة ومنفذيها كانوا يهودا (كابلان). وعندما اغتيل اوريتسكي في آب 1918 من جانب اليهودي كينيغسر، جرت تصفية 1300 ويقال 10000 شخص معظمهم من الروس. وعندما جرى تفجير بناية صغيرة للحزب في موسكو في 25-9-1918  اقترح ديرجينسكي (أحد مؤسسي وزارة الأمن ونظام الاستخبارات فيها المعروف كي .جي. بي) بإعدام كل ممثلي النظام البائد ورجال الشرطة والأمراء والدوقات والنبلاء والأرستقراطية الموجودين حينذاك في السجون، الذي قدر عددهم بالآلاف. كما لم يعن القضاء على "خدم النظام القيصري" و"البرجوازية" و"الإقطاع" و"النبلاء" و"الرجعية" سوى القضاء على نخبة المجتمع الروسي. وجرى استغلال "الإرهاب الأحمر" بطريقة جعلت من تصفية الروس وسيلة لإحكام السيطرة اليهودية. وهو الأمر الذي جعل الروس البسطاء يقولون "اليهود يقتل بعضهم بعضا وعقوبة الإعدام على الروس"! ولم تكن هذه الممارسة غريبة بالنسبة "للشخصية اليهودية"، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار النفسية الاجتماعية لهم بعدما شعروا للمرة الأولى، مثل أسلافهم في فارس أيام استير، بإمكانية الانتقام "الشرعي" والتلذذ به دون "سرقة واغتنام أموال القتلى". فقد كان فيخمان على سبيل المثال، نموذجا للسادية العارية في مدينة أوديسا وكان لاتسيس جلادا "ماهرا" في أوكرانيا حيث اعدم في عام 1919 فقط حوالي 12000 إنسان. ولم تنج من هذه المجزرة عائلة القيصر، الذي تنازل عن العرش قبل الانقلاب البلشفي. إذ جرى إعدام جميع أفراد العائلة بقرار من اليهودي يعقوب سفيردلوف، وتسلم القرار اليهودي غولوشكين، ونفذه اليهودي يوروفسكي. ليس ذلك فحسب، بل وجرى لاحقا تغير اسم مدينة يكاترينبورغ، التي جرى إعدام عائلة القيصر فيها، إلى اسم سفيردلوفسك تيمننا باسم سفيردلوف في "فعله الثوري".[24]

وجرى تفعيل آلية "الإرهاب الثوري" بتوسيع شبكته عبر إرساء أسس "نظام المعتقلات"، التي شكلت "قناة" الإرهاب الشامل ضد الشعب الروسي. فهي لم تعذب وتميت ملايين الروس فحسب، بل وأحكمت ذلك بوضعها في أيادي يهودية "أمينة". فقد كان اغلب، إن لم يكن جميع، رؤساء المعتقلات في روسيا يهودا. فقد كان المسئول عن المعتقلات في وزارة الداخلية بيرمان، ومساعده فيرين. كما كانت رئاسة معتقلات منطقة كاريليا بيد كوهن، ورئاسة معتقلات المنطقة الشمالية بيد فينكلشتين، ومعتقلات منطقة سفردلوفسك برئاسة بوغروبينسكي، ومعتقلات منطقة سيبيريا برئاسة سابو، ومعسكر سولوفاتسكي الخاص برئاسة سيربوخوفسكي، ومعتقل منطقة شمال الاورال للسجن السياسي الخاص برئاسة ميزنر. كما ترأس أقسام وزارة الداخلية في المناطق أيهود، مثل منطقة موسكو برئاسة ريديس، ومنطقة لينينغراد  برئاسة ريتكوفسكي ومنطقة بحر آزوف والبحر الأسود برئاسة فريدبيرغ، ومنطقة ساراتوف برئاسة بيللر، ومنطقة ستالينغراد برئاسة رابوبورت، ومنطقة ارنبورغ برئاسة رايسكي، ومنطقة غوركي برئاسة ايرابولسكي، ومنطقة شمال القوقاز برئاسة فايغلوفيتش، ومنطقة سفردلوف برئاسة شكلار، ومنطقة بشكيريا برئاسة زيليكمان، ومنطقة غرب سيبيريا برئاسة غوغول، ومنطقة شرق سيبيريا برئاسة تروتسكي، ومنطقة الشرق الأقصى برئاسة ديريباس، ومنطقة آسيا الوسطى برئاسة كركوفسكي، ومنطقة بيلوروسيا برئاسة ليبليفسكي.

وبلغت هذه السيطرة ذروتها يعد اغتيال كيروف عام 1934، المرشح لقيادة الحزب (والدولة). إذ جرى استغلال اغتياله لتشديد آلية القمع. واصبح التوقيف والسجن والنفي والطرد والقتل والاغتيال والإعدام بصورة كيفية حالة عادية. حينذاك بلغ استحكام اليهود بالسلطة ذروته. فقد كانت في قبضتهم كل لجان الطوارئ وأجهزة الأمن، التي ترأسها حينذاك أيهود حتى عام 1934. واستمرت آلية القمع هذه عندما تولى يزجوف رئاسة الأجهزة الأمنية، التي قصمت أيضا ظهر الثقافة الروسية ورجال العلم الروس، بما في ذلك شخصيات كبيرة ومشهورة مثل إثارة "قضية شولوخوف" الكاتب الروسي الكبير واعتقال مصمم الطائرات الشهير توبولوف وكذلك كارولوف، الذي اصبح لاحقا مصمم الصواريخ والمركبات الفضائية وعشرات غيرهم. وتعمقت وتوسعت هذه الممارسة بصعود اليهودي بيريا (من أصول منغليرية جورجية) إلى رئاسة الأمن العام للاتحاد السوفيتي عام 1938. واستمرت فعليا حتى عام 1953، باعتبارها اشد المراحل تقنينا للإرهاب.

فقد مثل بيريا "الشخصية اليهودية" على اكمل وجه. بمعنى تمثله الحاذق لتقاليد المؤامرة والخديعة والقسوة عند المقدرة، والجبن في مواجهة الحق. فقد تسلق سلم السلطة عام 1931 بعد لقائه بستالين في جورجيا. وعّين رؤساء جدد للجان الطوارئ في جورجيا كلها والبالغ عددها حينذاك 32 منطقة.. ثم اعدم في وقت لاحق كل من كان شاهدا وقت تعيينه لرئاسة الأمن والاستخبارات في جورجيا. و"شذبّ مهاراته هذه في مجرى صعوده إلى هرم الأمن السوفيتي عام 1938 حتى 1953. ووصف جوكوف أحد اشهر القواد العسكريين السوفيت بيريا بعد إصدار حكم الإعدام به على اثر فشل محاولته الانقلابية قائلا "كان بيريا زمن حكمه فضيعا ماكرا إلى درجة لا تصدق. وحالما جرى القبض عليه، بدا كما لو انه آخر جبان على الأرض. إذ اخذ بالبكاء والنحيب والتوسل على أن يبقوا على حياته"!

كل ذلك يكشف عن أن آلية وعمل الإرهاب والقمع في بداية السلطة السوفيتية وحتى سقوطها، لم تكن وليدة الصدفة، كما لو تكن معزولة عن كثافة وسيطرة "الشخصية اليهودية" في مؤسساتها. بل يمكن القول، بان آلية الإرهاب هي الوجه الظاهر لباطن الطغيان اليهودي في السلطة السوفيتية. فقد كان "الإرهاب الأحمر"، باعتباره بداية الإرهاب المنظم ضد اتباع "الثورة المضادة" هو بداية تقنين إحكام السيطرة اليهودية الجديدة تحت شعار ويافطة الحكم السوفيتي وسلطة البروليتاريا وديكتاتوريتها والنظام الاشتراكي.

سحقت هذه الآلية في طاحونتها الخشنة القوى الروحية والاجتماعية والسياسية لروسيا من رجال الإبداع الفكري والروحي والمثقفين والجيش الروسي والكنيسة الأرثوذكسية. أي المكونات التي بلورت تاريخيا أعصاب الكيان الروسي ووعيه الذاتي. إذ أدت تصفية "العالم القديم" إلى تصفية المقومات الذاتية لوعي الذات الروسي. ففي مجرى أعوام 1922 1925 جرى تصفية ما يقارب المليونين من المثقفين. وتحولت كلمة الانتليجينسيا إلى كلمة منبوذة ومثيرة للاشمئزاز. واصبح المثقف كيانا ملعونا وتجسيدا لرذيلة التذبذب وعدم الثبات. وعوضا عنه جرى صنع السبيكة العمالية الفلاحية الجديدة للمثقفين المتحزبين المتميزين بالثبات. ولم يعن ذلك في الواقع سوى صنع مثقفين من أوساط الفئات والطبقات الاجتماعية، التي لا جذور ثقافية عندها وفيها. مما جعل منهم مادة سهلة وطيعة قابلة للصنع بالشكل المرغوب من جانب السلطة. وهي ممارسة أدت إلى تصفية الذخيرة والخبرة الروحية الهائلة للقومية الروسية. وعوضا عنها جرى إحلال فئة "المثقفين السوفيت" اليهود، التي أخذت بعد عقدين من الزمن التاليين للثورة في احتلال كل مواقع "التربية" بدء من رياض الأطفال وانتهاء بالمعاهد والجامعات ومركز البحث العلمي، ومواقع "الإبداع" في مختلف ميادين الأدب والفنون. بحيث اصبح "الإبداع" مهنة خاصة باليهود. وتحول "المثقف الجديد" إلى جزء من آلية القمع. فهو أما هراوة أو بوق أو طبل أو متملق. لقد جرى صنع "انتليجنسيا" بلا قلب ولا روح. وتحول "المثقف" إلى لسان. وليس مصادفة فيما يبدو أن يستكتب بيريا نفسه، قبل ترؤسه وزارة الداخلية والأمن السوفيتي، مجموعة من المؤرخين لتأليف كتاب ينشر باسمه في موضوع التاريخ، ثم يعدمهم بعد ذلك لكي لا يعرف أحد الكاتب الحقيقي. وبهذا يكون قد قدم نفسه "مثقفا جديدا" و"مبدعا" في علم التاريخ. وقام بهذه المهمة قبله يهود السلطة، الذين احتلوا مواقع الرقابة والتفتيش ومعسكرات الاعتقال، التي أرسل إليها أفواج المثقفين الروس الحقيقيين. إضافة إلى أماكن العمل الشاقة، التي ترأسها اليهود، كما هو الحال بالنسبة لقناة بيلومور التي ترأس اليهوديان كوهن وفرنكل عملية بنائها وسخروا لهذا الغرض الكثيرين من لمعتقلين الروس من أوساط المثقفين. في حين كان رئيس قسم معسكرات العمل التأديبية اليهودي بيرمان. ونظم هذه الأعمال في وقتها وزير الداخلية يهودا ومساعده اليهودي رابوبورت.

وبنفس القدر من الوحشية جرى تدمير المقدسات التاريخية والروحية لروسيا عبر هدم الكنائس وتحويلها إلى مرابط للخيل ومستودعات لمختلف الأشياء، مع مصادرة ما فيها وسرقة البعض الآخر. وما تبقى جرى تدميره. وتحول شعار فصل الدين عن الدولة والكنيسة عن المدرسة إلى فصل الروس عن تاريخهم الروحي. وشكل اليهود هنا كما في الأماكن الأخرى، حربة المواجهة العلنية والمستترة. فقد ترأس لجنة مكافحة الكنيسة ياروسلافسكي (ميني إسرائيل غوبلمان)، وكان مساعده الرئيس اليهودي لوكاتشيفسكي. وترأس اليهودي ستروكوف (بلوخ) رئيس قسم محاربة الدين في الجيش، كما ترأس اليهودي كيفاله قسم الدعاية المعارضة للدين. وفي المدارس ترأسها اليهودي اسكينسكي، وفي الأدب اليهودي أبشتين. بينما كان جميع الأعضاء الأربعين للجنة التنوير والإلحاد يهودا!

وفي ظل هذه النسبة اليهودية في رئاسة المؤسسات المناهضة للدين والكنيسة، فان من الصعب أن نتوقع سلوكا آخر غير الذي جرى. فقد جرى سجن ونفي وقتل ما يقارب 320 ألف رجل دين. كما تعرضت الكنيسة بوصفها مؤسسة وكيانا فكريا روحيا إلى عملية هدم منظمة وقاسية. حيث جرى تخريب وتدمير وتحطيم اغلب الآثار الروسية بحجة أنها جزء من "أفيون الشعوب". وبدأ تدمير الكنائس في الكريملين. فقد ضم (مجلس تحديث مدينة موسكو)، حينذاك يهودا فقط برئاسة رئيس بلدية موسكو في وقتها كامينيف (روزنفيلد) وعضو المكتب السياسي كاهنوفتش، ورئيس اتحاد الملحدين ياروسلافسكي (غوبلمان). وتحت شعار "تحويل مدينة موسكو من مدينة بطريركية إلى موسكو اشتراكية" جرى هدم كنائس الكرملين ومبانيه الأثرية. كم جرى هدم نصف كنائس وهياكل العبادة البالغ عددها 900، إضافة إلى 2500 معلم تاريخي اثري. وفي عام 1931 جرى هدم كنيسة المسيح المنقذ، أحد اكبر وأفخم الكنائس في موسكو، التي شيدت على ريع التبرعات الشعبية للروس بعد انتصارهم على قوات نابليون بونابرت عام 1812. وعوضا عنها جرى التخطيط لبناء (هيكل لينين)أو (قصر السوفيتيات)، المقترح من اليهودي أيوفان، صهر عضو المكتب السياسي كاهنوفتش، الذي أصر على أن يبنى (قصر السوفيتيات) محل كنيسة المسيح المنقذ.[25]

ومارسوا نفس الشيء تجاه "الجيش الأبيض". حيث تولى هذه العملية يهود، بدء من تروتسكي (برونشتين) وانتهاء بميخلس وغاي ورازغون. وفي نهاية 1938 كانت التصفيات الأساسية قد طالت مؤسسات الجيش الروسي السابق وقواه البشرية جميعا. فقد تعرضت للاضطهاد ما بين طرد وسجن وإعدام. إذ جرى تصفية 186 من اصل 220 آمر لواء، و 101 من اصل 190 قائد فيلق، و57 من اصل 85 قائد فرقة، و13 من اصل 15 قائد جيش. وتعرض للاضطهاد كل قواد المناطق العسكرية الكبرى في روسيا بلا استثناء. ومع ذلك ظل الجيش القوة الوحيدة التي لم يستطع اليهود حينذاك تصفيتها بصورة تامة. إلا انهم احتلوا مع ذلك المواقع الأساسية فيه. فمن اصل 500 موقع قيادي كانت نسبتهم فيه قبل الحرب العالمية الثانية حوالي 85%، بينما لم يحتل الروس اكثر من 5%.

ورافق هذا التدمير المنظم لتقاليد الدولة الروسية تخريب بنيتها الاجتماعية عبر تدمير فئات الفلاحين. وظل ذلك يجثم بثقله على كاهل الدولة السوفيتية حتى انهيارها عام 1991. فقد تعاملت السلطة اليهودية السوفيتية مع الفلاحين تعاملها مع أعداء أو مجرمين. وإذا كان الفلاحون هم ملح الأرض الروسية ومصدر قوامها البشري، إذ لم يوجد بينهم يهود، فان تصفية بعض الفئات منهم وحشر البقية الباقية في كولخوزات وسوفخوزات بالعنف والإكراه كان يعني تاريخيا واجتماعيا إعادة نظام القنانة من جديد وتجريدهم من الأرض وملكيتها الخاصة بهم. فقد وصل البلاشفة إلى السلطة وثبتوا سلطتهم أساسا بسبب رفعهم شعار الأرض للفلاحين. بينما جرى في وقت لاحق سجن ونفي وقتل كل من عارض نزع ملكية الفلاحين وإجبارهم على الدخول في "تعاونيات اشتراكية". وهي عملية ترأسها آنذاك كل من يهودا وأبشتين. وبأثرها جرى اضطهاد حوالي 25 مليون عائلة روسية فلاحية. بحيث دفعت في حينها رئيس مجلس الشعب السوفيتي لجمهورية روسيا الاتحادية سرصوف إلى معارضتها الشديدة. وردا عليه جرى إلصاق تهمة الخيانة ومحاولة القيام بانقلاب على السلطة السوفيتية، والمطالبة بإعدامه. ومع ذلك صرخ في المحكمة قائلا، بان سياسة الدولة تجعل من الفلاحين عبيدا. وأنها تستغل الشعب الروسي بلا حدود، وتحاول أن تعيد نظام القنانة القديم.

شكلت هذه النتيجة عصب المفارقة المثيرة للوعي القومي الروسي ومأساته التاريخية، وعصب المفارقة المثيرة بالنسبة لماهية الثورة وأهدافها الاشتراكية المعلنة. فالثورة التي كان ينبغي لها أن تكون حسب معايير الماركسية قاطرة التاريخ نحو الأمام، تحولت إلى دوامة اختطفت وابتلعت في دوراتها كل ما هو ثمين، كما لو أنها أشياء لا معنى لها ولا قيمة ولا وزن. وأرجعت التاريخ قهقريا القهقري عبر إبراز ملامح القنانة والعبودية المنظمة وراء العيون الجاحظة لليهودية في تفحصها كل ما هو "شاذ" عن مقاييسها. ولا مقاييس لها في الواقع غير النفس الغضبية، التي شكلت الراديكالية المتوحشة نموذجها السياسي الارقى. واستثارت شأن كل وحشية، شعور الكراهية والتقزز والاشمئزاز، بحيث اصبح اليهودي واليهودية تجسيدا للنقمة وانعداما للنعمة. مما أدى إلى أن تصبح معاداة وكراهية اليهود واليهودية بين الروس فتوى ثقافية مستترة، كما أصبحت معاداة الروس والروسية بين اليهود فتوى سياسية عرقية علنية. وهي مفارقة لا تحلها سوى جدلية الإمكان!

***

"معاداة اليهود" في روسيا كمون الفتوى الثقافية

  أدت كثافة اليهود في السلطة السوفيتية و"تجريبيتهم" الباردة في الإبادة المنظمة للقوى الاجتماعية والروحية للروس، إلى إثارة موجة العداء المتعاظم ضدهم. فقد دفع سلوك اليهود مختلف الفئات الاجتماعية والاتجاهات الفكرية والسياسية إلى "السير" في طريق واحد لا يرى في افقه المنظور غير ملامح الوجه اليهودي.

واستثار ذلك في وقتها محاولات لفهم "السرّ" القائم وراء موجة العداء الجديدة تجاه اليهود، التي أخذت "تتكامل" في "نفسية روسية" دفينة، أصبحت جوهرا قائما بحد ذاته. فقد كتب آنذاك اليهودي صالامون لوريه كتابا خاصا عن (معاداة السامية في العالم القديم)، حاول أن يكشف فيه عن الأسباب القائمة وراء العداء لليهود قديما من اجل تسليط الضوء على أسبابه المعاصرة أيضا. وانطلق من وجهة النظر القائلة، بأنه حيثما يحل اليهود يظهر العداء لهم. واستنتج من ذلك بان الأسباب القائمة وراء العداء لليهود تكمن فيهم، أي أنها جوهرية وليست طارئة وعرضية. بمعنى أن العداء لليهود ليس مجرد رد فعل نابع من أسباب اقتصادية أو سياسية، بقدر ما انه يكمن في اليهود أنفسهم، أرجعه صالامون لوريه إلى ما اسماه "بالكيان الوطني الحكومي لليهود"، الذي لازم وجودهم في الشتات. ولا يغير من ذلك شيئا عدم وجود ارض ودستور وقوانين يستندون إليها ويحتكمون بها واليها. وهي خصوصية مرتبطة بمعاناتهم النفسية والأخلاقية على مدار قرون في الشتات أدت إلى غرس "مشاعر قومية حكومية" في أعماقهم، كانوا هم فيها مادتها وموضوعها. أي أن ما هو جوهري بالنسبة لليهودي هو اليهودي نفسه. وهي حالة سبق وان دعاها دوستويفسكي "بالدولة داخل الدولة"، أي حالة الانعزال والانغلاق الذاتي. في حين وجد البعض الآخر سبب هذا العداء في كونهم "شعبا قوميا ضيقا وانعزاليا(أ. برتوليت)، أو لكونه "شعب منطويا على نفسه ولنفسه فقط" (ت. مومزين).

أما في الواقع، فان الانطواء والانعزال الذاتي لليهود هي صفات عرضية لجوهر "الشخصية اليهودية"، التي صنعت الغيتو والشتات روحيا، كما صنعاها بدورهما تاريخيا. وهي شخصية عادة ما تكشف عن تطرفها وغلوها غير المحدودين في كل فرصة مناسبة. وتجسدت في روسيا بعد الثورة بغلو استظهر كوامنها الدفينة على حقيقتها كما هي في كل الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. ولم يكن بإمكان هذا التجسيد ألا يكون أحاديا في النيات والأفعال والغايات. أي انه تجسد بهيئة أحادية مباشرة وهمجية، شأن كل أحادية مبتذلة.

وإذا كان لهذه الأحادية ما "يبررها" في الوعي النظري والعملي، فان هناك ما يبرر نقدها اللاذع وإدانتها الأخلاقية والتاريخية والسياسية. أما حقيقتها فقد كانت وما تزال تقوم في أن العداء لليهود واليهودية في روسيا هو تمثيل للفتوى الثقافية التي لم تتأطر في رؤية نظام سياسي قادر على وضع اليهود في مكانهم المناسب لحجمهم الواقعي، باعتبارهم أقلية لا وزن لها ولا أهمية بالنسبة لحقائق التاريخ الروسي.

إلا أن التحسس الأولى لماهية هذه الفتوى جاءت من جانب الروسي العادي ورؤيته لمفارقة تمثيل اليهودي له في كل شئ، وقيادته إياه نحو مستقبل مشرق وغد افضل وحرية أوسع وسعادة امثل! فالإنسان الروسي، كما قال بعد الثورة بقليل أحد العبرانيين (بيكرمان)، لم يتعود أن يرى يهوديا في مؤسسات السلطة (الروسية)، بينما يشاهده اليوم في كل مكان، يراه قاضيا وجلادا في نفس الوقت. بل يشاهد يهودا ليسوا شيوعيين، ولكنهم يتصرفون بشؤون الدولة وينفذون ما تنوي القيام به. مما جعل الإنسان الروسي يعتقد، بان السلطة السوفيتية تعمل من اجل اليهود وتنفذ مهمة يهودية خالصة. وهو اعتقاد تدعمه أفعال السلطة السوفيتية في كل شئ. مما أدى إلى صعود موجة العداء لليهود، باعتبارهم مخربين. وأشار ماسلوف في كتابه الصادر بعد الثورة بعنوان "روسيا بعد أربع سنوات من الثورة" إلى أن العداء والكراهية لليهود اصبحا أحد الملامح البارزة على وجه روسيا، بل من بين اكثر ملامحها نتوءا. واصبح العداء لهم سائدا في كل مكان وجهة وبين الجميع. إننا نعثر عليه في شمال روسيا وجنوبها وشرقها وغربها، في مدنها وأريافها، عند متعلميها وأمييها، وعند مؤيدي الثورة ومعارضيها، وعند البيض والحمر. بل لم يتجرد منه حتى اشد الناس رقيا في ورعهم الأخلاقي. بحيث وجد ذك انعكاسه السياسي أيضا في رفع شعارات "سوفيتات بلا يهود" و"كومونات بلا يهود". ومع ذلك ظل اليهود يحتلون الأماكن والمواقع القيادية الأساسية في مؤسسات السلطة السوفيتية. فقد كانت قيادة الجيش والأسطول بيد تروتسكي (برونشتين)، والدعاية بيد ريازانوف (غولدينداخ)، وبلدية بتروغراد بيد زينوفيف (أبفيلباوم)، ومكافحة الدين والكنيسة بيد ياروسلافسكي (غوبلمان)، والقضاء بيد شتينبرغ، والداخلية بيد سفيردلوف، والأمن بيد ايرينسكي ومساعداه تريليسر ويهودا.

ولم يكن تركز اليهود في أجهزة القمع من أمن وجيش وميليشيا (شرطة) ولجان طوارئ معزولا عن انعزالهم الاجتماعي والثقافي والسياسي عن الشعب الروسي. فهي الأجهزة الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الفعلي بين السلطة والمجتمع. وهو فراغ حددته بهذا الصدد تقاليد الغيتو اليهودية، التي تجعل من اليهودي غريبا حتى في حال حركته ضمن جموع غفيرة من البشر. لهذا كان رد السلطة السوفيتية عنيفا على مقتل اوريتسكي في آب 1918 عندما أعدمت الآلاف من البشر لم يوجد بينهم يهودي واحد! ونفس الشيء يمكن قوله عن كل الاعدامات والاعتقالات الكيفية التي أخذت بالاتساع بعد صدور قرار "الإرهاب الأحمر"، على اثر مقتل اوريتسكي.

وقد سبق ذلك قرار السلطة السوفيتية الصادر في حزيران عام 1918 عن ضرورة محاربة "العداء للسامية". واعتبر هذا القرار أن "العداء للسامية" هو شكل من أشكال الثورة المضادة. لهذا اعتبر النضال ضدها "فعلا ثوريا". مما أعطى لليهود سلاحا سياسيا وأيديولوجيا شرعيا لصق الاتهامات بكل من يعارضهم وصولا إلى إمكانية تصفيته الجسدية حسب متطلبات وقوانين "الشرعية الثورية". إذ شكل قرار السلطة السوفيتية عن محاربة "العداء للسامية" أحد الأسس الأيديولوجية والسياسية والقانونية "للإرهاب الأحمر"، الذي كان بدوره موجها ضد "الإرهاب الأبيض" (الروسي). وليس مصادفة أن يتحول "الإرهاب الأحمر" واقعيا إلى إرهاب يهودي ضد الشعب الروسي وقواه الاجتماعية والروسية الأساسية.

لم يكن قرار السلطة السوفيتية عن محاربة "العداء للسامية" بعد مرور ستة اشهر من الثورة، سوى رد الفعل المباشر على عمق وسعة انتشار العداء لليهود في الدولة والمجتمع. وفي نفس الوقت كان رد الفعل قاسيا وشديدا من جانب السلطة. لان القضاء على اليهود كان يعني عمليا القضاء على السلطة السوفيتية بصيغتها السائدة آنذاك بعد أكتوبر 1917. من هنا جرى تصوير الاعتداءات على اليهود والهجمات الشعبية عليهم نشاطا معاديا للثورة وهجوما على السلطة السوفيتية. وهي مطابقة لها مغزاها الواقعي ومعناها السياسي والثقافي، الذي جعل الاغتراب بين السلطة الجديدة والمجتمع الروسي يترسخ للدرجة التي لا يكفل ضمان ارتباطهما غير المباشر سوى العنف المباشر.

ومع ذلك لم تعق هذه الممارسات توسع وازدياد كراهية الروس لليهود. بل اخذ شعور العداء والكراهية لهم يدب أيضا في صفوف الجيش الأحمر نفسه. ولم يغير من ذلك شيئا وجود اليهود في قياداته. وإذا كانت هذه الظاهرة واسعة الانتشار في المناطق الغربية من روسيا (بيلوروسيا وأوكرانيا وجنوب غرب روسيا)، فإنها أخذت بالانتشار بعد عام 1918 في أراضي روسيا نفسها جميعا. حيث بدأت تصفية اليهود تتخذ أحيانا طابعا جماعيا. فقد أعطى على سبيل المثال، قائد مجموعة منطقة زاباروجيه في 4 آذار 1919 قرار بتصفية كل يهود مدينة بروسكوره. وجرى تنفيذ قراره في يوم 4 آذار، الذي ذهب ضحيته 5000 يهودي في يوم واحد. واتخذت هذه التصفيات مداها الأوسع عند التيارات والحركات القومية واليسارية المتطرفة والفوضوية في المناطق البعيدة عن المركز، وبالأخص في اوكراينا وبيلوروسيا. وتجلى ذلك بصورة نموذجية عند جيش بتلورا (القومي الأوكراني) وعند اتباع الفوضوي ماخنو. فقد جعل بيتلورا من تصفية اليهود جسديا مهمته الأولى. واستطاع في غضون فترة قصيرة أن يقضي على اغلب اليهود في اكثر من 180 منطقة سكنية في أوكرانيا. وتراوح عدد القتلى اليهود حسب بعض المعطيات بضعة آلاف شخص، بينما يقول البعض بان عدد القتلى بلغ 25 ألفا، في حين يقول البعض الآخر بأنهم بلغوا حوالي 100 ألف شخص. ونفس الشيء جرى من جانب قوات ماخنو الفوضوية. إذ كشفت مذكراته التي نشرت في باريس عام 1937، عن انه حاول جاهدا التخفيف من شدة العداء بين قواته تجاه اليهود، إلا أن جهوده ذهبت سدى. وهو واقع يكشف عن أن العداء لليهود واليهودية لم يعد فعلا طارئا أو تعبيرا عن مزاج عابر أو موضة وما شابه ذلك، بل اصبح سلوكا له مقوماته العميقة والراسخة لحد ما في الرؤية السياسية والقومية والثقافية المتراكمة في احتجاجها ومعارضتها للثقل اليهودي في السلطة السوفيتية.

وهي رؤية تغلغلت فيما يمكن دعوته بالمزاج السوفيتي، الذي بدأ يكشف عن نفسه قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية. ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في أن الحرب العالمية الثانية قد أنقذت بمعنى ما الروح القومي الروسي، ودفعته إلى الأمام من جديد. وهي عملية كان لابد لها من النجاح. إلا أن ابتداء خطر الحرب، وبالأخص من جانب ألمانيا الهتلرية قد سرّع بخطوات كبيرة الانسحاب التاريخي لليهود واليهودية من ظاهر المسرح السياسي وقيادة الدولة السوفيتية. أي أن الحرب حققت الحكمة القائلة "ربّ ضارة نافعة"! فقد أضطر ستالين حينذاك، أو ربما توافق ذلك مع مزاجه الشخصي الكاره لليهود (مع انه تزوج ثانية من يهودية هي أخت كاهنوفيتش، عضو المكتب السياسي للحزب)، إلى أن يستعيض عن وزير الخارجية اليهودي ليتفينوف (فينكلشتين) بالروسي مولوتوف (الذي كانت زوجته أيضا يهودية نشطة)، تخوفا من أن لا يقبل هتلر اللقاء بيهودي أثناء المحادثات، قبل توقيع اتفاقية عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفيتي. بل لم يعارض أي من اليهود حينذاك السلطة السوفيتية وسياسة ستالين الساعية وقتها للاتفاق مع ألمانيا النازية، مع علمهم بطبيعة الموقف الهتلري من اليهود. بل أن "الأممية الشيوعية"، (وهي التنظيم العالمي للأحزاب الشيوعية آنذاك، وعرفت اختصارا باسم الكومنترن،الذي شكل اليهود الغالبية الساحقة من قيادتها) لم تعارض إجراء المحادثات بين الدولة الاشتراكية والدولة النازية من اجل توقيع معاهدة سلم وعدم اعتداء. ذلك يعني أن هذه المواقف لم تكن تكتيكا سياسيا عابرا أو رؤية استراتيجية بعيدة المدى للصراع مع ألمانيا، بقدر ما كان إدراكا غريزيا لضرورة الحفاظ على السلطة السوفيتية، باعتبارها ضمانة بقاء اليهود والسيطرة اليهودية.

أما من الناحية الفعلية فقد أدى ذلك إلى انسحاب تدريجي من المواقع الأمامية للسلطة في مختلف الميادين، وترك المواجهة المباشرة والحادة بين الألمان والروس. فقد أدرك اليهود جيدا، أن سياسة هتلر في ألمانيا والبلدان التي خضعت للسيطرة الألمانية تعني مصير مشئوما بالنسبة لهم. لهذا اصبح انتصار الجيش السوفيتي (الروسي) هو ضمان انتصارهم ووجودهم المباشر. وهي مفارقة أدت إلى استثارة الروح القومي الروسي من جهة، والى تضحيات هائلة تحمل الروس اغلبها إلى جانب شعوب الاتحاد السوفيتي الأخرى من جهة أخرى. ولكنها أدت في نفس الوقت إلى إضعاف شوكة اليهود واليهودية في روسيا. مما كان يعني أيضا انبعاث السيادة الروسية من جديد في روسيا بعد عقدين من الطغيان اليهودي السافر.

فقد أخذت الأيديولوجية السوفيتية بعد نشوب الحرب بقليل تنقلب فجأة (مع أن قنواتها وموظفيها ظلوا في الأغلب يهودا) صوب تفجير المآثر الروسية القديمة وتراثها الحربي والمعنوي. وتحولت أسماء القادة الروس المشهورين أمثال الكسندر نيفسكي وسوفوروف وكوتوزوف وغيرهم إلى نماذج ملهمة في تجنيد وتجييش القوى الروسية. واصبح التغني بالماضي الروسي وأمجاده ضرورة، بحيث قضت بين ليلة وضحاها على كل الركام الذي "بناه" يهود السلطة السوفيتية منذ عام 1917 حتى بداية الحرب عام 1941 من أصنام أيديولوجية وتزييف للوعي القومي وتراث الأجداد. وغابت بسرعة مصطلحات "الشوفينية الروسية". كما ضعفت "الأممية" وشعاراتها البراقة، التي لم تعد قادرة على استنهاض الروس الذين لم يروا وراء لافتتها سوى غلاف السيطرة اليهودية. وهو واقع وجد انعكاسه في الكلمة المشهورة التي أطلقها جدانوف حينذاك والقائلة، بان الكوسموبوليتي إنسان بلا اصل ولا فصل، والتي تحسس الشارع الروسي فيها وتذوق طعمها الحقيقي، باعتبارها دعوة لاستعادة الروس لموقعهم المناسب في كل مكان.

وكشفت هذه المواقف الأبعاد الدفينة لمرارة النفس الروسية الخاضعة "لأقوام صغيرة"، وان المعنى المتسامي والقيمة الحقيقية لوجودهم تقوم في ضرورة تمثيلهم لذاتهم أمام المحنة والامتحان الذي تنازل اليهود أمامهما "طوعا". حينها اخذ "الجن الروسي" بالخروج من فوهة القنينة، بعد أن حبسه اليهود فيها لأكثر من عقدين، محبذا الموت وإعطاء كل ما لديه من اجل إثبات الحقيقة البسيطة القائلة، بان الحياة ليست مجرد استمرار في العيش، بل هي استمرار للانا المدركة لذاتها. وتذكرنا كلمة جدانوف المشار إليها أعلاه وانعكاسها المعنوي والواقعي في الضمير الروسي ما سبق وان كان يكنّه اندريه جيد في موقفه من اليهود و"إبداعهم" في فرنسا. فقد كشفت مذكراته التي نشرت في بداية الأربعينيات المعنى الحقيقي المختفي وراء التقييم الرفيع الذي كتبه عنه كلاوس مان (ابن توماس مان)، حين وصفه بالشخصية اللامعة والأديب العبقري والثوري اليساري، ذي الصلات العميقة والراسخة بما في ذلك باليسار المتطرف، والصديق الحميم للأديب اليهودي ليون بلوم وغيره. غير أن مذكراته كشفت عن كراهيته الشديدة لليهود واليهودية. فقد كتب فيها قائلا، بان الذين يكتبون من اليهود بالفرنسية أمثال بروتوا وبلوم وغيرهم لا يمكن اعتبارهم كتابا فرنسيين. وأكد على انه لا قيمة لهذا الأدب المكتوب باللغة الفرنسية، لأنه يؤدي في نهاية المطاف إلى التقليل من شأن الأدب الفرنسي نفسه. واعتبر أن من الأفضل للثقافة الفرنسية أن تندثر من أن يمثلها أنصاف مثقفين للقيام بدور الفرنسي نفسه أو باسم الفرنسي أو عوضا عنه.

لقد كانت الحرب الألمانية السوفيتية بالنسبة للروس حربا وطنية عظمى. وشأن كل حرب وطنية تحررية كان لابد من أن يمثلها أبناؤها الحقيقيين. عندها بدأ يبرز الطابع الروسي في قيادة الجيش والأسطول والمعارك. فإذا كانت قيادة الجيش في الحرب الأهلية، والشرطة والأمن يهودية خالصة، فان شيئا كهذا لم يعد ممكنا في الحرب الوطنية العظمى. إذ لم يعد هناك يهودي واحد بين القواد الميدانيين للجبهات والجيوش. ولم يشترك من اليهود في المعارك إلا نسبة ضئيلة جدا. وحاول اغلبهم الحصول على "بدل" من الخدمة العسكرية، بما في ذلك تحت شعار "الحفاظ على اليهود من الإبادة"! وهي سياسة أيدتها السلطة السوفيتية. وبغض النظر عن بواعثها الفعلية، إلا أنها أدت بالنتيجة إلى إضعاف دور اليهود في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والأمنية والعسكرية بعد الحرب واستبدال دورهم بالدور الروسي المتصاعد. ومن الممكن هنا الإتيان بذكر الحادثة الطريفة التي جرت في بداية عام 1944، التي تحكي عن شكوى إحدى اليهوديات لخروتشوف في اوكراينا بعد تحريرها من السيطرة الألمانية، إلى أنها حاولت مرارا الحصول على عمل في اوكراينا، إلا انهم لم يعينوها لأنها يهودية! عندها أجاب خروتشوف قائلا، بان اليهود قد ارتكبوا في اوكراينا شرورا كبيرة وكثيرة بحق الشعب الأوكراني. والأوكرانيون لا يحبون اليهود لهذا السبب. ثم نحن في اوكراينا. وهي ليست بحاجة لليهود. فقد عانى الأوكرانيين كثيرا من الغزو الهتلري. لهذا من الأفضل بالنسبة لليهود الذهاب إلى بيريبيدجان، وليس إلى أوكرانيا.[26] إضافة لذلك نحن لا نريد أن يفهم الشعب الأوكراني، بان رجوع السلطة السوفيتية إلى اوكراينا يعني رجوع اليهود إليها!

أدت الحرب ونتائجها إلى إضعاف الدور اليهودي وتأثيره في الحياة السوفيتية ككل. ولم يبق في الواقع حينذاك مركز سياسي بأيديهم باستثناء الأمن والشرطة. وبعد موت ستالين والقضاء على بيريا عام 1953، انحلت السيطرة اليهودية المباشرة. ولم يكن ذلك معزولا عن ضعف ورخاوة جذورهم الاجتماعية والوطنية والروحية في روسيا. وهو ضعف يمكن تأمله في هروب الكثير من الشيوعيين السوفيت اليهود إلى الخارج، ثم التفاتهم صوب "إسرائيل" والانضمام تحت مضلة الصهيونية وشعاراتها العنصرية. ولعل سلوك غولدا مائير أحد الأمثلة النموذجية. فقد ولدت في مدينة كييف، وعاشت في الاتحاد السوفيتي عشرين عاما، وكانت سكرتيرة منظمة الحزب الشيوعي لمنطقة أوديسا. ثم هربت إلى أمريكا ومنها إلى "إسرائيل"، لكي تصبح مع مرور الزمن رئيسة وزرائها في اشد مراحل تاريخها عدوانية. وهو نموذج يعكس في الواقع الأعماق الدفينة للنفس اليهودية، التي ظلت تحترق ببطيء تحت رماد الانطفاء السريع للنار اليهودية التي أحرقت روسيا على مدار ربع قرن من الزمن بعد الثورة. حيث ظلت سارية الفعل في مختلف مؤسسات الدولة (الحزب والثقافة والمؤسسات التعليمية والبحث العلمي)، التي احتلوا فيها مواقعا حساسة بعد تصفية أجيال الانتليجينسيا الروسية الأصلية.

كشفت نتائج الحرب الوطنية العظمى عن أن الوطنية وإشكالياتها وتحمل أعباؤها كانت من نصيب الروس والبيلوروس والأوكرانيين. بينما كان اليهود على ضفاف أو قارعة دروب الآلام الحقيقية، التي تعرضت لها الشعوب السوفيتية في مجرى الأعوام القاسية للحرب. وهي دروب أرست المقدمات الضرورية لانطلاقة الروح القومي الروسي وتقاليده الإنسانية العميقة، التي كانت وما تزال اكثر ما يخيف اليهود، بفعل قدرتها الهائلة على تذليل نفسية الانغلاق والانطواء العرقية، واستعدادها على تقبل الثقافات والأمم وصهرها في بوتقتها الثقافية. وكشف هذا الخوف عن وجهه بعد انتهاء الحرب وظهور ما يسمى "بمسألة القرم"، التي سعى بعض اليهود لجعلها مكانا "لدولة عبرية مستقلة" ضمن الاتحاد السوفيتي.

فقد أثار تصاعد القومية الروسية مخاوف اليهود من آثارها السياسية والأيديولوجية. واصبح البحث عن "جزيرة الأحلام" في القرم أسلوبا لتلافي إمكانية تصفية الحساب على ما اقترفه اليهود في العقود القليلة السابقة. وهي مخاوف لها أسسها فيما أسميته بالفتوى الثقافية التي لم تتجسد في رؤية ونظام سياسي يؤطر طبيعة العلاقة ومستواها بين المكونات العرقية والقومية للدولة الروسية. واستغل بعض اليهود خلو القرم من سكانها زمن الحرب، حيث حاول الألمان توطين الجرمانيين فيها، فيما جرى تهجير سكانها التتر المسلمين بعد الحرب بتهمة مساندتهم للغزاة الألمان زمن الحرب. إلا أن خطة اليهود هذه لم تحظ بتأييد ستالين. على العكس. لقد رفضها بشدة، وحلّ بأثرها (اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية) وحبس أعضاءها الأساسيين بما في ذلك رئيسها صالامون لوزوفسكي (دريزدو). لاسيما  وان لليهود منطقة حكمهم الذاتي في بيريبيدجان ضمن مقاطعة خاباروفسك، بمساحة تقدر بحوالي 36 ألف متر مربع. غير أنها لم تكسب اليهود ولم تستقطبهم مقارنة بالمدن الكبرى وبالأخص العاصمة موسكو وليينيغراد وكييف وأوديسا. إذ لم تتجاوز نسبتهم في بيريبيدجان اكثر من 1،5% من عدد السكان، بينما استولوا على اغلب مواقعها القيادية. وهي ظاهرة تعكس نسبتهم وحالتهم الاجتماعية في الاتحاد السوفيتي بشكل عام وفي روسيا بشكل خاص. وهي نسبة وحالة أدتا إلى نتائج تخريبية هائلة ومفارقات لا تحصى بالنسبة للدولة السوفيتية ومصير الروس فيها.

إن نتائج الحرب وتنامي الدور الروسي على الأقل سياسيا ودعائيا لم يغير نسبة "توازن القوى" في السلطة التي استطاع اليهود في غضون ثلاثة عقود من ملء "فراغاتها" التي أحدثوها عبر تصفية كوادر "النظام البائد". وبهذا المعنى كانت محاولتهم "الفاشلة" لصنع دولة يهودية في القرم تدفع، موضوعيا، السلطة السوفيتية في اتجاه تأييد تجزئة فلسطين وبناء "الدولة العبرية" فيها. فمن الناحية الظاهرية كان هناك تعارض صارخ بين الأيديولوجية السوفيتية الدنيوية الملحدة، التي أرسى اليهود اغلب دعائمها وقواعدها، وبين الاعتراف "بإسرائيل" المبنية أساسا على دعائم الأسطورة الدينية والفكرة العنصرية. وفي أبعاده الجيوسياسية كان الاعتراف "بإسرائيل" يمثل خطرا بالنسبة للاتحاد السوفيتي بسبب وجود "الطابور الخامس" اليهودي بها. ثم أن الروس واليهود يعرفون حق المعرفة طبيعة العلاقة المتبادلة بينهما. ولم يكن بإمكان الاتحاد السوفيتي حينذاك أن يقر بضرورة إنشاء "إسرائيل" انطلاقا من "عقدة الذنب" أو "المحرقة اليهودية" (الهولوكوست) أو "تخليصهم من الإبادة" وما شابه ذلك. لأنها طروحات تتعارض مع عقيدته الرسمية وسياسته العملية.

فمن الناحية الرسمية ليس اليهود في الاتحاد السوفيتي "أقلية" أو "شعبا منبوذا". كما انهم لم يتعرضوا "للإبادة". ثم انه لا توجد في الاتحاد السوفيتي سياسة قومية أو معارضة للقومية. بل أنها كانت تستند إلى فكرة "قومية الشكل اشتراكية المضمون". وان المبدأ السائد فيها هو مبدأ الأممية. كما أن لليهود منطقة حكمهم الذاتي شأنهم شأن العشرات من القوميات والأعراق والشعوب الأصلية لروسيا الاتحادية. وانهم لم يتعرضوا إلى مضايقات ومطاردات ومذابح. على العكس انهم استحكموا بزمام المبادرة واحتلوا افضل الأماكن والمواقع وحصلوا أثناء السلطة السوفيتية على ما لم يحصلوا عليه في كل تاريخهم السابق، وما لم يحصل عليه السكان الأصليون للاتحاد السوفيتي بشكل عام وروسيا بشكل خاص. كما أن "المحرقة" الهتلرية لم تحرق في الواقع سوى الشعوب السلافية (الروس والبيلوروس والأوكرانيين) وبدرجة اقل شعوب الاتحاد السوفيتي الأخرى.

كل ذلك يشير إلى أن هناك أسبابا أخرى كانت تفعل فعلها وراء اعتراف الاتحاد السوفيتي "بإسرائيل". وفي الإطار العام هناك بضعة تفسيرات لهذا الاعتراف والتأييد، منها أن "إسرائيل" سوف تكون "أول دولة اشتراكية"، ومن ثم أول معقل من معاقل "التحرر والتقدم" في منطقة "الشرق الأوسط". أما التفسير الثاني فانه يجد في سياسة الاتحاد السوفيتي رد فعل على تأييد العرب لبريطانيا والسياسة البريطانية. ومن ثم فان اعتراف الاتحاد السوفيتي "بإسرائيل" هو إضعاف للسياسة البريطانية في المنطقة عبر إيجاد "حليف" له فيها. وثالثا، في حالة فشل الاتحاد السوفيتي استمالة "إسرائيل" إلى جانبه، فان ذلك سوف يدفع العرب للالتجاء إلى الاتحاد السوفيتي وهو المطلوب! وأخيرا، أن الاعتراف "بإسرائيل" سوف يؤدي إلى هجرة اليهود من روسيا، مما يخلصها منهم ومن "ارثهم الثقيل".

إن هذه التفسيرات هي تأويلات لها مبرراتها في بواعث وإمكانيات السياسة السوفيتية حينذاك. ولكنها لا تكشف عن الحقيقة كما هي. لان هجرة اليهود من روسيا لم تكن مهمة أولية أو أساسية أمام الدولة السوفيتية، بقدر ما كانت مهمة ملحة وأساسية بالنسبة "لإسرائيل". وإذا كان ذلك يستجيب لمزاج البعض في السلطة السوفيتية، فانه لم يكن له ما يبرره في السلطة السوفيتية وسياستها العملية آنذاك. أما ما يخص احتمال فشل السياسة السوفيتية واضطرار العرب بالتالي للتوجه صوب الاتحاد السوفيتي فهو جزء من خيال الألعاب الماكرة لا حسابات الرؤية الاستراتيجية. فالإدراك الواقعي للسياسة ومعادلاتها وقواها الواقعية وتوجهاتها في المنطقة يوصلنا ببساطة إلى أن العالم العربي وبريطانيا كانا في  صراع داخلي عنيف. وان العالم العربي بأجمعه كان في خندق المعارضة للكولونيالية المتمثلة حينذاك ببريطانيا وفرنسا. ومن ثم فان الأفضلية الاستراتيجية للاتحاد السوفيتي كانت تفترض توجهه صوب العرب لا العكس. ثم أن التخطيط لصنع "إسرائيل" في المنطقة كان تاريخيا من استراتيجية تفتيت المنطقة التي خططت لها فرنسا وبريطانيا منذ عهد نابليون بونابرت وغزوته لمصر(العالم العربي). أما ما يخص الأبعاد "الاشتراكية" في "إسرائيل" المستقبلية، فان هذا الطرح كان يحوي على جزء من الوهم الأيديولوجي في الدولة السوفيتية، والذي أسس له ودعمه اليهود أنفسهم. وهو وهم له أسسه الواقعية في أجهزة الدعاية والإعلام حينذاك.

فقد كان اليهود يحتلون حتى بداية الحرب الوطنية العظمى كل المواقع الحساسة في الدولة السوفيتية. إذ كان يمثلون نسبة سائدة في كل المؤسسات الثقافية والدعائية الإعلامية والتربوية والتعليمية. فقد كان يترأس مجلس الثقافة والسينما اليهودي شومياتسكي. كما كان كل أعضاء المجلس العشرة الآخرين يهودا وهم تراوبيرغ، ايوسيليفتش، كاستينيلسون، بليخ، غرينبيرغ، روشيل، كاوفمان، شنيدرمان، شتيرنبرغ، أيزنشتين. ونفس الشيء يمكن قوله عن لجنة الدعاية المناهضة للدين (النصراني والإسلامي أساسا) التي ترأسها ياروسلافسكي (غوبلمان) وكل أعضاؤها الأربعون يهودا. كما ترأسوا لجان الدعاية الجماهيرية المناهضة للدين في كل مكان، مثل رئاسة الدعاية الجماهيرية المناهضة للدين من جانب كيفاله، وقسم مناهضة الدين في المدارس من جانب اسكينسكي، وقسم مناهضة الدين في الأدب من جانب ياكوفليف (أبيشتين)، وقسم التربية الأممية من جانب انتسبيرتوف، وقسم مناهضة الدين في القوات المسلحة من جانب ستروكوف (بلوخ) وقسم البحوث العلمية (بشئون الدين) من جانب لوكاتشيفسكي، وقسم متحف النضال ضد الدين من جانب كوهن.

كما كان اغلب محرري الجرائد الكبرى يهودا، فمن رؤساء تحرير جريدة (الحياة الاقتصادية) كان بايسبرغ، وجريدة (البرافدا) سافيليف، و(الجريدة الفلاحية) اوريتسكي، و(اغانيوك) كولتسوف (غينزبيرغ) وجريدة (النجمة الحمراء) لانده، و(كمسمولسكيا برافدا) بوبيكن، و(طريق العمال) شيدلين، و(العامل) خيفتس وكثير غيرها.

ونفس الشيء يمكن قوله عن الجامعات وأساتذتها، ورؤساء المعاهد و"الجامعات الشيوعية" و"العمالية" و"الفلاحية" مثل (الجامعة الشيوعية للاقليات القومية في الغرب) برئاسة اليهودي فرومكن، التي كانت تؤهل الكادر الدعائي للخارج. كما ترأس اليهودي رايتر (الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق).

بينما كانت وزارة التربية والتعليم السوفيتية منذ بواكير نشؤها خاضعة للسيطرة اليهودية. فباستثناء وزيرها الأول لوناتشارسكي، كان اغلب رؤساء أقسامها يهودا، مثل قوميسار المنطقة الشمالية غرونبيرغ، ورئيس هيئة المعهد التربوي زولوتينسكي، ورئيس قسم الفنون التشكيلية شتيرنبرغ، ووكيل الوزارة ايخينغولتس، ورئيسة قسم المسارح روزنفيلد (زوجة كامينيف) وغيرهم.

مما سبق يبدو واضحا تأثيرهم الفعلي على بلورة السياسة التعليمية والتربوية والفنية والأدبية والدعائية والإعلامية واختيار الكادر. مما يعني أيضا دورهم الهائل في بلورة القيم والمفاهيم، بما في ذلك ما يتعلق بموضوع "إسرائيل".

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن وزارة الخارجية السوفيتية كانت أيضا تحت الهيمنة التامة لليهود، فان من السهل توقع الاتجاه العام لمسار السياسة السوفيتية الخارجية بصد قضية تقسيم فلسطين، و"مبررات" الدعاية الأيديولوجية عن "اشتراكية إسرائيل" ودورها "التقدمي" في المنطقة ضد السياسة الاستعمارية البريطانية و"حلفاؤها" العرب في المنطقة. فقد كان في رئاسة وزارة الخارجية حتى عام 1939 اليهودي ليتفينوف (فينكلشتين)، ومن بين نوابه السبعة كان هناك ستة منهم يهود وهم سكولنيكوف برليانت، كاراخان، شموخ برونسكيا، ديمنت، مورشتينر، أبشتين. كما كان في رئاسة قسم البروتوكولات اليهودي روتشتين (وسكرتيره يهودي أيضا هو بورشتين)، وفي رئاسة القسم الغربي (منطقة البلطيق وبولندة والدول الاسكندنافية) اليهودي بيريزوف (ومساعداه يهوديان أيضا وهما غايدس وميرني). ونفس الشيء يمكن قوله عن القسم الغربي الثاني (أوربا الوسطى والبلقان). فقد كان في رئاسته اليهودي شتيرن. وكان مستشارو الشئون المتعلقة بتشيكوسلوفاكية والبلقان اليهودي شابيرو، وبألمانيا وسويسرا وهو لنده اليهودي ليفين، وبشئون النمسا وهنغاريا اليهودي روسوفسكي. كما كان في رئاسة القسم الغربي الثالث (البلدان الانجلو - رومانية) اليهودي روبينين (ومساعده اليهودي فينبرغ). وفي رئاسة القسم الشرقي الأول (الشرق الأوسط) اليهودي سوكيرمان. كما كان رئيس قسم الإعلام في الوزارة اليهودي غالبيرين، وانتشر في القسم الحقوقي أعداد كبيرة من اليهود مثل مساعد رئيس القسم بلوتكن ومستشاريه دوفان، رافالوفسكيا، ومستشاريه القانونيين بلومينفيلد، براون، ريفلين. ونفس الشيء يمكن قوله عن قسم الشئون الاقتصادية في الوزارة، الذي ترأسه اليهودي روزنبلوم ومساعده فليغلباوم. وكذلك الحال بالنسبة لقسم الطباعة والإعلام، حيث ترأسه اليهودي اومانسكي ومساعديه الثلاث بودولسكي، بيلسكي، ميرونوف وجميعهم يهود.

كما كان اغلب ممثلي الدولة السوفيتية في الهيئات الدولية في الخارج يهودا، بما في ذلك في عصبة الأمم (الأمم المتحدة لاحقا). فقد كان هناك سبعة أعضاء يهود من بين الهيئة الدبلوماسية (لعصبة الأمم) البالغ عددهم ثمانية. وهم رئيس الهيئة ليتفينوف (فينكلشتين)، روزنبرغ، شتين، ماركوس، برينر، غيرشفيلد، غالفاند. وكان اغلب سفراء الدولة السوفيتية في الخارج يهودا، حيث كان من بين العشرين سفيرا في أوربا 11 يهوديا، وهم مايسكي (شتينمان) في بريطانيا، سوريتس في ألمانيا، شتين في إيطاليا، روبينين في بلجيكا، لورينتس في النمسا، كوبيتسكي في اليونان، استروفسكي في رومانيا، برودوفسكي (برايتمان) في لاتفيا، ارسكي (بيكمان) في ليتوانيا، يعقوبفتش في النرويج، ياغوتسكي في سويسرا. ونفس الشيء يمكن قوله عن المناطق الأخرى.

كل ذلك يكشف عن أن القرار السوفيتي بصدد تقسيم فلسطين وتأييد "إسرائيل" لم يكن صدفة أو مبنيا على أساس رؤية استراتيجية سوفيتية وما شابه ذلك. إن الاستراتيجية الوحيدة هنا تنبع من ثقل الوجود اليهودي في مؤسسات السلطة السوفيتية آنذاك وطبيعة فعل "الشخصية اليهودية" ونزوعها الصهيوني، التي تحسست إمكانية انتهاء هيمنتها المباشرة في الاتحاد السوفيتي. وهي نتيجة يمكن ملاحظة ملامحها الأولية البارزة فيما يسمى "بقضية الأطباء"، التي بدأت عام 1953، أي بعد أربعة أعوام من إعلان "دولة إسرائيل". حينذاك جرت محاكمة بعض الأطباء اليهود، الذين جرى اتهامهم باغتيال بعض قيادات الحزب والدولة عبر "علاجهم"، بما في ذلك محاولة اغتيال ستالين. وقد اعترف بعضهم بما اقترفوه في مجرى المحاكمة التي بدأت في 13-1-1953. عندها تبلور الحكم السياسي عند ستالين القاضي بنفي اليهود جميعا إلى سيبيريا. وفي 2-3-1953 يموت ستالين، وفي 3-3-1953 يجري الإعلان عن إلغاء "قضية الأطباء". كما يجري الإعلان عن الرسمي عن وفاة ستالين في 5-3-1953. وفي 6-3-1953 يصبح بيريا الشخصية الرئيسية في الدولة. وفي 9-3-1953 يجري تغييب ابن ستالين، الذي اعتبر أن وفاة أبيه قضية مدبرة. وبعدها بأيام تبدأ موجة إرهاب شديدة ومنظمة. غير أنها انتهت بإلقاء القبض على بيريا بعد محاولته الانقلابية وإعدامه. ومن ثم القضاء على هيمنة وزارة الداخلية (الأمن والشرطة)، باعتبارها الحصن الأخير للقوى اليهودية في روسيا السوفيتية.

كل ذلك يشير إلى قوة النزاع وعنفه بين التيار الوطني الروسي وبقايا اليهودية المهيمنة. وهو نزاع حسم منذ بداية الخمسينيات لصالح التيار الروسي، دون أن يجري في نفس الوقت تذليل التيار اليهودي تذليلا تاما. وهي نتيجة جرى تحسسها في الوسط اليهودي على أنها "نهاية" اليهود واليهودية في روسيا. وليس مصادفة أن يظهر في جريدة (الفكر الروسي) الصادرة في باريس عام 1960 مقال كتبه اليهودي مارغولين بعنوان (مذكرات تل أبيبية) يقول فيه، بان السلطة السوفيتية بدأت بقتل اليهود وتمويتهم بصورة بطيئة ومنتظمة ومتدرجة، بحيث لا يحس فيها أي كان، عبر تحويلهم إلى ذرات متناثرة.

ولم يعن ذلك في الواقع سوى تحسس اليهود بداية فقدانهم الفعلي للسيطرة المطلقة التي تمتعوا بها واستغلوها ابشع استغلال في غضون العقود القليلة الماضية. انهم تحسسوا للمرة الأولى منذ بداية الثورة فقدان المزايا والامتيازات وإمكانية محاسبتهم على ما يقترفوه شأن أي مواطن آخر. لهذا كان رد فعلهم مثل احتجاج السارق على "مصادرة" ما سرقه. وهو السبب القائم وراء تصاعد موجة العداء بين يهود العالم والحركة الصهيونية العالمية ضد الاتحاد السوفيتي، الذي أنقذهم قبل سنوات معدودة من إبادة ممكنة على حساب أبنائه.مما جعل من اليهود واليهودية تنمو من جديد بهيئة قوة معارضة اكثر خطورة من السابق، بفعل التحولات التي جرت على الصعيد العالمي واستغلال كذبة "المحرقة" وتوظيف "إسرائيل" لخدمة المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة والغرب الكولونيالي زمن "الحرب الباردة" من جهة، وبفعل الإنجازات التي حصلوا عليها لأنفسهم في ظل السلطة السوفيتية من جهة أخرى. وهي خطورة حذر منها بعض الكتاب السياسيين والمفكرين الروس، كما هو الحال عند اندريه ديكي في كتابه "اليهود في روسيا والاتحاد السوفيتي"، الصادر خارج الاتحاد السوفيتي في الستينيات. فقد توصل  من خلال دراسته وتحليله تاريخ اليهود في روسيا والاتحاد السوفيتي إلى أن هناك معادة يهودية للسلطة السوفيتية تتراكم شحنتها بسبب فقدانهم زمام المبادرة وإبعادهم التدريجي من قيادة السلطة ومؤسسات القرار السياسي. وهي معاداة يمكن أن تجعل منهم في المدى المنظور خطرا كامنا ومميتا للسلطة السوفيتية (الروسية)، التي سوف يسعون للإطاحة بها كما فعلوا قبل ذلك مع القيصرية.

غير أن السلطة السوفيتية آنذاك كان يصعب عليها الاستماع لآراء "المعادين للسوفيت"، وبالأخص من بين أولئك الروس الذين ناهضوا السلطة السوفيتية لاعتبارات سياسية وقومية، انطلاقا من إدراكهم للخراب الذي لحق بروسيا جراء "الثورة اليهودية". فقد بدت هذه النصائح والتحذيرات أوهاما خيالية، كما بدت أمثالها في بداية القرن العشرين، التي أطلقها حينذاك الكثير من المفكرين والأدباء والسياسيين الروس. وهي مفارقة حدس صيغتها التاريخية أيغور شافاريفتش عندما كتب مقالاته الشهيرة في ثمانينيات القرن العشرين بعنوان (كراهية الروس)، التي حاول البرهنة فيها على انه جرت منذ ستينيات القرن العشرين محاولات دؤوبة وحثيثة قاد اليهود اغلبها لإثبات أن كل مشاكل روسيا هي النتاج الملازم لشخصية الروسي العبودية وحبها للسلطة القوية واحتقارها للفرد وتبريرها للإرهاب ونفسيتها الدينية المشبعة بأوهام الانتظار والخلاص. وعلى هذا الأساس حاولوا إقناع الجماهير والمثقفين بأنه لا مخرج لروسيا إلا بنبذ هذه الشخصية والتوجه كليا نحو الغرب. وقد وجد شافاريفتش في هذه الاطروحات سلاحا فعالا لتدمير روسيا. أما الاعتراض البسيط والمفند لهذه الآراء فيقوم في واقع كون التوتاليتارية والماركسية هما ذاتهما من نتاج الغرب. وبالتالي إلا يطرح ذلك مهمة تجاوز الغرب لا تقليده الأعمى من جديد؟ فالقضية بنظر شافاريفيتش لا تقوم في شخصية الروسي بل في ما اسماه "بالقوم الصغير"، أي في كل ما المح وأشار به إلى "أصحاب النزعة اليهودية"، بوصفها المجموعة المتميزة بالصفات السلبية التي تنفذ مهمة التدمير الدائم. أما هذا القوم الصغير في روسيا فقد تشكل تاريخيا منذ نهايات القرن الماضي الذي شكل اليهود بؤرته ونواته. كل ذلك جعل شافاريفتش يستنتج بان أيديولوجية هذا "القوم الصغير" تتطابق مع خصائص اليهود ونفسيتهم ونمط تفكيرهم. وان هذا "القوم الصغير "هو الذي أدى "بالقوم الكبير" (الروس) إلى الهاوية.

ولم يعن ذلك في الواقع سوى عودة التاريخ من جديد، وتكرار مآسيه على أعتاب القرن الحادي والعشرين بالنسبة لروسيا والروس.

***

الماسونية الصهيونية المعاصرة أيديولوجيا الطفيلية الكوسموبوليتية

 

ليس في التاريخ عودة ولا تكرار. إلا أننا نعثر في مقارنات أحداثه على رمزية تكشف عموما عن "تكرار" و"عودة" للماضي في ممارساته وأشخاصه. ذلك يعني أن الماضي لم يصبح عبرة، ولم يجر تجاوزه في تاريخ الأمة. بمعنى انه لم يتحول إلى درس بليغ في قواعد الاعتبار الضرورية بالنسبة لوعيها الذاتي. وهو الواقع الذي يجعل من مقارنات الأحداث التاريخية مفارقات!

فمن المعلوم، أن تاريخ روسيا في بداية القرن العشرين ابتدأ "بالثورة اليهودية" وانتهى بها. في البداية تحت عنوان "الثورة البلشفية"، وفي الثانية تحت عنون "الثورة الديمقراطية". ذلك يعني أن "الاشتراكية" و"الرأسمالية" سواء من حيث الحوافز والغايات. وهي مفارقة لا يحلها في الواقع سوى إدراك حقيقة اليهودية وصهيونيتها السياسية، باعتبارهما مظهرين لكيان واحد يتمثل في الابتعاد عن حقائق التاريخ العالمي والانعزال عن معطياته ومعاناته بوصفه سبيلا للبحث عن الحق والحقيقة (أو الاعتدال).

وتجلى ذلك في التاريخ الروسي عبر الاشتراك الفعال في القضاء على القيصرية ("الرأسمالية") من اجل بناء "الشيوعية"، وفي القضاء على "الشيوعية" من اجل بناء "الديمقراطية" ("الرأسمالية"). مما يعني ابتعادهم من حيث الجوهر عن حقائق التاريخ الروسي. فاليهود في كلتا الحالتين لا علاقة عضوية لهم بالتاريخ الروسي. وليس مصادفة أن تتحول "التجربة" و"التجريب" إلى كلمات "مقدسة"، مع أن القدسية تفترض الثبات. والمسالة هنا ليس في جدل الكلمات البلاغي، بقدر ما أنها تعكس جوهر "تغير" اليهودي. إذ ليس "تغيره" في الواقع سوى تأقلم فج. أما "تجاربه و"تجريبيته"، فهو اختصار لأسلوب ينطوي على فقدان المعاناة العضوية بالتاريخ وأبعاده الإنسانية. وذلك لان مادته ليست "أعضاء منفصلة"، بل كيان حي. إضافة لذلك انهما تجربة وتجريب على حياة الآخرين. إذ لم يقم اليهود في تاريخهم تجارب على أنفسهم وتجريب عليها. على العكس، انهم وجدوا في "الثبات" على العرقية المتحجرة ويهوديتها العنصرية أمرا "مقدسا". وترتب على ذلك إفسادهم لأشد الأفكار إنسانية وتحررا حالما يلامسوها. فالأفكار بالنسبة لهم هي كلمات ألسن، لا أحوال قلوب. وذلك لان الفكرة الوحيدة بالنسبة لليهودي هي اليهودية. واليهودية لسان بلا قلب. ومن ثم لا محل فيها للكلمات الإنسانية الحقيقية.

فقد افسد اليهود الفكرة الاشتراكية، بحيث جعلوا منها "جمعية" ذرات متناثرة ومتنافرة. كما افسدوا سعيها للحرية عبر تحويلها إلى معسكر عبودية وقنانة. وجعلوا من دكتاتوريتها البروليتارية دكتاتورية خالصة واستبدادا للجهلة والحثالات الاجتماعية. وجعلوا من الإلحاد كنيسا بلا قيم ولا ضوابط، ومن العمل سخرة، ومن الفكر الحر جريمة. ورافق ذلك تصفية جسدية ومعنوية للتاريخ الروسي وقواه الاجتماعية ورموزه. كما جعلوا من الصراع الطبقي حربا أهلية، ومن الحرب الأهلية حربا عرقية لتصفية كل معارضة لليهود واليهودية. وجعلوا من الزيف الإعلامي دعاية منظمة، ومن الأممية غلافا كوسموبوليتيا، ومن الحزب الشيوعي منظمة ماسونية نموذجية. وتجمعت نتائج هذه العملية القاسية عند نهاية القرن العشرين لتتفجر أولا من خلال البيرسترويكا، ثم لتنتهي بانتهاء الاتحاد السوفيتي عام 1991.

وهي عملية كشفت عن "عودة" جديدة للماسونية. فبعد أن كانت الماسونية القديمة نموذجا انعزاليا ومغامرا للراديكالية الثورية، تحولت إلى نموذج انعزالي ومغامر للرجعية المقننة. فإذا كانت الماسونية في البدء هي جمعية "بنائين أحرار"، فإنها الآن هي جمعية "رأسماليين احتكاريين". أي جرى تحول البناء والتحرير إلى هدم وعبودية عبر سيطرة قواعد الاستحواذ والهيمنة والمؤامرة والمغامرة، التي استجابت لتقاليد اليهودية بشكل عام وللصهيونية السياسية بشكل خاص.

إذ ليست الماسونية الصهيونية المعاصرة سوى التوليف النفعي للكوسموبوليتية والرأسمالية الطفيلية. ومن ثم ليست الماسونية الصهيونية المعاصرة سوى الصيغة الظاهرية لعمل اليهودية الصهيونية. فقد آلفت في ذاتها تقاليد اليهودية التلمودية والقهال اليهودي (العصبة اليهودية العالمية)[27]، أي وحدة العرقية وانغلاقها التاريخي زائد التنظيم العنصري على النطاق العالمي. مما جعل منها قوة مستقلة قائمة بحد ذاتها خارج تاريخ النصارى والمسلمين، والرأسمالية والاشتراكية، واسيا وأوربا. وهو "استقلال" تمثل تاريخ الشتات والغيتو، باعتباره خروجا عن تاريخ المعاناة الإنسانية الشاملة. وهو الأمر الذي جعل من التلمود، بوصفه الصيغة التاريخية العملية لليهودية "توراة إرهاب" شامل ضد العقل والضمير. فهو التجسيد العملي "للعهد القديم"، الذي اعتبره ماركس نموذجا لاحتقار الطبيعة والتاريخ والإنسان والروح. لهذا كان بإمكان هذه التوراة التجلبب بمختلف الألوان والمظاهر، لان كل فعل ومظهر بالنسبة لها غلاف. وليس مصادفة أن يتجلبب اليهود فيما مضى والآن أيضا بأسماء روسية. ولا يعني هذا الانتماء لروسيا، سوى انتماء مخادع شأن الأسماء المستعارة. لقد استفاد اليهود من "مكر" الثورية قيمة الأسماء الحركية (الحزبية) ليجعلوا منها أسماء روسية المظهر يهودية المحتوى. وهو فعل له رمزيته الخاصة في تاريخ "المسألة اليهودية" في روسيا. فقد غيّر اغلب "الثوريين" اليهود أسماءهم. فعوضا عن برونشتين (تروتسكي) وعن لوريه (لارن) وعن أبفيلباوم (زينوفيف) وعن روزنفيلد (كامينيف) وعن ناخامكس (ستيكلوف) وعن روزنباوم (ريكوف) وعن ريختر (بوخارين) وعن كوهن (فولودارسكي) وعن رادوميلسكي (اوريتسكي) وعن ليفين (برافدن) وعن سوبيلسون (راديك) وعن كينيغيسن (ليلينا) وعن سيديرباوم (مارتوف) وعن فينكلشتين (ليتفينوف) وعشرات بل مئات غيرهم. واتخذت هذه العملية امداء واسعة بعد الثورة، وبالأخص بعد أن فسح المجال شرعيا للجميع بتغيير الأسماء والألقاب مجانا وبدون عوائق وتعقيدات. ولم يعن ذلك في الواقع سوى "حق" اليهود بتغيير ألقابهم، أو استعمال هذه "الحق" من اجل "الاندماج" أو التمويه.

ومنذ بداية العشرينيات أخذت جريدة الازفيستيا (الناطقة باسم الحكومة) تطبع قوائم بأسماء أولئك الذين بدلوا ألقابهم. وهي عملية أدت إلى "الدمج المموه" لليهود في الروس، وبالتالي إحلالهم واقعيا محل الروس في كل مكان. لقد كان ذلك فعلا زيّف الشخصية الروسية ومؤسسات الدولة السوفيتية، والذي بلغ ذروته في تحويل الحزب الشيوعي السوفيتي إلى مؤسسة ماسونية من حيث تركيبها وآلية فعلها. فقد اخذ الحزب ينعزل عن المجتمع بخطوات أوسع بعد انتهاء الحرب. وهي ظاهرة ليست معزولة عن ثقل اليهود السياسي فيه وكيفية انكسار تقاليد الشتات والغيتو في أفعاله "الثورية" بعد 1917. أما النتيجة فقد اخذ الحزب يتحول اكثر فاكثر إلى منظمة "خواص" مغلقة من حيث "ترشيحها" الداخلي وارتقاء الأعضاء إلى هرم القيادة، بعد أن استكمل طاقمه من أولئك الذين تحولوا من "طائفة مغلقة" إلى "نخبة مغلقة" في غضون ثلاثين عاما، أي المدة الكافية لصنع جيلين من الكوادر القيادية. وهي آلية لها أسسها وتقاليدها، التي وضعها اليهود منذ بدء سيطرتهم على زمام الأمور بعد الثورة. حيث أسسوا لتقاليد "الانتخاب" العرقي (العنصري)، التي تحولت لاحقا إلى أسلوب بطريركي خالص تكلس بدوره في آلية لم تفسح المجال في الأغلب إلا للأفراد الذين يحصلون على "تزكية" خاصة، أي إلى أفراد ينتمون مسبقا إلى شريحة القيادة. وبما أن هذه الشريحة كانت يهودية من حيث أصولها، لهذا جرى إعادة إنتاجها بصورة غير مباشرة. وأدى هذا الأسلوب اليهودي إلى إفراغ الحزب والسوفييتات والمنظمات المهنية من مضمونها الاجتماعي، وجعل منها متحجرات "رسمية"، تحفظ شأن مصفاة القاذورات كل ما هو "غريب" عليها وطارئ من "العبور". وليس مصادفة أن يتحول الحزب حتى ثمانينيات القرن العشرين إلى منظمة تحتوي في اغلب مراكز القيادة ومؤسساتها المهمة عناصر تميزت بالانتهازية وانعدام الأخلاق والتفاهة والابتذال والفشل العلمي. وكشف ذلك عن نفسه في مرحلة البيروسترويكا، التي لم يكن "رائدها" في الواقع سوى نموذج "للتجريبية اليهودية"، التي رمته مع كل هزيمة لشعاراته المرفوعة إلى الهبوط اكثر فاكثر إلى حضيض وأحضان الماسونية الصهيونية والأعداء التقليديين لروسيا ومصالحها الجوهرية. كما كشف "الانقلاب الديمقراطي" عن تحول القادة والأيديولوجيين والدعاة الشيوعيين بين ليلة وضحاها إلى معادين الداء للشيوعية! وإذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن اغلب هؤلاء "القادة السياسيين" و"الأيديولوجيين" كانوا يهودا، فان ذلك يكشف من جديد عن ماهية اليهودية الصهيونية، باعتبارها خروجا عن معاناة الحق والحقيقة.

وليس مصادفة أن تتزاوج الحركات الماسونية بالماسونية اليهودية ليولدا ماسونية صهيونية من طراز جديد، توجت حاليا في نماذج متنوعة للهيمنة والاستكبار، كما هو الحال في مثلث "مجلس العلاقات لدولية" و"لجنة الأطراف الثلاثة" و"نادي بيلديربورغ". فهو الثالوث "العالمي" لتجارب بناي بريت (الماسونية اليهودية) والماسونيات الانكلوسكسونية، أو ما يسمى السكوتلندية (وبصورة أدق الأمريكية). فقد تزاوجت بناي بريت مع الرأسمال الطفيلي الربوي في بناء أخطبوط السيطرة المالية وامتصاص الثروات بدون تعب. وشكلت أيضا أسلوبا لابتزاز الدول والمؤسسات. ففي الولايات المتحدة الأمريكية يشكل المحامون اليهود حوالي 70%، و 80% من أعضاء الكونغرس، كما أن 60% من أعضاء مجلس النواب ينتمون إلى ماسونية بناي بريت. فهي القوة التي تشكل اللوبي اليهودي الصهيوني الذي يؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في الحياة السياسية للولايات المتحدة. فعندما أعلن المحامي الأمريكي الشهير ليل، والمعروف أيضا بمواقفه النقدية من اليهود، عن سعيه لكشف قائمة المشتركين باغتيال جون كندي، فانه تعرض 25 مرة للاعتقال وحصل على 255 تهديدا بالقتل من جانب اليهود. كما تعرض سكرتير الرئيس نيكسون إلى حملة دعائية عنيفة اضطرته للاستقالة و"التقاعد المخجل" ثم "الموت المفاجئ" بسبب موقفه النقدي من اليهود وموقفه المعارض لهم. ونفس الشيء يمكن قوله عن الكثير من جوانب الحياة السياسية وصراعاتها في الولايات المتحدة. وهي سياسة استندت إلى تقاليد التخريب والمؤامرة المميزة لانعزالية الماسونية وراديكاليتها. وليس مصادفة أن تجد في الصهيونية (أو بالعكس) حليفتها، وفي وكالة المخابرات المركزية والموساد وأمثالهما أدواتها العملية.

فمن المعلوم أن آلان دالاس، رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية، كان عضوا متنفذا في (مجلس العلاقات الدولية) منذ عام 1927. واصبح سكرتيرا للمجلس عام 1933، ورئيسا له عام 1946. وطبق بمهارة أساليب الماسونية والصهيونية في "العلاقات الدولية" بشكل عام وتجاه الاتحاد السوفيتي (روسيا) بشكل خاص. بحيث تنسب إليه الكلمات التالية (في تقريره الذي ألقاه عام 1943 قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية التي كانت الولايات المتحدة فيها حليفا للاتحاد السوفيتي وقبيل تسلمه رئاسة المجلس):«... سوف تنتهي الحرب وتهدأ الأمور وتستقر على نحو ما. وحينذاك سنزج بكل ما نملك، بكل الذهب والجبروت المادي، لغسل عقول الناس. عقل البشر ووعيهم قابلان للتغيير. وبإثارة الفوضى سـوف نعمل خفية على اسـتبدال القيم (الفعلية) بأخرى مـزيفة ونرغمهم على أن يصـدقوا بها. كيف؟ سنجد لنا أنصارا وحلفـاء داخل روسيا.

ولمحة اثر أخرى سوف تكتمل مشاهد تراجيديا كبرى من حيث أبعادها، تراجيديا مصرع شعب رفض الخنوع، وضمور وعيه بذاته. وسنطمس تدريجياً من الأدب والفن جوهرهما الاجتماعي... وسيسخر الأدب والمسرح والسينما لعرض وتمجيد أخس الأحاسيس البشرية. وسندعم بكل سبيل ووسيلة «الفنانين» الذين سيزرعون ويبشرون بالجنس والعنف والسادية والخيانة، أي باختصار كل ما يسمى بانعدام الأخلاق. وفي إدارة الدولة سنخلق الفوضى والاضطراب.     

وبشكل غير ملحوظ ولكن نشيط، سوف نسعى على تفشي التغطرس والإرادية لدى الموظفين والمرتشين. وستظهر البيروقراطية والمماطلة وكأنهما من الفضائل. أما النزاهة والأمانة فستكونان موضع سخرية ويتحولان إلى مخلفات من الماضي. في حين أن الصلافة والوقاحة والكذب والخداع والإدمان على الكحول والمخدرات والخوف الحيواني المتبادل بين الناس وغياب الحياء وانتشار الخيانة والعداء بين الشعوب، وخاصة العداء للشعب الروسي، كل ذلك سنعمل، بمهـارة ودون أن يلحظ ذلك أحد، على زرعه وازدهاره.

القلائل، قلائل جداً، سوف يحدسون أو يفهمون ماذا يجري. ولكن سنضع هؤلاء في وضع العاجزين ونحولهم إلى مسخرة ونجد أسلوبا للافتراء عليهم وإعلانهم نفايات للمجتمع. وسوف ننزع الجذور الروحية ونبيد أسس الأخلاق الشعبية. وبهذا سوف نزعزع جيلاً اثر جيل. وسنتعامل مع البشر منذ طفولتهم وصباهم، وسيكون رهاننا الرئيسي متركزاً على الشباب، وسنعمل على أن نجعلهم كسموبوليتيين، نصنع منهم أجلافا وقحين متفسخين منحطين».

وهي مهمة أنيطت "بالفنانين" و"الأدباء" والصحفيين و"المدافعين عن حقوق الإنسان" و"المعارضين". أو على الأقل جرى استغلال كل من يمكن استغلاله وعمل كل إنسان يصب في المجرى العام لتحطيم "إمبراطورية الشرّ" السوفيتية، التي لم تعن بالنسبة للماسونية الصهيونية (العالمية) سوى القومية الروسية بمعناها السليم.

وليس مصادفة أن تركز الدعاية المعارضة لروسيا على الكوسموبوليتية. فهي الفكرة التي جرى تجريبها بعد ثورة أكتوبر عام 1917 تحت شعار "الأممية"، وأثبتت فعاليتها. غير أن "مسار التاريخ" ارجع الأمور إلى نصابها. وجرى استعادة الروح الروسي لأصوله القومية، مما أتاح إبعاد اليهود واليهودية عن مراكز القرار من جهة، وارجع روسيا إلى أصالتها الاورآسيوية من جهة أخرى. وهو مسار برهن على أن كل خطوة تخطوها روسيا صوب إدراك مصالحها الجوهرية سوف يؤدي بها بالضرورة إلى الاورآسيوية، أي إلى القومية الثقافية، التي تجعل منها طرفا فعالا في النضال من اجل الاعتدال والحق على النطاق العالمي. وهو طرف ترهبه الماسونية الصهيونية، لأنه يناقض ماهيتها ووجودها، باعتباره انعزالا وتطرفا للاحتكار والهيمنة.

غير أن الماسونية المعاصرة تختلف عن مثيلاتها القديمة من حيث الأسلوب والوسائل. إذ استطاعت أن تتمثل ما في "البرتوكولات الصهيونية"، بوصفها مبادئ للعمل قابلة للتغير والتبدل والتجسد في "قواعد تجريبية" متجددة. فقد ظلت المنطلقات والأفكار العامة للماسونية كما هي، ولكنها تجسدت على الدوام "بنظم" ملموسة في كيفية التعامل مع الدول والسلطات والمنظمات والأحزاب والأفراد بما يتناسب مع ظروف هذه المرحلة أو تلك. إلا أنها تهدف إلى غابة واحدة هي الاحتواء ثم الهدم أو الهدم ثم احتواء ما يتبقى.

وكان "نظام" العلاقة بروسيا يرتكز إلى منطلقات وأفكار عامة أساسية منها تحويل روسيا إلى "حليف للغرب" وجعلها "حصنا ضد الهجوم الآسيوي" و"القضاء على النزعة القومية الروسية" و"هدم الأرثوذكسية" و"دمجها بالغرب". أي أننا نقف أمام الباطنية السياسية للماسونية ومنطلقاتها العامة وقواعد عملها التجريبية الهادفة إلى الهدم ثم الاحتواء من خلال منع نمو العناصر العقلانية للقومية والاورآسيوية الروسية القادرة على جعلها طرفا عالميا. إذ لا يعني دمجها بالغرب هنا سوى تحويلها إلى قمر صغير في فلك المصالح الكبرى للماسونية الصهيونية. وليست هذه المنطلقات والأفكار وليدة الخيال بقدر ما جرى تسجيلها في وثائق استراتيجية جعلت من حلّ الاتحاد السوفيتي بدايتها "الرسمية". وساهم في هذه العملية كما هو معلوم سياسة الحرب الباردة والحرب النفسية والدعاية الفجة عن الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية، التي لعبت فيها المخابرات المركزية الأمريكية ودول الأطلسي الأخرى دورا أساسيا. وفي حالة روسيا كان الدور الأكبر فيها يعود للمخابرات المركزية الأمريكية والموساد، اللتين استعملتا الطابور اليهودي فيها.

فقد شكل اليهود واليهودية في روسيا هنا، كما هو الحال في بداية القرن العشرين، القوة السرية والعلنية للماسونية الصهيونية. واستجابوا للتجريبية الجديدة في الماسونية المعاصرة، التي لم تعد ظاهريا تشبه مثيلاتها القديمة. مع أنها ظلت في الجوهر هي ذاتها وبالأخص من حيث القاعدة الأساسية المتعلقة بالعمل السري والمنظم للمؤامرة والمغامرة (الاستراتيجية). إلا أنها أخذت تنفذ ذلك من خلال قنوات "شرعية" ذات "هيبة" سياسية واجتماعية كما هو الحال بالنسبة للنوادي العالمية والإقليمية مثل روتري بن وماجيستروم وهومينيتاري وغيرها، التي تجاوز عدد فروعها في روسيا المئات. أما أكثرها انتشارا فكانت المنظمات الماسونية ذات الأصول الاسكتلندية (النيويوركية)، التي اخذ نشاطها بالتوسع والازدياد منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين. أي في ذروة البيروسترويكا. حينذاك جرى أيضا "إعادة بناء" الماسونيات القديمة مثل (آستيريا) و(هرمس) و(الشعاع الشمالي) و(الشرق العظيم). كما جرى بناء ماسونيات "روسية" أطلقت على نفسها أسماء أعلام روس مثل (بوشكين) و(نوفيكوف) و(روسيا الحرة). وهي منظمات شديدة العداء للروس وروسيا!

إضافة لذلك أخذت تنشط أيضا ما يسمى "بالماسونيات البيضاء"، أي الماسونيات التي تنشط من خلال أعمال "التنوير" و"الثقافة" و"المساعدات الإنسانية" وما شابه ذلك. ومن بين اكثر هذه النوادي والمؤسسات والصناديق انتشارا في هذا المجال قبيل وبعد انحلال الاتحاد السوفيتي تجدر الإشارة إلى نوادي (ماجيستروم) و(الإصلاح) و(المساعدة المتبادلة) و(النادي الروسي العالمي) و(صندوق سورس). وجرى كذلك تأسيس ماسونيات (نوادي) جديدة مهمتها شراء ذمم السياسيين والصحفيين والأدباء والفنانين من خلال رشوتهم المباشرة وغير المباشرة عبر طباعة مذكراتهم ومؤلفاتهم وتسليم الأوسمة والنياشين والجوائز، كما هو الحال بالنسبة لماسونية (الصقر)، التي كانت مهمتها تسليم الأوسمة والنياشين "للديمقراطيين". ونفس الشيء يمكن قوله عن الكثير من الجوائز المخصصة للفنانين والكتاب والصحفيين والسينمائيين وغيرهم.

وإذا كان نشاط الماسونية الصهيونية، الذي اعتمد بصورة شبه مطلقة على اليهود، قد تزامن علنيا مع صعود غورباتشوف و"الانفتاح الديمقراطي"، فان تاريخ نشاطها اقدم من ذلك بكثير. وتقول بعض المصادر أن الاتصال الأول لغورباتشوف بالجهات الماسونية قد حدث إثناء استراحته في إيطاليا في الثمانينيات، حيث كانت تعمل المؤسسات الماسونية الخاضعة لأجهزة المخابرات الأمريكية ضد الشيوعيين الإيطاليين. وبالأخص (محفل بروباغاندا 2)، الذي ترأسه آنذاك ل. جايلي عميل المخابرات الأمريكية. وفي 15 كانون الثاني 1988  نشرت في جريدة البرافدا السوفيتية بإيعاز من غورباتشوف وياكفليف مقال موسع لمستشار اللجنة المركزية والمساعد الخاص فيما بعد  لغورباتشوف جيورجي شاهنزاروف، استعرض فيه أبجدية النظرية الصهيونية العالمية والمفاهيم البرنامجية للمراكز الرئيسية "للحكومة العالمية" السرّية ومكوناتها الأساسية مثل (نادي بيلديربورغ) و(لجنة الأطراف الثلاثة) و(مجلس العلاقات الدولية).

فقد ظهرت جملة من الأخبار عن انتماء غورباتشوف إلى جمعية "البنائين الأحرار" الماسونية بعضها في المجلة الألمانية "ميرلخت" في شباط 1988.  ظهرت أخبار مماثلة في منشورات عديدة أخرى مثل جريدة "الكلمة الروسية الجديدة" الصادرة في نيويورك في 4 – 12 – 1989. وجرى طباعة صورة للرئيس الأمريكي بوش والرئيس غورباتشوف مع علامات ماسونية متميزة. واصبح غورباتشوف عضوا في لجنة الأطراف الثلاثة.

غير أن نشاط الماسونية الصهيونية في روسيا جرى بقوة عبر نشاط (صندوق سورس) كوسيط بين غورباتشوف ولجنة الأطراف الثلاثة.[28] وفي عام 1987 اخذ بتأسيس (صندوق سورس للاتحاد السوفيتي)، الذي تميز بنشاط محموم معاد للاتحاد السوفيتي من خلال منظمة "المبادرة الثقافية".

وضم (صندوق سورس) كثرة من الموظفين النشطين الذين اجتذبتهم بواعث مالية أساسا واتسم نشاطهم بطابع تدميري للدولة والمجتمع. واخذ "صندوق سورس" يمول النشاط المعادي للسوفيت في مختلف ميادين "الإبداع" وبالأخص نشاط يوري افاناسيف (مدير معهد الأرشيف التاريخي)، وباكلانوف (رئيس تحرير مجلة الراية) وزاسلافسكيا (أحد أيديولوجي تخريب القرية الروسية والجمعيات التعاونية) وماكاروف (أحد الحقوقيين المبتذلين والمهرجين، الذي حصل على شهرة في وقتها لصراعات كان هو وأمثاله دمى ظاهرية فيها فقط)، واميتيستوف (عضو المحكمة الدستورية)، وكذلك الدورات التأهيلية في الولايات المتحدة كما هو الحال بالنسبة للمجموعة الاقتصادية برئاسة غريغوري يافلينسكي، صاحب مشروع "الخمسمائة يوم" لإصلاح الاقتصاد السوفيتي، وكذلك بتمويل إقامة مجموعة أيغور غايدار في الولايات المتحدة و"تأهيلها" قبل الدخول في حكومة يلتسن. واشترك (صندوق سورس) بتمويل الصحافة المأجورة والصحفيين المأجورين في الجرائد والمجلات والتلفزيون في موسكو وبالأخص ما يتعلق بتحضير وإعداد كوادر "التليفزيون المستقل". أي كل ما اتخذ في وقت لاحق هيئة المؤسسات المالية والإعلامية اليهودية الصهيونية التي يترأسها أرباب الطغمة المالية مثل فلاديمير غوسينسكي وأمثاله.

كما اتخذ  نشاط (صندوق سورس) منحى مكشوفا في معاداته للحركة الوطنية الروسية. من هنا الدعاية العنيفة التي حاولت أن تجعل من الوطنية رديفا للفاشية، ومن كل دعوة وطنية وقومية في روسيا معاداة لليهود. وتوسع نشاطه بهذا الصدد من حيث مقاييسه وتدابيره وإجراءاته. حيث أخذت بالبروز ملامح منظمة أقوى واكبر وأشرس تقف وراء (صندوق سورس)، ألا وهي حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ومخابراتها السرية. فقد قامت الماسونية اليهودية الصهيونية (بناي بريت)، التي ترأسها حينذاك هنري كيسنجر، بإرسال وفد يضم 21 شخصا برئاسة مارك هارون إلى موسكو بزيارة رسمية لمدة أسبوع من 23 إلى 29 12 1988 بوفد. وفي كانون الثاني عم 1989 زار موسكو وفد يتكون من دافيد روكفيلير(رئيس لجنة الأطراف الثلاثة ومجلس العلاقات الدولية) وهنري كيسنجر(رئيس منظمة بناي بريت اليهودية) وجيسكار ديستان، وناكازونا وغيرهم، حيث عقدوا لقاءات مع غورباتشوف وياكفليف وميدفيدوف وشفاردنادزه وغيرهم من رجال الدولة السوفيتية في آخر مراحلها. وبعد هذه الزيارة بقليل أخذت بالانتشار فروع المنظمات الماسونية في عواصم الجمهوريات السوفيتية ومدنها الكبرى.

وتوسعت بدون أية قيود شبكة (صندوق سورس)، التي اخذ يعمل فيها ويدير شؤونها عدد كبير من الموظفين الماسونيين وعملاء الوكالات والمخابرات الأجنبية. حيث حصلوا على "ضوء اخضر" للعمل في الاتحاد السوفيتي. واصبح جورج سورس حسب تعبير أحد المتخصصين الأجانب، اكبر شخصية مؤثرة على أراض تمتد من ضفاف الراين حتى جبال الأورال.

لقد كان النشاط الظاهر (لصندوق سورس) يهدف إلى تغيير عقيدة الناس من خلال الدعاية لنمط الحياة الأمريكي، والتطبيل لقيم الطفيلية في الاقتصاد والعمل على تهجير وترحيل الأدمغة إلى الخارج.[29] وبدأ (صندوق سورس) بتمويل السياسيين المنتمين إلى "جماعة مندوبي الأقاليم " في البرلمان السوفيتي الأخير(1989) وحركة "روسيا الديمقراطية" (1991)، أي القوى التي لعبت دورا كبيرا في هدم الاتحاد السوفيتي.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وصعود يلتسن إلى السلطة وتسلم غايدار  لرئاسة الحكومة، بدأ (صندوق سورس) يطور نشاطه في روسيا الاتحادية.[30] وصار نشاطه يتخذ صيغة مكررة "للدولة العالمية". فقد انشأ في روسيا "نادي الماجستروم" الماسوني الذي ضم في بداية الأمر حوالي 60 عضوا بينهم ألكسندر ياكفليف (عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي، والأيديولوجي الجديد للبيريسترويكا) وإدوارد شفاردنادزه (وزير خارجية الاتحاد السوفيتي) والشاعر يفغيني يفتوشينكو، والنحات ارنست نيئيزفيستني ومدير بلدية بطرسبورغ آنذاك اناتولي سوبتشاك، والأديب فياتشيسلاف إيفانوف، والاقتصادي سيرغي شاتالين والشاعر يوسف برودسكي (الحائز على جائزة نوبل)وغيرهم. واصبح جورج سورس الشخصية القائدة والمسيطرة في هذه الجمعية السرية، التي نشرت في العدد الأول من منشوراتها السرية مقالا ينسب لسورس نفسه بعنوان "الأموال الضخمة تصنع التاريخ". وهو عنوان يكشف بحد ذاته عن رذالة  الفكرة السائدة وشخصية جورج سورس الماسونية الصهيونية.

إن الغاية النهائية من وراء نشاط (صندوق سورس) يصب في الاتجاه العام للماسونية الصهيونية، ألا وهو تحويل روسيا إلى بلد تابع ومستعمرة جديدة للولايات المتحدة، من خلال التركيز على صنع "جيل جديد" خال من الهموم الوطنية ومطيع تابع لأصحاب الملايين الكوسموبوليتيين.

وتكبدت روسيا خسائر فادحة في مجال التربية والتعليم، بسبب تغلغل أعداد لا يستهان بها من المنصاعين لتعاليم (صندوق جورج سورس). إن مهمتهم الأساسية هي ترسيخ "الديمقراطية" عند الأجيال الشابة أما في الواقع فليست هذه الديمقراطية سوى تغريب الأجيال الجديدة وإبعادها عن تحسس وتأمل المعاناة الحقيقية لماضي الأمة الروسية ومستقبل وجودها. فقد صدرت على نفقة صندوق جورج سورس في الأعوام 1992 – 1994 اكثر من مائتي كتاب مدرسي بمختلف ميادين العلوم الإنسانية للمدارس والمعاهد والجامعات، يشوّه معظمها وقائع التاريخ والثقافة ويزيف صور وأدوار الشخصيات الكبرى والعظيمة في التاريخ الروسي. حيث يجري تناول وتفسير وتأويل وتقييم الأحداث والشخصيات من وجهة نظر يهودية ماسونية وصهيونية، معادية للمصالح الجوهرية لروسيا. وليس مصادفة أن يكون اغلب مؤلفي هذه الكتب من أصول يهودية.[31]

مما سبق يبدو واضحا بان نشاط الماسونية اليهودية في كسب وتأهيل الكوادر جرى من خلال قنوات عديدة وبأساليب متنوعة وبوسائل شتى. إلا أنها كانت تهدف إلى غاية واحدة. وتميزت أساليب الماسونية بهذا الصدد في أنها وجهت اهتمامها الأساسي صوب الأفراد المتنفذين والمشهورين في الدولة والسلطة. وليس مصادفة أن تهتم الماسونية الصهيونية باختيار كوادرها المؤثرة من بين اليهود في روسيا، لاعتبارات متعلقة منها باستعدادهم للمساهمة في النشاط المعادي لروسيا للأسباب التي جرى شرحها، ولأسباب تأثيرهم الكبير في السلطة ومؤسساتها بفعل تاريخ السلطة السوفيتية.

فمن المعلوم أن أولى الاتصالات المباشرة لبعض قيادات الدولة السوفيتية بالمنظمات الماسونية تعود إلى أواخر الستينات من هذا القرن. وأولها  لقاءات بالكسندر نيكولايفتش ياكفليف(أحد المسؤولين في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي) أثناء وجوده في الولايات المتحدة وفي خلال إقامته في كندا  سفيرا للدولة السوفيتية. إضافة لذلك أن ياكفليف هو أول من حاول أن يسحق في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات براعم نمو النزعة القومية الروسية. وبما أن تحطيم الوعي القومي الروسي كان على الدوام في أول قائمة النشاط الدعائي الماسوني الصهيوني الداخلي (باسم الأممية ومحاربة الشوفينية والتعصب القومي) والخارجي (باسم الدعاية الغربية والأمريكية عن معاداة السامية والدفاع عن  حقوق الإنسان)، فان رجوع ياكفليف إلى الاتحاد السوفيتي وتسلمه مسئولية الدعاية والإعلام بعد صعود غورباتشوف إلى السلطة، يكشف عن الصلة الفعلية بينه وبين الماسونية الصهيونية. وترافق ذلك مع ظهور أيديولوجيين "مدللين" التفوا حول أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي مثل بورلاتسكي وشاهنزاروف وغيراسيموف وارباتوف (رئيس معهد أمريكا) وبوفن (صحفي وأول سفير لروسيا لدى "إسرائيل"، صهيوني وقح)، ممن طبلوا في وقت لاحق لأيديولوجية البيروسترويكا ولاحقا انتقلوا إلى صف العداء للشيوعية. ومعهم  بدأ صعود "الأيديولوجيين الجدد"، الذي عزفوا على وتر واحد وسكبوا "أرواحهم" في صف واحد، كما هو الحال بالنسبة لمجلة (اغانيوك)، التي نشط من خلالها اليهود الصهاينة برئاسة كوروتش. إضافة إلى "المنظرين" اليهود أمثال ياكفليف وافاناسيف وارباتوف ومن هو قريب منهم مثل بابوف وغيرهم.

كان اختيار واختبار الكادر وتصنيعه وتسويقه باسم الحقوق والحرية والديمقراطية والانفتاح والتمدن وما شابه هو الأسلوب المجرب والأكثر فاعلية بالنسبة للهجوم الخارجي وقت الحاجة. وهو أسلوب مغامر مميز لتاريخ الماسونية بشكل عام والصهيونية منه بشكل خاص. غير أنها مغامرة مع التاريخ السياسي والمصير التاريخي للأمم من اجل ابتزازه الدائم. وذلك لان مغامرة الماسونية الصهيونية هي مغامرة مرهونة بالمال ولأجله.

فقد صرفت الماسونية الأمريكية على عملية "دمقرطة" الاتحاد السوفيتي بين أعوام 1985 و1992 أموال طائلة، جرى تحويلها من خلال مختلف المنظمات عديدة مثل (اللجنة الاجتماعية للإصلاحات الروسية) و(المساهمة الوطنية في الديمقراطية) (وهي مؤسسة أمريكية يترأسها اليهودي فاينشتين) و(معهد كريبلي)، الذي أنيطت به مهمة التأسيس النظري والعملي لهدم الاتحاد السوفيتي عبر القيام  بالاجتماعات و"الندوات العلمية الثقافية". واستطاع أن يوظف أموالا طائلة في صنع وتسويق "شخصيات لامعة" عبر "تأهيلها" في الولايات المتحدة ودول الغرب الأخرى، وتدريبها على مبادئ "الاقتصاد الحر" و"الديمقراطية" و"المجتمع المدني". إضافة  إلى المساعدات "السخية" من اجل تجميع "القوى الديمقراطية" حول يلتسن. وهي قوى كانت في اغلبها يهودية الأصل مثل غايدار (أول رئيس وزراء بحكومة يلتسن) ويافلينسكي (مساعد شتالين في وضع برنامج "خمسمائة يوم" ورئيس حزب اليابلوكو لاحقا) وستارافويتفا (إحدى مؤسسات حركة روسيا الديمقراطية، التي اغتيلت عام 1999) وكثير غيرهم، ممن نزع منزعهم من غير اليهود مثل بابوف (أول رئيس لبلدية موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي) وبولتارانين (رجل الدعاية والإعلام) وستانكيفتش (مساعد رئيس بلدية موسكو، الذي هرب إلى الخارج بعد اتهامه بالسرقة والاختلال)

كانت الغاية العملية من وراء توظيف الأموال في "الديمقراطية الروسية" بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تقوم في الحفاظ على "استمرارية السلطة" و"منع الانقلابات الحادة" و"ترسيخ الديمقراطية". ومفارقة الظاهرة هنا تقوم في انه جرى توظيف أموال روسيا المسروقة لإعادة سرقتها بوتائر أسرع وكميات اكبر. لقد كان يجري توظيف الأموال في مشاريع سياسية وليست اقتصادية، لان مهمتها الأساسية كانت تقوم في إبقاء روسيا تحت السيطرة الأجنبية عبر السيطرة المباشرة وغير المباشرة على "رجال الديمقراطية" سواء بالحفاظ على "نمط حياتهم" أو "لياقتهم على إدارة الإصلاحات". وجرى وضع هذه السياسة فيما يمكن دعوته بالبدائل الدائمة لمختلف الاحتمالات، التي صنعت ما يسمى "بالتكنولوجيا القذرة" للدعاية والإعلام، التي جعلت من تسطيح وتزييف وقهر الوعي الجماهيري هدفها الأكبر. إضافة إلى تزوير الانتخابات والتلاعب بنتائجها كما هو الحال بالنسبة لانتخابات عام 1996، التي كان من المتوقع أن يصل اليسار الوطني (والشيوعي بشكل خاص) فيها إلى السلطة. ومع ذلك فاز بنسبة 54% "المرشح الديمقراطي" يلتسن، الرجل المريض والمدمن على الكحول والفاقد للوعي، الذي لم تتعد نسبة التأييد الشعبي له قبل الانتخابات حسب استطلاعات الرأي العام الرسمية 2%. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار نتائج ما يسمى "بالتكنولوجيا القذرة"، التي استعملتها السلطة حينذاك في تصنيع وتسويق الجنرال "الوطني" ليبد (المدعوم آنذاك من جانب كيسنجر وروكفلر وبرجينسكي)، والذي وظفت فيه الماسونية لصهيونية (الأمريكية بالأخص) ملايين الدولارت، فمن الممكن توقع الأموال التي وظفت في "استمرارية السلطة".

لقد جرى توظيف الأموال الروسية المسروقة نفسها بإعادة إنتاج سرقتها من جديدة عبر "استمرارية السلطة". وفي نفس الوقت جرت ولا تزال تجري محاولات تخريب اليسار وتشويه سمعته عبر إثارة الخلافات الداخلية وتشويه سمعة بعض شخصياته البارزة وبناء "منظمات وطنية بديلة" وترويج ودس أيديولوجيين ومستشارين إلى القيادات السياسية لليسار، وتقديم الدعم للمعارضة من جانب "رجال الأعمال الوطنيين" وما شابه ذلك.

تجمع كل هذه الأساليب المميزة لنشاط الماسونية الصهيونية على هدف واحد هو إضعاف روسيا وتحويلها إلى تابع للغرب بشكل عام والولايات المتحدة و"إسرائيل" بشكل خاص. وتبين ذلك بصورة مكشوفة في انتخابات عام 1999 البرلمانية. حيث تكشفت بشكل عار القوى الأساسية الفاعلة في هرم السلطة. إذ تصادمت مصالح المجموعة القديمة (الكوسموبوليتية اليهودية) المتمثلة بعائلة يلتسن وتشوبايس وبيريزوفسكي، مع مصالح "المجموعة الجديدة" (الماسونية الصهيونية) المتمثلة بمجموعة لوجكوف بريماكوف، التي شكلت في نهاية عام 1998 حركة (الوطن - كل روسيا). حيث جرى دعمها إعلاميا من جانب الصهيونية العالمية والمؤتمر اليهودي العالمي برئاسة صاحب مؤسسة (موست) الإعلامية الكبرى غوسينسكي. بينما جرى تمويلها من جانب رجال المال اليهود وبالأخص من جانب فريدمان وخايت ومالكن وسمولينسكي وخدركوفسكي. وكانت قبلة "المجموعة الجديدة" أوربا الغربية و"إسرائيل". أما المجموعة القديمة فقد صنعت وسوقت دمية سياسية جديدة باسم (الوحدة)، التي أخذت بعد تحويلها إلى حزب سياسي تعزف على الوتر الوطني الروسي، مع أن مؤسسيها يهود وهم بيريزوفسكي وابراموفتش وفولوشين ويوماشوف. وساهمت هذه المجموعة في صعود بوتن إلى السلطة.

وكشف صراع هاتين المجموعتين عن نماذج مشوهة ورذيلة إلى أقصى الحدود، بحيث لم يتورعوا عن استعمال اقذر الوسائل وأحطها من اجل بلوغ مآربهم السياسية. كما جرى تنسيق كل ذلك تحت شعار الوطنية والديمقراطية! وبعد "انتصارهما" في الانتخابات أخذا يلتقيان ويتقاربان ويعملان الآن من اجل الاندماج في حزب سياسي " ديمقراطي معتدل" واحد من اجل "الحفاظ على استمرارية السلطة وإصلاحاتها الديمقراطية"!

تراكمت هذه النتائج في مجرى صيرورة "الديمقراطية الروسية" المعاصرة، باعتبارها ربيبة الماسونية الصهيونية ومصالحها الاستراتيجية في روسيا. فالغاية النهائية من وراء نشاط الماسونية الصهيونية في روسيا هي الاستحواذ على ثرواتها الطبيعية وتوظيفها بالشكل الذي يساهم في إخضاع روسيا إما عبر إثارة الخلافات بينها وبين العالم الإسلامي، وإما عبر إدراجها في "الحلف الغربي ضد الشرق"، وأما عبر قضمها التدريجي بالطريقة التي لا تؤدي إلى ردود فعل لا تحمد عقباها. وهي سياسة نجحت لحد الآن في تنفيذ الكثير من مهماتها.

فقد كانت "السلطة الديمقراطية" في روسيا بعد عام 1991 سلطة يهودية، جعلت منهم مرة أخرى مالكي روسيا. وإذا كان الروس يسمون الرأسماليين والأغنياء "بالروس الجدد"، فانهم في الواقع ليسوا إلا يهودا قدماء. فقد جرى تمرير هذه السياسة في بادئ الأمر عبر عائلة يلتسن، التي استحوذت من خلال السرقة والاختلاس على أموال طائلة، كما جرى تكوين شريحة قابلة للبيع والشراء في كل هرم السلطة ومؤسساتها. وتحولت أجهزة الأمن والشرطة والمخابرات والقضاء واغلب كتل البرلمان ومجلس الشيوخ إلى قنوات لتمرير الأموال المسروقة، والمساهمة في ترسيخ "قواعد" الفساد الشامل. بل لم تتورع "السلطة الديمقراطية" عن سرقة القروض الخارجية وذلك بتحويلها عبر البنوك اليهودية مباشرة إلى الخارج.

وبدأت هذه العملية مع سياسة الخصخصة، التي شارك في وضع أسسها وترتيباتها وتنفيذها مجموعة من "المحترفين" اليهود، الذين جرى تصنيعهم وتسويقهم من جانب الماسونية الصهيونية في مجرى البيروسترويكا، وعلى رأسهم تشوبايس. فقد ساهمت الماسونية الصهيونية في تأهيل وتحويل مشاريع الإصلاح والخصخصة في روسيا ورجالها من (صندوق سورس) وماسونية (بناي بريت). إذ سبق لهم وان صنعوا وسوقوا "كوكبة من الإصلاحيين الشبان"، أمثال غايدار وتشوبايس وبوربولوس وأمثالهم، الذين مرروا عملية الخصخصة بالطريقة التي استحوذ اليهود فيها على أهم قطاعات الاقتصاد مثل الطاقة (النفط والغاز والكهرباء) والمعادن الثمينة (الماس والبلاتين والألمنيوم) والمصانع المتطورة والبنوك والموانئ والمحلات التجارية في مراكز المدن والفنادق الكبرى وغيرها. إذ جرى "تخفيض" ملكية روسيا عبر "الفاوتشر" وبيعه في الأسواق للدرجة التي جعلت من ملكية روسيا كلها لا تتجاوز 750 مليون دولار فقط!! فقد جرى تحويل قيمة الفاوتشر الأولية 10 ألف روبل سوفيتي بحيث اصبح بعد سقوط (أو إسقاط) العملة يعادل 2،50 دولار أمريكي فقط! من هنا نكتة الروس القائلة، بان ملكية الفرد في روسيا حسب الخصخصة تعادل جرعة واحدة من الفودكا! وهي خطة يهودية خالصة! لان القائمين عليها ومنفذيها والمستفيدين منها كانوا يهودا مائة المائة.

لقد أبعدت "السياسة الديمقراطية" الشعب الروسي عن المساهمة في "اقتسام الثروة"، كما جرى عام 1917، بإبعادهم عن قرارات "السلطة السوفيتية" ومؤسساتها. وأعطى ذلك للماسونية الصهيونية فرصة كبيرة للتحكم في روسيا عبر السيطرة على قرارها السياسي والملكية الاقتصادية. فعندما عيّن لفترة وجيزة بوليفانوف مسئولا عن "ملكية الدولة للموارد" المعرضة للخصخصة، فانه فوجئ بالفساد الشامل والإخلال الدائم بالقوانين المتعلقة بكيفية بيع ملكية الدولة للأفراد والمؤسسات المحلية والأجنبية. فقد بيعت 500 مؤسسة ضخمة على سبيل المثال منها 77 معملا للتعدين و85 معملا لصناعة المكائن، و66 معملا للنفط والغاز و65 معملا للصناعات الكيماوية بسعر 7،5 مليار دولار، بينما كانت قيمتها الحقيقية تتجاوز 200 مليار دولار. إذ جرى على سبيل المثال، بيع معمل الورق في بالاخنين (عندما كان اليهودي نيمتسوف مسئولا عن ذلك) بسعر 7،5 مليون دولار، بينما كانت إحدى المكائن فقط التي جرى نصبها قبل بيع المعمل بفترة وجيزة يتجاوز سعرها 12 مليون دولار. وبعد خصخصة هذا المعمل وسحب كافة مكائنه، جرى عرضه للبيع بسعر 25 مليون دولار! كما بيع ميناء نوفوراسيسك بسعر 22،5 مليون دولار، وأسطول مورمنسك بسعر 3 ملايين دولار. واشترى بنك انوكسيم (اليهودي) من الدولة شركة نفط سيدانكو بسعر 20 مليون دولار، باع ثلث أسهمها رأسا بسعر 200 مليون دولار! مما يعني أن سعرها الفعلي كان 600 مليون دولار.

إن لسياسة الخصخصة "الديمقراطية" تقاليدها اليهودية في روسيا. فمن المعلوم تاريخيا انتشار السيطرة اليهودية في البنوك الروسية قبل الثورة. وهي سيطرة جرت بنفس الطريقة التي حدثت قبل فترة جيزة وما زالت في روسيا تحت شعار الخصخصة. في روسيا القيصرية كان اليهود "يقترضون" الأموال من البنوك الحكومية بفائدة لا تتجاوز 5% ويبيعوها من جديدة في الأسواق بفائدة لا تقل عن 8%. وهو أسلوب جرى إعادة تطبيقه بحذافيره من جديد. فقد استولى اليهود على اغلب الشركات المساهمة. وهناك حوالي 115 ألف شركة مساهمة في روسيا يرأسها اليهودي فاينبرغ يعمل 75% منها بالمضاربات فقط. كما أن اغلب مالكي المؤسسات المصرفية الكبيرة يهود، ونفس الشي يمكن قوله عن مالكي شركات النفط (مثل كوكس وابراموفتش وخدركوفسكي). وهو أمر يمكن فهمه من خلال إلقاء نظرة سريعة على عدد اليهود في السلطة التنفيذية بعد "الانقلاب الديمقراطي" عام 1991 وتدمير المعارضة (البرلمان) بالدبابات والطيران والقوات الخاصة عام 1993. فقد كانت اغلب مؤسسات السلطة التنفيذية بعد عام 1991 بيد اليهود، مثل رئيس الوزراء ورئيس مجلس الأمن ووزراء العدل والمالية والاقتصاد وملكية الدولة وكثير غيرها. وتكفي الإشارة هنا إلى أسماء غايدار وبوربولوس ويافلينسكي وكيرينكو ونيمتسوف وياسن وريسن وأورينسون وغيرهم. كما كان الجهاز الاقتصادي خاضعا لهيمنة اليهود مثل بارافوي وبيريزوفسكي وغوسينسكي وخدركوفسكي وخايت ومالكن وابراموفتش وغيرهم. وفي الصحافة والإعلام غوليبيوفسكي وبومبياتسكي وايغناتينكو وبيرغر ولوشاك وتريتياكوف وشفدكوي وغوسينسكي وغيرهم.

وهي ظاهرة دفعت ببعض اليهود حينذاك لمناقشة إمكانية أن يكون رئيس الدولة الروسية يهوديا. إلا انهم فضلوا، حسب تقاليد وغريزة الماسونية والصهيونية من العمل وراء الواجهة الروسية، التي يمكن تغييرها عند الضرورة وتحويرها وتطويعها وتبديلها، وفي نهاية المطاف جعلها هدفا لغضب الغاضبين ومشجبا لتعليق الملابس الوسخة.

كرر اليهود في 1991 ما فعلوا عام 1917. ويشبه سلوكهم في 1991 ما سلكوه في ألمانيا بعد الحرب الإمبريالية الأولى. إذ تمكنوا حينذاك من شراء المصانع والمحلات والفنادق والمنازل والأراضي بأسعار بخسة، كما فعلوا في مرحلة الخصخصة "بروسيا الديمقراطية". وقد وصف الألماني هنري شيختل تلك المرحلة قائلا: المرء يرى بأم عينيه الانتشار المذهل لمختلف أنواع الأدب الرخيص، بحيث اصبح المراهقون واليافعون ضحيته الأولى. فكل ما هو أمامك من مطبوعات يبشر بالقبح والرذيلة. ويمكنك شراء هذه المجلات والكتيبات في كل مكان، كما جرى خلط الأجناس من كل شئ وفي كل شئ. وامتلأت المدرسة بمعلمين تافهين. وهي حالة أغرقت ألمانيا حتى عام 1933 في بحر الانحطاط الهائج!

وهي حالة تشبه لدرجة كبيرة ما جرى ويجري في "روسيا الديمقراطية". إلا أن مفارقة الظاهرة تقوم في أن روسيا لا تمتلك وعيها الذاتي القومي. مما جعل منه ضحية الفاشية اليهودية لا العكس. وليس مصادفة أن يصرخ اليهود مع كل ملاحظة لأي برعم من براعم الوعي القومي الروسي، بان الفاشية تهدد روسيا! وهي صرخة غريبة الأطوار. وغرابتها تقوم في أن يصرخ اليهودي من "الفاشية الروسية" لا الروسي نفسه. وذلك لان "الفاشية الروسية" هي روسية، ومن ثم فان ضحيتها الأولى والأخيرة الروسي نفسه. أما صراخ اليهودي، فانه يعكس "اطمئنان النفس" اليهودية، بان روسيا يهودية، والفاشية فيها قوة من خارجها! وهو خوف يعكس ما يدعوه البعض بالفاشية اليهودية، باعتبارها تجسيدا لجوهر الماسونية الصهيونية.

*** 

اليهودية الصهيونية أيديولوجيا الفاشية الليبرالية

 

كانت الفاشية الألمانية (الهتلرية) من الناحية الفعلية والتاريخية النار التي التهمت نار اليهودية الصهيونية. من هنا هلعها من "الفاشية" مع أنها كانت على الدوام صنوها "الثقافي". فالصهيونية من حيث جذورها لها تاريخ عريق في اليهودية نفسها، التي شكل "العهد القديم" رصيدها النظري ومصدرها "الروحي". فهو كتاب لا قدسية فيه في الواقع لغير القسوة من انتقام وقتل وسرقة، وانعدام الرأفة والرحمة. وقد كان ماركس على حق عندما قال بان (العهد القديم) هو احتقار للطبيعة والإنسان والروح. ولهذا السبب وجد في الرأسمالية رجوع النصرانية إلى أصولها اليهودية، عندما اصبح الدعاء الإنجيلي بضاعة تباع وتشترى. لان القدسية تفترض كحد أدنى استحالة بيعها وشرائها.

أما (العهد القديم) وتقنينه البشع في التلمود، فانه "عهد" الإله العرقي مع اتباعه في ابتذال وامتهان قدسية القيم الإنسانية المتسامية. من هنا امتلاءه بالدعوة لتصفية وإبادة الآخرين، بدء من سفر موسى (الخروج) وانتهاء بزعاق ارميا وخيالات حزقيال مرورا بدموية يشوع بن نون. ففي (إصحاحات) التوراة تقدح عيون النفس الغضبية وتتطاير شرارة تعطشها للقتل والإبادة الشاملة بحق "الآخرين". فالإله اليهودي يدعوهم على لسان موسى لقتل كل الذكور (الرجال)(العدد 31:17). بل أن موسى يسخط على وكلاء الجيش والرؤساء القادمين من ميدان المعركة، لأنهم لم يقتلوا جميع النساء، ويطالبهم بقتل كل ذكر من الأطفال وكل امرأة معروف علاقتها برجل لان حملها سيكون معروف الأب والأصل. ولكنه طالبهم بالإبقاء على النساء الحوامل اللاتي لا يعرف رجالهن، أي الإبقاء على "الانغال" وأخذهن سبايا (العدد 31:14-19). ولا يعني ذلك في الواقع سوى الإبقاء على "مجهولي الهوية" من اجل سحق انتمائهم الأصلي. وهي سياسة صنع الإبادة الشاملة، لأنها تصنع الإبادة الجسدية للرجال والإبادة المعنوية للأجيال. في حين نرى في كتاب يشوع بن نون "الأمر المقدس" للقتل والإبادة الجماعية الباردة. فهو "كتاب" يتغنى بكيفية قتل يشوع بن نون لسكان المناطق والطرق والمدن التي يدخلها عن بكرة أبيهم، بحيث لا يبقي فيها كما يقول الكتاب، على نفس ولا على شاردة. هكذا يفعل بأهل مقيدة واربى ولبنة ولخيش وعجلون وحبرون. وفي النتيجة "يضرب كل ارض الجبل والجنوب والسهل والسفوح، ولم يبق على شاردة". بل حرّم بقاء كل نسمة، كما "أمره بذلك الرب اله إسرائيل" (يشوع 10: 28-43). بل طالبه "اله إسرائيل"، كما أمر موسى من قبله، بإبادة الرجال وحرق المدن وقتل الجميع بلا رأفة ولا شفقة (يشوع 11: 10-20). وهي إبادة لها مقدماتها في كينونة اليهود واليهودية نفسها، التي تضمنتها التوراة بصورة غير مباشرة على نموذج وجودهم في مصر، حيث طالب المصريون فرعون بإخلاء ارض مصر منهم لان وجودهم كان يعني الموت (الخروج 12 : 33).

وهي حالة تعكس جوهر اليهودية، التي وصفها أحد الكتاب الروس (ايفانوف) انطلاقا من تجربة روسيا وتاريخ اليهود فيها، قائلا، بان اليهودية العالمية هي ثقب اسود يبتلع الطاقة الجسدية والنفسية الهائلة للإنسانية. وان اليهودية العالمية (الصهيونية) هي أيديولوجية وأسلوب العيش حسب تقاليد التوراة والتلمود، أي العيش حسب قواعد لا ضوابط أخلاقية متسامية فيها. أنها تفتقد لقيم الاعتدال، مما يجعل من وجودهم في كل مكان مصدرا للموت كما كان الحال في مصر قبل آلاف السنين. وهي ظاهرة جعلت اليهودية الماسونية كيانا، من الناحية المادية والمعنوية، خارج التاريخ العالمي، لان مقاييسها ومعاييرها، عرقية وأسطورية. من هنا قسوتها وهشاشتها في نفس الوقت.

فالقسوة التي ميزت البلشفية في روسيا والثورة الاشتراكية كانت تكمن في حالات كثيرة في نفسية اليهودية الصهيونية السائدة عند اغلب قادتها (اليهود). فقد أعلن تروتسكي (برونشتين) مرة في إحدى خطبه الرنانة قائلا، بأنه ينبغي تحويل روسيا إلى صحراء مسكونة بالعبيد البيض، الذين يقادون باستبداد لم يعرف له الشرق مثيلا، لان الفرق بينهما يقوم في أن هذا الاستبداد يساري لا يميني، احمر لا ابيض. استبداد تسكب فيه الدماء بغزارة ترعب قلوب الحروب الرأسمالية السابقة جميعها. بينما دعا في خطابه في المؤتمر الثالث عشر للحزب الشيوعي الروسي (البلشفي) عام 1924 إلى ضرورة تجهيز وتنظيم الفلاحين بحيث يجعل منهم قوة عمالية تقترب من حيث نظامها وقوتها من نظام وقوة الفصائل العسكرية. لان القوة العمالية ينبغي أن تكون مستعدة وجاهزة على غرار قوة وجاهزية العسكر!

وهي نفسية لا علاقة لها بالفكرة الاشتراكية ومقدماتها الفلسفية والاجتماعية والأخلاقية في تقاليد الرأسمالية والمجتمع المدني وفصل السلطات وحقوق الإنسان ونفيها الارقى بمعايير الاشتراكية بوصفها نظام الحرية والعدل. إن ما قاله تروتسكي يشبه حرفا بحرف ويعيد إنتاج عسكرية الإله اليهودي وتقاليد اليهود الدموية كما وصفها (العهد القديم) في التعامل مع الذكور (الفلاحين والجنود) الذين ينبغي إبادتهم. وإذا كانت روسيا فلاحية، ولا فلاحين يهودا فيها، فان وجود اليهود فيها وسلوكهم كان يعني الموت لروسيا كما كان يعني وجودهم الموت فيما مضى بأرض مصر.[32]

فاليهودية الصهيونية ليست فكرة طارئة ولا موضة عابرة ولا ظاهرة جديدة. أنها ظاهرة معقدة ومتلونة. كما أنها نظام فكري وعقائدي، ونمط حياة خاص تراكمت فيهم عقد اليهود واليهودية في تاريخ الشتات والغيتو. مما جعل منها مصدرا للتطرف والغلوّ والفساد الأخلاقي والخراب الروحي والدمار المعنوي وفقدان الحدود. أي كل ما حصل على هيئة "دولة داخل دولة"، بوصفه الجهاز لذي يسمح لنفسه التدخل في شئون الآخرين ويمنعه عليهم فيما يخص شئونه نفسها. وفي روسيا جرى اصطدام هذه الحالة بمصالح الدولة والمجتمع بعد أن برزت الحركة الصهيونية السياسية المعاصرة باعتبارها تمثيلا واعيا واستراتيجيا لمصالح اليهود و"بناء الدولة الخاصة" كما وضعت للمرة الأولى عام 1897 في بازل (بسويسرا). حينذاك بدأت هذه "الدولة" تعيد بناء الشخصية اليهودية الصهيونية داخل الدولة الروسية وحركاتها السياسية. بمعنى عملها داخل روسيا من اجل "الاستعمار الصهيوني" لفلسطين. وهي ازدواجية جعلت من روسيا محلا عابرا أو ميدانا للتجريب أو وسيلة نفعية. وجزأت "الشخصية اليهودية" المنغلقة في شتات جديد. بمعنى العمل من اجل الاندماج ومعارضته في نفس الوقت، والعمل داخل روسيا ولكن لخارجها. بينما ظلت الغاية واحدة. وهي العمل من اجل العيش للنفس فقط. مما جعل من الشعارات المعلنة أيا كانت مجرد غلاف لليهودية الصهيونية، الذي جرى تمزيقه للمرة الأولى عام 1882 على اثر المطاردات الشعبية الروسية لليهود بحلول الذكرى السنوية الأولى لاغتيال القيصر الروسي. عندها بدأ الجدل الفكري والسياسي عن "المسألة اليهودية" في روسيا بين اليهود أنفسهم. وهو جدل دار في البداية بين ديتش واكسلرود الأعضاء البارزين في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية. إذ اعتقد ديتش، بان اليهود والحركة الثورية الروسية يقفان أمام معضلة عصية على الحل. انهما لا يستطيعان الدفاع عن اليهود الذين اشتركوا في اغتيال القيصر، لان ذلك يضعهم أمام مشاكل نظرية وعملية يصعب حلها. لهذا فضل ديتش البقاء في الحزب الثوري الروسي، لان التناقضات التي تثيرها الإشكالية الآنفة الذكر تنبع من واقع لم يصنعه الحزب ولم يرده. أما اكسلرود فأشار في مقال كتبه عام 1882 تحت عنوان (حول مهمات المثقفين الاشتراكيين اليهود)، بان أحداث المطاردات الشعبية لليهود كشف عن واقع "مساواة اليهود" جميعا بالنسبة للشعب الروسي. مما يعني وجودهم بهيئة قوة فئة معزولة وغير معترف بها ومرفوضة. وبالتالي، فان جميع اليهود بالنسبة للروس سواء، ينبغي القضاء عليهم بأي شكل كان من الأشكال.

ومع أن اليهود المشتركين في الحركات الثورية اعتبروا إلى مهاجمة الروس لليهود فعلا رجعيا ومتخلفا، إلا أن ذلك لم يمنعهم من ترسيخ وتعميق الصهيونية بين اليهود، وبالأخص منذ تسعينيات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. بحيث أصبحت الصهيونية فكرة معترف بها بين التيارات الثورية والتقدمية في المجتمع الروسي. لاسيما وأنها اتخذت حينذاك  هيئات عديدة متنوعة المظاهر متوحدة المضمون. فقد جرى صنع صهيونيات متعددة مثل "الصهيونية الاشتراكية الأممية"، التي دعت إلى إقامة دولة يهودية على أسس اشتراكية في فلسطين والدول المجاورة مثل قبرص وسيناء(!) ودولة بدون رجال الدين اليهود ومتحررة من ظلامية التوراة والتلمود. إضافة إلى تيارات "الصهيونية الماركسية" و"صهيونية اليهود الأرثوذكسيين" ومختلف أنواع الصهيونيات الأخرى. واجمعوا على عدم معارضة احتلال فلسطين. على العكس وجدوا في ذلك تجسيدا للصهيونية الاشتراكية وحلا "للمسألة اليهودية" كما برهنت على ذلك أحداث المطاردات الشعبية التي قام بها الروس ضد اليهود في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر عن انهم كيان غريب على الروس ومثير لنفورهم.

لقد سارت الصهيونية "الثورية" صوب تعميق الانغلاق والانعزال وصوب ترسيخ تقاليد "الدولة داخل الدولة"، بما في ذلك على أسس "تقدمية" و"اشتراكية" و"ماركسية". وهي تسميات أو أغلفة كشفت عن وجهها الحقيقي في "إسرائيل" عبر غياب التقدمية بمختلف أطيافها، وبسيادة تقاليد "العهد القديم" والتلمود العنصرية والمعادية لروح الجمعية الإنسانية. وهو الأمر الذي جعل اغلب الكتاب والمؤرخين والأدباء الروس المعاصرين يعتبرون تاريخ اليهود واليهودية في روسيا جزء من تاريخ "دولة داخل دولة"، أي تاريخ المافيا اليهودية، التي تجسدت في فاشيات متنوعة، المرة الأولى عام 1917 تحت اسم "الثورة الاشتراكية"، والمرة الثانية عام 1991 تحت اسم "الثورة الديمقراطية". وذلك لان حصيلة هذين الحدثين كانت توسيع وترسيخ وتعميق السيطرة اليهودية وامتصاصها لدماء الروس عبر شبكة منظمة وخطة مدروسة تهدف إلى إحكام واستمرار هذه السيطرة بأشد أشكالها استبداد وطفيلية. أي أن المشروع الصهيوني في روسيا لم يسع إلى إقامة دولة في فلسطين، بقدر ما كان يسعى إلى إقامة "دولة يهودية داخل روسيا" عبر إحكام السيطرة عليها كما فعلوا في الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا استطاعوا أن يجسدوا ذلك للمرة الأولى عام 1917 ثم تعرضوا للهزيمة بصورة تدريجية، فانهم أعادوا الكرة مرة أخرى عام 1991، والتي مازالت مستمرة لحد الآن.

إن هذه الأحكام العامة صائبة وسليمة، ولكنها جزئية، وذلك لأنه لا تعارض في المشروع الصهيوني بين إقامة "دولة" في روسيا أو فلسطين، لان إحداهما تكمل الأخرى ضمن المشروع الأوسع لليهودية الصهيونية. فما وراء تنوع "الدول اليهودية" توجد وحدة داخلية لما ندعوه بالمشروع الصهيوني، باعتباره مشروعا للهيمنة، يمثل في الكثير من نوازعه وغاياته المتحجرات العرقية والأسطورية في الوعي السياسي بما في ذلك المعاصر، الذي يستجيب لماهية اليهودية ويتطابق مع رؤيتها عن النفس والآخرين. من هنا "ثباتها" في الأعيان و"تغيرها" في الصور. وليس هذا الثبات في الواقع سوى ثبات أو جوهر اليهودية الصهيونية، الذي تجسد بصورة نموذجية في روسيا على مثال سلوكهم وغاياتهم تجاه الدولة والمجتمع والثقافة.

فبغض النظر عن تباين آراء ومواقف اليهود السياسية، فان سلوكهم في روسيا تميز بأولوية انتمائهم الذاتي الضيق. وتساوى بهذا الصدد التقدمي منهم والرجعي، المتدين والملحد، الرأسمالي والبروليتاري. إضافة لذلك اشتركوا جميعا بالتلون والانتقال والتبدل والتغير من حزب لآخر ومن فكرة إلى نقيضها، كما تنازلوا جميعا عن كل "الخلافات" حالما تكتمل شروط "الانتصار"  لطرف من الأطراف. فعندما انتصر البلاشفة في أكتوبر عام 1917 انتقل اغلب اليهود من الأحزاب المعارضة والمناهضة للبلشفية بما في ذلك القومية منها مثل حزب البوند، الذي حل نفسه وذاب في الحزب الشيوعي الروسي. وهو سلوك يعكس غياب الحدود الداخلية في اليهودية ومن ثم انعدام الضوابط باستثناء المصلحة الخاصة.

وليس مصادفة أن يتحول العداء للسلطة، التي تقف ضد مصالح اليهود الخاصة إلى "مبدأ جوهري" و"غاية كبرى" جرى توظيف الأموال والجهود والدعاية من اجل تنفيذها. فعندما كانت القيصرية هي العدو اللدود لليهود واليهودية جرى تغلغلهم في كافة الأحزاب التي حاولت بهذا القدر أو ذاك هدم أسس القيصرية. ونفس الشيء تكرر تجاه الدولة السوفيتية، بعد أن أخذت تفلت تدريجيا من سيطرتهم المباشرة. فإذا كان اليهود هم "طليعة" الثورة البلشفية والسلطة السوفيتية، فانهم تحولوا منذ سبعينيات القرن العشرين إلى طليعة "المعارضة" و"الهاربين" و"المدافعين عن حقوق الإنسان" ضد ممارسات "القمع السوفيتي" داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه. وإذا كان شعارهم في المرة الأولى هو كل السلطة للعمال والفلاحين والملكية العامة والاشتراكية، فان شعارهم في الثانية هي سلطة التكنوقراطيين والملكية الخاصة والرأسمالية. من هنا سلوكهم المتطرف تحت شعار محاربة التطرف. وعوضا عن الاستبداد القيصري صنعوا اشد وافظع أنواع الدكتاتوريات إرهابا، وعوضا عن "القمع السوفيتي" صنعوا اشد وافظع أنواع القمع "الديمقراطي"، الذي لم يعد ينتهك حقوق الأفراد بل والجماعات وليس الروح بل والجسد أيضا. وإذا رفعوا في الأولى شعار حقوق القوميات، فانهم رفعوا في الثانية شعار حقوق الإنسان. وفي الأولى والثانية كان المقصود به اليهود (كقومية) واليهودي (كانسان). ولعل نموذج شارانسكي في "إسرائيل" مثال "كلاسيكي" بهذا الصدد. ففي الاتحاد السوفيتي كان "مناضلا" من اجل "حقوق الإنسان"، بينما كان في الواقع عميلا "لإسرائيل" والولايات المتحدة، حيث جرى مقايضته بمناضل فعلي من اجل حقوق الإنسان هو كورفلان (سكرتير الحزب الشيوعي التشيلي) الذي أطلق من سجون بينوشيت. وحالما "رجع" شيرانسكي إلى "إسرائيل" اصبح وزيرا للمستعمرات ولتنظيم الاحتلال ومدافعا شرسا عن اشد الأفكار عنصرية ودموية.

كل ذلك يكشف عن أن اليمين واليسار والتقدمية والرجعية والأممية والقومية وما شابه ذلك عند اليهودي هي مجرد أغلفة ووسائل لبلوغ مآرب اليهودية الصهيونية، باعتبارها أيديولوجية الهيمنة والاستبداد الخاصة باليهود. من هنا تهافتهم على السلطة مع كل ثورة وانقلاب وإصلاح، بوصفها وسائل للاستحواذ والسيطرة بالنسبة لهم. لهذا نراهم أول من يتهافت على رئاسة بلدية العاصمتين (بطرسبورغ وموسكو). إذ ترأس بتروغراد بعد ثورة شباط عام 1917 اليهودي شريدر، وبعد ثورة أكتوبر 1917 زينوفيف (أبفيلبباوم) وبعد "الثورة الديمقراطية" سبتشاك (فينكلشتين). وفي موسكو ترأس البلدية فيها بعد ثورة شباط 1917 اليهودي ميتور، وبعد ثورة أكتوبر 1917 كامينيف (روزينفيلد)، وبعد "الثورة الديمقراطية" بابوف (نويمان) وبعده لوجكوف (وزوجته يهودية). ونفس الشيء يمكن قوله عن السلطة التنفيذية، وبالأخص ما يتعلق بوزاراتها الحساسة مثل الداخلية والخارجية والاقتصاد والمالية والدعاية والإعلام. فقد احتلوا اكثر من 80% من مراكز السلطة الحساسة في بداية السلطة السوفيتية مع أن نسبتهم إلى عدد لسكان في روسيا لم تتجاوز 2%. ونفس الشيء تكرر في بداية عام 1991. فقد احتلوا حوالي 80% من مراكز السلطة الحساسة وشغلوا حوالي 100% من مستشاري الرئيس. فقد كان جميع المستشارين الاقتصاديين للرئيس يلتسن يهودا مثل غرانبرغ وليفشيتس وبوينتش وزاسلافسكيا ورانيرنبرغ وياسن وغيرهم. ونفس الشيء يمكن قوله عن مستشاريه السياسيين. أما في الدعاية والإعلام فقد كرروا نفس سيطرتهم التامة عليها بعد ثورة أكتوبر. فقد كان  حينذاك وزير الدعاية والإعلام فولودارسكي (كوهن)، ونفس الشيء حدث بعد "الانقلاب الديمقراطي" عام 1991. ونفس الشيء يمكن قوله عن رؤساء تحرير الجرائد الروسية الكبرى. وتكفي هنا المقارنة بين بعض منها في عام 1917 و1991. فقد كانت في عام 1917 كما يلي: البرافدا (سافيليف)، اغانيوك (كولتسون غينسبورغ)، كومسومولسكيا برافدا (بوبيكن)، كومسومولسكيا اوكراينا ( ميناين)، نجمة المحيط الهادي (شافسكي)، النجمة الحمراء (لاندا)، طريق العمال (شيديلين)، العامل (خيفتس)، الجريدة الاقتصادية (فابسبرغ)، الجريدة الفلاحية (أوتسكي).

أما في 1991، فان رئاسة اغلب الجرائد الروسية الكبرى كانت بيد اليهود، مثل

الازفيستيا (غولومبيفسكي)، أدلة ووقائع (ستاركوف)، الأخبار الموسكوفية (كاربينسكي)، موسكوفسكي كومسومولتس (غوسيف)، منبر العمال (يوركوف)

العمل (بوتابف)، الحياة الفلاحية (فارلاموف)، الجريدة الأدبية (أودالتسون)، الحياة الخاصة (شفارتس)، كومسومولسكيا برافدا (فرونين)، وإذا كان من بين مراسلي اكبر الجرائد الروسية بعد أكتوبر 1917 الواحد والأربعين، أربعون يهوديا وروسيا واحدا هو مكسيم غوركي، فان الصورة عام 1991 لا تختلف عما هو عليه الأمر آنذاك.

إن تكرار نسبة اليهود في هرم السلطة ومؤسساتها المؤثرة في عام 1991 لما سبق وان جرى في 1917  يبدو من الناحية الظاهرية اقل إثارة بسبب سيطرة اليهود في غضون مرحلة طويلة و"ذوبانهم" في مؤسسات الدولة والمجتمع، إلا أن بروزهم الكمي الهائل بعد غياب طويل نسبيا عن واجهة السلطة أعاد إلى الأذهان أبعاد "المؤامرة اليهودية". إلا أن ما يميزها هذه المرة، كونها لم تظهر "فجأة" كما جرى ذلك في 1917 على هيئة "عشرة أيام هزت العالم"، ومع ذلك جرى تصوير ما حدث عام 1991 "بالأيام الثلاث التي هزت العالم". وهو تصوير يعكس حالة الوعي الاجتماعي والسياسي القومي الروسي الثملة. وكان ينبغي لحالة السكر هذه من المرور لكي تتفتح العيون الروسية من جديد من اجل تأمل ما حولها. ومن جديد لم يحدث أي جديد. بمعنى أنها أخذت ترى نفس العيون الجاحظة واللكنة اليهودية والهجوم الوحشي على التاريخ السوفيتي (الروسي). وهو واقع أثار بصورة خفية وبطيئة "المسألة اليهودية" عبر إثارة قضية "النسبة"، التي سبق وان ظهرت مرات عديدة في التاريخ الروسي تجاه اليهود ابتداء من القرن التاسع عشر. وإذا كانت الثورة البلشفية قد قلبت موازين القوى بالشكل الذي جعل من مناقشة "النسبة" جريمة يعاقب عليها "القانون"، فان "الثورة الديمقراطية" كررت نفس الظاهرة، بحيث نظرت إلى قضية "النسبة" باعتبارها "جريمة فاشية". وفي كلتا الحالتين كشف اليهود واليهودية في روسيا عن عنصريتهم الفاضحة وفاشيتهم الدفينة. فالمطلب الروسي العام في روسيا من جانب الروس(!) يقول بان يكون للجميع حق الدراسة والعلم وتسلم المناصب في السلطة بما يتناسب مع عدد السكان. وهو مطلب إنساني وديمقراطي وعادل. بينما يجد اليهود في هذا المطلب "فعلا فاشيا"! أما في الواقع، فان معارضة هذا المطلب هو فاشية مطلقة، لان افتراض أفضلية اليهود على الروس هو عنصرية وتجن على التاريخ والطبيعة والحق.

إن تاريخ روسيا العظيم في مختلف جوانبه وميادين إبداعه الكبيرة هو من صنع الروس أساسا والشعوب الأصلية لروسيا. وهو تاريخ وإبداع لا علاقة لليهود به ولا محل لهم فيه. على العكس. إن "فعلهم التاريخي" كان في الأغلب تدميرا لاستمرار التاريخ الفعلي لروسيا، وصنع أصنامه الوهمية. فقد كان وجود اليهود التاريخي مجرد سبيكة الشتات والغيتو. وهو وجود هامشي بالمعنى الجغرافي والتاريخي والسياسي والثقافي. وهي هامشية وجدت انعكاسها في موقفهم من التاريخ الروسي بعد الثورة. فقد جرى تدميره وسحقه ماديا ومعنويا عبر طمس معالمه، بحيث أصبحت كلمة الروس والروسية شتيمة مع ما ترتب على ذلك من تهشيم وتهميش لوعي الذات القومي. وجعل ذلك البعض يقول بان الشيوعيين (اليهود) لم يحاربوا البيض (الجيش الروسي القيصري) ولا الكولاك (الفئة الوسطى من الفلاحين) ولا البرجوازية ولا الفاشية (الألمانية)، بقدر ما حاربوا الشعب الروسي وثقافته الوطنية.

وهو سلوك يكشف في الواقع عن الأعماق الراسخة لانعزال اليهودي وغربته عن حقائق التاريخ الروسي وتقاليده. وهو الأمر الذي يفسر غياب الوطنية بالمعنى الوجداني والعقلاني عند اليهود في روسيا. وليس اعتباطا أن تتحول كلمة الوطني والوطنية بعد 1917 و1991 إلى شتيمة. ويجري الاستعاضة عنها عام 1917 بكلمة الرفيق والمواطن، وفي عام 1991 بكلمة السيد والديموقراطي. وهي استعاضة أدت موضوعيا إلى تهشيم القومية الروسية لا إلى نفيها بمبدأ المواطنة والمدنية الحقيقية. لان المواطنة والمدنية الحقيقيتين لا تتعارضان. أما تعارضهما في تاريخ روسيا بعد 1917 و1991 فقد كان أساسا مرتبطا بالسيطرة اليهودية على مقاليد الحكم والدعاية التي جرى تسخيرهما بشكل صّنع أوهام الكوسموبوليتية وقدمّها تحت أغلفة متنوعة من "الأممية" و"الديمقراطية" و"المدنية" وما شابه ذلك.

وهو سلوك حددته ماهية "الشخصية اليهودية" المبنية على ثنوية نحن  هم. وهي ثنوية لا يمكن للوعي اليهودي أن يذللها لأنه هو نتاج وتمثل فعلي لها في نفس الوقت. مما يجعل من مداهنة "الأفكار المتسامية" أسلوبا مناسبا عادة ما يتجسد في انتهاك للحرمات والفضائل أو عبر تسخيفها والاستهزاء بها. وفي روسيا كانت نفسية اليهود واليهودية تجسيدا نموذجيا لثنوية نحن هم. فأول ما يسأل عنه اليهودي هو: منا أم منهم؟ لنا أم لهم؟ عنا أم عنهم؟ من أصحابنا أم منهم؟ وذلك لأنه لا مقياس ولا معيار عنده غير العرقية الضيقة وتقاليدها اليهودية التلمودية. وهي نفسية أعادت الثورة البلشفية و"الثورة الديمقراطية" صقلها من جديد في أتون القمع والإرهاب الذي مارسوه على امتداد عقود عديدة تجاه الشعب الروسي بعد عام 1917، وإفقاره وإذلاله بعد عام 1991.

وهي ظاهرة سبق وان علق عليها ارنست رينان مرة عندما قال، بان المصير لم يعط لليهود فرصة ارتباطهم بالأرض، مما جعل من التشرد مصيرهم التاريخي. وفي هذا تكمن "رسالتهم" التي رددوها في الشتات. أما في الواقع فان الشتات لا يصنع رسالة. والتاريخ يكشف عن أن جوهر "الرسالة اليهودية" يقوم في ترديد هوى التخريب والغلوّ. وذلك لان الشتات الخارجي والانغلاق الداخلي للفرد والجماعة (أيا كانوا) لا يبدع أصالة ولا يخلق نبلا. فقد ظل اليهود وما يزالون، كيانا منعزلا في روسيا حتى في ظل وجودهم الكثيف في مؤسسات الدولة والمجتمع، بما في ذلك مؤسساته "الإبداعية" من سينما ومسرح وفن وأدب وموسيقى.

وبغض النظر عن نمو اليهود التدريجي والتاريخي مع نمو العلم والثقافة الروسيين، ابتداء من ستينيات القرن التاسع عشر، إلا انهم بقوا مع ذلك في عزلة تجلت ملامحها الدفينة بعد ثورة 1917. لقد نموا مع الثقافة الروسية ولكنهم لم يندمجوا فيها. مما اضعف إمكانية الأصالة في إبداعهم. وهي ظاهرة نعثر عليها في كل مكان عاش اليهود فيه منعزلين ضمن تقاليد اليهودية التلمودية. لهذا لم يكن لليهود أثر مهم في الفكر والأدب والفن والموسيقى، أي في ميادين الإبداع الروحي في روسيا قبل ثورة 1917، رغم تعاطف الانتليجنتسيا الروسية ومفكريها وأدباءها ونقادها مع إنتاج اليهود الأدبي البسيط والمباشر. إذ لم يتعد افضل كتابهم وأدباؤهم "الدرجة الثالثة" حسب التصنيف الروسي، كما هو الحال بالنسبة لكتابات يوشكيفتش، شالوم عليكم، بياليك، راتغاوز بريتمان وغيرهم. كما لم تتعد كتاباتهم الموضوعات اليهودية. وهي موضوعات ضيقة ومحلية ومسطحة ومحصورة. أما العالم الروسي الكبير والعميق والمتنوع فقد ظل غريبا عليهم.

لهذا لم يكن "الإبداع اليهودي" سوى فطريات سريعة الزوال. ولم يكن ذلك معزولا عن ماهية "الشخصية اليهودية" المتبلورة من تراكم عقدها العديدة وأسلوب حياتها الطفيلي. بمعنى افتقاد اليهود التاريخي في روسيا لقوة الإبداع، لان مهمتهم الأساسية تقوم في هدم جهود الآخرين وتحويلها إلى ربح. فاليهودي يظهر حيثما تظهر إمكانية السرقة. وهي سرقة متنوعة مادية ومعنوية. فعندما تتبع الباحث الروسي ايفانوف تاريخهم الثقافي في روسيا توصل إلى "انهم يسرقون حتى خرافات الآخرين وأساطيرهم". واعتبر تاريخهم مجرد "تاريخ السرقة ابتداء من التوراة وانتهاء بالمعاصرة". ونظر إلى تاريخ "الإبداع" عندهم نظرته إلى تاريخ السرقة والتشويه. وكتب بهذا الصدد يقول، بأننا "لا نعثر عند المؤرخين القدماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء عن إشارة واحدة إلى قيمة أو اثر اليهود في الإبداع الروحي للأمم. وإذا كان من الممكن الحديث عن إبداع مميز لهم فهو القدرة على السرقة والكذب". وأشار إلى أن "تاريخهم نفسه يكشف عن فقدان مساهمتهم الجدية في الإبداع الإنساني العام". واعتقد، بأنه لا يوجد عندهم مخترع عبقري ولا مفكر عظيم ولا فنان كبير.[33] وعندما حاول أن يرسم صورة اليهودي في الإبداع، فانه كتب يقول، بان "اليهودي في الصناعة والتجارة هو مزور ومفترس لا يتورع عن أي فعل. وفي المعاملات هو مراب ونصاب، وفي العلم والأدب والفنون متآمر ومشعوذ ومتاجر ومحتال لا يقف عند حد. وأينما يحل اليهودي تنتشر الرذيلة ويزداد الانحطاط ويتعمق التهور ويطغي الفسق".

وفيما لو تركنا الأبعاد الجدلية لهذه الأحكام، فان قيمتها الواقعية تقوم في تقيمها النفسي لانعزال اليهود الثقافي عن هموم الإبداع الإنساني بوصفه إخلاصا للحقيقة كما هي وللحق كما هو. فالمقصود بعجز العبري عن أن يكون مفكرا كبيرا أو فنانا عظيما، ليس نتاجا لاستحالة ذلك بالنسبة له، بل بسبب بقائه ضمن تقاليد العزلة الذاتية والانغلاق عن المشاركة الفعالة في الهموم الإنسانية العامة. فالانفتاح على الهموم الإنسانية العامة يناقض من حيث الجوهر ماهية اليهودية ونزوعها الصهيوني. وقد تجلى ذلك بشكل مثير للعقل والضمير على امتداد القرن العشرين في روسيا. فاليهود الذين لم تتجاوز نسبتهم في روسيا حتى عام 1935 1،8% بلغت نسبتهم في الجامعات والمعاهد الروسية حوالي 20%. بينما كان الدارسين من بين كل ألف روسي 2،5 إنسان و2 أوكرانيين و2،4 بيلوروسيين. وهي نسبة أخذت بالاتساع مع مرور الزمن، في وقت لم يشارك ولم يعان ولم يعمل فيه اليهود على وضع أسس وبناء صرح العلوم والفنون والآداب في روسيا. بل كانت نسبة الأمية بينهم قبل قرن من الزمن قبل 1917 شبه تامة. إذ جرى تحويل إنجازات الثورة إلى إنجازات خاصة بهم. وهي عملية جرت من خلال التدمير الهائل للبنية الروسية الثقافية وقواها الاجتماعية. فتحت شعار تصفية "العالم القديم" جرى رمي كل الفئات الاجتماعية التي أرست أسس الحضارة الروسية وتقاليدها في ميادين العلم والثقافة. ثم جرى تصفية ممثليها بعد وضعهم في قفص الأجرام تحت مسميات "الخونة" و"الثورة المضادة" و"البرجوازية" و"الأرستقراطية" وغيرها. وجرى ملء الفراغ الناتج عن ذلك بأبناء "العمال والفلاحين"، الذين كانوا في اغلبهم من أبناء اليهود.

فقد سمحت المواقع الحساسة التي احتلوها في السلطة السوفيتية ومؤسساتها المؤثرة على تقديم "الخدمات العامة" الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الهائلة لهم. فقد كانت على سبيل المثال (لجنة المساعدات الاجتماعية) للدولة تتكون من ستة أعضاء كلهم يهود وهم وزيرة الشعب ليلينا (كينيغسن) ووكيل الوزارة باوزنر، وسكرتيره غليفمان، ومساعد السكرتير روزا غاوفمان، ورئيس قسم التقاعد ليفين، ورئيس الإدارة روزنتال. في حين كان هناك 18 يهوديا من بين أعضاء وزارة العدل المؤلفة من 21 عضوا (وهم شتينبرغ، شريدر، بيرمان، بير، تروتسكي، غلوزمان، ليفيندروف، سلوتسكي، فريدكن، غوينبارك، شيرفين، لوتسكي)، و6 أعضاء ممن يسمون بلجنة المدافعين الشعبيين المؤلفة من 12 عضوا (وهم انتوكولسكي، هارونفتش، بيير، بيسك، غوندار، دافيدوف). وتعكس هذه القائمة بحد ذاتها عن أن تنظيم "العدل" والدفاع عن الشعب وتوجيه "المساعدات" له كانت جميعا، إضافة إلى السلطة السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والمالية بيد اليهود الذين استغلوها بطريقة فاحشة. مما أعطى "للشخصية اليهودية" المتراكمة في تاريخ الشتات والغيتو إمكانية البقاء ضمن تقاليدها القديمة و"التفتح" فيها و"الازدهار" ضمنها بهيئة قوى متلهفة للاستحواذ والسيطرة. من هنا تزايد نسبة المتعلمين اليهود واحتلالهم بعد تخرجهم السريع من الجامعات والمعاهد (وعلى خلفية تصفية الأساتذة والعلماء والمثقفين الروس) المواقع المهمة في ميادين التربية والتعليم ومختلف صنوف البحث العلمي والمعرفة والأدب والفنون. إذ وجدوا الأماكن "شاغرة" لهم بعد تخرجهم من الجامعات والمعاهد. ومن خلالها استطاعوا لاحقا إعادة إنتاج السلطة والإبقاء عليها ضمن "دولتهم" و"سلطتهم السوفيتية". وهي سياسة جرى ترسيخها بالقوة منذ عام 1918 عندما دفعت إلى الأمام مهمة تصفية "العداء للسامية"، باعتباره عداء للسلطة السوفيتية. وتوجت هذه العملية في عام 1928  عندما وضعت أمام الأجهزة الدعائية والإعلامية للحزب ثلاث مهمات رسمية كبرى، وهي "إدخال النضال ضد العداء للسامية" ضمن مجال التوعية السياسية العامة، والثانية "تنظيم النضال الفكري والأيديولوجي ضد العداء للسامية" واستغلال كل الوسائل اللازمة لذلك من مسرح وصحافة وإعلام، والثالثة "صنع مناخ يخنق كل محاولة لظهور العداء للسامية". ومن اجل تنفيذ هذه المهمات اقترح الحزب تجسيد الأولويات التالية وهي: تأهيل كادر متخصص للنضال ضد العداء للسامية، وإدخال التوعية السياسية والفكرية ضد العداء للسامية إلى الكتب المدرسية والأفلام السينمائية والإعلام المطبوع وكتب الأدب، وأخيرا تنظيم محاظرات دائمة وندوات لتنفيذ هذه المهمات.

أدت هذه السياسة المنظمة للحزب إلى ترسيخ الأبعاد اليهودية في السلطة من خلال تحويلها إلى مهمة سياسية وفكرية وأيديولوجية وأخلاقية. أي إبراز وترسيخ أولوية اليهودي على غيره في الدولة والمجتمع. بحيث جرى تسخير كل الإمكانيات الهائلة للسلطة السوفيتية في مجال تأهيل الكادر، الذي احتل نسبة شبه مطلقة في ميادين التربية والتعليم، وتسخير كل مقدرات السينما والمسرح والصحافة لنشر هذه الأفكار في الوسط الجماهيري. فإذا كانت الصحف والمجلات ومراسلوها خاضعة خضوعا شبه مطلق لليهود، فانهم اخذوا يتغلغلون كالدود في ميادين الفنون الجديدة عليهم مثل السينما والمسرح والفنون التشكيلية، بحيث جرى إخضاعها تدريجيا إلى "فنون يهودية" خالصة. فقد أصبح جميع أعضاء مجلس التنوير الثقافي بعد 1917 الأثنا عشر يهودا، واستمر على هذه الحالة حتى عام 1939. ونفس الشيء يمكن قوله عن إدارة الفنون الأخرى، التي جرى تحويلها إلى "مهن يهودية". مما أدى إلى أن يصبح الإبداع الفني مهنة عائلية كصناعة الخزف والحرف اليدوية. وهو "الإبداع" الكبير والجديد الذي ادخله اليهود "للثقافة السوفيتية"، بما في ذلك في ميادين الأدب والموسيقى والغناء والرقص! وهو السبب القائم وراء انحطاط الأدب والفن والموسيقى في المرحلة السوفيتية مقارنة بالإبداع الروسي العظيم قبل الثورة.

فمن المعلوم، أن الثقافة الروسية في مجال الأدب والفن والموسيقى، إن لم تكن الأولى في عظمتها وقوتها قبل 1917 في العالم، فإنها على الأقل احتلت أحد أهم المراكز وإحدى أعلى درجات الإبداع العالمي. وتميزت بنزعة إنسانية عميقة وهائلة، جسدت القيم الخالدة للإنسانية وتقاليد القومية الروسية. فقد كان الإبداع الثقافي الروسي العظيم في الأدب والفن إبداعا روسيا وعالميا في نفس الوقت وبقدر واحد. وهو إبداع لا يمكن توقعه دون تمثل القيم القومية ومعاناة الإشكاليات الحادة للعالم والاشتراك الفعال في حدس الهموم الكبرى وتقديم الرؤى الإنسانية لحلها. وهي جوانب كان يصعب على التقاليد اليهودية الصهيونية ملامستها واستيعابها. ومن ثم فان تمثلها الوحيد بالنسبة للنخبة اليهودية السوفيتية هو حبسها وتقييدها من اجل "تلمس" قوتها وضعفها. وليس مصادفة أن يحتل اليهود في السلطة السوفيتية (وقبلها عبر الصحافة المتخصصة بالنقد الأدبي) مهمة الرقابة في أجهزة القمع، أي إحكام الرقابة على الجسد والروح الروسيين في نفس الوقت. وهي مهمة جعلت في بداية الثورة الكثير من أعمال عباقرة الأدب الروسي القدماء والمعاصرين تقبع في "أرشيف" الرقابة والمنع. في حيت جرى تقديم كتّاب يهود من "الدرجة الثالثة" إلى واجهة الدعاية والإعلام.

ومن مفارقات "الإبداع" في المرحلة السوفيتية الأولى أن يترأس الرقابة على الإبداع الأدبي والفني أحد أقارب سفردلوف، ليونيد (ليبه) آفيرباخ، الذي لم يتعد تحصيله العلمي المدرسة الابتدائية. بحيث اخذ يتحكم بنتاج كبار الأدباء الروس بعد الثورة مثل فيراتسايف، الكسي تولستوي، فيدين، بريشفين، يسينين، ليونوف وغيرهم.

أدت هذه السياسة إلى نخر الأسس والمصادر الروحية للإبداع الفني والأدبي في روسيا. واصبح من الصعب العثور على أدباء وفنانين وموسيقيين عظماء نشئوا وتربوا في ظل الرقابة اليهودية على الإبداع الروحي في روسيا. وسوية مع هذه التدابير جرى تصنيع "البدائل" المخربة تحت شعارات "فن الكومونة" و"فن الثورة" وما شابه ذلك، بحيث تحول الإبداع إلى جزء من ملكية السلطة السوفيتية (أو بصورة أدق اليهودية).

صادر اليهود في هذه العملية الطاقة التاريخية والوجدانية للقومية الروسية. وعوضا عنها جرى غرس النفوذ اليهودي الصهيوني المتكلم باللغة الروسية. كما جرى صنع "الأدب السوفيتي"، الذي لم يكن في اغلبه سوى صيغة يهودية، أي لسان بلا قلب. وهو الأمر الذي جعل الأدباء والنقاد الروس الكبار في المهجر حينذاك يقولون، بأنه لا أدب يهوديا أصيلا في روسيا، ولا وجود لأدب يهودي روسي في روسيا. أما أولئك الذين تجاوز نتاجهم الأدبي حدود اليهودية من بين الذين كتبوا باللغة الروسية مثل باسترناك وماندلشتام، فانهم حاولوا الاقتراب من تقاليد الإبداع الروسي وإشكالياته وهمومه. ومع ذلك ظل إبداعهم أدنى بكثير من أن يوصف بالأدب الرفيع. أما أولئك الذين كتبوا بالعبرية فقد ظلت نتاجاتهم زهيدة كما هو الحل بالنسبة لكتابات اسحق بابل وخايت. وهي حالة وصفها الأديب الروسي الكبير كوبرين في إحدى رسائله قائلا، بأنه يستطيع تقبل كل قبائح اليهود في حالة عدم تطفلهم على اللغة الروسية وآدابها. فقد ادخلوا فيها، كما يقول كوبرين، كل حثالات الكلمات الفرنسية والألمانية والبولندية، وحشوها بالعبارات التجارية والبريدية والاختصارات المقززة للذوق. وصنعوا من هذا الخليط لغة المنشورات الاشتراكية الديمقراطية السقيمة. كما ادخلوا للنقد الأدبي كل إفرازات ونتانة التطفل والهستيريا والتحزب المفرط، بل ولم يتورعوا عن الدخول دون دعوة إلى فراش وحمام ومطعم ومرحاض الأديب والكاتب، كما يقول كوبرين. من هنا مطالبته إياهم بان يذهبوا حيثما يشاءون، وان يحتلوا أية مهنة يريدون، باستثناء اللغة الروسية وآدابها. كما طالبهم بالكتابة بلغتهم والاستماع إلى نعيقها ونحيبها بآذانهم، وان يتركوا اللغة الروسية للروس!

لقد تحسس كوبرين وحدس "مأثرة" اليهود في "النقد الأدبي". وهي "مأثرة" كشفت عن أعماق اليهودية في مجرى ترسخ وتعمق وشمولية الرقابة السوفيتية، التي أنشأت أحد أقسى واشد أنواع الرقابة فتكا بحرية الإبداع، وأكثرها تقنينا باسم المبادئ العليا والمتسامية. وجرى توظيفها من جانب "النخبة اليهودية المثقفة"، التي عزفت إلى جانب الشرطة والأمن والصحافة والإعلام والقانون معزوفة الوداع الأخير للإبداع الحر. إذ اصبح الإبداع الفني والأدبي وظيفة يعزل ويسجن ويعاقب عليها المبدع. وجرى توظيف "النقد الأدبي" اليهودي ليؤدي دور المطرقة "الروحية" إلى جانب الرقابة الحزبية والسياسية والأيديولوجية. وكان هدف هذه الرقابة تنفيذ المهمات الأساسية، التي وضعها الحزب في قرارات عام 1928 القاضية بالنضال ضد "العداء للسامية. من هنا غياب أية مقالة أو بحث أو كتيب أو دراسة أو كتاب  أو مسرحية أو فلم أو قصة قصيرة أو رواية أو شعر يتناول أو يرسم أو يصور أو ينتقد أو يسخر أو مجرد يشير إلى شخصية يهودية نموذجية، رغم كثرتها الهائلة في بداية السلطة السوفيتية. وهو السبب القائم، فيما يبدو وراء تحول كتابات بولغاكوف إلى مؤلفات شبه ممنوعة في المرحلة السوفيتية. وذلك لأنه الأول من بين الكتاب الروس الكبار الذي صور في روايته (قلب كلب) [34]، التي كتبها عام 1924، الهراوة الجديدة المتمثلة في "وحدة" الحثالة الاجتماعية التي تحولت بفعل عطف الانتليجينتسيا الروسية من كلب (شاريك) إلى إنسان (شاريكوف) مع الحزبي اليهودي (شفاندر).

إن غياب "الشخصية اليهودية" النموذجية أمر غريب في حالة إدراك الحقيقة الأدبية والبديهة الفنية القائلة بان الأدب والفن هما مرآة الحياة. بل تراهم يحاربون ويحرفون ويحرمون ويطمسون ويسجنون في زنزانات "الأرشيف الخاص" و"أرشيف الممنوعات" و"الأرشيف السري" كتابات عظماء الروس مثل دوستويفسكي، ويعبرون عن كراهيتهم واشمئزازهم من غوغل على قصته (تاراس بولبه) وبيمسكي على روايته (البحر الهائج). وحتى حالما جرى تدريس كتابات الأدباء الروس الكبار في المدارس، فقد جرى تقديمها بشكل منفر. لذا من الصعب أن تعثر على طالب روسي تخرج للتو من المدرسة يشعر بالمحبة والتقدير لعظماء الأدباء والكتاب الروس الذين تناولوا في بعض نتاجاتهم "الشخصية اليهودية" بالنقد والتجريح.

إن التقاليد اليهودية الصهيونية تعجز عن إدراك حقائق الإبداع القومي العظيم (الإنساني)، وذلك لأنها محكومة بمعايير ومقاييس العرقية الضيقة ونفسية الشتات والغيتو. من هنا تجمعهم في غيتوات الكتاب والأدباء أو تجميعهم الكتاب والأدباء في "اتحادات" للكتاب والأدباء والفنانين، هي غيتوات عملوا عبر شقوقها المتهرئة ونخرها الدائم عبر ما يسمى "بالنقد الأدبي"، الذي لم يكن في الواقع سوى هراوة بوليسية بيد الرقابة. أو أن يتخذ صيغة السخرية والاستهزاء. فهو الميدان الذي "أبدع ويبدع" اليهود فيه اكثر من غيرهم. فهو أيضا الأسلوب القادر على تحطيم وهدم وتخريب الإبداع العظيم، كما تقتل البعوضة أحيانا فيلا. إذ ليس الهزء والسخرية سوى الأسلوب المعوض عن عجز "الرؤية النقدية" (الرقابة) إدراك جوهر الإبداع. وعندما يحاول هذا الأسلوب تجاوز الأبعاد "القومية" (للآخرين)، فانه يقع في أحضان الكوسموبوليتية. وهو الطرف الآخر للعرقية الضيقة، مما يقفل عليه إمكانية إدراك أسرار العبقرية القومية الأصيلة (الإنسانية) في إبداع رجالها العظماء.

وهي حالة سبق وان سجلها فاغنر بصورة عميقة في نقده لما يسمى بالإبداع اليهودي في الموسيقى. أما في روسيا فقد ظهرت بصورة نموذجية في المرحلة السوفيتية. فإذا كان الإبداع الموسيقي الروسي من بين اجمل واعظم نتاجات الموسيقى العالمية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فانه هبط بعد الثورة للدرجة التي اصبح من الصعب العثور على موسيقار روسي أصيل. وبما أن اليهودي يعجز عن التعبير موسيقيا عن الحالة القومية للروسي، فانه اشتغل كالعادة في "العزف"، أي انه حول إبداع الآخرين إلى وسيلة للشهرة والربح. وعندما يعجز عن تقليد إبداعهم، فانه يجعل من الاستهزاء بهم وسيلة لإعلاء شأنه، مثل أن ينطق المغني اليهودي روتشتين في أوبرا (ديمون) اسم الموسيقار الروسي الكبير موسورغسكي عبر تشديد النبرة على المقطع الأول من الاسم لكي يوحي للأذن الروسية بمعنى "الزبالة". بينما يجرى رفع اسم الموسيقار اليهودي ديمتري شستاكوفيتش إلى درجة تمثيله لروح المقاومة السوفيتية (الروسية) ضد الغزو الألماني في الحرب العالمية الثانية. وتحويله لاحقا إلى علم من أعلام الموسيقى السوفيتية العظام، لاعتبارات أيديولوجية ودعائية وليست فنية جمالية. ومع ذلك كتبت عنه في الاتحاد السوفيتي آنذاك مقالات ودراسات وأبحاث وصورت أفلام اكثر مما جرى عن أي موسيقار عبقري آخر في روسيا والعالم. ونفس الشيء يمكن ملاحظته الآن عن "الفنانين العظام" للأداء الموسيقي من جانب اليهود المعاصرين في روسيا، الذين سيطمرون مثل أشباههم بعد الموت. بينما الموت وما بعده هو المحك الفعلي لعظمة الإبداع واستمراره الطبيعي في أذواق ومدارك الشعوب والأمم.

لقد أدت اليهودية الصهيونية في أفعالها المتنوعة ونفسيتها الغضبية المتماسكة لتثبيت هويتها العرقية الضيقة، والعمل حسب معاييرها ومقاييسها في السياسة والأدب والفن والموسيقى إلى تثليم حدود العقلانية المفترضة في الفكرة الاشتراكية وهويتها الإنسانية. وعوضا عنها صنعت صحراء ثقافية ولدّت بدورها فاشية الليبرالية والديمقراطية الروسية. ومهدت في نفس الوقت لدورة التاريخ الروسي وإثارة كوامن المعادلة الصعبة للصراع الروسي اليهودي.

*** 

المعادلة الصعبة للصراع الروسي اليهودي

(الفصل ما قبل الأخير للدراما الروسية)

 

إن التاريخ السوفيتي هو بمعنى ما تاريخ السيطرة اليهودية في غلافها البروليتاري وأيديولوجيتها الأممية. أما فقدان قيمة المال التقليدية لليهودية الأوربية فقد جرى التعويض عنه موضوعيا بقيمة الهيمنة السياسية والأيديولوجية غير المباشرة، وبتناقضاتها الظاهرية في الواقع الروسي. بمعنى سيادة اليهود وغياب المسألة اليهودية في الوقت نفسه. غير أن هذه الأخيرة أخذت بالظهور مع أول بوادر البيريسترويكا وركوب اليهودية الجديدة موجة "الانقلاب الديمقراطي". وهي مفارقة لم تعد مجرد جزء من التاريخ السياسي الروسي بل غدت حافزا مثيرا لسيكولوجية العداء الروسي الدفين تجاههم. ولكن ذلك لا يعني تجاهل الروس القدماء "للمسالة اليهودية". فقد كتب عنها دوستويفسكي في مذكراته، وتناولها بالتعليق الفيلسوف الديني الروسي فلاديمير سولافيوف وكذلك نيكولاي ليسكوف ونيكولاي بيرديايف. إلا أنها مع ذلك لم تشكل معضلة فكرية وثقافية وسياسية كبرى إلا الآن، بعد حصيلة التجربة الدرامية للمرحلة السوفييتية في التاريخ الروسي، ولم يعد تعقيدها جزءا من الماضي بقدر ما اخذ يصبح جزءا من معترك الوعي الاجتماعي وصراعاته الحالية.

إن انفلات الغيتو اليهودي في عالم الثقافة السوفيتية افلح لحد ما في تهشيم أطره الخاصة. ولكنه افرز في الوقت نفسه صحراء الثقافة التي أخذت زوابعها تستثير الآن مهمة البحث في ذاكرة الأجيال المنسية. وفي هذه العملية برزت إلى الوجود وتداخلت الصراعات الخفية لمعترك الحوافز والغايات والنوازع والآمال فيما بين القوى الاجتماعية والقومية التي كانت حتى الأمس القريب تتخندق كلها وراء متراس الاشتراكية السوفيتية. فالانقسام الجلي في الأوساط الثقافية الروسية بين "الروسي" و"اليهودي" يعكس خصوصية المسألة اليهودية ومصيرها في روسيا المعاصرة، ويعبر في الوقت نفسه عن الوعي العادي والنظري للروس في تأمل حقائقهم التاريخية وواقعهم المعاصر والقوى القائمة وراء أفراحه واتراحه. فقد كانت مجلة اغانيوك (القبس) منبرا لليهود في حين كانت مجلة "ناش سفريمينك" (المعاصر) و"مالادايا غفارديا" (الحرس الفتي) منبرين للروس، في حين كانت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين تصل إلى حد الشتيمة اللاذعة. وإذا كان "المعسكر اليهودي" عادة ما يعتاش على فتات الإثارة الصحفية فإن "المعسكر الروسي" عادة ما كان يمثله فطاحل الأدب الروسي المعاصر كراسبوتين وبيلوف واستافييف وغيرهم. ومن الصعب اتهام هذه الشخصيات بالتحامل والغبن. وذلك لان أسئلتهم المثارة حول دراما التاريخ الروسي المعاصر ودور اليهود فيها هي أسئلة الحق ووعي الذات لا غير. فالذي يقلق الوعي الروسي المعاصر هو السبب القائم وراء "عقدة اليهودية" التي لجمت لسان الروسي إلى الدرجة التي لم يعد يحق له طرح السؤال حول ما إذا كانت الماسونية اليهودية واليهودية الصهيونية وراء كل ما جرى أو إذا ما كانت تتحمل مسؤولية "الصعود والهبوط" التاريخية لروسيا.

فعندما كتب اليهودي ناتان ايديلمان رسالة مفتوحة في مجلة (دوغاف) اللتوانية حاول البرهنة فيها على أن سبب انغلاق التطور التاريخي للروس يقوم أولا وقبل كل شيء في شخصية الروسي البليدة وخشونة طبعه وبعده عن الثقافة والعلم، ليحمله بالتالي المسؤولية أمام الشعوب السوفيتية، فان الكاتب الروسي استافييف رد عليه بصراحة حادة معتبرا رسالته مجرد استفزاز يهودي وقح. وإذا كان هذا الصراع القائم بين النزعة الروسية للمثقفين وبين كتلة الهيمنة الإعلامية والإدارية اليهودية، قد اخذ يطفو على السطح فان أولى بداياته الخفية الكبرى ظهرت منذ أن نشر ايغور شافاريفيتش عام 1982 مقالا في مجلة "ناش سفريمنك" في الأعداد 6 و11 بعنوان "كراهية الروس" حول البرهنة فيها على انه جرت منذ ستينات القرن الحالي محاولات دؤوبة وحثيثة قاد اليهود اغلبها لإثبات أن كل مشاكل روسيا هي النتاج الملازم الشخصية الروسي العبودية وحبها للسلطة القوية واحتقارها للفرد، الإنسان، وتبريرها للإرهاب ونفسيتها الدينية المشبعة بأوهام الانتظار والخلاص. وعلى هذا الأساس حاولوا إقناع الجماهير والمثقفين بأنه لا مخرج لروسيا إلا بنبذ هذه الشخصية والتوجه كليا نحو الغرب. وقد وجد شافاريفتش في هذه الاطروحات سلاحا فعالا لتدمير روسيا. أما الاعتراض البسيط والمفند لهذه الآراء فيقوم في واقع كون التوتاليتارية والماركسية هما ذاتهما من نتاج الغرب. وبالتالي ألا يطرح ذلك مهمة تجاوز الغرب لا تقليده الأعمى من جديد؟ فالقضية بنظر شافاريفيتش لا تقوم في شخصية الروسي بل في ما اسماه "بالقوم الصغير"، أي في كل ما المح وأشار به إلى "أصحاب النزعة اليهودية"، أي تلك المجموعة المتميزة بالصفات السلبية التي تنقذ مهمة التدمير الدائم. أما هذا القوم الصغير في روسيا فقد تشكل تاريخيا منذ نهايات القرن الماضي الذي هيمن اليهود فيه، الذي جعل شافاريفتش يستنتج بان أيديولوجية هذا "القوم الصغير" تتطابق مع خصائص اليهود ونفسيتهم ونمط تفكيرهم. وان هذا "القوم الصغير "هو الذي أدى "بالقوم الكبير" (الروس) إلى الهاوية.

وقد أثارت هذه الاطروحات ردود فعل قوية في الأوساط اليهودية التي حاولت أن تجد فيها نقاط ضعف أساسية، منها أن هناك بين الروس أنفسهم من كان غربي النزعة والتوجه ومن كان يمقت الروس أنفسهم ويحتقرهم، كما أن هذه الأفكار لا تفسر لنا لماذا احتلت الأفكار الغربية مواقع قوية في روسيا.

إن الاطروحات السابقة وانتقاداتها تبقى في اغلب نوازعها وأدلتها جدلية أدبية. بمعنى أنها تصوغ متطلبات الروح القومي ونقيضها بمعايير الأحكام الجازمة. فهي لا تتعامل مع الوقائع وحيثياتها وقيمتها الفعلية بمعايير وأسلوب التحليل التاريخي الموضوعي والعلمي المجرد والفلسفي الشامل. غير أنها تعكس اتجاهية المزاج العام في الأوساط الثقافية والجماهيرية. لهذا فإنها تطرح في إجاباتها صياغة السؤال الجوهري عن الدور الذي لعبه اليهود في التاريخ الروسية المعاصر وما هو مصيرهم الخاص في آفاق الصيرورة الروسية الحالية؟

لليهودية كما هو معلوم قدم في الواقع الروسي. إلا أن اليهود كمجموعة كبرى أو كقوم لم يظهروا في روسيا إلا في القرن الثامن عشر إثناء ضم مناطق البلطيق وبيلوروسيا والمقاطعات البولندية للإمبراطورية الروسية. آنذاك أصبحت روسيا الدولة الأعظم من حيث عدد اليهود فيها. وكان تجمع اليهود في هذه المناطق نتاجا لعملية طويلة من تفاعل الأسباب الاجتماعية ـ الاقتصادية والسياسية والدينية في أوربا. أي حصيلة العملية التي أدت إلى خلق مجموعة الاشكناز ولغة الايدش. وقد اخذ هؤلاء الاشكناز بالانتقال تدريجيا نحو الشرق. ومع دخول هذه المناطق تحت السيطرة الروسية خضعت لنفس التأثيرات التي خضع لها المجتمع الروسي مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية انكسار هذا التأثير في موشور التقاليد اليهودية. ولعل أول هذه التأثيرات الجديدة كان مرتبطا بسن قانون "نطاق الإقامة" أو التوطين الإجباري لليهود في مناطق محددة. وقد كان لهذا القانون فعاليته المباشرة وغير المباشرة في استثارة تقاليد الغيتو النفسية والاجتماعية. أي تعزيز روح الانغلاق والعزلة المميزة للتاريخ اليهودي. مما أدى بدوره إلى غياب دورهم الاجتماعي ـ السياسي والثقافي في الحياة الروسية آنذاك.

إن انغلاق ميادين الحياة السياسية والإدارية والعسكرية أمام اليهود آنذاك دفعهم إلى ميدانهم التقليدي في التجارة والمال. على أن هذه الميادين لم تكن سهلة أيضا أمامهم في روسيا. غير أن القرن التاسع عشر ـ قرن التنوير، سرعان ما شمل اليهود أيضا. إذ أخذت تظهر حركات تنويرية نهضوية أول من ساهم فيها موشى مندلسون في ألمانيا وتبعه ليفنسون في روسيا. أما الشعار العام لهذه الحركة فهو كالآتي ـ "يهودي في البيت وإنسان في الشارع"!! وبغض النظر عن المبادئ الأولية لهذه الحركة إلا أنها كانت واقعية وتنويرية في مضمونها. لقد طالب اليهود بالتخلي عن العزلة والعيش حسب قوانين الحياة لا حسب قوانين التوراة، والكف عن اتهام الآخرين بمعاداة اليهود. وهذا يعني محاولة تخليص اليهود أنفسهم من شعور "التفوق" و"عقدة الذنب". وإذا كانت هذه العملية قد جرت بخطى وئيدة نسبيا في الغرب فإنها تعثرت في روسيا بفعل عدم قدرة اليهود آنذاك على الاندماج بالمجتمع الروسي الذي لم يقبلهم بسهولة. وفي هذا يكمن أحد الأسباب الجوهرية التي دفعت بهم إلى الانخراط في الحركات الراديكالية المتطرفة بدءا من الاشتراكية حتى الصهيونية (كأسلوب ووسيلة للخلاص من الغيتو). ولم يكن ذلك نتيجة صدفة خالصة. فالراديكالية (الطبقية والقومية والدينية) شكلت أحد النماذج التي استجابت في الكثير من نوازعها وحوافزها لنفسية "العصمة" و"الرجعة" و"الخلاص".

لقد أدت محاولة خروج اليهودية من عالم الغيتو إلى العالم الأوسع (وبفعل خصوصية الواقع الروسي آنذاك) إلى انخراطهم في التيارات الثورية والراديكالية، الأمر الذي شكل بالنسبة لهم أسلوب التذليل الثوري السريع للعملية البطيئة المعقدة والمؤلمة للاندماج الاجتماعي والثقافي. وهو ما أدى لاحقا إلى ارتقائهم هرم السلطة والدولة السوفيتية. وفي وقت لاحق تذبذبوا مع تذبذب الحزب والدولة. وإذا كانت هذه الظاهرة قد طبعت بهذا القدر أو ذاك اغلب شعوب الدولة السوفيتية فان خصوصيتها عند اليهود تقوم في تناغمها الطبيعي مع روح التأقلم المميز لهم في الغربة. أي انهم حصلوا على أقصى ما كان ممكنا في ظروف المرحلة السوفيتية دون أن يولد ذلك عندهم شعور الانكسار الأخلاقي وتأنيب الضمير الوجداني. وقد كان ذلك أحد الأسباب الجوهرية لشحن روح العداء لليهود في روسيا ولجعل الروسي يقول بأنه لا يوجد يهودي طيب أو سيئ بل هناك مجرد يهودي، كما هو الحال في إحدى النكت الدارجة عن روسي اخذ يهتف في الشارع داعيا الناس إلى دفن اليهود في القبور. وعندما اعترض عليه أحد اليهود قائلا: إن هناك يهودا جيدين، رد هاتفا: "ادفنوا اليهودي الجيد في قبر جيد"!!

وإذا كانت هذه المعاداة الدفينة لليهود هي الخلفية الملازمة لروسية الروسي تجاه يهودية اليهودي فان بروزها إلى السطح في العقد الأخير مرتبط بقضايا إعادة النظر في وقائع وحقائق التاريخ الروسي المعاصر والمصير الفعلي لأقوامه "الصغيرة والكبيرة". أي أنها أصبحت القضية التي يساهم في استيعاب أسرارها الجميع بما في ذلك عقلاء اليهود أنفسهم. فقد نشر اليهودي غريغوري شورماك مقالا في مجلة (القرن العشرون والسلام) عام 1990 بعنوان (أنا يهودي روسي) حاول الإشارة فيه إلى الدور الإيجابي والسلبي لليهود في التاريخ الروسي ولا سيما بعد الثروة. وقد استند في اغلب اطروحاته إلى المعطيات والآراء المنشورة في كتاب (روسيا واليهود) الصادر في برلين عام 1924 حيث حاول الكثير من الكتاب اليهود آنذاك توضيح أسباب معاداة اليهود في روسيا.

وقد تمثل مضمون إجابتهم في إبراز ما اقترفوه بحق الشعب الروسي عبر دورهم الإجرامي في تاريخ روسيا للربع الأول من القرن العشرين. إذ لم يكن الروسي قبل الثورة قادرا حتى على افتراض أن يرى اليهود في رئاسة المؤسسات كلها. وان يرى الحاكم والجلاد منهم. ولم يكتف اليهود بمواقع السيطرة بل وعبثوا بكل مقدسات التاريخ الروسية ومآثره وذكرياته. فعوضا عن شارع القديس فلاديمير في بطرسبورغ (لينينغراد) اخذ الروسي يرى ويقرأ: شارع ناحيمسون. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مئات بل آلاف الشوارع والمناطق والساحات وغيرها. ثم أن اليهود فقدوا، كما يقول شورماك، كل مشاعر الإنسانية باحتلالهم احسن وادفأ الأماكن والمواقع، إضافة إلى تأقلمهم، ومساهمتهم في كل أعمال القمع والإرهاب. وان اشد ما يثير الخجل في سلوكهم هو احتلالهم كل المواقع الحساسة في مؤسسات التوزيع والخزن. ولولا سلوكهم هذا لما ظهر هتلر في ألمانيا، كما يستنتج شورماك.

وبغض النظر عما في هذه الاطروحات من تبسيط للأمور وفقدان للرؤية العميقة لمغامرات التاريخ، إلا أنها تعبر عن مظاهر إعادة النظر بموقع اليهود ودورهم في التاريخ الروسي المعاصر. أي أنها ظهرت على خلفية المزاج الجماهيري والفكري المعاصر الذي استثارته البيريسترويكا لإرجاع "إنسانية الإنسان" للشخصية الروسية، إلا أنها أهملته في منتصف الطريق لإعصار "السوق ومضارباته الجديدة".

ففي ظل اضطراب القوى والمصالح وتشتت الغايات والأهداف وتشابه الوسائل عادة ما تنبعث نماذج الصراع القديمة. فالجموع تضطر للرجوع إلى تاريخها من اجل شحذ وعيها المعاصر بروح أسلافها. وفي هذه العملية عادة ما يتحول الوهم إلى واقع والواقع إلى وهم. وتتداخل الأمور للدرجة التي تهمل فيها معايير الأحكام الدقيقة. بينما تصبح الحقيقة مطلبا بعيد المنال. إلا أن "إبداع الاتهام" يعبر مع ذلك عن ثقافة المرحلة في محاولاتها استكناه ما يبدو لها جوهريا في كينونتها الحالية وآفاقها اللاحقة.

لم يحسم الواقع المعاصر بعد تاريخ الدراما الروسية، بل على العكس، انه فتح آخر فصولها الكبرى. وسوف تستثير صراعا من الصعب الآن التكهن بآفاقه. إلا أن ملامحه الأساسية آخذة في الظهور. ومن الممكن هنا استعراض وجهتي نظر نموذجيتين عن أسباب معاداة اليهود واليهودية في روسيا للتدليل على ذلك. الأولى صاغها اليهودي غريغوري بوميرانس الذي وجد في معاداة اليهود مجرد نتاج لما اسماه بولع الروس القومي النابع من شعورهم الحالي بأنهم قومية من الدرجة الثانية (خصوصا في الجمهوريات السوفيتية السابقة)، مما أدى ويؤدي إلى فقدانهم التوازن النفسي والروحي مع ما يرافق هذه الحالة من سيكولوجية البحث عن برهان بسيط معوض وجدوه بتذنيب الآخرين في مآسيهم. أما وجهة النظر الثانية فقد بلورها الشاعر الروسي ستانيسلاف كونياييف قائلا بان ما يميز الروح الروسية هو ولعها بالشمولية، أي كل ما يشكل مصدر قوة الروس وضعفهم في الوقت نفسه. فالروسي عرضة للتأثير الأجنبي، وبالتالي ضعيف المناعة أمام ما يمكن تسميته بغريزة حفظ الذات. وإذا كان الأمر كذلك فمن الصعب اتهام اليهود في كل مشاكل الروس. ولهذا ينبغي البحث عن سر معاداة اليهود في طبيعة النظام الذي ساهموا مساهمة فعالة في خلقه وديمومته. إلا أن ذلك لا يلغي مسئوليتهم أمام الدمار الذي تعرض له الشعب الروسي. فاليهود عادة ما يتحسسون من "معاداة اليهود" بقدر كبير من التطرف والحساسية المفرطة في حين يغضون الطرف عما يمس كرامة الروس أنفسهم، ويبقون على كل ما يمجدهم ويلغون كل ما من شأنه التقليل من قدرهم. وليس صدفة أن يجري إزالة (12) مادة من معجم دال الكبير للغة الروسية تتعلق بتعريف اليهود (طبعة 1955). ولم يهاجر اليهود بعد ثورة أكتوبر بينما يهربون الآن لا لشيء إلا لأنهم أحسوا للمرة الأولى بإمكانية العيش في "اسرائيل" مع التمتع في الوقت نفسه بإمكانية اضطهاد شعب آخر. وقد بنى كونياييف على اطروحاته هذه استنتاجه القائل بان خروج اليهود من روسيا ليس حلا لهم ولا للروس. وان بقاءهم يستلزم المشاركة الحرة والحقيقية في صنع الآفاق الجديدة وحل قضايا ارتباطهم القومي والديني بصورة ديمقراطية. وذلك لان الصهيونية هي أيديولوجية سلبية تسعى لتجميع اليهود على أساس استثارة معاداة اليهود وبالتالي لا تمتلك برنامجها الإيجابي. كل ذلك يستلزم، حسب نظر كونياييف، ضرورة مرور اليهود بنفس دروب الآلام التي يخوض الروس حاليا غمارها، وليس ترك الباخرة في مهب العاصفة طلبا للنجاة بالنفس لا غير.

هذه الجدالات تطرح أسئلة وتثير إشكاليات اكثر مما تقدم إجابات. ومن الصعب تقديم إجابة قاطعة عن هذه المسائل والإشكاليات إلا أن رسم صورتها العامة يساهم في إدراك الأبعاد المتنوعة والمستقبلية لهذه القضية في أبعادها المابعد روسية أيضا. وهو الإدراك الذي يتوقف على كيفية فهم حقيقة "المسألة اليهودية" في روسيا وآفاقها اللاحقة، وفهم مقدمات انتقال اليهود من حضيض الغيتو إلى هرم الفيتو. فالانتقال من عالم المنبوذين والمرفوضين إلى عالم الوقار والعزة قد ساهم في صياغة السبيكة الخاصة "لليهودي الروسي" ونموذجها الذي يمكن دعوته بصيرورة الهامشية الثقافية لليهود وفقدانهم حدود الروح الأخلاقي. ومن الصعب اتهام اليهود وحدهم بمثالب هذه الشخصية. فقد كان هذا النموذج وما يزال الأكثر شيوعا. أما أسسه الموضوعية فتقوم في أن الإنسان السوفيتي عاش في عوالم ثقافية عديدة دون أن يتقن ويتمثل أيا منها بصورة حقيقة ومتكاملة. إلا أن "مأثرة" اليهود هنا تقوم في انهم اكثر من ساهم في خلق هذه الهامشية الثقافية التي أخذت تنقلب الآن إلى أحد نماذجها وصورها المشوهة والمباشرة بصيغة معاداة اليهود المستفحلة. ومن الصعب توقع زوالها ما دامت الحالة الاجتماعية العامة ومسارها الأساسي خارج مجراهما الطبيعي، ولم تحصل كل قومية وفرد على موقعه المناسب استنادا إلى كفاءته الفردية والشخصية.

إن انتقال اليهود من عالم الغيتو إلى عالم الرئاسة والسلطة ومؤسساتها رافقه هجوم عارم لاحتلال المواقع الحساسة في افضل المدن وافضل الجامعات والمعاهد وافضل المناصب والمخازن، فنقلوا معهم كل إيجابيات وسلبيات الغيتو، أي رابطة الوحدة والتعاضد بين اليهود على أساس يهوديتهم. وقد أدى ذلك إلى خلق نفسية يهودية سوفيتية جديدة تتميز بغياب حدود الروح الأخلاقي وقواعده المقيدة في السلوك الاجتماعي. وهذا ما جعل اليهودي لا يشعر بالانتماء إلى الوطن الذي يقطن فيه. فهو كالغريب أو المحتل. وهو ينظر إلى حياته في "الغربة" نظرة عداء المائة متر إلى جريه. فحياته تبدو له كما لو أنها ـ مسافة قصيرة ينبغي قطعها بأسرع وقت، على عكس المواطن "الأصلي" الذي ينظر إلى حياته نظرة عداء المسافات الطويلة، الأمر الذي حدد أيضا التناقض المستعصي بين هذين النموذجين. فالروسي يجد نفسه أمام واقع يقول بان إمكانية سيره تستلزم إيقاف اليهودي، بينما اليهودي أمام واقع يقول بان الجائزة للفائز‍‍. وفي هذه المفارقة الخشنة لاحتكاكهما تتولد شرارة العداء المتبادل. فالروسي لا يحب العجلة لأنه في وطنه ولأنه أمام مشاق الطريق الطويل بينما اليهودي يشعر بالعجلة الدائمة لقصر الطريق ورغبته في اخذ كل ما يمكن أخذه في جولته السريعة في "الغربة". لهذا فهو لا يلاحظ إلا عيوب غيره. أي "عيوب" كل من يعيق جريه السريع. وفي هذا تكمن عقدة تطرفه في ملاحظته "ذنوب" الآخرين بحقه. أما في الواقع فان "عقدة الذنب" ما هي إلا الصيغة المقلوبة لشخصية اليهودي الهامشية وفقدانها حدود الروح الأخلاقي. وهو ما تشهد عليه مواقفه ومواقعه في تاريخ الأحداث العاصفة الكبرى في التاريخ الروسي الحديث. فإذا كان اليهود، على سبيل المثال، في طليعة الأيديولوجية الماركسية ومعاركها الحامية بعد الثورة وفي مجرى التاريخ السوفيتي، فانهم اصبحوا أثناء موجة "التغيير والديمقراطية" في طليعة المعارضة الصاخبة ضد تلك الأيديولوجيا. أما أجهزة الإعلام فإنها لم تتغير من حيث تركيبتها اليهودية، في مجرى التحولات وتغير الخيارات والغايات. وليس من قبيل الصدفة أن يدعو الروس أحيانا التلفزيون الروسي بكلمة (تل ابيبنا) تحويرا للكلمة الروسية تليفيدينيا (أي التلفزيون) لإبراز طابعه اليهودي الصهيوني وسيطرته على الإعلام الروسي الحالي.

أما انحلال الاتحاد السوفيتي وما رافق ذلك من تحولات عاصفة في الواقع الروسي فهو بمعنى ما الفصل ما قبل الأخير في دراما المصير اليهودي في روسيا. إذ أن "تهويد" روسيا عملية مستحيلة. في حين أن من الممكن خلق لوبي ـ يهودي ـ صهيوني فاعل ومؤثر. غير أن روسيا ليست أمريكا. والتيار الجارف في التطور الاجتماعي ـ الاقتصادي والسياسي والثقافي سوف يعيد الأمور في نهاية المطاف إلى مجراها الطبيعي، فيحتل اليهود موقعهم المناسب لوزنهم الطبيعي باعتبارهم أقلية صغيرة في الواقع الروسي. إلا أن هذه العملية تفترض في ذاتها واقعية وإمكانية الصدام والمساومة. أي أنها متوقفة على كيفية سلوك اليهود والروس في حركاتهم السياسية المؤثرة حاليا والاتجاه السياسي والثقافي المسيطر في الدولة الروسية. وفي كل الأحوال فان ذلك سيؤدي إلى حل "العقدة اليهودية" من خلال رميها إلى ميدان الصراع العربي ـ اليهودي.

*** 

الصراع العربي اليهودي  (الفصل ما قبل الأخير "للمسألة اليهودية")

 

كشفت أحداث القرن العشرين في التاريخ الروسي عن أن "الأقوام الصغيرة" (العرقية) تفرز عند وصولها إلى هرم السلطة عناصر "رحيقها العرقي" في جسد "الأمم الكبيرة". وهو "رحيق" يتألف أساسا من عنصري المؤامرة والمغامرة، باعتبارهما المكونين الجوهرين المتراكمين من وجودها خارج معاناة المسار الفعلي لتاريخ الأمم الكبيرة.

فالمعاناة الفعلية للأمم في مجرى حل إشكالياتها الكبرى، تجعل من القيم والمفاهيم والأحكام الثقافية جزءا من كيانها الذاتي. وتضع بالتالي كل خطوة تخطوها على محك هذه القيم والمفاهيم والأحكام، باعتبارها معايير للفعل. مما يؤدي بالضرورة إلى تكامل وعيها الذاتي (عقلها النظري والعملي). ومنه تتبلور معالم الحكمة القومية (السياسية والاجتماعية والأخلاقية). في حين تبقى "الأقوام الصغيرة"، بسبب انعزالها الذاتي، خارج هذه المعاناة. وتبقى بالتالي خارج صيرورة الوعي الذاتي للأمم. مما يجعلها خالية من الحكمة، لان أفعالها مرهونة بالنفس الغضبية ومتطلباتها. من هنا جوهرية المؤامرة والمغامرة في "عقلها النظري والعملي". وهو "عقل" تخريبي وتجريبي في تعامله مع الآخرين. من هنا فقدانه لشعور الانتماء الحقيقي للروح الإنساني.

وقد مثل اليهود في روسيا هذا "القوم الصغير"، الذي دخل وترعرع واكتسب كيانه التاريخي فيها خارج تاريخها الفعلي. أي انه "تبلور" خارج المعاناة الفعلية للأمة الروسية الكبرى في مجرى بناء كينونتها السياسية والثقافية. وهو انعزال أدى إلى فقدان معنى قيم الواجب عند اليهود تجاه روسيا. وحالما جرى تحسسهم البدائي لهذا الواجب، فانه أدى إلى تجريب تخريب هائل. ولعل أحداث 1917 و1991 وما تلاهما من تجريب وتخريب على التاريخ الروسي والأمة الروسية في مختلف الجوانب والمستويات والميادين خير دليل على ذلك.

لقد كان وراء هذا الدور أسباب عديدة. إلا أن التجربة التاريخية لروسيا تكشف عن وجود سببين جوهريين حددا في الأغلب قدرة "القوم الصغير" على التجريب والتخريب فيها وهما، ضعف الوعي الذاتي القومي الروسي، وضعف الوحدة الاجتماعية السياسية الثقافية للدولة والأمة.

فقد تميز التاريخ الروسي، وبالأخص بعد إصلاحات بطرس الأول بدء من القرن الثامن عشر، بإرساء تقاليد كسر وهدم التقاليد القومية، التي أدت في مجرى مائتي عام إلى خلخلة وعيها الذاتي وإنهاك مناعته الذاتية وهلهلة الوحدة السياسية الثقافية للدولة والأمة. ومع كل تداع مثير وانقلاب راديكالي فيها يتحول العنف والهدم المباشر وغير المباشر إلى وسيلة ملئ الفراغ، الذي تجسد بصورته النموذجية في صعود الكيان اليهودي إلى هرم السلطة في روسيا عام 1917 وفي عام 1991. فهي الأحداث التي كشفت، رغم تباين حوافزها ومقدماتها وغاياتها، عن ضعف مناعة الوعي الذاتي القومي الروسي، الذي تحول من محب للقيصر إلى قاتل شنيع له، ومن شعب متدين إلى شعب ملحد، ومن محب للاشتراكية ومناضل من اجلها إلى مدافع عن الرأسمالية وأنصارها، ومن "تقديس" الملكية العامة إلى "تقديس" الملكية الخاصة. وهو أمر يكشف عن أن النصرانية وتقاليدها في روسيا لم تكن دينا- ثقافيا، بقدر ما كانت عقائد لاهوتية وطقوسا. وإذا كان لهذه الظاهرة مقدماتها في كيفية انتشار النصرانية، وبالأخص في كيفية إخضاعها التدريجي (والراديكالي أحيانا) للسلطة القيصرية والسوفيتية والديمقراطية، فإنها تكشف أيضا عن أن النقص الجوهري في النصرانية نفسها، مرتبط تاريخيا بدمج (العهد القديم) بها وجعله مصدرا جوهريا في رويتها للعالم. وهو مصدر خرّب النصرانية وشوّه أبعادها الإنسانية عبر إدخال عناصر الانتقام والتدمير والدموية المميزة (للعهد القديم) فيها. وقد كان نيتشه (وقبله الكثير من الفلاسفة والمؤرخين) على حق، عندما أكد على أن سر الاضطهاد والدمار الثقافي الهائل، الذي لحق بأوربا جرى بسبب تهويدها من خلال النصرانية، التي جرى فرضها "دينا" على الإمبراطورية عام 394. حينذاك اصبح القتل والطرد والتشريد والحرق فعلا عاديا يلاحق الناس والمدن والذاكرة والتقاليد. بحيث جعلت من مخطوطات مكتبة الإسكندرية وقودا لحماماتها لمدة ستة اشهر! وبدت عذابات النصارى الأوائل زمن نيرون، العاب أطفال مقارنة بما قامت به الشعوب المتنصرة تجاه خصومها. فقد قدّست العبودية وأدخلت تقاليد العداء والحرق والتدمير لكل من يخرج عن طوق عناقها اللاهوتي. وهو السبب الذي يفسر لحد الآن إمكانية تأثير الصهيونية عبر مؤسساتها الماسونية والدينية أيضا في نسيج الرؤية الغربية والنصرانية. وهو تأثير لا يمكن تلافيه دون إنجاز القطيعة التامة والشاملة باليهودية وتقاليدها الموروثة من (العهد القديم).

إن القوة الوحيد تاريخيا وعقائديا وثقافيا، التي استطاعت نفي اليهودية بصورة شاملة وعلى كافة المستويات هو الإسلام. فإذا كان ثالوث اليهودية مبني على أساس الإله القومي والشعب المختار والنفس الغضبية، فان ثالوث النصرانية مبني على أساس الأب والابن والروح القدس. بينما ثالوث الإسلام مبني على أساس الإله المطلق والأمة الوسط والنفس العاقلة. ذلك يعني أن النصرانية ذللت ضيق اليهودية وعرقيتها على أساس وجداني يماثل علاقة الابن بالأب في روحية متسامية. بينا ذلل الإسلام المستوى الحسي والمباشر لليهودية، والمستوى الوجداني للنصرانية في موقفها من اليهودية عبر رؤية عقلانية معتدلة تنسجم فيها الأبعاد الحسية والعقلية والوجدانية (الحدسية) لنظام الوجود الإنساني في أبعاده الطبيعية والماوراطبيعية، وعلى مستويات الفرد والجماعة والدولة.

من الناحية التاريخية، تشكلت الصورية الذاتية للعرب بصورة لا تختلف عما هو عليه الأمر لدى الأمم الأخرى، بمعنى تبلور تلك الصورة في مجرى حلها لإشكالية وعلاقة الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة. وإذا كانت تجارب العرب ما قبل الإسلام تصب في إطار الصيرورة التاريخية للقومية العربية، فان اكتمالها الثقافي ارتبط بالعقيدة الكبرى التي دفعها الإسلام إلى ميدان فعلهم التاريخي. عندئذ ظهر العرب بوصفهم أمة دينية وسياسية، ارتقت في مجرى تطور الخلافة إلى أمة ثقافية. وارتبط هذا الارتقاء بمبادئ الرؤية العقائدية الكبرى التي قدمها الإسلام في نظامه التوحيدي. فقد جعلت التوحيدية الإسلامية الله مصدر الوجود والفعل وغايتهما، واعتبرته مبتدأ ومنتهى كل شيء.

وحددت هذه الرؤية جوهرية الله  في الفعل (الفردي والجماعي)، أو جوهرية الواحد. فلا دعوة إلا إليه. وأدى ذلك إلى الترادف بين الله والحق، انطلاقا من أن واحدية الله  تتضمن في ذاتها واحدية الحق. فالله "هو الحق" ومصدر الحكمة الشاملة في الوجود. ومن ثم ، فان الجماعة والأمة هما النموذج الأمثل لحكمته في الوجود الاجتماعي والروحي للإنسان.

إن تحول الجماعة والأمة إلى النموذج الأمثل للوجود الاجتماعي والروحي للإنسان هو التجلي العملي للتوحيد،لأنه يفترض في وجودهما(الجماعة والأمة) تجانس الرؤية التوحيدية في المسلم والمؤمن. فالجماعة هي جماعة المسلمين، والأمة هي أمة المؤمنين. وفي وحدتهما تتجلى معقولية المبادئ الإسلامية الكبرى وأركانه الإيمانية (من صلاة وزكاة وصوم وحج). وهذه بدورها ليست إلا الحدود الدنيا للكلّ الديني - الدنيوي للجماعة والأمة. فالحدود تشكل هنا، إن أمكن القول، الهيكل اللامرئي لروح الاعتدال، لأنها نفسها صارت معالم الجماعة في تمثيلها لحقيقة الواحد. فالجماعة هي الكل الواحد على مثال الواحد الحق.

وقدم الإسلام في مبادئه الأولى الواحد الحق على انه المثال الأعلى للمحاكاة الممكنة في "طريق الاستقامة". وربط هذه الإمكانية بالجماعة من خلال مطابقته حقيقة الجماعة والأمة مع الحق، والحق مع الاعتدال. فإذا كان التوحيد هو مبدأ الوحدة الاجتماعية (في الجماعة) والروحية (في الأمة)، فإن توليفها أدى  بالضرورة إلى صياغة مبدأ "الأمة الوسط"، باعتباره النموذج العملي للروح الاجتماعي- الأخلاقي - الوحداني. لهذا خاطب أتباعه قائلا "كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس". فهو لم يحدد  وسطيتها بمعايير المكان والزمان والعرقية أو ما شابه ذلك، بل بحدود الاعتدال الأخلاقي. من هنا دعوة القران لان تكون هذه الأمة  أمة الخير، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر. وهي دعوة مبنية لا على أساس أفضليتها كما هي، بل على أساس أفضلية "الأمة الوسط"، باعتبارها فضيلة. وأدى ذلك إلى وضع أسس التآلف الكبير  للثقافة الإسلامية في مبدئها القائل، بان الجماعة تحفظ اعتدال الأمة، كما يبدع اعتدال الجماعة واحديتها الاجتماعية - الروحية بوصفها أمة.

إن وحدة الجماعة والاعتدال، باعتبارهما المكون الجوهري للواحدية الإسلامية أدت إلى إبداع ممثولها في واحدية الإسلام الثقافية. وذلك لان بناء الجماعة بالاعتدال المعقول أسّس لاحقا لفكرة الأصول وأسلوبها المناسب في وحدة المعقول والمنقول، باعتبارها الصيغة النظرية الشاملة لتجليات الاعتدال(كالرواية والدراية في الحديث، والاجتهاد والإجماع  في الفقه). وبهذا تكونت إمكانية تحول الأمة إلى الكل المتنوع  في تجارب الاعتدال الحق. وأدى ذلك إلى إبداع  قيمة السّنة، باعتبارها الصيغة العملية للاعتدال (كالدين والدنيا في السياسة، والعادات والعبادات في الشريعة). أما توليفهما الدائم (النظري والعملي) فقد شق لنفسه الطريق إلى ثنويات الثقافة الإسلامية.

فقد نشأت الثقافة الإسلامية نفسها على مثال وحيها القرآني، باعتبارها تمثيلا للصراط المستقيم. فالصراط المستقيم وسط، والوسط اعتدال، والاعتدال عدل، والعدل حق، والحق هو النظام الأمثل. بصيغة أخرى، لقد تغلغل إدراك الاعتدال باعتباره النسبة الضرورية والمعقولة لوجود الجماعة والأمة في علاقتها بنفسها (المستوى الطبيعي) وعلاقتها بالله (الماوراطبيعي). وشق ذلك لنفسه الطريق في العبادات (الروح) والعادات (الجسد). ففي العبادات انطلقت الثقافة من الفكرة القرآنية القائلة، بان الله يريد بالناس اليسر ولا يريد بهم العسر. وحاولت أن تعطي لعلاقة الظاهر بالباطن، والروح بالجسد نسبتها الضرورية في الصلاة والصوم والحج والزكاة.

ذلك يعني أن الإسلام أشرك الجسد الفردي والجماعي في حركة متناسقة ودائمة وحّد فيها الروح والجسد، والزمان والمكان، وخلق من ذلك كلا واحدا مجسدا لنسب المثل العليا في الله الواحد، والجماعة الواحدة، والروح الواحد، والجسد الواحد. أي كل ما يبدع الوحدة في الجماعة وتنوعها في الأفراد. وبالتالي ليس الانتماء الحقيقي للوحدة (الإسلامية) سوى البحث الدائم عن النسب المتنوعة للنظام الأمثل. مما أدى إلى أن تبدع الثقافة الإسلامية مرجعياتها الخاصة، التي أثمرت سيادة روح النسب والنظام، والثنويات الكبرى التي ساهمت في خلق آلية الاعتدال (العدل) والانضباط (النظام). ففي أسلوب المعرفة أبدعت ثنوية (أو وحدة) المنقول والمعقول، والرواية والدراية. وفي نمط الحياة وحدة الديني والدنيوي. وفي نمط التعامل مع "وحي الثقافة" ووحدة التفسير والتأويل، والظاهر والباطن. وفي القانون وحدة الأصول والفروع، والاجتهاد والإجماع. وطبقّت ذلك على كل تجليات الحياة المادية والروحية. وشكلت هذه الثنويات – المرجعية، إلى جانب عشرات غيرها مثل الظاهر - الباطن، والطريقة – الحقيقة، والحكمة – الشريعة، والفلسفة والدين، والمنطق والبيان، العناصر الجوهرية للروح الثقافي الإسلامي.

وترتب على الحل الإسلامي لإشكالية الطبيعي والماوراطبيعي في مختلف جوانب ومستويات الوجود الاجتماعي للفرد والجماعة والدولة، والملكوت (الماوراطبيعي) الديني والقيم الأخلاقية تحول الثنويات المرجعية الإسلامية إلى عناصر جوهرية مبدعة للروح الثقافي. ومن المعلوم انه ليس كل مرجعية أو نظام للمرجعيات قادر على إبداع روح ثقافي خالص. لان الروح الثقافي الخالص هو فقط ذاك الذي يقدر على تجاوز العرقية ومتحجرات الأشباح الإنسانية (من دم ولون وارض) إلى ميدان العقائد المتسامية.

فقد تبلورت الثنويات المرجعية الإسلامية تاريخيا، كأجزاء مكونة لنظام توحيدي. وصنع هذا النظام واحدية ثقافية أبدعت اعتدالا في العقائد والأفعال والرؤية والمواقف من خلال نظام المرجعيات نفسه. وأدى ذلك بدوره إلى تفعيل التنوع ضمن الوحدة. وصب هذا التنوع بفعل الثنويات المرجعية المتكافئة من حيث أوزانها الداخلية، في اتجاه تأسيس معقولية البحث عن نسب فضلى، وبالتالي عن نظام امثل.

إن بلوغ الثقافة إدراك جوهرية النسب المعقولة للنظام الأمثل يؤدي إلى تسامي إدراكها وتنوع إبداعها في توحيد الوسيلة والغاية، والعلم والعمل تجاه النفس والآخرين. مما يؤدي بالضرورة إلى صيرورة الروح الثقافي المبدع، الذي يصنع على مثاله نماذج واقعية وواجبة للامة في رؤيتها عن نفسها وعن الآخرين.

ففي نموذجها الواجب هي "الأمة الوسط". وتجلى هذا الوسط واقعيا باعتباره سعيا للاعتدال. وإذا كانت الأمة الوسط تحتوي في مظهرها الأول على محاولة تذليل تطرف الصراع الأهوج بين اليهودية والنصرانية، ففي باطنها تحتوي على تذليل الغلوّ تجاه النفس والله، أي تجاه الطبيعي والماوراطبيعي في الفرد والجماعة.

فقد سعت الرؤية الإسلامية في مبدئها عن الأمة إلى توحيد الجميع باسم المبدأ الأعلى، معتبرة تضاد اليهودية والنصرانية انحرافا عن الحق. فالله هو الله، والأنبياء رسله لا هم يهود كما تقول اليهود ولا هم نصارى كما تقول النصارى. ومن ثم فلا أفضلية لأحد على آخر أيا كان (من دين أو جنس) إلا بالتقوى. وهو مبدأ وضعه القرآن في البداية ضمن توحيده العملي (الديني والدنيوي). حيث نظر إلى تجارب الأنبياء نظرته إلى تجليات متنوعة للإرادة الإلهية في نقل مسار البشرية إلى الصراط المستقيم، أي إلى الصلاح والخير بوصفهما كفتي الوحدانية. وهي رؤية حددت توحيدية الإسلام الصارمة في تمثلها وتمثيلها لهذا الصراط. إذ لم ينظر إلى "خاتميته" سوى نظرته إلى طريق الحق في تذليل الأنا الدينية الضيقة.

فالإسلام هو ليس اسما، بل هو فعل الانتماء إلى الله الواحد. لهذا اعتبر الإسلام أنبياء الماضي وعقلاءه وحكماءه أنبياءه وعقلاءه وحكماءه. وجعل من خير الماضي وصلاحه خيره وصلاحه. ووجد ذلك تعبيره المكثف في الحديث القائل بان خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام. فالإسلام بهذا المعنى هو كيان قادر على تمثل الفضيلة وصهرها في نظامه الخاص. مما فسح المجال أمام إمكانية اشتراك اتباعه لقوانين "الروح الموحد" و"الشراكة العامة". وجعل ذلك من إبداعاته في كافة الميادين إرثا مشتركا للجميع. وأدى هذا بالضرورة إلى اضمحلال روح الاستكبار فيه. لان اشتراك الشعوب والأقوام في بناء الروح الموحد هو اشتراك طوعي متكامل لم يتحدد بمؤسسة خارجية (دينية كانت أو دنيوية). لذا تحولت الشخصيات الكبرى للثقافة الإسلامية إلى رموز لشعوبها ولعالم الإسلام جميعا. وهي حصيلة نابعة من أن الإسلام قضى على روح الاستكبار الداخلي. فما إسلام بقومي أو اثني أو إقليمي. والتنوع فيه هو تنوع اجتهاداته. فهو لا يقمع القومي، بل يخضعه لروح العقيدة الوحدانية. من هنا يستحيل أن تظهر فيه نظريات قومية أو استعلائية أو عنصرية أو فاشية أو ما شابه ذلك. لقد أدى ذلك إلى انفتاح الثقافة داخليا على نفسها، وخارجيا على الآخرين. وأملى تسامحها العميق وتمثلها المنظومي لإبداعات الأمم أيا كانت بما يستجيب لمرجعياتها الكبرى.

كل ذلك يكشف عن أن تعمق الرؤية التاريخية عن الأمم ارتبط مع تراكم العناصر الثقافية المنظومة بالوحدانية الإسلامية. إذ لا تعني الوحدانية الإسلامية تاريخيا واجتماعيا سوى وحدة النوع الإنساني ومثالها في الواحد(الله). أنها كالحقيقة واحدة بذاتها متنوعة بالصور والتجليات. والتنوع فضيلة في حال سعيه إلى الخير العام. وهي فكرة سبق وان بلورها القرآن في آيته "انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. أن أكرمكم عند الله اتقاكم". أي أن للتعددية منطقها الطبيعي والتاريخي باعتبارها واقعا، ومنطقها الماوراطبيعي والمثالي باعتبارها واجبا. وهذان المنطقان يعكسان مستويين من الإدراك لماهية الأمم، أحدهما ديني(الأمة الدينية) وآخر دنيوي(الأمة الحضارية).

أسفرت منظومة المرجعيات الكبرى في الثقافة الإسلامية عن رؤيتين  إلى نفسها والآخرين متناسقتين لا استعلاء فيهما ولا استكبار. تجلتا على أسمى وجه في إقرارهما بتنوع الرؤية الثقافية إلى الآخرين. وقد حددت هذه الرؤية الانعتاق الحضاري للثقافة الإسلامية. فهي لم تقر بتنوع الحضارات فحسب، بل وأرست مواقفها من هذا التنوع على أساس تمايزهن بالفضائل. فعندما حاولت المطابقة، على سبيل المثال، بين حضارة الأمة وخصلة من خصالها، مثل الفلسفة لليونان والعمارة للروم والسياسة للفرس والبيان للعرب والصناعة للصين والحرب للترك والعقل والشعوذة للهند، فأنها لم تسع في الواقع إلا لإظهار التمايز في الفضائل، وليس إلى إنكار ما لهذه الحضارة أو تلك من فضائل أخرى. إنها حاولت إظهار فضائل الأمم من خلال تأكيد تنوعها، وبالتالي قيمتها بالنسبة للتاريخ الإنساني ككل. لهذا أكد أبو حيان التوحيدي على أن "لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل منها في صناعتها كمال وتقصير". وهي صيغة تعكس قبول الثقافة الإسلامية لإمكانية تعدد الأنواع وتنوع اجتهاداتها الثقافية في ظل انتمائها للكل الإسلامي، أي إمكانية توليف "مميزات" وفضائل الأمم من فصاحة وبيان وأدب وسياسة وغيرها في كيانها الثقافي. وهي تعددية وانفتاح يتساويان مع إدراك جوهرية وقيمة الفضائل. لهذا لم تضع الثقافة الإسلامية نفسها وشعوبها فوق الآخرين ولا تحتهم، بل طالبت نفسها والآخرين بادراك وتجسيد القيم العقلانية – الأخلاقية للتكافؤ والمساواة.

وعليه، فان انتقال العرب في تطورهم التاريخي من أمة عرقية إلى أمة ثقافية كان نتيجة لازمة للكيفية الإسلامية التي عالجوا بها إشكالية وعلاقة الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة، مما أدى إلى تكامل مكوناتهم الجوهرية في وحدة الإله المطلق والأمة الوسط والنفس الناطقة (العاقلة).

هذا التضاد الشامل بين ثقافتين ورؤيتين عن الحياة والمثال، هو الذي بلور تاريخيا وواقعيا شخصية اليهودية واليهودي، والإسلام والعروبة. فقد أدى استمرار اليهود في اليهودية إلى صيرورة أمة عرقية (عنصرية) ذات نفس غضبية، مثالها البطش (الجور) وسلوكها الاستحواذ والغلو، بينما أدت صيرورة العرب في الإسلام إلى تكوين أمة ثقافية مثالها الحق وسلوكها العدل والاعتدال. وهو خلاف منظومي حدد ويحدد واقع وآفاق وجودهما التاريخي.

كان مثال البطش وما يزال الصفة المميزة لليهودية بسبب سيادة نفسية الغيتو (الانعزال والانغلاق) التي لازمت تاريخ اليهود. فعدم القدرة والاستعداد على الانفتاح الحقيقي والاندماج الثقافي بالأمم وحضاراتها أدى إلى إنتاج وإعادة إنتاج نفسية الترقب الخائف وشعور الاتهام العدائي تجاه الآخرين. وهي نفسية تحاصر وتحصر تأويل اليهودي لأقوال وأفعال الآخرين بمعايير الترقب السلبي والاتهام الباطني. مما أدى إلى تكوين عناصر الحقد والغلّ، التي تتفجر مع كل إمكانية لتجسيدها. وفي حالة صعوبة أو استحالة تجسيدها العملي، فأنها عادة ما تتخذ صيغة الاستهزاء والسخرية بمقدسات الآخرين وقيمهم. وليس مصادفة أن تنتشر "آداب السخرية" الرخيصة بين "الكتاب والصحفيين والمثقفين" اليهود. ولعل مثال روسيا السوفيتية والحالية دليل واضح على ذلك. فاليهود يشكلون النسبة الغالبة بين "المهرجين" و"الساخرين" المعاصرين في روسيا.

وليست تقاليد الاستهزاء والسخرية المبتذلة المميزة لليهود سوى الوجه الملطف لنفسية الاستحواذ التي وجدت نموذجها الكلاسيكي في التقاليد الربوية. أي كل ما جعل من اليهودي والربوي، واليهودية والربا شيئا واحدا في ذاكرة ووعي الأمم جميعا. إذ يقترن وجود اليهودي بالربا. إي الاعتياش من جهد الآخرين بأرذل الطرق وأسهلها وأكثرها تدميرا وتخريبا. وهي نفسية طبعت وجود اليهودي وتعامله مع ثروات الآخرين المادية والفكرية والروحية. من هنا قدرتهم المثيرة في مجال سرقة المال وجمعه وتوظيفه. وليس "الإبداع الروحي" في اليهودية نفسها سوى السرقة الحاذقة لإبداع الآخرين من خلال توظيفه العملي ابتداء من التوراة وانتهاء بالفنون المعاصرة. لذا لا نعثر عندهم على موسيقيين عظام بل على عازفين محترفين، ولا على رسامين كبار بل على أصحاب موضة، ولا على مخرجين سينمائيين يعتد بهم، بل على ممثلين. وهي نتائج لسيادة نفسية الاستحواذ التي تجعل من الحصول على مردود مادي المهمة الأولى في "الإبداع اليهودي". أي أن مهمة اليهودي هي استغلال الإبداع والروح المبدع للآخرين من اجل توظيفه لخدمة المال والشهرة، باعتبار ذلك أسلوبا للحصول على المال والاستحواذ عليه. وهي حصيلة نابعة عن عجز اليهود واليهودية وعدم استعدادهم بعد للخروج من مأزق التحجر العرقي الذي اقفل عليهم إمكانية الارتقاء إلى مصاف الرؤية الثقافية عن النفس والآخرين.

وأدى بقاء اليهود واليهودية ضمن حيز العرقية المتحجرة (قوميا ونفسيا) إلى استفحال تقاليد الغلوّ. فاليهودية هي التجلي التاريخي النموذجي للغلو الظاهري والباطني. إذ لا نعثر في التوراة على دعوة للعدل والاعتدال. على العكس أنها مليئة بالغلوّ في المواقف والقيم والأحكام. فتطرفها الباطني ينبع من ثالوث الإله القومي وفكرة الشعب المختار والنفس الغضبية، أي كل ما يؤدي إلى إنتاج عناصر التقوقع الذاتي. أما انعكاسه الظاهري فيتجلى عادة في سلوك العداء والانتقام.

فحيثما يحل اليهود واليهودية تظهر "المسالة اليهودية" و"عداء السامية". وليس ذلك اعتباطا أو مصادفة، بقدر ما هو ملازم لروح الانغلاق اليهودي والترقب المتخوف النابع من الشك الدائم بالآخرين وسوء الظن بهم. فالخوف هو الحليف الدائم لليهودي. انه يمقت فكرة الواجب ويتمسك بالخوف، باعتباره القوة الوحيدة التي يثق بها وعروة اليقين التي تثير في أعماقه شعور الجمعية. وهو شعور بهيمي يعيد إنتاج النفس الغضبية، ويجعل من العدوانية أسلوبا "للدفاع عن النفس". وليست العداء في الواقع سوى الوجه الظاهر للخوف الباطن. وهذا أيضا أحد أسباب فشل الشيوعية في روسيا والمعسكر الاشتراكي الأوربي. فقد أدت الكثافة الكبيرة لليهود في الحركات الاشتراكية والشيوعية واحتلال المناصب الحساسة في الدولة، كما هو الحال على سبيل المثال في روسيا السوفيتية، إلى توسع وترسخ وتعمق عناصر العداء والكره في الفكرة والممارسة الشيوعيتين. إذ تحولت الشيوعية من فكرة إنسانية إلى ممارسة عدوانية في كثير من جوانبها، وتراجعت فيها مبادئ الأممية والانفتاح والحرية أمام سلوك القومية الحكومية الضيقة والانغلاق والقهر والإجبار. وسادت فيها عناصر الهجوم والمواجهة مع الآخر، بحيث استحال اغلب تراث الماضي إلى عدو دائم. فنحن لا نعثر في القاموس السياسي والدعائي الشيوعي على كلمة كثيرة التردد ككلمة العدو (مثل عدو الشعب، وعدو الدولة، وعدو السوفييت، وعدو الحزب، وعدو البروليتاريا، وعدو الشيوعية، وعدو الاشتراكية، وعدو الإنسانية…الخ) واحتلت نفسية التأويل المتحزب والبحث عن مكونات العداء لأقوال وأفعال كل شخص أو جهة لا تتوافق آراؤها مع ما هو سائد في الأيديولوجية الرسمية. فنتج عن ذلك واقعيا إفراغ الفكرة الشيوعية نفسها من قيم الانفتاح والإنسانية والتحرر، وتحولها إلى نقيضها، أي أنها أصبحت أيضا أيديولوجيا "الأقليات" القومية والدينية المشبعة بنفسية الثأر والانتقام. ونفس الشيء يمكن قوله عن سيطرة اليهود واليهودية في "الديمقراطيات" المعاصرة. فهي تعاني من ثقل النفس الغضبية اليهودية، التي شحنت الديمقراطية بعناصر الكراهية. لذا من الصعب العثور على ديمقراطية "غربية" بدون "عدو" دائم كالشيوعية فيما مضى والإسلام حاليا. إضافة إلى اعتبارها كل من يعارضها عدوا متهما أو مجرما! وهو سلوك يتناقض مع فكرة الديمقراطية نفسها، لان الديمقراطية تفترض كحد أدنى الإقرار بشرعية التنوع والاختلاف. ولعل تجربة "روسيا الديمقراطية" المعاصرة، وبالأخص في ميدان الدعاية والإعلام الخاضعين للسيطرة اليهودية – الصهيونية دليل ساطع على ذلك. حيث تميز تاريخ هذه "الديمقراطية" بمراحل متواصلة من البحث عن الأعداء بدءا بالشيوعية ثم مرورا بالتاريخ السوفيتي ثم التيار الوطني ثم القومي الروسي ثم النصراني وأخيرا الإسلامي.

وتحول العداء للإسلام والمسلمين الآن إلى حلقة جوهرية في سلسلة المخطط الدعائي "الديمقراطي"، الذي يعمل من اجل جعل العنصرية الصهيونية "عونا" للروس في تصديهم "للخطر الإسلامي". وهو "عون" يسئ للشخصية الروسية، لأنه يسعى للإيقاع بروسيا في شباك المخطط الاستعماري الصهيوني (المؤقت) لفلسطين. وليس هذا "العون" سوى الوجه الدعائي المزيف لحقيقة الروح الانتقامي اليهودي الذي لا يتورع عن استغلال كل وسيلة تخدم غاياته الضيقة[35]. إن العنصر الانتقامي في اليهودية هو الوجه المكمل لروح العداء الراسخ فيها.

ويشكل "تكامل" الأوجه المشار إليها في الشخصية اليهودية مصدر بطشها (أو قوتها البهيمية). إذ ليست الأوجه المتكاملة للشخصية اليهودية في الانغلاق والاستحواذ والغلوّ سوى الأوجه العملية للإله القومي (المغلق) و"الشعب المختار" (بالاستحواذ) والنفس الغضبية (المغالية، المتطرفة). وهو تكامل يعبر عن تطابق الصورة والمعنى بين اليهود واليهودية. وهنا بالذات يكمن مصدر قوتهم المادية وهشاشتهم المعنوية. فاليهود واليهودية كيانات خارج التاريخ الفعلي، أي انهما يعيشان ويفعلان وينموان ضمن حيز الانتماء التام لما قبل التاريخ الثقافي. إذ لم يتجاوزا مرحلة العرقية – الدينية (الأسطورية). وليست اليهودية المعاصرة سوى البقايا المتحجرة "للعهد القديم".

أما العرب فقد تجاوزوا في وجودهم التاريخي المراحل الأساسية الكبرى لتطور العرقية إلى الأمة الثقافية مرورا بالأمة الدينية والسياسية. وتمثلوا في صيرورتهم التاريخية والثقافية "الكلّ السامي" من كنعانيين وآشوريين وبابليين وفينيقيين وكثير غيرهم بعد أن صهروهم في بوتقة الإسلام الثقافي. أي انهم تمثلوا ومثلوا الكتلة الحضارية التي أبدعت القانون والقيم المتسامية. إن اختلال تناسب القوى الحالية لغير صالح العرب ليس سوى لحظة عابرة. فالقوة اليهودية الصهيونية المعاصرة تشبه قوة الديناصور، التي هي "ضمانة" انقراضه. بينما يشكل ضعف العرب المعاصر أحد مصادر القلق الروحي الذي يحفزهم لاستعادة وحدة المصادر الضرورية لقوتهم، لاستعادة حلقات تكاملهم الوجودي والمثالي، والتصّير في أمة كاملة هي الأمة الثقافية، التي قطعت في مجرى تطورها مراحل العرقية والدينية والسياسية والاقتصادية. وهي مراحل قطعها العرب في الخلافة، مما جعل منهم أمة عالمية رائدة. وبانقطاعها (السياسي والاقتصادي) تدهورت إلى ما هي عليه الآن. وفي مجرى القرن العشرين استطاع العرب استعادة أجزاء هذه المراحل بصورة متباينة (السياسية والدينية والاقتصادية). إلا أنها مراحل ليست متكاملة في  حلقات سلسلة متوحدة. في حين يفترض تكاملها إعادة ترتيب وحدتها على أسس الإسلام الثقافي والسياسة القومية والتكامل الاقتصادي. فهي المكونات الضرورية لتكاملها في أمة ثقافية في العالم المعاصر. حينذاك ستنهار اليهودية الصهيونية. وهو انهيار ينقذ اليهود أنفسهم من "التيه الإسرائيلي"، الذي لم يعد شتاتا جسديا (جغرافيا) بل وشتاتا روحيا رغم التجمع الحالي في فلسطين المحتلة. فهو تجمع لا يمكنه التخلص من عناصر الانغلاق والاستحواذ والغلوّ، التي لا يمكن تذليلها إلا عبر الانتقال من الأمة العرقية إلى الأمة الثقافية. ومن ثم فان العرب (بعد تكاملهم في أمة من جديد) هم الملجأ الأخير لليهود أنفسهم من اجل إرساء أسس ولادتهم الجديدة بهيئة أمة عبرانية عبر تخطي "عقدة السامية" والعداء لها. أي أن الحل الحقيقي بالنسبة لليهود كامن في استعادة الأمة العربية لكيانها الثقافي المتكامل، باعتباره أيضا وسيلة قطع الحبل السري بين اليهود واليهودية، بإرجاعهم إلى عبرانيتهم ودمجها في "سامية ثقافية" متحررة من عقد "العهد القديم" ونموذجها الصهيوني المعاصر.

***

"البروتوكولات" الصورة المركبة للصهيونية الفعلية

"البروتوكولات" وتقاليد "قواعد العمل" المغلقة.

 

هناك مؤلفات لا يزيدها مرور الزمن إلا إثارة، والبحث إلا لغزا، والتنقيب والتعقيب إلا تعقيدا. فهي تبدو كالحفرة لا يزيدها الأخذ منها إلا اتساعا. وهي مفارقة لها معناها التاريخي وقيمتها السياسية وأثرها الفعال في الصراع الدائر بين مختلف القوى. ولعل "البروتوكولات الصهيونية" من بين أكثرها شيوعا. إذ مازالت تثير من حيث عنوانها ومضمونها ومغزاها جدلا أضفى عليه الزمن المزيد من الاثارة والتعقيد. وسبب ذلك يقوم في أن "البروتوكولات" تشكل بمجملها الصورة المركبة عن الاستعداد الذاتي لليهودية الصهيونية، ومن ثم فهي الصورة المركبة للصهيونية الفعلية.

من هنا إثارة الشك الدائم حول صحتها ومحاولات البرهنة على أنها منحولة وأنها وضعت على لسان "حكماء" هم في الأصل من أعداء اليهود. وبالتالي ليست "البروتوكولات" سوى حلقة في سلسلة العداء لليهود وجزءا من تقاليد "العداء للسامية". وهي شكوك لها أسسها الشكلية والواقعية دعمت على الدوام بالمال والإعلام كجزء من معترك المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية على امتداد فترة طويلة، شكل القرن العشرين بيانها ولسانها الحادين.

فقد شككت اليهودية الصهيونية على مدار قرن من الزمن بصحة "البروتوكولات"، ووجهت اتهاماتها المتكررة والمتنوعة ضد مختلف الدول والاقوام والحزاب والافراد. ففي بداية الامر وجهت اتهامها ضد القيصرية الروسية، بعد ذلك ضد قوات الجيش الأبيض الروسي وبالاخص على أثر هزيمته في الحرب الأهلية، ثم ضد الحركات القومية في أوربا والهتلرية بالأخص، ثم ضد العرب وأخيرا ضد الحركات الإسلامية. وهو "تطور" و"تبدل" في الاتهام يعكس ثباتا يشير إلى أن الطرف القائم وراءه هو هو نفسه. مما يعني، بان الوجه الآخر للقضية يقوم في أن اليهودية الصهيونية كانت دوما، وفي الأغلب لحالها، وراء التشكيك بمضمون "البروتوكولات".

وفي الواقع ليس هناك من قضية "فكرية" صرفت عليها الأموال الكثيرة من جانب اليهودية الصهيونية كما جرى صرفها على التشكيك بحقيقة "البروتوكولات" ونفي التهمة عن اليهودية الصهيونية باعتبارها الكيان القائم وراءها. وبما أن اليهودي لا ينفق المال جزافا، كما انه لا معنى لصرف المال على قضية "كاذبة" لهذا يمكن التوصل إلى أن وراء التشكيك الدائم بصحتها هدفا، وضعته "البروتوكولات" نفسها بعبارة بسيطة ومقتضبة يقوم فحواه في مسعى اليهودية الصهيونية للسيطرة العالمية.

أننا نعرف الآن حجم الأموال الكبيرة التي جرى صرفها من جانب اليهودية الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، من اجل كسب قضية دريفوس عام 1894 في فرنسا، وبعدها بعقود قليلة قضية ديليس في روسيا. طبعا إن ذلك لم يكن معزولا أيضا عن شعور الانتماء لليهودية، الذي بدوره كان محددا بثقل تقاليد الشتات والغيتو. 

وقد ربحت اليهودية الصهيونية هاتين القضيتين ظاهريا عبر القضاء وفعليا عبر الصحافة والأموال (الرشوة). ووظفتها بالطريقة التي تخدم مساعيها الفعلية نحو بسط سيطرتها. وأدركت أثر نجاحها الكبير آنذاك أهمية وفاعلية الصحافة بشكل عام والمأجورة بشكل خاص، بحيث تحولت مهنة الصحافة وملكيتها إلى مركز اهتمام اليهود بها إلى جانب البنوك. مما أدى تاريخيا وفعليا إلى نشر عدوى الصحافة المأجورة على النطاق العالمي. فكما انهم "أبدعوا" تاريخيا "منظومة الربا" كذلك أرسوا أسس "الصحافة المأجورة"، التي يمكن اعتبارها صناعة يهودية خالصة.

أدى نجاح اليهودية الصهيونية في الاستحواذ على الصحافة المأجورة والدعم المالي (الرشوة) وبالأخص تجاه قضية دريفوس وديليس، إلى تعايش الوهم والواقع بحيث توقعت إمكانية الفوز الدائم بالعصا الموسوية الجديدة. لاسيما وأنها حصلت بعد ثورة أكتوبر عام 1917 على قوة إضافية هائلة جرى تجريبها بصورة تامة في روسيا بحيث رفعت الرقابة إلى مصاف المطلق بعد أن ركزت كل أجهزتها المباشرة وغير المباشرة بيدها. حينذاك قتلوا كل من طالت يدهم وطاردوا الآخرين بما في ذلك بعد هروبهم من روسيا بينما عملوا على "شطب" كل الأسماء التي كان يشم منها رائحة "العداء للسامية" من مفكرين ومؤرخين وأدباء وعلماء وشعراء. بل نراهم حتى الآن كما هو الحال بالنسبة لمحاولات بعض الكتاب اليهود "المحترمين" إخراج بوشكن وغوغل من قائمة الأدباء الروس الكلاسيكيين وذلك للشك بكراهيتهم لليهود!! بل انهم اعتبروا المفكر والمؤرخ الروسي الكبير للفلسفة لوسيف أ. ن "معاديا للسامية" على اثر مقال كتبه بعنوان "ما هكذا تعذب الحقيقة وتجلد" تعليقا على ممارستهم في المرحلة السوفيتية تجاه تاريخ الفكر والمفكرين، وطالبوا بإخراجه من "ميدان الثقافة"!

والشيء نفسه يمكن ملاحظته اليوم تجاه كل أحرار الفكر والإبداع الإنساني. وهو غلو يستمد مقوماته من خلو اليهودية بشكل عام واليهودية الصهيونية بشكل خاص من تقاليد العدل الأخلاقي والاعتدال العقلاني. كما انه ارتبط وما يزال يرتبط بالهامشية التاريخية والثقافية والقومية لليهودية الصهيونية. لهذا حالما تستحوذ على "المركز" فإنها تعمل أولا وقبل كل شئ على تهميشه وإفراغ بؤرته الثقافية الحية من حملتها، أي العمل المقنن من أجل تدمير المعارضة. وبما انه يصعب تنفيذ ذلك على الدوام بصورة مباشرة، بفعل محدودية اليهودية الصهيونية وخوائها الأخلاقي، لهذا تحولت الصحافة المأجورة إلى العصا الموسوية الجديدة لالتهام كل من تعتبره عدوا لها. وشأن كل ما هو هامشي في التاريخ الثقافي العالمي، عادة ما يفقتد للإحساس العقلاني والوجداني بقيمة الحدود الذاتية. لهذا نراها بعد ان ربحت القضايا المشهورة عن دريفوس في فرنسا وديليس في روسيا وسيطرتها المباشرة على مقاليد الحكم في روسيا السوفيتية، بممارسة أشد أنواع العنف المنظم  ضد تقاليد "العداء للسامية" في روسيا وبالأخص ضد "البروتوكولات" وكل من يمسها ماديا ومعنويا. بحيث أصبح العثور على نسخة منها دليلا كافيا للسجن والإعدام! بل نرى اليهودية الصهيونية تكرر محاصرتها لهنري فورد على كتابه "اليهودية العالمية"، الذي كتبه تحت تأثير "البروتوكولات" ودور اليهود في الثورة البلشفية وكذلك تفحصه لتاريخ الماسونية اليهودية. واستطاع المال اليهودي (عبر المصرفي شابيرو) والصحافة المأجورة (عبر الصحفي برنشتين) بإقامة دعوى ضده عام 1927، اضطروه لدفع غرامة على مهاجمته لهم واستخراج حكما يقضي بمصادرة كتابه من الأسواق ومنع طباعته! وكرروا العمل نفسه في برن (سويسرا) في عام 1933 و1935 ضد {بروتوكولات الحكماء الصهاينة}، حينذاك جرى تحويل "المحاكمة" إلى مسرحية عالمية من خلال استدعاء وإحضار "صحفيين من مختلف مناطق العالم"، كما جرى تسخير الأرشيف السوفيتي (الروسي) لخدمة هذا الغرض. ونجحوا في أول الأمر على استصدار حكم بتغريم الناشرين للكتاب، باعتباره كتابا "منحولا وبلا معنى"! إلا أن استئناف القضية في المحكمة العليا عام 1937 ألغى الحكم السابق، واعتبر "البروتوكولات" كتابا سياسيا، ومن ثم يتمتع بكل الحقوق التي تبيحها حرية الصحافة. وذلك لأنه لا يحرض على القيام بجريمة!

كشفت هذه المحاولات والأحداث المرتبطة بها عن سهولة الحصول على أحكام بالمنع والمصادرة والتبرئة والاتهام وما إلى ذلك حالما يتعلق الأمر بالأفراد. كما أن من السهل أحيانا، في حال امتلاك الوسائل المناسبة، تشويه سمعة الأفراد والأحزاب والأمم والدول لزمن محدود، إلا أن من المستحيل حبس الفكرة أو قتلها، لا سيما إذا كانت الأحداث والمعطيات اليومية على مدار قرن من الزمن لا تدحض ما فيها فحسب، بل وتقدم الدلائل "الفاضحة" على أن ما تقوله صحيح. كل ذلك يشير إلى أن القضية هنا ليست فيمن كتب الكتاب وكيف ومتى ولماذا، بل فيما إذا كانت الأحداث العالمية والإقليمية والمحلية، الظاهر منها والمستتر تصدّق ما فيه أو تكذبه.

ولو أجملنا ما تتضمنه "البروتوكولات" في عبارة واحدة، فانها تبدو كالتالي: السعي اليهودي الصهيوني للسيطرة على العالم من خلال المؤسسات والدول والأحزاب والمال والدعاية والأعلام عبر استعمال كل الوسائل! وهي عبارة وجيزة تحتوي على كل شئ! لاسيما وان هذه المساعي لا تخرج في الإطار العام عن تقاليد "القوة الغضبية" ومخالبها، التي تشكل اليهودية الصهيونية أحد صيغها النموذجية في العالم المعاصر. مع أنها ليست الوحيدة. وليس مصادفة أن تكون غريزة السيطرة ناتئة بصورة مثيرة في المؤسسات والدول التي يشكل اللوبي اليهودي الصهيوني قوة فعلية (كما كان الحال في فرنسا زمن نابليون، وفي انجلترة قبل وبعد الحرب الإمبريالية الأولى، وروسيا بعد الثورة البلشفية، والولايات المتحدة بعد الحرب الإمبريالية الثانية ولحد الآن). لكنها سيطرة يستحيل تنفيذها بصورة تامة. والقضية هنا ليس فقط في ان ليس كل ما يشتهيه المرء يبلغه، بل ولمناقضتها منطق الوجود والتقدم نفسه. لان السيطرة الشاملة هو تدمير للسيطرة نفسها. غير أن هذا الحكم المنطقي لا علاقة مباشرة له بالقوة الغضبية (الغريزة)، لكنه يجبرها من خلال عقلنتها التاريخية ووضعها أمام الحقيقة القائلة، بان كل تقدم حقيقي يفترض إدراك قيمة الحدود الذاتية. إلا أن "منطق" اليهودية الصهيونية من حيث الجوهر هو اقرب إلى "قواعد العمل" النفعية الخالصة. لذا فهي لا تنطوي على عظة، وبالتالي فلا حكمة فيها!

أما مفارقة "الحكمة" في عنوان "البروتوكولات"، فإنها ليست اكثر من استهزاء بحقيقة الحكمة التاريخية ومنطقها الأخلاقي القائل، بضرورة الارتقاء فوق معايير الغريزة والعقل الماكر من اجل تأمل حقيقة الوجود، باعتباره عدلا وإخلاصا للمعاني الخالدة. بعبارة أخرى، إن ماهية اليهودية الصهيونية تقوم في افتقادها للحدود الذاتية. لهذا لا يتعدى "منطقها" في الأغلب قواعد العمل النفعية. من هنا ولعها بما سمته تقاليد الإسلام الفلسفية بحب الجاه والرياسة، أي حب الاستكبار والاستحواذ. وإذا كانت هذه الخصلة من صفات النفس البشرية الضيقة، فان همجيتها التاريخية المعتقة في اليهودية الصهيونية ارتبطت بالوجود الهامشي لليهود واليهودية.

إن اليهودية الصهيونية هي مركّب هامشي بالمعنى التاريخي والقومي والثقافي. ومع أنها جزء من التاريخ العالمي، لكنها على ضفافه. من هنا امتلاءها بعناصر الانعزال والغلوّ. وليس تركزّ المال الربوي في الواقع سوى الصيغة الجلية والخفية لهذه الهامشية التاريخية. ولم تؤد مساعيها المعاصرة "للانفتاح" على مجاري "العولمة" إلا إلى تعميق الانعزال والتطرف. وهذان بدورهما ليسا إلا الصيغة الاجتماعية والسياسية لتقاليد الغيتو والشتات اليهوديين، اللذين وجدا تعبيرهما أيضا في وحدة التمركز المالي والهامشية التاريخية. إذ ليس التمركز المالي والهامشية التاريخية لليهودية الصهيونية سوى المظهر الاقتصادي والثقافي للغيتو والشتات، اللذين وجدا منفذهما الوحيد في ميدان السياسة عبر الراديكالية بمختلف ألوانها ومظاهرها. وليست "البرتوكولات الصهيونية" في الواقع سوى أحدى الصيغ النموذجية للنفسية الراديكالية. من هنا سيطرة "قواعد العمل" فيها.

فمن الناحية التاريخية ليست "البروتوكولات الصهيونية" نموذجا فريدا في تاريخ  الراديكاليات الباطنية والظاهرية. بل نستطيع القول، بان "البروتوكولات" هي مجرد صيغة نموذجية للذهنية اليهودية الصهيونية في إحدى مراحل تطورها، كما تجسدت في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر الأوربي. لهذا نعثر فيها على صدى التقاليد "الثورية" و"الميكيافيلية" مخلوطة في توليفة قوامها نفسية الشتات والغيتو، التي تشكل الحركة الصهيونية تجسيدها التام.

فقد تزامن ظهور "البروتوكولات" مع المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في بازل عام 1897، ومع ازدياد حدة "المسألة اليهودية" التي شكلت قضية دريفوس عام 1894-1899  أحد مؤشراتها "الأوربية" آنذاك. وهي مؤشرات مشابهة من حيث محتواها النفسي والعملي لما في الكتابات التي كانت تصدر تحت اسم "الكاتيخيزيس" الواسعة الانتشار نسبيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوربا. وهي كتابات ثورية راديكالية استمدت اسمها من "الكاتاخيزيس النصراني"، أي علوم الدين، وبالأخص أصول الإيمان، التي تقابل في التقاليد الإسلامية "بقواعد العقائد". وهي قواعد حاولت تجسيد العقائد "النظرية" في خطوات "مدروسة" ومقننة ومنظمة "لما ينبغي القيام به" من اجل بلوغ الغاية.

ووجد هذا "الفن" انعكاسه وتجسيده في مختلف الثقافات والمراحل التاريخية، وبالأخص في الفرق الباطنية منها. لكن إذا كانت تقاليد الباطنية القديمة اقرب إلى الرؤية الفلسفية واللاهوتية، فان "قواعد العمل" المميزة لأوربا القرن التاسع عشر اتصفت بأولوية "العمل الفعال" من اجل بلوغ الأهداف السياسية والقومية أولا وقبل كل شئ. كما ارتبط أيضا بتطور الرأسمالية وردود الفعل المتنوعة عليها. من هنا ظهور "الصيغة الثورية"  كما هو الحال في {البيان الشيوعي} وغيره. كما  نعثر على نموذج  روسي لقواعد العمل الثورية في كتاب نيتشاييف {كاتيخيزيس المناضل الثوري} (1869) ، الذي اتسم بنزعة راديكالية متطرفة من النظام القيصري القائم، وبنزعة فوضوية ضد الرأسمالية الآخذة في الصعود على خلفية القنانة التي ألغيت رسميا قبل ثمان سنوات. وهو كتاب قال عنه انجلس، الممثل الألمع آنذاك للفكرة الثورية، بان كل فصوله ترمي إلى ما يرمي إليه الفوضويون، أي إلى تخريب كل ما هو موجود، وبالتالي إشاعة الاضطراب والتشوش في العلاقات السياسية والأخلاقية. كما ظهرت "صيغ قومية" "لقواعد العمل" هذه، كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة لما يسمى "بالكاتيخيزيس البولندي"، الذي ظهر للمرة الأولى عام 1863، بعد تعرض الانتفاضة الوطنية للبولنديين ضد السيطرة الروسية إلى الهزيمة. اذ نعثر فيه على نفس الهواجس المميزة لهذا النوع من الكتابات، أي "تقنين" قواعد العمل الهادفة إلى زعزعة السيطرة الروسية عبر القيام بكل الأعمال التي تؤدي إلى هذه الغاية، مثل التغلغل في أوساط الفئات العليا للدولة والمجتمع، وشراء الأرض واستعمال الكذب والغش والخديعة والتملق وغيرها من الأساليب مازالت تخدم الهدف النهائي. وليس هذا بدوره سوى دفع الرذيلة البرجوازية إلى درجاتها القصوى. كما يظهر في الاتحاد السوفيتي "كاتيخيزيس اليهودي السوفيتي"، الذي صور اليهودي كيانا معاديا للسوفييت والروس ويتجلبب بلباس الاشتراكية والشيوعية لأجل محاربتها، واستعمال المظاهر الروسية لأجل تخريبها.

وعندما ننظر إلى "البروتوكولات" من حيث المظهر، فإننا نرى في "قواعد العمل" المقننة بين سطورها تجسيدا نموذجيا "للميكيافيلية" المطوّعة، أي الأيديولوجية العملية التي حصرت آراء ميكيافيلي في أسلوب مباشر يقوم في إعلاء شأن القاعدة القائلة، بان الغاية تبرر الوسيلة. وضمن هذه الإطار يمكن تحسس المعنى المستتر "للبراهين" التي حاولت أن تقدمها الدعاية اليهودية الصهيونية عن إيجاد الشبه بين كتاب {حوار في الجحيم} لموريس جولي (ت 1879) الذي صور حوارا متخيلا بين ميكيافيلي ومونتسكيو من اجل إدانة سياسة نابليون الثالث في فرنسا آنذاك، وبين"البروتوكولات". وإذا كان هناك بعض ملامح الشبه بينهما، فان ذلك ليس دليلا على أن ما فيها هو "مجرد سرقة" من "حوار في الجحيم"، بقدر ما انه يشير إلى أن البحث في "ميكيافيلي" موريس جولي عن مصدر "البرتوكولات" هو توكيد غير مباشر على ما في ذهنية ونفسية اليهودية الصهيونية من نزعة "ميكيافيلية". لان "البروتوكولات" أيضا من ألفها إلى يائها تعمل حسب قاعدة الغاية تبرر الوسيلة. بل أنها جعلت من هذه القاعدة مبدأ شاملا ومنظما "لقواعد العمل" الصهيوني.

ففي "البرونوكولات" نعثر على مختلف الصيغ التي تصب ضمن هذه القاعدة وتعيد إنتاجها، مثل الفكرة القائلة، بان الأسلوب الأمثل لبلوغ الغاية يقوم عبر استعمال "العنف والإرهاب، لا بالمجادلات النظرية المجردة، انطلاقا من أن كل امرئ مشتهاه السلطة والجاه". أو أن يجري تصوير الحرية السياسية على أنها "فكرة مجردة، ولا واقع حقيقيا لها". ثم يجري النظر إليها باعتبارها طعما للمصيدة ينبغي إتقان استعماله. أو أن يجري التوكيد على انه كلما كان "الخصم المراد البطش به قد أخذته عدوى فكرة الحرية المسماة ليبرالية" كان ايسر السيطرة عليه. أو أن يجري اعتبار المال "القوة التي نسخت قوة الحكام من أنصار الليبرالية". وبما أن الوسائل كلها مبررة من اجل بلوغ الهدف فلا مانع من استعمال أي منها إذا كان مناسبا للحالة المعنية. من هنا يصبح ممكنا على سبيل المثال استعمال "الأهواء والمعتقدات الرخيصة، وما خف وفشا من العادات والتقاليد والنظريات العاطفية" والعمل على إثارة "التطاحن الحزبي". وذلك لان "السياسة مدارها غير مدار الأخلاق، ولا شيء مشتركا بينهما، والحاكم الذي يخضع لمنهج الأخلاق لا يكون سائسا حاذقا". أما الصفات التي يقال أنها من "الشمائل القومية العالية، كالصراحة في إخلاص، والأمانة في شرف، فهذا كله يعد في باب السياسة من النقائص لا الفضائل". وهي فكرة وجدت استمرارها "الطبيعي" في رفع شأن القوة إلى مصاف الحق. من هنا توكيد "البروتوكولات" على أن "حقنا منبعه القوة". من هنا كل فعل فيها "معقول ومقبول"، لان "النتائج تبرر الأسباب والوسائل". وبالتالي، فان من الضروري مراعاة "ما هو أكثر فائدة وضرورة بصورة اكبر من مراعاة ما هو اكثر صدقا واخلاقية". وحدد ذلك موقف "البروتوكولات" مما أسمته الأخذ بعين الاعتبار ما يكون عليه "جمهور الدهماء من طباع خسة ونذالة"، والعمل على استعمال "العنف في الأمور السياسية، ولاسيما إذا كانت أدوات العنف مخفية". بحيث اعتبرت "هذا الشر هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ الغاية المقصودة من الخير". كل ذلك حدد "شرعية" و"أخلاقية" "استعمال الرشوة والخديعة والخيانة، متى لاح لنا أن بهذا تحقق الغاية". إذ في "السياسة يجب على الواحد المسؤول أن يعرف كيف تقتنص الفرص فورا". وهو أمر يستلزم على سبيل المثال "الأخذ بعين الاعتبار، ما عند الأمم من ذهنية خاصة بها وخلقها ونزعاتها". واستغلال كل ذلك بما يخدم الهدف النهائي إلا وهو بلوغ السيطرة. وهي صفات استمدت "البروتوكولات" نموذجها من الجزويت وسعت إلى تجاوز نواقص سابقيهم بهذا الصدد. وهي صفات تمركزت حول القاعدة الأساسية المتعلقة بتبرير الغاية للوسائل. هنا تصبح كل الأفعال مباحة مثل "الاستيلاء على الرأي العام"، و"الإفساد بين الأحزاب، وتفريق القوى المجتمعة على غرض"، وإثارة "الهزات العنيفة والانشقاقات والضغائن والأحقاد"، والعمل على "إبقاء الحرب بين البلاد المعارضة لنا وجاراتها"، على أن يكون ذلك "بألطف مقال، وانعم كلام، وارفع طراز في تلفيق الفتاوى القانونية"، والعمل على تسميم عقول الأجيال الفتية "بالمبادئ والنظريات الفاسدة". فما غير اليهود هو مجرد "قطيع من الغنم، ونحن ذئابهم". وافضل وسيلة لذلك هو الصحافة والإعلام والتعليم. إذ "لكي يتم تخريب جميع القوى التي تعمل على تحقيق الانسجام الفكري والتضامن الاجتماعي، من الضروري تفكيك حلقات المرحلة الأولى من هذا وهي الجامعات"، أما "تدريس الآداب والفنون الكلاسيكية (منذ عهد اليونان والرومان) وكذلك تدريس التاريخ القديم، فينبغي رميه واستبداله بتدريس برامج المستقبل". ومن الاستعراض المكثف السابق يتضح جوهر "البروتوكولات"، باعتبارها نموذجا كلاسيكيا "لميكيافيلية" القوى الانعزالية والمنغلقة، وتمثيلا نموذجيا لقواعد عملها.

فمن الناحية التاريخية والثقافية عادة ما تشكل نماذج "قواعد العقائد" النظرية الصيغة المقننة لنمو العقل العملي (أو الروح الأخلاقي)، على عكس ما هو مميز لقواعد العمل، التي عادة ما تشكل الصيغة المقننة لتوقف العقل العملي (الأخلاقي)، وبالتالي اندفاع قيمة العمل بحد ذاته إلى المقدمة وتحوله إلى المحك المطلق للحقيقة. وهو تحول عادة ما يؤدي إلى نفس النتيجة بغض النظر عن بواعثه الأولية. وذلك لأنه يغلق أمام الأفراد والجماعات إمكانية الاندماج الطبيعي في المجتمع ومعاناة إشكالياته الكبرى بوصفها جزء من نمو الوعي الذاتي التاريخي للأمم. وهو السبب الذي يفسر سر انتشارها السريع والواسع وسط "الاقليات" والهامشيين والحثالات الاجتماعية. وفي افضل الأحوال تبقى من نصيب النزوع الباطني وتقاليده الضيقة.

من هذا المنطلق يمكن فهم أحد الأسباب الجوهرية الكامنة وراء ظهور "البروتوكولات الصهيونية" باعتبارها الصورة المركبة عن اليهودية الصهيونية في أحد مراحل تطورها. إنها جسدت قواعد العقائد العملية للسبيكة المتصيرة تاريخيا من تلاقح الراديكالية اليهودية والباطنية الماسونية والصهيونية في مجرى محاولات اندماج اليهود، بكل ما رافق ذلك من عسر وتشويه، بالثقافة الأوروبية عند صعود الرأسمالية الكولونيالية والدولة القومية.

الماسونية اليهودية الصهيونية الثالوث الراديكالي للشتات والغيتو.

 

 كان القرن التاسع عشر الأوربي قرن الراديكاليات السياسية من فوضوية وعدمية وشيوعية طوباوية واشتراكيات متطرفة وحركات إرهابية وماسونيات متنوعة تراكمت في مجرى تأمل نتاج ونماذج الثورة الفرنسية. وهي راديكاليات اشترك اليهود فيها اشتراكا فعالا، لأنها شكلت أسلوبا لاندماجهم الواسع الانتشار آنذاك في الثقافة الأوربية. كما كانت في الوقت نفسه استجابة لتقاليد الشتات والغيتو ونفسيتها الاجتماعية المنغلقة.

وقد صبّ اليهود في هذه العملية المعقدة إفرازاتهم في خميرة التيارات الراديكالية المتنوعة. وليست "البروتوكولات" سوى نموذج ونتاج لتداخل "منطق" الراديكالية و"باطنية" الماسونية في اليهودية الصهيونية. وهو تداخل كان يعكس التمظهر التاريخي لتقاليد الشتات والغيتو اليهوديين، أي وحدة الانعزال والتشرذم. وهي صفات ميزت نفسية الماسونية والصهيونية والراديكالية على السواء.

فقد تمثلت اليهودية الصهيونية تراث الماسونية وراديكالية الحركات الثورية، وبالأخص عناصرها الكبرى في "قواعد العمل" مثل العمل السري، والتنظيم المبرمج لهدم النظم القائمة، واتباع أسلوب التغيير الجذري، وأولوية العنف والقوة، والاعتماد على القوى المهمشة والهامشية، وادعاء العالمية والكونية في البرامج والرؤية. ولعبت هذه القواعد الست دورا تقدميا عميقا في تراث الراديكالية اليسارية والحركات الثورية (الاشتراكية والشيوعية) في أوربا. وهي قواعد يمكن العثور عليها في كل كراريس وبيانات الحركات الثورية الاشتراكية والشيوعية الأوربية ابتداء من ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى ثلاثينيات القرن العشرين.

غير أن هذه القواعد الست العامة صارت من الناحية الرمزية بمثابة ايام العمل الست التي تسبق يوم السبت اليهودي, وذلك ضمن آلية فعل الشتات والغيتو لليهودية الصهيونية الناشئة منذ بداية النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إلى أيام العمل الستة العادية من اجل التحضير للسبت اليهودي. لكن إذا كان العنصر اليهودي المندمج والساعي للاندماج في الثقافة الأوربية قد افرز بالضرورة عناصر الراديكالية في الحركات الثورية، فان التيار الذي بقي ضمن حيز اليهودية العنصرية وتقاليدها التلمودية استثمر نفسية الراديكالية وقواعد عملها ضمن هيكل الماسونية ونزوعها المنغلق من اجل تنفيذ مساعيه الخاصة للسيطرة (العالمية).

طبعا أن النزوع للسيطرة العالمية ليس جديدا أو أمرا غريبا. فقد كانت الإمبراطوريات العظمى والأديان العالمية والحركات الأممية تسعى جميعا للسيطرة العالمية. ثم أننا نعثر في التاريخ عموما على مساع حثيثة للسيطرة العالمية على مستوى الدين والدولة والحركات السياسية. ولا يخلو العالم المعاصر من هذه الظاهرة، التي تكشف عن ضيق أفق في رؤية الدولة، وعن جوهرية الله (أو الفكرة) في الدين، وجوهرية الغاية (المتسامية) في الحركات السياسية الأممية. ومن الناحية التنظيمية يمكن العثور في تقاليد الكاثوليكية على محاولات تجسيد هذه السيطرة، كما سعى الكومنترن (الاممية الشيوعية)، بعد ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، إلى تجسيدها استنادا إلى الفكرة الشيوعية (خارج الدين والقومية). والشئ نفسه يمكن قوله عن حركة الإخوان المسلمين كما وضعها حسن البنا في سعيه لما اسماه بالدورة العالمية لاستعادة السيطرة الشرقية بشكل عام والإسلامية منها بشكل خاص.

وبغض النظر عن الفشل الذريع أحيانا لهذه المشاريع والمساعي، إلا أنها تبقى تحمل في ذاتها إدراكا عميقا لمعنى الوحدة وأهميتها الإنسانية. أما سبب فشلها فيقوم في محاولاتها تطبيق نموذجها بهيئة بديل جاهز. بينما تفترض حقيقة الوحدة تطورا تلقائيا يؤدي بالضرورة، في حالة استناده إلى رؤية ثقافية عقلانية (معتدلة) في بناء الدولة والمجتمع والفرد، إلى تلاق متناغم في تنظيم شئون الدول والأمم وتقاربها المتناسق. أما الماسونية فقد تمثلت أساسا نفسية الراديكالية وتقاليدها المغلقة مما اسبغ عليها وعلى قواعد عملها طابع المؤامرة والمغامرة.

تأثرت الماسونية ودانت من حيث نشوئها لتقاليد الفرق النصرانية، التي تشكل اغلبها منذ بداية الحروب الصليبية وغزو فلسطين. ولعل أكثرها تأثيرا بهذا الصدد هي فرقة (فرسان الهيكل)، التي تأسست في نهاية القرن الحادي عشر بعد احتلال القدس. وهي فرقة تميزت بالصرامة والعزلة. ولعبت هذه الفرقة بعد تحرير فلسطين عام 1291، ورجوعها إلى أوربا دورا كبيرا في تأسيس "دولة داخل دولة". حينذاك اخذ دورها المادي والمعنوي في الازدياد، مع الاحتفاظ ببنيتها المغلقة وتقاليدها السرية. فقد ازدادت ثروتها الخاصة من خلال انتقال ثروات المنتمين إليها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المنتمين إليها من بين أرستقراطية وأمراء أوربا آنذاك، فمن الممكن توقع نوعية وكمية الثروة المتجمعة عندها، مما حولها في نهاية المطاف إلى "إمبراطورية" موازية "لإمبراطورية" البابا والألمانية المقدسة. وبغض النظر عن تعرضها لتدمير هائل زمن فيليب الرابع (الملقب بالجميل) ملك فرنسا عام 1307، إلا أنها استطاعت الاستمرار عبر فروعها في أسبانيا والبرتغال واسكوتلنده وغيرها من المناطق حتى القرن السابع عشر. بعد ذلك اندمجت بالحركة الماسونية ونقلت إليها "تاريخها" السابق ورموزها مثل المثلث والكأس ونجمة داوود (الهيكل) وغير ذلك من الرموز. كما نقلت إلى الماسونية أيضا قواعد عملها. والشيء نفسه يمكن قوله عن فرقة روزينكرايتس (الوردة والصليب)، التي شكلت إلى جانب (فرسان الهيكل) أحد أهم الفرق التي دخلت الحركة الماسونية في وقت لاحق. فهي الفرقة التي لم يعق اهتمامها بالباطنية والتصوف والطلسمات من انتماء شخصيات أوربية لامعة اليها نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر ليينتس وديكارت. لكنها خلافا لفرقة (فرسان الهيكل) لم تتدخل بصورة مباشرة في الشئون السياسية ودنيا المال. لكنها كانت تدعو إلى ضرورة تحويل العالم عبر تكوين دولة واحدة ودين واحد بالقضاء على البابوية والكاثوليكية.

لقد جعلت الماسونية من اهتمامها بالمستقبل مقدمة نقدها للواقع، ومن نقدها للواقع ذريعة للثورة عليه. وهي قيم إنسانية عميقة من حيث طبعها المجرد، إلا أن خطورتها التاريخية كانت تقوم في إمكانية تحجرها "العقائدي" من خلال تحويل قواعد عملها ومبادئها الكبرى إلى جزء من لعبة المقامرة والمغامرة التي عادة ما تؤدي إليها الراديكالية المغلقة. وهي لعبة تصنع على خلفية الانغلاق "الأرستقراطي" أوهامها عند الشباب، ومغامراتها الخطرة عند الرجال، ومقامراتها الرذيلة عند الكهول. وليس مصادفة أن تظهر حينذاك "الرؤى المستقبلية" و"التنبؤات" كما هو الحال في رسالة ناسترداموس إلى هنري الثاني و"تنبؤات" باراسيلوس وكثير غيرها.

وتراكمت هذه الحصيلة في مجرى تعمق الشحنة الراديكالية والعقلانية، التي بلغت ذروتها التاريخية في الثورة الفرنسية. فقد قدمت الماسونية شعار الحرية والعدالة والاخوة للثورة الفرنسية، كما كان رجالها الكبار مثل ميرابو ومارات ودانتون وروبيسبير وسان جوست وغيرهم من اتباع الماسونية. كما دخل فيها في وقت لاحق كبار رجال عصر التنوير والإبداع الأدبي والموسيقي والسياسي مثل فولتير وديدرو وروسو وغوته وبايرون وغاريبالدي وبتهوفن ومادزيني وغيرهم.

ذلك يعني أن الماسونية تمثلت في مراحل صعودها التاريخي الشحنة المتراكمة للروح الثوري والراديكالي في مواجهة تحجر وتكلس "النظام العالمي" للكاثوليكية وأنظمة الحكم الاستبدادية. لهذا كانت بدائلها تتميز بالدفاع عن "المطلق" و"العالمي"، باعتبارها الصيغة الراديكالية في مواجهة الواقع والسعي لتغييره. وهي مواجهة أدت تاريخيا، وبالأخص مع انتصار الثورة البرجوازية وصعود أهمية ودور راس المال ودخول اليهود المتأخر فيها كجزء أيضا من محاولاتهم للاندماج في الثقافة الأوربية، إلى تحولها من منظمة "بنائين أحرار" إلى "هدامين أحرار". كما تحولت حركة "الفئات الدنيا" إلى حركة "الفئات العليا"، أي من حركة العمال إلى حركة الأرستقراطية. مما أفرغها من مضمونها الاجتماعي الأول وأخلى توجهها السياسي من حوافزه الاجتماعية الأولى، بينما أبقى على "قواعد عملها"، التي غذّتها لاحقا الراديكالية السياسية والأيديولوجية في غضون القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

لقد جرى هذا التحول التدريجي والراسخ في كافة المراكز الأوربية آنذاك. وتغلغل لاحقا في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في روسيا فقد كرر أيضا المسار الأوربي، ولكن بصورة مقلوبة. وذلك لأنه انتقال بلا تاريخ اجتماعي. على عكس ما كان عليه الحال في أوربا. إذ لم تكن في روسيا حركة "بنائين أحرار" وماسونية ثورية وتقاليد برجوازية وتنوير. لقد أخذت روسيا النموذج الماسوني بصيغته الأرستقراطية الجاهزة. لهذا نرى أول من يدخل فيها القيصر الروسي بافل الأول، ثم أخذت بالانتشار ماسونيات عديدة ضمت الكثير من رجال الإبداع الروسي في العلوم والآداب والفنون مثل تروبسكوي وغلينكا وبيستوجيف وتورغينيف وبوشكن وكارامزين وسوفوروف وكوتوزف وريبين وغريبايدوف وباكونين وسبيرانسكي. وهي شخصيات اغلبها أرستقراطية المنشأ دخلت الماسونية في بداية مراحلها. بعبارة أخرى أنها وجدت في الماسونية عناصر التقدم والتنوير. فمن المعلوم أن الماسونية ليس لها "طرقها" وحركاتها الاجتماعية المغلقة، بفعل غياب تقاليدها التاريخية والتطور الرأسمالي. لهذا سرعان ما ذابت في التقاليد الأوسع للراديكالية الثورية التي ميزت تاريخ روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى ثورة أكتوبر عام 1917.

أدت غلبة الراديكالية السياسية إلى بروز أولوية محاربة القيصرية والأرثوذكسية الروسية وظهور نقائضها في الاشتراكية والإلحاد. وهي توجهات استجابت لنفسية اليهودية الصهيونية التي تبلورت ضمن تقاليد الراديكالية الثورية في أوربا القرن التاسع عشر وبلورت بعض معالم "نظمها الفكرية" وأيديولوجياتها العملية. وفي هذا يكمن أحد الأسباب التي تفسر سر الخلاف الجوهري بين "الاشتراكية الروسية" و"الاشتراكية الأوربية" (الماركسية بالأخص) في الموقف من القوى المحركة للثورة والقائدة للبديل الاشتراكي.

فقد كان التيار الروسي إلى جانب الفلاحين انطلاقا من اعتبارهم القوة الاجتماعية الأساسية في روسيا والمكون الجوهري بالنسبة للتاريخ الروسي، بينما كانت الطبقة العاملة هي القوة الرئيسية بالنسبة للتيار الغربي. وهو خلاف يتضح الآن معناه ومغزاه التاريخي والسياسي. فقد كان الفلاحون هم مصدر الطاقة التاريخية لروسيا وقوة استمرارها كدولة وقومية وتقاليد مشاعية (الجماعة والشراكة)، بينما كانت الطبقة العاملة من حيث الكم والنوع جزء لا يمثل تقاليد روسيا الكبرى. وهو واقع أدى بالضرورة إلى صعود العناصر "الهدامة"، أو إلى أن يكون الوعي السياسي والنفسية الاجتماعية لحاملي الفكرة الثورة اكثر استعدادا لتقبل العناصر الهدامة في الفكرة الراديكالية. لاسيما وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن القوة السياسية القائدة للطبقة العاملة وأحزابها السياسية وممثليها الراديكاليين كانت في اغلبها يهودية الأصل والمشرب والمنزع. وكان سبب هذا الاستعداد القائم فيها للتحزب يقوم في ثقل اليهودية المتربية بتقاليد الشتات والغيتو بشكل عام وفي روسيا بشكل خاص.

فقد كانت نهاية القرن التاسع عشر أيضا نهاية الماسونية التقليدية واليهودية التقليدية. وعوضا عن الأولى ظهرت الحركات الراديكالية والثورية الاشتراكية، التي شكل اليهود اغلب قياداتها. وتحولت اليهودية إلى يهودية صهيونية ظهرت ملامحها الجلية والمنظمة و"الرسمية" في مؤتمر بازل عام 1897. وفي هذا يكمن أحد الأسباب الجوهرية في استجابة اليهودية الصهيونية للحركة الثورية وسيادة روح المغامرة والمؤامرة فيها. مما أدى بالضرورة إلى إفراغ طاقتها من عناصر الاعتدال والوحدة، حتى في اشد حالات الدفاع عنها نظريا. ووجد ذلك انعكاسه في تعمق الانغلاق الذاتي مع دعوى بالانفتاح كما وجد انعكاسه الصارخ بعد الثورة البلشفية في مختلف ميادين الحياة. والشيء نفسه يمكن قوله عن التناقضات التي ميزت الاشتراكية السوفيتية وأدت لاحقا إلى انهيارها.

أما عند تخوم القرنين التاسع عشر العشرين، فقد كانت تتضح اكثر فاكثر ملامح "تكامل" الماسونية مع اليهودية وخضوعهما غير المباشر للصهيونية الآخذة في النمو. وهو "تكامل" أثار حينذاك في الوعي الحكومي والسياسي في روسيا تحسسا جديا حول الخطر الكامن فيه بالنسبة لمصير روسيا والنظام القيصري والديانة الأرثوذكسية. وهو تحسس تنامى في إدراك جسدته الفكرة الأكثر انتشارا بين التيارات القيصرية والروسية القومية والنصرانية الأرثوذكسية في شعارات (القيصرية، الأرثوذكسية، الجماعة والتنوير) كبديل روسي لشعارات الليبرالية والإلحاد والتنوير البرجوازي والاشتراكي، الذي تلمست فيه القوى القومية الروسية ثالوثا ماسونيا يهوديا صهيونيا. وهو أمر بمكن تحسسه في "العثور" على "البروتوكولات" ونشرها في روسيا عند تخوم القرنين التاسع عشر العشرين، باعتبارها "وثيقة" تكشف عن خطر الماسونية اليهودية الصهيونية على المصالح الجوهرية لروسيا والعالم اجمع.

فما وراء نشر "البروتوكولات" يمكن تحسس الهموم المباشرة وقلقها من الأهداف والأحقاد الدفينة للماسونية اليهودية الصهيونية. وهو السبب الذي يفسر محاربة الحكومة المؤقتة بعد ثورة شباط 1917 لها ومصادرتها ومنع طباعتها بسبب انتماء الكثير من قيادتها للماسونية، بينما جرى تحريمها وتجريمها بعد ثورة أكتوبر عام 1917 بسبب يهودية الأغلبية الساحقة من قيادتها.

لم يكن إدراك مخاطر اليهودية الصهيونية فعلا طارئا برزت معالمه بعد نشر "البروتوكولات"، كما انه لم يكن محصورا في روسيا لحالها، بقدر ما كان له تاريخ عريق في الثقافة الأوربية. فقد تشبعت الثقافة الأوربية منذ القدم، وبالأخص بعد اعتناق النصرانية دينا، بعناصر الكراهية تجاه اليهود واليهودية. وهي صورة لها أبعادها الدينية واللاهوتية، التي لبست ملابسها المتلونة أحيانا مع "انتشار" اليهود في الشتات الأوربي. وقد اغلق هذا الشتات أبوابه على اليهود في المدن الأوربية برتاج العداء الديني. واصبح اليهودي رديفا ليهوذا بوصفه الرجل الذي أودى بحياة معلمه و"الحواري" الذي اغتال نبيه والمريد الذي خان شيخه، كما صورته الأناجيل. ولم يغير من هذه الصورة دخول "العهد القديم" في "الكتاب المقدس" للنصرانية والنصارى. على العكس! انه أدى إلى استفحال نفسية العداء. وهي مفارقة يمكن حل عقدتها استنادا إلى ما في "العهد القديم" من نفسية عداء متأصلة ومستفحلة تجاه "الآخرين". فهو "عهد" لا أمان فيه لغير نفسية العداء وكراهية الآخرين. وليس اعتباطا أن نظهر في أوربا القروسطية الصدى الاجتماعي لشخصية "اليهودي القذر" في القصص والحكايات والخرافات الشعبية. وحيكت حول شخصية اليهودي هذا مختلف الأساطير التي أجمعت على إبراز صفات البخل والغدر واعطشه لسفك الدماء وإلحاق الأذى بالآخرين والتخريب والدمار وما شابه ذلك من الرذائل. وظهر ذلك بوضوح في  أسطورة اليهودي الشبح الذي يتصيد مع كلابه الفلاحين والبسطاء بين فترة وأخرى في غابات أوربا. فقد جعله الفرنسيون يقطن في غابة فونتين بلو، والجرمانيون في "الغابة السوداء"، والإنجليز في غابة وندثور. وهو شبح يظهر بين الحين والآخر ليرسل الموت على الحيوانات والوباء والأمراض على الناس. أطلقوا عليه أسماء متعددة مثل يوتاديوس (قاتل الإله) باللاتينية، ويهودي البندقية (صلاتيل بن سعدي). ونعثر على ذلك في مسرحية شكسبير الشهيرة "تاجر البندقية". وتوجت شخصية اليهودي هذه في الأسطورة الإيطالية النمساوية عما يسمى بألفية الصقيع. وهي أسطورة تحكي لنا عن كيفية ضمور صناعة النبيذ في المناطق الجنوبية من جبال الألب، بسبب الرياح الباردة التي ولدها ظهوره، التي استمرت لمدة ألف عام. وهي أسطورة ترمز إلى أن ظهور اليهودي في أي مكان مثله مثل البرد القارس لمدة ألف عام يقتل كل حي ولا يترك خلفه إلا الخراب والدمار.

وهي أساطير تعكس في رمزيتها إلى جانب عشرات غيرها الكيان المغلق لليهودي ودوره التخريبي في ممارسة الربا، بحيث جعل منه في الذاكرة الشعبية لأمم القارة الأوربية شبحا متوحشا وموتا باردا. وهي صورة يسهل توظيفها سياسيا مع كل تأويل بسيط لأحداث هي بحد ذاتها عادية وطبيعية، كما هو الحال بالنسبة لنشر الوثائق المنسوبة إلى حاخامات اليهود (السندريون) الذين نصحوا يهود أسبانيا في عام 1485 الذين اكرهوا على اعتناق النصرانية غصبا، بان يعلموا أبناءهم مهن التجارة والطب ودخول الكنيسة من اجل إلحاق الضرر بالنصارى. إذ حتى في حال افتراض صحة ما تقوله هذه الوثائق، فانه رد فعل طبيعي على محاولة تنصيرهم بالإكراه. وهو إكراه يؤدي بالضرورة إلى ردود فعل لا تتسم غالبا بالعقلانية والخير.

غير أن الصورة السيئة عن اليهود واليهودية المتراكمة تاريخيا في الوعي الأوربي الشعبي والسياسي تحولت بعد الثورة الفرنسية، وبالأخص يعد دعوة نابليون لمجمع الحاخامات باللقاء به عام 1807 إلى علامة مؤشرة على مكامن الخطر الدفين و"السري" في هذه القوة المنغقلة، التي وجدت منفذها إلى "دكتاتور" رفيع المستوى ومؤثر في السياسة الأوربية والعالمية آنذاك. وبغض النظر عن التأويلات العديدة لهذا اللقاء، إلا انه يشير من الناحية التاريخية إلى الصلة التي كانت تلمح إليها الكتابات التي حاولت البرهنة على أن اليهود يبيتون خطة مشؤومة على النصارى (الأوربيين). وهي "خطة" كانت تتراكم فعلا في نفسية وذهنية الشتات والغيتو في مجرى العملية المتناقضة لكسر قيود الانغلاق عبر مساعي اليهود للاندماج في الحركة الاجتماعية والثقافية وضغوط الفكرة القومية في القرن التاسع عشر.

لقد كان تاريخ المسيحية كله حتى القرن التاسع عشر تاريخ تربية العداء لليهود واليهودية. وفي الاثناء ذاتها فان تاريخ اليهود واليهودية تكلسا وانغلقا على نفسيهما مما أدى بالضرورة إلى حالة توجس خفي صنعت بحد ذاتها "خطة" الخروج من هذا المأزق. وهي "خطة" لم يكن بإمكانها التخلص عند اليهود من ضغط تقاليد الانعزال الذاتي. وبالتالي فان كل محاولة للاندماج من جانبهم كانت تؤدي بالضرورة إلى إبراز أسلوب جديد من الراديكالية. وهي راديكالية كان يصعب تذليلها حتى ضمن تقاليد اليهودية بفعل غلوّ اليهودية نفسها. وهو مأزق جديد أدى على خلفية التطور الرأسمالي وتحول المال الربوي اليهودي إلى رأسمال برجوازي وكذلك صعود الحركة اليهودية الصهيونية إلى تراكم الرؤية "المستقبلية"، القائلة بان "خلاص اليهود" ممكن من خلال السيطرة والاستيلاء على الآخرين. وهي ظاهرة أخذت تلوح للعيان في مرى القرن التاسع عشر على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية والإعلامية. حيث بدأت تظهر ملامح اليهودية المالية (في البنوك) والإعلامية (في الصحافة) والسياسية (في الحركات الثورية والراديكالية)، أي في المرافق الأساسية الكبرى للحياة الاجتماعية.

حينذاك اخذ العداء لليهود واليهودية يتأطر نظريا وسياسيا وإعلاميا. ففي بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحولت ألمانيا (ذات الكثافة اليهودية العالية نسبيا آنذاك) إلى ميدان الهجوم الفكري الكبير على اليهود واليهودية. وهي معركة اشتركت فيها مختلف القوى الاجتماعية والسياسية والفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فقد عرض ماركس في {المسألة اليهودية} وباكونين في {جدل ضد اليهود} مواقفهما الفلسفية السياسية من "المسألة اليهودية". وظهرت أبحاث متخصصة تتناول نفسية وذهنية اليهود وخطرها بالنسبة للعالم كما هو الحال في الكتب التي ظهرت في روسيا مثل كتاب برافمان {الهقال} عام 1869، كما ظهر في نفس العام كتاب {التلمود واليهود} 1879. بينما نشر عثمان بي (الاسم المستعار للكاتب ميللينغين) كتاب {احتلال اليهود للعالم} عام 1873 الذي طبع في بازل وترجم إلى الروسية وطبع فيها عام 1784. وهو من بين أوائل الكتب التي تحدثت بصراحة عما اسمته بخطط اليهود للاستيلاء على العالم، كما وضعوها في اجتماعاتهم السرية، التي عقدوها في مدينة كراكوف عام 1840. وبنفس الاتجاه سارت ما أطلق عليه {رسالة كريميه} المطبوعة عام 1874، التي تتحدث عما أسمته بخطط اليهود للسيطرة على العالم وإمكانية فوزهم في مساعيهم هذه. وسبقتها في هذا الإطار أيضا {رسالة سيمونيني} للكاتب الإيطالي باريل. كما وضع جملة من الكتاب الاجتماعين والمؤرخين ورجال الدين العديد من الكتب حول الموضوع نفسه كما هو الحال بالنسبة لكتابات أ. توسيل، غوشينو دي موّسو، ادوارد درومون، ورجال الدين النصارى مثل الأسقف ميران والأب شابو. كما نعثر على نفس الظاهرة والتقييم والحوافز في الأدب الروائي. ولعل رواية هيرمن غودشه (الاسم المستعار جون ريتكليف) التي ظهرت في ستينيات القرن التاسع عشر تحت عنوان {بياريتس روما} التي ترجمت إلى الروسية وطبعت بعنوان {كلام الحاخام} تتحدث في أحد فصولها بعنوان "المقبرة اليهودية في براغ" عن كيفية اجتماع رؤساء اليهود في إحدى المقابر اليهودية في براغ ومناقشة الخطط والأعمال التي ينبغي القيام بها من اجل إحكام السيطرة على العالم.

أما في روسيا فقد اتخذت هذه الظاهرة أبعادا خاصة بسبب الموقع المتميز لليهود في تاريخ روسيا منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين. فهو القرن الذي اختمرت فيه اليهودية الصهيونية وأفرزت أحد اكثر أشكالها المريعة عرقيا وسياسيا وثقافيا، والتي شكلت "البروتوكولات" انعكاسها غير المباشر و"توثيقها" المضاد. إذ لم تكن "البروتوكولات" في الواقع سوى الحصيلة المتراكمة من مواجهات "قواعد العمل" وذروتها النظرية بين اليهودية الصهيونية والمعارضة لها. وهي معارضة متنوعة المستويات والأشكال والنماذج.

فقد اتخذت هذه المعارضة في روسيا شكلا نظريا فلسفيا وتاريخيا ولاهوتيا وسياسيا وأدبيا اشترك فيها الفلاسفة والمؤرخين ورجال الدولة ومؤسساتها وأدباؤها وشعراؤها. فقد تناول قضية مخاطر اليهود بصورة محترفة مجموعة من الكتاب الاجتماعيين مثل برشكو ، بورينين، فيكوفسكي، برويتشكوفيتش، تينياكوف، سطاليبين (أخو سطاليبين المشهور)، مينشيكوف وباشماكوف وآخرين. كما كتب بهذا الصدد مؤرخي اليهودية والدين اليهودي مثل برافمان {الهقال} عام 1869، لوتوستانسكي {التلمود واليهود} عام 1879-1880، نوتوفتش في كتاب {حقيقة اليهود} عام 1895. وفي العام نفسه وضعت وزارة الداخلية القيصرية تقريرا سريا موسعا بعنوان {أسرار اليهودية} تناول كل ما له علاقة بعمل ونشاط اليهود بدءاً من الحروب الصليبية وانتهاء بالقرن التاسع عشر، جمعت فيه كل المعلومات المتعلقة بنشاطهم ضد الدول التي أقاموا فيها. وهو تقرير نشره سليوزبيرغ كملحق ضن كتاب {أسرار حكماء صهيون- تاريخ كتاب منحول} الذي جمعه وقدم له اليهودي ديليفسكي وطبعه في برلين عام 1923. وفي نفس الاتجاه سار بحث المؤرخ برجيسلافسكي {السر العظيم للماسونية}، الذي اعيد نشره عام 1909 بعنوان {إفشاء السر العظيم للماسونية الإفرنجية}[36].  كما وجد تحسس وإدراك الخطر الذي يمثله اليهود بالنسبة لمصير روسيا انعكاسه في الإبداع الأدبي لعمالقة روسيا كما هو الحال عند بوشكن وبلوك ودستويفسكي وكوبرين. وجرى التعبير عن ذلك في روايات خاصة كما هو الحال عند الكاتب بيسيمسكي في رواية {البحر الهائج} وكريستوفسكي ف. في رواية {الظلمة المصرية} الصادرة عام 1881، وفاغنر ن. في رواية {عمل اسود} الصادرة أيضا عام 1881، وروايات شابلسكايا {شياطين القرن} (1909) و{الحمر والسود} (1911)[37].

وقد صبت هذه الكتابات والأبحاث في خميرة الصراع الفعلي بين التيار اليهودي الصهيوني الصاعد في روسيا آنذاك وبين تيار القومية المدافع عن القيصرية المتهالكة من ثقل مشاكلها الكبرى وضعف قدرتها آنذاك على تقديم نظام قادر على هضم التنوع الهائل فيها وتسريع اندماج الأقوام والأمم في الإمبراطورية وتوظيف قدراتها بما يخدم مصالح الجميع. وهي إشكاليات كبرى كان يصعب حلها ضمن نظام الحكم الملكي المطلق، كما أنها كانت مستعصية في ظل الصعود القومي للأمم.

وقد كانت "البروتوكولات"، التي ظهرت عند تخوم القرنين التاسع عشر العشرين، محاولة لتوليف السيطرة العالمية (في روسيا) والاستقلال القومي. من هنا تشوهها الذريع. غير أن "البروتوكولات" لم تكن توليفا نظريا مستندا إلى رؤية فلسفية عن مسار التاريخ بمعايير التقدم والمثل المتسامية، كما كان الحال بالنسبة لبرامج الحركات الاشتراكية آنذاك، بل كانت "قواعد عمل" مناقضة لها جرى استجماعها من تأمل تقاليد وأفعال ونفسية وذهنية اليهودية الصهيونية. لكن ذلك لا يعني أن اليهودية الصهيونية غير قادرة على القيام بذلك. على العكس! أنها أسيرة الاستعداد الذاتي للعمل وفق منطق هذه القواعد وروحها، التي وضعت تحت عنوان ليس له صلة بالحكمة. فهي ليست حكمة، بقدر ما هي قواعد عمل صهيون!

 

دخول "البروتوكولات" إلى روسيا و"الخروج" الثاني لليهودية الصهيونية

 

من البديهي القول، بان لكل مدخل مخرجا. وفي حالات مستعصية يغدو المدخل هو أيضا مخرج. وهي حالة لفت دخول "البروتوكولات" إلى روسيا وخروجها من حيز المجهول إلى حيز المعلوم. فسواء كانت فرنسا مصدرها أم روسيا، فان ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئا، إلا وهو  أن دخولها وخروجها يعبر عن حقيقة واحدة يقوم فحواها في أن "البروتوكولات" هي العصارة المتراكمة لقواعد العمل المميزة لتاريخ الماسونية اليهودية الصهيونية. أنها تعيد من حيث ملامحها الظاهرية وغاياتها المقننة أسطورة "الخروج" اليهودي الأول من مصر.

ففي "الخروج" الأول نرى ملامح الصورة الأسطورية التي تسعى لتبرير و"تقديس" كل الافعال الممكنة لليهود. وبغض النظر عن فجاجة هذه الاسطورة، إلا أنها تنتمي في الإطار العام إلى تقاليد المنطقة "السامية" وتراثها الفكري والروحي. وهو أمر جلي فيما يسمى "بالوصايا الموسوية" التي ما هي في الواقع سوى "سرقة" محسنة لأحكام وقيم أهل الرافدين ومصر وتقاليدهما العريقة. والقضية هنا ليست فقط في أن "موسى" مصري من حيث الاسم والتربية كما يقول كتاب "الخروج" نفسه، بل وفي جملة قيمه العملية والأخلاقية. لكنه حالما ينتقل إلى قيم اليهودية الدينية، فانه يأخذ بالابتعاد عنها للدرجة التي تجعله غريبا ومغتربا عن القيم الإنسانية الكبرى لتراث المنطقة.

إن "دخول" اليهود إلى أراضي مصر كان بحثا عن حياة افضل. كما انه "عبور" طبيعي للعبرانيين بين أراضي المنطقة. من هنا عيشهم الطبيعي فيها، الذي جعلهم، كما تقول التوراة، يتكاثرون جدا بحيث امتلأت ارض مصر بهم. مما أدى بفرعون مصر الذي "يجهل" تاريخهم إلى أن يتخوف منهم ومن أن يتحولوا إلى أعداء قد يساعدون من يهاجم مصر. وهو "شعور" له معناه التاريخي، الذي لا تفسير واقعيا له، سوى  سيادة شعور الانغلاق العرقي اليهودي. وذلك لان "موسى" الذي رموه في نهر النيل ومنه دخل إلى قصر فرعون وتربى فيه، "يكتشف" يهوديته في اللحظة التي يرى فيها مصريا يضرب عبريا. بحيث يؤدي به ذلك إلى الانتقام من المصري وقتله. وهو شعور معقول ومقبول، لأنه ينم عن إحساس بكراهية الظلم. لكن لماذا لا يظهر هذه الشعور تجاه المصري المعذب، أو لماذا يكون قتل المصري مقابل ضرب العبري؟ وكيف يمكن لنبي كبير أن يسلك طريق القتل لكي "يراه" الله! كما كيف يمكن لله أن ينسى "شعبه" و"يتذكر" ميثاقه مع إبراهيم واسحق ويعقوب بعد أن سمع أنينهم؟! وفيما لو تركنا "حكايات العجائز" هذه كما كان يقول ابن حزم، ونظرنا إلى أبعادها النفسية والعقائدية التي بلورت شخصية اليهودي الصهيوني، فإنها تبرز عبر ملامح ما يمكن دعوته "بالرشوة العرقية" التي يتعامل بها اليهود مع "يهوه" أو بالعكس. فالأمر سيان، لان الإله القومي هو كقومه، أو بصورة أدق انه قومه. ومن ثم لا ألوهية فيه بالمعنى الدقيق للكلمة. لهذا نراه "يوزع" عليهم "ارض الكنعانيين والحثيين والاموريين والغرزيين والحوبيين واليبوسين" مقابل "غربتهم التي تغربوا فيها". وهي علاقة تتغلغل العقيدة اليهودية من خلال مطابقة اليهودي مع إلهه. من هنا فكرة "شعب الله". أما في الواقع فان لجميع الآلهة القومية والقبلية "شعوبها". كما نقول إن لكل شيخ قبيلته.

لكن حالما يجري تطويع هذه "الخديعة" المعبرة في الأغلب عن عقدة النقص، بما يخدم تقديس الرذيلة، آنذاك يصبح استعمال كل الأساليب الواقعية والخيالية ممكنا من اجل بلوغ الهدف. وأسطورة الخروج الموسوية هي نموذج "كلاسيكي" لها. فدلائل النبوة الموسوية، التي شكلت أسلوب القناعة الذاتية باختياره نبيا لبني اسرائيل ليست إلا رؤية يده برصاء ثم رجوع لونها الطبيعي. وهي "معجزة" ترمز بصورة غير واعية إلى الأعماق الدفينة لحرباء النفس اليهودية، أما أسلوب تجسيدها الفعلي من اجل "الخروج" من ارض مصر، أو بصورة أدق من اجل  تبرير الاستيلاء على ارض فلسطين، فانه يمتثل كل قيم الخراب والتدمير الممكنة. فهي "معجزات" تتكون من ثماني حلقات تصنع في كلها وفي أجزائها نفسية وذهنية الخراب والتخريب. إنها تبدأ بالدعوة لتحويل مياه النيل إلى دم بحيث لا يستطيع أهل مصر شربه ولا الأسماك العيش فيه. ثم ملء النيل بالضفادع. ثم تحويل كل تراب مصر إلى بعوض وذباب، ثم تمويت مواشي مصر، ثم إصابة جلود المصريين بالدمامل، ثم تسليط البرد والنار، وأخيرا انتشار الجراد فيها. وهي "معجزات" تعبر عن النفسية اليهودية في التعامل مع "الخصم" بحيث يصاب ليس فرعون لحاله، بل "كل ارض مصر وكل مواشي مصر وكل ناس مصر وكل نهر النيل، وان تحرق أرضها وناسها وتجمد! وهي نفسية وذهنية لا تتعارض من حيث الجوهر عما هو موجود في "البروتوكولات"! بل أن العلامة التي ينبغي أن تميز اليهود عن غيرهم، كما يطالبهم موسى، من اجل "تجنب" غضب "المعجزات" هذه هو "الدم على الأبواب". وعندما "عجز" فرعون عن مواجهة هذه "المعجزات"، فان آل اسرائيل طالبوا مقابل "خروجهم" من مصر "فضة وذهب وثياب" واعتبروا "سلب المصرية" هدية إلهية! وليست هذه "الأحداث" سوى المقدمة التي توصلهم إلى "ارض الميعاد". بحيث "تأخذ الرعدة سكان فلسطين" و"يندهش أمراء أدوم" و"يرتجف أقوياء موآب" لكي "يصمتوا جميعا كالحجر"!

إن هذه الصيغة "المقدسة" للخروج اليهودي من "الغيتو المصري" هي ذات الصيغة التي وجدت انعكاسها في "البروتوكولات" من حيث كونها أسلوبا في التعامل مع "الأعداء". فعندما يبلور أشير غيزنبرغ (آحاد عام) أيديولوجية "التجمع والاقتحام" عبر استلهام "الخروج" الأول، فانه يقع بالضرورة في رغبة استعادة "المعجزات" الموسوية، أي يقع بالضرورة أسير نفسية وذهنية الخراب والتخريب، التي تجعل من كل الدمار الملحق بالآخرين "هبة إلهية". مما يجعل من اليهودي كيانا غريبا ومغتربا على الكل الإنساني وبالضد منه. وبالتالي يجعل من مساعيه لإنهاك الآخرين والاستحواذ على "الفضة والذهب والملابس" و"سلب المصريين"، أي من يعيشون بين ظهرانيهم فعلا "مقدسا". وهي نفسية وذهنية تجسدت في "البروتوكولات" على اكمل وجه بمعايير الدنيوية المعاصرة. وهو السبب الذي يفسر أيضا ظهور الكثير من المؤلفات والأبحاث التي حاولت البرهنة على وجود خطط يهودية صهيونية من اجل السيطرة على العالم. وهي "خطط" لم تتعد في الواقع ما هو مميز "للاستراتيجيات" الملازمة لعمل كل القوى الساعية للسيطرة، وبالأخص عند تلك التي تفوح منها رائحة النفس الغضبية. إننا نعثر عليها في مساعي النفس الإمبراطورية والدكتاتورية، التي لا تعني "عالميتها" سوى ضيقها القومي أو العرقي. وهي ظاهرة ميزت في القرن التاسع عشر الصعود الأوربي الكولونيالي. وليس مصادفة أن تصيب هذه العدوى النفس اليهودية الصهيونية، التي ترعرعت في ظل  القومية الرأسمالية ومساعيها "العالمية". مما جعل منها قوة "ميتافيزيقية" المظهر وكوسموبوليتية الدعوى، بينما كانت في أعماقها الدفينة أسيرة الشتات والغيتو.

من هنا لم يكن بإمكان اليهودية الصهيونية أن تجاري هذه الازدواجية الفعلية في تاريخ القومية البرجوازية دون "ارض". وهو الشعار الذي رفعته الصهيونية إلى مصاف المطلق. ومن هنا ادعاءها بأرض "فلسطين" و"ارض عالمية". وهو تناقض إلى جانب عشرات غيره، جرى ملاحظته من جانب المؤرخين والسياسيين والأدباء والشعراء والفنانين. وكتب عنه الكثير. إلا أنها كتابات كانت تتراكم، شأن كل أبحاث من هذا النوع، في مسلة الذاكرة التاريخية. وشكلت بالتالي رصيدا للرؤية النقدية والعقائدية تجاه الموقف من اليهود واليهودية الصهيونية. وحالما ظهرت "البروتوكولات" للمرة الأولى عام 1895، فإنها مرت دون أن يلحظها أحد. وهو أمر لا ينبغي تفسيره بالضرورة على أساس عدم جديتها أو انتحالها أو أن الاهتمام بها جاء بعد اهتمام النظام القيصري بها بعد أحداث ثورة 1905 من اجل تشويهها ونسبة كل ما جرى إلى "اليد اليهودية" وما شابه ذلك.

أننا نعرف تاريخ و"مصير" الكثير من الكتب والمؤلفات والوثائق، التي "امتحنها" الزمن أحيانا لقرون من اجل أن تثبت صحتها وقيمتها وأهميتها بالنسبة للماضي والحاضر والمستقبل. وفيما يتعلق "بالبروتوكولات" فيكفي المرء التمعن في مضمون ورمزية عبارات سرجي نيلوس (1862-1929)، الذي يرتبط باسمه نشر "البروتوكولات"، والتي قالها عام 1911 بمناسبة الطبعة الثانية من كتابه {عظيم في حقير} الذي ضمنه {برتوكولات الحكماء الصهاينة}، من انه "في الوقت الذي نصفي نحن الروس فيما بيننا حساباتنا الصغيرة بالحديد والنار، فان "سرائيل" روسيا وأوربا المتجلبب بلباس الحركة الصهيونية سوف ينتقل إلى فلسطين، ومن هناك سوف يرمي علينا بجحافل المغول والتتر. حينذاك سوف يحرق الأخضر واليابس، بينما يجنّب نفسه من دمارها". ومهما تكن نوعية التأويلات الممكنة حول هذه الفكرة، فان أكثرها رمزية لا يقلل من شدة واقعيتها. أما في البداية، قبل أن يطبعها سيرجي نيلوس، فإنها مرت في غضون عقد من الزمن بدهاليز الصراع السياسي والدولي، الذي لازم الأحداث التاريخية في روسيا حتى ثورة 1905.

فمن بين أول الوثائق الصادرة باللغة الروسية، التي أشارت وتحدثت عن خطط اليهود في السيطرة وتخريب روسيا، التي شكلت "البروتوكولات" صداها اللاحق، هو التقرير الذي أعدته وزارة الداخلية (الشرطة السرية) عام 1895. وهو تقرير حاول تقديم صورة تاريخية عن سلوك اليهود وعلاقتهم بالدول التي قاموا بينها بدءاً من الحروب الصليبية حتى القرن التاسع عشر. وفي العام نفسه (1895) طبعت "البروتوكولات" للمرة الأولى. وهي رواية نقلتها  لسلي فري في كتابها الصادر عام 1933 {المياه تجري صوب الشرق}J. Fry. Water flowing Eastwards.))  عن ستيبانوف (فيليب بتروفتش) قالها لها عام 1927. فقد كان ستيبانوف قبل الثورة قاضيا في محافظة تولا. وأشار في روايته تلك إلى انه حصل للمرة الأولى على هذه "البروتوكولات" من سوخوتن (اليكسي نيكولايفتش) وهو أحد المتقاعدين، الذي قال له بأنه حصل عليها من إحدى المقربات له. ولم يذكر اسمها الصريح. بل اخبره بأنها حصلت على هذه الوثيقة قبل مغادرتها باريس وجاءت بها إلى روسيا. وطبع منها ستيبانوف حسبما يقول مائة نسخة. إلا أنها كانت سيئة الطباعة وصعبة القراءة. واضطره ذلك لاحقا لإعادة طباعتها ثانية. وأنجز ذلك لكن دون الإشارة إلى السنة والمكان ودار النشر. وساعده في حينها أ. إ. كيليبوفسكي، الذي كان يعمل مراسلا خاصا عند الأمير سيرجي الكساندروفتش. ودفعت إلى المطبعة عام 1897، وطبعت تحت عنوان {البروتوكولات القديمة والمعاصرة للقاء الحكماء الصهاينة}. وبين طبعتها الأولى، حسب اعتراف ستيبانوف ورواية ليسلي فري، وطبعتها الثانية عام 1897، نشر ليتفين آفرون اليهودي المتنصر عام 1896 رسالة بعنوان {بين اليهود} أكد فيها على ما اسماه بحبك اليهود للمؤامرات من اجل السيطرة على روسيا والعالم. وان هناك امرأة عثرت على وثائق غاية في السرية تتعلق بهذا الأمر.

أما هذه السيدة التي يجري الحديث حولها، فإنها يوليانه غلينكا (1844-1918)، ابنة أحد الدبلوماسيين الروس، الذي أنهى خدمته سفيرا للدولة القيصرية في البرتغال. وكانت يوليانه غلينكا من محظيات الإمبراطورة الروسية ماريا فيودوروفنا. وقد عرضت عام 1902 على مينشيكوف (1899-1918) أحد الكتاب الاجتماعيين والسياسيين القوميين الروس الكبار، الذي اتسمت بعض كتاباته بهجوم حاد ضد اليهود في روسيا، بنشر "البروتوكولات" في جريدة "نوفيه فريميا" (العصر الجديد)، إلا انه رفض ذلك معللا موقفه من أنها اقرب إلى المنحولة منها إلى وثيقة لها تاريخ بدء من سليمان حتى الآن!

إلا أن "البروتوكولات" أخذت بالظهور عام 1903 في جريدة "زناميا" (الراية) في أعدادها الصادرة ما بين الثالث والعشرين من شهر آب حتى السابع من شهر أيلول. وهي جريدة كانت يترأس تحريرها كروشيفان أحد ممثلي التيار القومي الروسي. ونشرها تحت عنوان {بروتوكولات اجتماع الاتحاد العالمي للماسونية الإفرنجية والحكماء الصهاينة}، أو {برنامج السيطرة اليهودية على العالم}. لكنه لم يشر إلى مصدرها، واكتفى بالإشارة إلى أن اصلها من فرنسا. وفي عام 1905 ظهرت من جديد بطبعتين متقاربتين زمنيا، الأولى على هيئة كراس مستقل بعنوان {جذر مصائبنا} في مدينة كيشنيوف، نشرها دي بوتمي، وهو شأن كروشيفان أحد ممثلي التيار القومي الروسي. وأشار في مقدمتها إلى أن ترجمتها أنجزت بتاريخ التاسع من كانون الثاني عام 1901. أما الطبعة الأخرى فقد قام بها سرجي نيلوس، عندما أدرجها ضمن كتابه {عظيم في حقير}. وقد ادرج "البروتوكولات" تحت عنوان مستقل أصبحت تعرف به، ألا وهو {برتوكولات الحكماء الصهاينة}.

مما سبق يتضح، بان تاريخ طباعة ونشر "البروتوكولات" استمر ما بين عام 1895 و1905، أي لمدة عشر سنوات. وطبعت تحت عناوين متنوعة هي {البروتوكولات القديمة والمعاصرة للقاء الحكماء الصهاينة}، و{"بروتوكولات الاتحاد العالمي للماسونية الإفرنجية والحكماء الصهاينة}، و{برنامج السيطرة اليهودية على العالم}، و{جذر مصائبنا}، و{أعداء الجنس البشري}، و{بروتوكولات الحكماء الصهاينة}. وفيما لو استثنينا التسمية الرابعة والخامسة، التي تظهر فيها مواقف الحركة القومية الروسية من اليهود بشكل عام والصهيونية بشكل خاص، فان العناوين الباقية متشابهة من حيث الشكل والمحتوى. أما التسمية التي أطلقها سيرجي نيلوس على "البروتوكولات" وانتشارها اللاحق، فانه ارتبط بقيمة الرجل وأثره الأدبي والروحي وكذلك ضبطه وتدقيقه اللغوي للنص بحيث تحول إلى مرجع وحيد لكل الطبعات اللاحقة وتراجمه إلى اللغات الأخرى.

كما اشتركت جميع الطبعات المشار إليها آنفا إلى الإقرار، بان فرنسا هي مصدر "البروتوكولات" وموطنها الأول. وانه جرى الحصول عليها من قبل امرأة. وما عدا ذلك اختلفت وتباينت الإشارة إلى مؤلفها. فقد نسبت إلى كل من "المحفل اليهودي الماسوني في باريس"، ثم إلى "المؤتمر الصهيوني العالمي الأولى"، ثم إلى هرتسل، ثم إلى أشير غينزبيرغ (آحاد عام). وهي إضافات لاحقة سعت لتحقيق مصدر "البروتوكولات" في مجرى دراستها وتشريحها ونقدها، الذي رافق الجدل الكبير حولها منذ ظهورها ولحد الآن.

وبغض النظر عن هذه الخلافات، فان الطبعات الروسية الأولى ما بين أعوام 1895-1905 تشترك جميعا في الإقرار بان مصدرها العام هو تنظيم يهودي ماسوني صهيوني. واتخذ هذه "التنظيم" لاحقا هيئة "المؤتمر اليهودي العالمي" و"ممثلي صهيون من الدرجة الثالثة والثلاثين" حسب مقاييس الرفعة المتبعة في المحافل الماسونية. أما التدقيق الوحيد الذي ينبغي إدخاله على هذا الاستعراض التاريخي الموجز فهو الشك بمدى صحة وصدق وجود طبعة 1895. لاسيما وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإشارة الأولى لها ظهرت عام 1927. ولم تشر لها أي من الطبعات التي تلتها لا في روسيا ولا خارجها، ولا حتى في مذكرات الفرنسي دي شايل (المطبوعة عام 1921) التي تحولت إلى أحد المصادر الأساسية الناقدة لسرجي نيلوس. ثم إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن "بعض أوراق هذه الطبعة" قدمت من "الأرشيف السوفيتي" بصفتها "وثيقة" استعملت في التحضير لإدانة "البروتوكولات" والبرهنة على أنها وثيقة منحولة أمام محاكمات برن عام 1933، في وقت كان الأرشيف السوفيتي خاضعا خضوعا مطلقا للسيطرة اليهودية، فان احتمال تلفيقها يبقى كبيرا للغاية. وهو احتمال فيما يبدو حددته محاولات البعض إيجاد الصلة "التاريخية" بين تقرير الشرطة السرية الروسية المقدم عام 1895 المتعلق بدراسة تاريخ اليهود وعلاقتهم بالدول التي قاموا فيها لبيان أسبقيتها على المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في بازل عام 1897. ومن ثم تخليص الصهيونية وايديولوجييها من تهمة تأليفهم وإلقائهم إياها في المؤتمر، كما وردت في القصة المروية من جانب بعض المؤرخين، الذين أوردوا حكاية "الهجوم المباغت" الذي قام به بعض رجال الشرطة السرية الروسية على المؤتمر والاستحواذ على وثائقه، التي شكلت "البروتوكولات" واحدة منها.

إضافة لذلك لم يشر أي من الشخصيات الكبرى ذات الصلة "بالبروتوكولات" مثل كروشيفان أو دي بوتمي أو نيلوس إلى ستيبانوف. ذلك يعني انه "شخصية طارئة" جرى في وقت لاحق تحويلها إلى "أداة" في الدعاية اليهودية المنتقدة للتهم الموجهة ضدهم بتأليف "البروتوكولات". وبالأخص في تلك المحاولات التي سعت للتدليل على إيجاد الصلة بين راجكوفسكي (رئيس جهاز الشرطة السرية الروسية في الخارج ومقره في باريس) ويوليانه غلينكا التي "سلمت" "البروتوكولات" إلى ستيبانوف وسوخوتن. إذ قام ستيبانوف بطباعتها بينما سلم سوخوتن نسخة منها إلى دي بوتمي وأخرى إلى نيلوس، كما سيجري الحديث حوله لاحقا.

ان رواية ستيبانوف المشار إليها آنفا ومذكرات دي شايل الفرنسي الأصل[38]،المنشورة عام 1921 بعنوان {سرجي نيلوس والبروتوكولات}، هما المرجعان الاساسيان، اللذان استندت اليهما المحاولات التي تسعى للبرهنة على أن الشرطة السرية الروسية والحركة القومية الروسية بشخصية "اتحاد الشعب الروسي" (أو ما يسمى "بالمائة السوداء") هما مصدرا "البروتوكولات" والقائمان وراء ظهورها وطباعتها ونشرها والدعاية لها.

وبغض النظر عن كل الاحتمالات القائمة وراء هذه المصادر جميعا وتأويلاتها المتعددة والمختلفة، إلا أنها تظل مصادرا خارجية وجزئية في نفس الوقت، مازال تاريخ نشر "البروتوكولات" وإعادة طبعها والتعليق عليها قد جرى قبل ذلك بعقدين من الزمن، ومرت من خلال موشور أربعة أحداث تاريخية جسام في حياة الدولة الروسية وهي ثورة 1905 وثورة شباط 1917 وثورة أكتوبر 1917 والحرب الأهلية حتى عام 1921.

لقد شكلت هذه الأحداث الغربال الذي صفى "البروتوكولات" العديدة، وأبقى على نسخة سيرجي نيلوس، باعتبارها الوثيقة التي مازالت تثير الجدل عن أسباب ظهورها ومؤلفيها ومصيرها.

 

سيرجي نيلوس (1862-1929) و"بروتوكولات الحكماء الصهاينة"

 

إن المفارقة التاريخية التي لفت شخصية وحياة سيرجي نيلوس وأدرجته في فلك الولادة والموت المستمرين بسبب ارتباط اسمه بنشر "البروتوكولات" تعبّر عن مفارقة الحقيقة التي تصورها العبارة القائلة، بان الإنسان يولد باكيا وأهله يتضاحكون!

لقد أراد سيرجي نيلوس في "بكائه التاريخي" أن يوقظ في الروس مشاعر الخطر مما اعتقدته مميتا بالنسبة لهم كدولة وقومية ودين وثقافة، الذي وجده في "البروتوكولات". لكنه عانى شأن كل ولادة شقية من استهزاء الآمنين. وهي معاناة سجلها في الطبعة الأخيرة من كتابه {عظيم في حقير} وعن جده واجتهاده من اجل نشرها منذ عام 1901 حتى افلح للمرة الأولى عبر دمجها في الطبعة الثانية من كتابه الآنف الذكر. وكتب بهذا الصدد يقول، بان الله وحده يعلم ما هي الجهود التي بذلها منذ عام 1901 حتى عام 1905 من اجل طبعها لكي يوقظ السلطة والمجتمع ويثير انتباههم للخطر الذي تجمعت سحبه في سماء روسيا منذ زمن طويل، والذي ينذر بوابل أمطار مدمرة على مدنها وقراها وسهولها، روسيا المترهلة قبيل عام 1905 والمصابة بالجنون بعده. واعتبر طباعة ما اسماه "بالمخطوطة المشؤومة" مهمته الشخصية والروحية أمام أولئك الذين عندهم عيون تبصر وآذان تسمع من اجل أن يتسلحوا بالقوة والإيمان. وهي نظرة تراكمت في مجرى حياته وانتقاله من النزعة الدنيوية المتطرف إلى نقيضها.

فقد ولد سيرجي نيلوس عام 1862 في محافظة ارلوف. وكان أبوه من مالكي الأرض المتوسطين. وينحدر أجداده من أصول ليفلاندية (بلطيقية)، حيث انتقل جده من هناك إلى روسيا واستقر فيها عام 1778. وبعد إتمام دراسته الابتدائية اكمل دراسته الجامعية في جامعة موسكو في كلية الحقوق. أتقن لغات عدة وهي الفرنسية والإنجليزية والألمانية. وكان واسع الاطلاع على الآداب الأجنبية. وبعد إنهاء الدراسة الجامعية عمل في مختلف مناطق الإمبراطورية. وشغل منصب محقق في منطقة ما وراء القفقاس. لكنه اضطر للاستقالة بسبب مزاجه الحاد واعتداده بنفسه. بعد ذلك غادر روسيا إلى الخارج وعاش سنوات في فرنسا يتنقل بين صالوناتها ومدنها. ورجع إلى روسيا بعد أن أصيبت عائلته بالإفلاس. وهي حالة جعلته يعيد النظر بحياته السابقة وكذلك إعادة صقل سجاياه الشخصية. فقد اتصف سيرجي نيلوس بصفات حميدة عديدة اعترف بها أيضا أولئك الذين ناصبوه العداء والخلاف. منها انه كان إنسانا لامعا وموسيقيا موهوبا وفنانا وكاتبا. كما كان حلو الكلام عذبه، إضافة إلى تميزه بالنظرة الثاقبة والمواقف الراسخة والأصيلة. ووصفه البعض بالأصالة الروسية في المظهر والملبس والعيش والسلوك. فقد كان قوي البنية بعيون زرقاء عميقة وكبيرة ولحية بيضاء، يرتدي الملابس الروسية القومية، مشروح القلب للجميع بتواضع وإخلاص. بل كان سريع الاستجابة إلى طلب كل إنسان، جوادا حتى في اشد الظروف قسوة. وهي صفات شكلت العناصر الجوهرية في بناء شخصيته الروحية والدينية كما تجلت بكامل وضوحها بعد رجوعه من فرنسا واستقراره النهائي في روسيا.

حينذاك انتقل بصورة نهائية إلى سلوك الإيمان الأرثوذكسي الفاعل، وأعلن التوبة أمام الشيخ يوحنا كرونشتادسكي. بعد ذلك أخذ بالتنقل الى مختلف المناطق الروحية الروسية. بحيث قضي اغلب سني حياته متنقلا بين الأديرة. وتمرس روحيا للمرة الأولى في دير "ترويتسه سيرجييفو لافره" (ثالوث ضريح القديس سرجي)، ثم انتقل لاحقا إلى دير "اوبتنه بوستينا" (دير خلوة الجماعة) الذي زاره وأقام به مرات عديدة. وفيه كتب {يا دير الجماعة المجيد!}. واستوحى كتابه {على ضفاف النهر الإلهي} من النهر المجاور له (نهر جيزدوره). ثم أعجبه دير أفيريسكي في مدينة فالداي، التي أقام بها مرتين الأولى عام  مدة وجيزة، بينما اقام بها في المرة الثانية لمدة أربع سنوات.

وشكلت المرحلة الممتدة من بداية القرن العشرين حتى ثورة أكتوبر ذروة إبداعه الأدبي والديني والسياسي. وما بعد ثورة شباط ثم أكتوبر عام 1917 أصبحت حياته تشردا متواصلا بسبب الضجة التاريخية التي أثارها نشره "للبروتوكولات"، التي اعد آخر طبعة لها قبل الثورة بقليل. لكنها صودرت قبل نزولها للأسواق بعد ثورة شباط، ثم تعرض بعدها للمضايقة بسبب عدائه للماسونية، واستكملت ثورة أكتوبر هذه المواقف بسبب عدائه لليهود والصهيونية. وما بعد ذلك اتسمت حياته بالتشرد والاختباء. ثم تعرض للسجن والتوقيف لفترات قصيرة الأولى عام 1924 والثانية عام 1927 وتوفي في الرابع عشر من كانون الثاني عام 1929 أثر نوبة قلبية عن عمر يناهز الثمانية والستين. أما زوجته يلينا اليكساندروفنا اوزيروفا (1855-1938) فقد عانت نفس المصير. حيث جرى اعتقالها عام 1937 وماتت في معتقل كوليما عاما 1938.

واندثرت آثار سيرجي نيلوس في روسيا السوفيتية اندثارا تاما وحرمت كتاباته بشكل عام، وبالأخص كتابه {عظيم في حقير} بحيث وصل الأمر أحيانا إلى الحكم بالإعدام على من يعثر بحوزته على هذا الكتاب. وجرى اعتبار كل كتبه من بقايا "الثورة المضادة" و"المائة السوداء". وهي التسمية التي أطلقت على حركة "اتحاد الشعب الروسي" القومية التي اقترب منها نيلوس وجدانيا.

كانت كتابات سيرجي نيلوس الأدبية والدينية والروحية نموذجا للإخلاص الوجداني لروسيا وتقاليدها القومية والأرثوذكسية النصرانية. وصور ذلك بأسلوب بارع في كتبه الأدبية كما هو الحال في {عظيم في حقير} و{على ضفاف النهر الإلهي} و{القدرة الإنسانية والعجز الإنساني} و{المقدسات المحجوبة}[39]. وليس مصادفة أن تعتبره الدراسات السياسية القومية المعاصرة، أحد المع المدافعين عن "روسيا المقدسة"، أي روسيا الأصالة القومية والأرثوذكسية، انطلاقا من أن كتبه جميعا كانت تهدف إلى إيقاد الشعلة الروحية للدولة الروسية والقومية الروسية بالشكل الذي يجنبها الوقوع في فخ الماسونية اليهودية الصهيونية. ومن ثم تخليصها من الفتن الداخلية عبر إيجاد العروة الوثقى في النظام القيصري والديانة الأرثوذكسية والتعليم الوطني (التنوير على الطريقة الروسية). وهي مهمة شكل كتابه {عظيم في حقير} الصادر للمرة الأولى عام 1903 نقطة الانطلاق الكبرى في شهرته، التي توجت عام 1905 عندما ضمّن الطبعة الثانية منه {بروتوكولات الحكماء الصهاينة}.

فعندما طبع {عظيم في حقير} للمرة الأولى، فان النظرة إليه جرت ضمن سياق الرؤية الروحية الأرثوذكسية لسيرجي نيلوس عن كيفية تجلي العظمة الإلهية وجبروتها في الأشياء الصغيرة. وهي رؤية كانت تتضمن في الإطار العام تصوراته عن ضرورة الإخلاص الديني باعتباره أسلوب الخلاص، وإلا فان النهاية آتية لا ريب منها، أي أن الابتعاد عن صراط الارثوذوكسية الروسية سوف يؤدي إلى الهاوية و"نهاية العالم". وهي أفكار أعجبت حينذاك الأميرة يليزافيثا فيودوروفنا، التي حاولت أن تجعل من نيلوس المربي والمرافق الروحي للقيصر. إلا أن مساعيها باءت بالفشل بسبب الصراعات القائمة آنذاك داخل القصر وحول العائلة المالكة.

وعندما أعاد طباعته عام 1905، فانه ادرج فيه "البروتوكولات" مع شرح لمقصوده من وراء ذلك. واخرج الكتاب بعنوان إضافي هو كالتالي {عظيم في حقير، أو المسيح الدجال كإمكانية سياسية محتملة}. وقد أثار هذا العمل بعد فترة وجيزة من صدوره وعلى خلفية الأحداث التي رافقت وتلت الحرب الروسية اليابانية وثورة 1905 ردود فعل سياسية وفكرية خطرة وعنيفة. وهو تزامن له "قدره التاريخي"، مما أدى إلى ردود فعل متضاربة جعلت من كتابه هذا مصدرا للاتهامات المتبادلة والتأويلات المتضادة للقوى السياسية المتصارعة. فعندما قرأه القيصر نيكولاي الثاني يعد أحداث ثورة 1905، كتب معلقا عليه "أي أفكار فضيعة! أي خطط جهنمية! أي تنفيذ دقيق لها! إن كل ما حدث في عام 1905 يؤيد ما جاء فيها، ومن ثم فلا شك بصحتها. ففي كل مكان نعثر ونرى الأيدي المخربة لليهود". وهو تقييم أراد حينذاك أن يضعه في سياسة الدولة تجاه اليهود، لكنه تنازل عنه لاحقا عندما عرضت عليه دراسة قام بها بصورة سرية سطاليبين عن منحولية "البروتوكولات". حينذاك كتب القيصر بأنه لا يرغب في بلوغ الغايات النبيلة بوسائل غير نبيلة، وان الشيطان ليس رفيقا للعمل الصالح! لهذا طالب بسحبها من التداول، بل وطالب باتخاذ إجراءات قاسية ضد كل من تسول له نفسه العمل استنادا إلى ما فيها. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن من اغتال سطاليبين ومن اعدم القيصر وعائلته كانوا جميعهم يهودا!

ومن الناحية الظاهرية جاء إعدام القيصر نيكولاي الثاني وعائلته عام 1918 والأحداث التالية "تطبيقا" حيا لما هو موجود في "البروتوكولات"! كما أن العثور على "البروتوكولات" المدرجة في كتاب نيلوس {عظيم في حقير} إلى جانب {الكتاب المقدس} و{الحرب والسلام} لتولستوي عند العائلة القيصرية بعد إعدامهم أعطى لها بعدا خاصا. وهو واقع سوف يثير بعد انتهاء الحرب الأهلية في روسيا تأويلات حادة بما في ذلك على النطاق العمالي.

أما قبل ذلك، أي بعد الأحداث الدرامية لعام 1905 ، فقد أثار {عظيم في حقير}  و{البروتوكولات} منه بالأخص الانتباه لما فيه من طرفي معادلة خطرة وجد فيها سيرجي نيلوس "إمكانية سياسية محتملة". وهي معادلة عادة ما كان يجري تجزئتها من جانب القوى المتصارعة، بحيث اعتبره التيار الثوري واليهودي الصهيوني ممثلا للاتجاه القومي الروسي المتطرف ولجماعة "المائة السوداء" منه بالأخص. بينما اعتبره التيار القومي الروسي والدولتي ممثلا لحقيقة المصالح الروسية وانتمائها الروحي. بل أن البعض اخذ يرى في دمجه {للبروتوكولات} في {عظيم في حقير} بعدا روحيا خالصا، انطلاقا من أن تفسير مضمون "عظيم في حقير" و"البروتوكولات" خارج عقيدة سيرجي نيلوس اللاهوتية النصرانية الأرثوذكسية يؤدي إلى ابتذالهما. ذلك يعني أن {للبروتوكولات} في {عظيم في حقير} بعدا روحيا استند إلى آراء نيلوس عن "نهاية العالم" و"القيامة" حسب مفهومها النصراني. وبالتالي فان وضعه لاسم "المسيح الدجال كإمكانية سياسية محتملة" ينبغي فهمه ضمن هذا التأويل، لاسيما وان نبوء ته عن مصير روسيا ونهاية تاريخها ومجي "المسيح الدجال" التي وضعها في كتابه الآنف الذكر قد تجسدت إثناء حياته! ومن ثم لا ينبغي النظر إلى "البروتوكولات" على أنها دعاية رخيصة أو مباشرة ضد اليهود واليهودية.

إننا نعثر في هذه التأويلات على صيغة جزئية ومذهبية ضيقة. ففي كل منها نعثر على جزء من الحقيقة والواقع. إذ لم يكن "عظيم في حقير" من الناحية التاريخية كما ظهر في طبعة 1903 والثانية عام 1905 مرتبطا بأحداث عام 1905 (الحرب الروسية اليابانية والثورة). كما أن نيلوس لم يكتبه للعائلة المالكة، وبالتالي لم يكن محكوما برؤيتها وذهنيتها ومواقفها السياسية. لقد كان نيلوس من المؤيدين المخلصين للنصرانية الروسية الأرثوذكسية، كما كان يقترب وجدانيا من التيار القومي الروسي الذي يرى في القيصرية النظام الأكفأ والاشمل والأسلم لروسيا كدولة إمبراطورية متعددة القوميات والثقافات والأديان. أما التأويل الذي حاول أن يجد في {عظيم في حقير} بعدا روحيا لاهوتيا، فانه يلامس الحقيقة لكن من أطرافها. فالأبعاد الروحية اللاهوتية في {عظيم في حقير} حقيقة لا مراء فيها. وبالتالي يصعب فهم حوافزه بدونها. لكن هذا الحكم يبقى واقعيا ضمن حدود طبعة 1903. أما في طبعة 1905، عندما جرى تضمينه "البروتوكولات" وإضافة "المسيح الدجال كإمكانية سياسية محتملة"، فانه يكون قد أضفى عليه بعدا سياسيا ومستقبليا ليست "نهاية العالم وقيام القيامة" سوى غلافها الروحي وأسلوبها اللاهوتي.

وهو أمر يتضح بجلاء في طبعة 1911، حيث نراه يبدل العنوان السابق جزئيا وتظهر فيه إضافات هي {عظيم في حقير. المسيح الدجال ومملكة الشيطان على الأرض}. ثم يدققها ويحورها أيضا في الطبعة الأخيرة التي لم تر النور عام 1917، التي أخرجها بعنوان {قاب قوسين أو أدنى}. أما حرفيا في النص الروسي، فإنها "هنا قريب على الأبواب". وهي تسمية استقاها من الإصحاح الرابع والثلاثين لإنجيل متى. فهو الإصحاح الذي يتحدث عن كيفية خروج المسيح من الهيكل وحديثه لحوارييه عن آخر الزمان الذي يتهدم فيه كل شئ ولا يبقى حجر على حجر، بوصفها المقدمة اليقينية لبداية القيامة ورجوعه الثاني. وعندما طالبوه بالاستزادة شرحا عن "علامة" مجيئه و"انقضاء الدهر"، فانه رد على ذلك قائلا، بأنه سيأتي قبله الكثير ممن يدعي باسمه، كما ستقوم حروب ودعايات حروب، وستتحكم أمم برقاب أخرى، وتنتشر الأوبئة والأمراض والزلازل، وسيظهر أنبياء زور. لهذا لا ينبغي تصديق أي منهم وذلك لكثرتهم، كما لا ينبغي الاهتمام بما يقوموا به من عجائب وغرائب. بل في هذا كله ينبغي رؤية علامة مجيئه. حينذاك سيعرفون "انه قريب على الأبواب".

وهي نظرة وضعها سيرجي نيلوس في الـتأويل السياسي لرؤيته اللاهويتة الروحية في مجرى تأمل تجارب روسيا ما بين عام 1905 و1917. فقد ظهرت مشكلة "كإمكانية سياسية محتملة" قبيل ثورة 1905، و"قريب على الأبواب" قبيل ثورة شباط وأكتوبر 1917. وفيهما نعثر على حدس "القيامة" اللاحقة التي شاهد بأم عينيه وعايش حروبها عام 1905 الروسية اليابانية والحرب العالمية الأولى عام 1914-1917، كما شاهد بأم عينيه المجاعات والأوبئة المترتبة عليها، كما شاهد كثرة "الأنبياء" و"المخلصين" و"المنقذين" لروسيا من بين مختلف الحركات السياسية الراديكالية، التي شكل اليهود آنذاك الأغلبية الساحقة في قياداتها. وهو ربط تلمسه نيلوس للمرة الأولى عام 1905 وتحسسه بقوة قبيل عام 1917. ومن ثم لم يعن "انقضاء الدهر" و"نهاية العالم" بالنسبة له رؤية تشاؤمية بقدر ما كانت رؤية "مستقبلية" هي اقرب إلى التنبؤات اللاهوتية. إذ لم يكن سيرجي نيلوس سياسيا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كان أديبا روحيا. لهذا كانت لاهوتيته المتسامية تعبير عن واقعية خشنة، اعتقد أنها الأسلوب الأمثل لإثارة انتباه القومية الروسية بشكل عام والسلطة القيصرية بشكل خاص. وأوضح موقفه هذا بجلاء في الشروح التي قدمها "للبروتوكولات"، عندما كتب يقول، بانه لم يتوقف اعتباطا ولم تكن نيته عابثة وراء الاستفاضة في تقديم شواهد الكنسية وتاريخ رجالها وتأملات الفلاسفة فيما يتعلق "بانقضاء الدهر" والخطر القادم "على الأبواب". كما انه حاول مقارنتها بما يقول هو نفسه مع إدراكه قدر نفسه المتواضعة مقارنة بهم.

لقد أراد من وراء مقارنته للأقوال والأفعال والشواهد أن يوحد عقل ووجدان الروح الإنساني الجامع، كما قال هو. فقد وجد في "خروج المسيح الدجال" مقدمة لعودة المسيح الحق، أي مقدمة للإصلاح الحق. فالجميع تقول بنهاية العالم. ويعترف بذلك الوثنية والفلاسفة والكنيسة والشعراء. ولا يخلو كل عصر من مشاعر ورغبات بالخلاص والإنقاذ. فالروح يتنفس وفي أنفاسه يوعدنا بمجيء الخلاص، كما يقول نيلوس. والكنيسة أيضا تقول بانتهاء العالم ومجيء الخلاص. وهي فكرة وضعتها الفلسفة النصرانية بعبارة مفهومة وصيغة مقبولة عما أسمته بظهور المسيح الدجال، أي ذاك الذي "يأتي" كذبا باسمه، ممتثلا تقاليد ونفسية "إنسان الرذيلة" و"ابن المهلكات". وهو كيان يرتبط في فلسفة النصرانية ولاهوتها بآل اسرائيل. وفي عالم اليوم يشكل اليهود القوة المركزة العالمية "لإنسان الرذيلة" و"ابن المهلكات"، كما يقول نيلوس. فهو يتباكى في الشتات ويدعو نفسه بالمطرود والمطارد والمظلوم، بينما يسعى للسيطرة والاستكبار والتجبّر. كما انه يسعى للسيطرة على العالم الذي مازال لحد الآن مجزأ إلى دول قومية قوية. إضافة لذلك أن هذا العالم في حالة سياسية ليس بإمكان الغيتو العالمي المدعو بآل اسرائيل التلمودي، ان يتحمل وزر حملها. لهذا يخطط بالطريقة التي تجعل من غايته النهائية في السيطرة أمرا ممكنا. وهي خطة عثر عليها للمرة الأولى عام 1901 في مخطوطة سلمها له أحد المقربين منه وهي "بروتوكولات الحكماء الصهاينة". وهي خطة يكشف التاريخ المعاصر وأحداثه لمن له بصر وبصيرة عن جديتها التي ينبغي تأملها بعمق، كما يقول نيلوس.

من هنا كان "التقاء" نيلوس مع السلطة القيصرية بعد أحداث 1905 "أمرا طبيعيا". كما كان افتراقهما أيضا أمرا طبيعيا بعد ذلك. وذلك لأنه وضع حدسه تجاه الخطر القادم والقريب "على الأبواب" بالصيغة التي أوحت للسلطة والمعارضة على السواء بهراء أرثوذكسي. وذلك لان "انقضاء الدهر" يعني "يوم القيامة" و"نهاية العالم" بالنسبة للجميع. وهو أمر عادة ما لا تتقبله اشد السلطات تدينا وإيمانا!! كما انه يثير استهزاء الملحدين! وهي مفارقة تحسسها سيرجي نيلوس في محاولاته نشر "البروتوكولات" وفي الموقف منها بعد أن حاربتها السلطة والمعارضة بطرق ومستويات مختلفة. وهي حالة أثارت مشاعر نيلوس التي نعثر عليها فيما أورده دي شايل في مذكراته التي كتبها بعد لقائه به عام 1910، التي عرضها في مقاله {سيرجي نيلوس والبروتوكولات الصهيونية} المنشور عام 1921. والشيء نفسه ينقله لنا زجيفانوف في كتابه {سيرجي الكساندروفتش نيلوس} المنشور عام 1936 حيث ينقل لنا شكوى نيلوس عام 1913 يصدد عدم وجود آذان صاغية لما كتبه بصدد "البروتوكولات"، وانه هناك من يقرأها وآخرون ينتقدونها، بينما يستهزئ البعض الاخر بما فيها. والقلة القليلة منهم من يهتم بها بصورة جدية، أي أولئك الذين يرون فيها مضمون الخطورة القائمة في سعي اليهود للسيطرة العالمية.

وجد سيرجي نيلوس في "البروتوكولات" خطة مرسومة ببراعة ووضوح عن سير ومجرى المؤامرة اليهودية الماسونية العالمية التي تتمثل طبيعة ونفسية "ابن المهلكات" في دفع العالم المنحرف عن صراط الاستقامة نحو الهاوية. وهي مخطوطة أكد له الشخص التي سلمها له، الذي يدعوه نيلوس بالمرحوم اليكسي (نيكولايفتش سوخوتن؟)، بأنه استلمها من سيدة (يوليانه غلينكا؟) استطاعت سحبها (أو انتشالها) من أحد الرؤساء في المحفل الماسوني الإفرنجي بعد أحد اجتماعاته السرية في فرنسا، هذا الوكر اليهودي للمؤامرة الماسونية الإفرنجية كما يدعوه نيلوس. وهي مخطوطة كانت تحمل عنوان "بروتوكولات الحكماء الصهاينة"، التي رغب في أن يقدمها لكل من له عين وسمع وفؤاد. واستطاع طباعتها للمرة الأولى في الطبعة الثانية من كتابه {عظيم في حقير. المسيح الدجال كإمكانية سياسية محتملة}. حينذاك كان الحريق الروسي قد يلغ الذروة، الذي سمي مغالطة بالحركة التحررية، كما يقول نيلوس. وهي أحداث أقنعته ورسخت يقينه عن صحة "البروتوكولات"، وأنها ليست موضوعة أو منحولة.

ويستطرد نيلوس قائلا، بان إلقاء نظرة سريعة على "بروتوكولات اجتماع الحكماء الصهاينة" يوصلنا إلى أنها شبيهة بما تعودنا عليه من الأمور والأحكام والآراء العمومية. لكنها "عموميات" من طراز خاص ونمط غير مألوف. أنها تطفح بالحقد والغطرسة القاسية المغروسة في أعماقهم حتى نخاع العظم والمتموجة خفية وراء تاريخهم القديم، متغذية من أصولهم العرقية. والأرذل من ذلك هو تجلببها بلباس الدين. اذ نعثر في البروتوكولات على كل الروائح الكريهة التي يثرها السعي للأخذ بالثأر والانتقام المتباهي بقرب شفاء غليله.

كما أشار نيلوس إلى ما اسماه بالتناقض الجلي بين العنوان والمضمون. ففي عنوانها إشارة الى أنها "بروتوكولات" عن "اجتماع"، بينما هي اقرب إلى الخطاب الذي يلقيه شخص متنفذ. ثم أنها تنقسم إلى أجزاء ليست دوما مربوطة بصورة منطقية فيما بينها. مما يوحي بانطباع عام عن أنها أقسام أو أجزاء من كلّ واحد يفتقد إلى بداية واستطرادات داخلية أما أنها ضائعة أو لم يتم العثور عليها. ووجد نيلوس سبب ذلك في مصدرها اليهودي الماسوني، وفي عدم قدرتها على تجاوز ما قال به المسيح وأكدته تقاليد الكنيسة عن أن أعمال وأقوال "الدجال" هي تقليد مبتذل ومحاكاة زائفة لعمل المسيح الحق. كما أنها لا تخلو من خائن على نموذج يهوذا. وجعل نيلوس من هذه الرؤية اللاهوتية النصرانية أسلوبا لتحديد موقفه السياسي مما اسماه"بالإمكانية السياسية المحتملة" لظهور "ابن المهلكات" أو "آل اسرائيل" أو اليهودية الماسونية. فهي كلها مظاهر وأسماء معاصرة "للدجال".

من هنا موقف نيلوس القائل، بان يهوذا "الدجال" من وجهة النظر الدنيوية والإنسانية، الذي أفشى بسر مولاه لا يبلغ مرماه حتى في حالة سيطرته العالمية. لأنها سيطرة مؤقتة حتى في حالة شمولها التام. بعبارة أخرى، إننا نعثر في آراء نيلوس ومواقفه على محاولة رمزية لربط المكونات المتناقضة للإشكالية الفعلية القائمة آنذاك أمام روسيا، التي وجد فيها مقدمة "نهاية العالم" وبداية السيطرة اليهودية الصهيونية العالمية. من هنا قوله، بان العاذلين، وهم على حق، قد يقولون بان ما يقدمه لهم من وثيقة لا تتعدى كونها وثيقة بالهيئة، بينما لا أحد يعرف مؤلفها، كما لم يقل أي فرد أو جهة بتأليفه إياها. وهو اعتراض رد عليه نيلوس قائلا، بأنه لو كان إثبات صحتها قانونيا، لأدى ذلك إلى إماطة اللثام عن وجوه أولئك الذين يمسكون بخيوط المؤامرة الدموية العالمية. ثم لأدى ذلك أيضا إلى كشف المحجوب، وبالتالي خرق ماهية السر والمعنى القائم فيما اصطلحت عليه التقاليد النصرانية بظهور "ابن المهلكات". بينما تقتضي فراسة المؤمن رؤية ما يجري حوله من أحداث محلية وعالمية للتيقن من صحة ما فيها. لان من له سمع وبصر، فانه يرى ويسمع أمورا هي اقرب إلى الجلاء. بعبارة أخرى، لقد أراد سيرجي نيلوس القول، بان الأمور الجلية حالما تصبح مادة للجدل والشكوك، فإنها تكف عن أن تكون جلية. بينما هو يقدم للقارئ من أفراد وجماعات ومجتمع ودولة رؤية طبيعة القوة الآتية، الواقفة "على أبواب" روسيا والعالم من اليهود المندفعين بإيمانهم الكاذب والموجهين من قبل الكتبة والفريسيين.

وقف سيرجي نيلوس في مجاراته لهذا الأسلوب في التعامل مع القضية أمام حالة حرجة. وذلك لان الذهنية اللاهوتية في حال اخذ براهينها كما هي، فإنها تضع المرء بالضرورة أمام إشكاليات تأملية، بينما شكلت مسالة السيطرة ونموذجها المتميز في اليهودية الصهيونية ظاهرة تاريخية لها مقدماتها ونتائجها. وهي ظاهرة لا تتعارض من حيث الجوهر مع الرؤية اللاهوتية التي تنظر إلى بداية التاريخ ونهايته بمعايير الأخلاق المتسامية وفكرة الخلاص المبنية على قيم العدل المجرد. وهي فكرة تشاطرها من حيث الحوافز والغايات اشد الرؤى ميتافيزيقية وأكثرها واقعية. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم لماذا كان شديد اليقين، بان "نهاية التاريخ" أو سيطرة "ابن المهلكات" (اليهود) لا يعني سوى المقدمة التاريخية للرؤية المتفائلة، كما وضعها في عبارته القائلة، بان ما هو مستحيل بحق الإنسان ممكن بحق الله، وما هو مستحيل بحق العالم ممكن بحق روسيا!

ولم يقصد نيلوس بعبارة روسيا المؤمنة سوى "روسيا المقدسة"، أي تلك التي يستظهر وجودها عن إيمان عميق والتزام خالص بتقاليدها القومية الأرثوذكسية ونظامها القيصري. وبهذا فقط تصبح روسيا العروة الوثقى والملجأ الأمين والقلعة الحصينة للعالم أمام إعصار اليهودية الصهيونية القادم، كما يقول نيلوس. وهو إعصار تراكم في مجرى تجارب الغرب الأوربي، التي أدت إلى الابتعاد عن حقيقة النصرانية وتخريبها ماديا ومعنويا. مما أدى بها إلى ممارسة تجريب دائم واستبدال آلهة بأخرى وعبادة أصنام جديدة وهدم ما لم تنجز بنيانه بعد. وهو أمر يؤدي بالضرورة إلى فقدان الموازين، مع ما يترتب على ذلك من سحب للنظم الدستورية والنيابية والجمهورية ورميها إلى هاوية الحروب العالمية والخراب والفوضى. كل ذلك يضع أمام روسيا مهمة الاستيقاظ ورؤية الخطر الذي تمثله الماسونية اليهودية الصهيونية. فهي المسيح الدجال الذي يطرق أبوابها منذرا بالخطر المحيط بها. لاسيما وان الأسباب مفهومة والغاية معلومة، كما يقول نيلوس. لذا ينبغي على روسيا أن تتبين حقيقة الأمر وتستعد أمام الخطب. فمن المعلوم انه كلما ازدادت المصاعب والمصائب تشتد عزيمة الرجال، لان القلوب العامرة بالحياة والعزم لا يدخلها اصفرار الخوف والوجل.

ووضع نيلوس هذه المقدمة النظرية اللاهوتية الفلسفية في أساس موقفه المباشر من تاريخ "المسألة اليهودية" ومساعيها للسيطرة العالمة، بدءً مما قبل التاريخ وانتهاء بالغيب المجهول. حيث نظر إلى تاريخ السيطرة نظرته إلى "طبيعة" خاصة باليهودية الصهيونية نفسها. إذ اعتبر الكيان اليهودي كينونة دائمة للنفس الصهيونية، التي لم تعن بالنسبة له سوى الصيغة الملموسة "لابن المهلكات"، أي للخراب الدائم في الوجود التاريخي للأمم. من هنا يمكن فهم موقفه من أن مساعي اليهود للسيطرة العالمية هي ليست نتاج المرحلة المعاصرة بقدر ما أنها لها تاريخها العريق بدء من سليمان وانتهاء "ببروتوكولات الحكماء الصهاينة". أنها سلسلة واحدة ذات حلقات متراكمة ترسم بصورتها المجردة ما دعاه نيلوس "بالثعبان الرمزي". وهي تسمية أخذها من "البروتوكول الثالث". وهو ثعبان تشكل "الحكومة اليهودية" رأسه واليهود جسده. انه "ثعبان" يلتهم في زحفه أجساد الدول والشعوب والأمم. وينمو على قدر التهامه لها. وهي عملية مستمرة ما لم تنته دورته التامة بالرجوع إلى صهيون واحتلالها.

وهي مسيرة يسعى اليهود من خلالها لإحكام سيطرتهم على العالم. وشكلت أوربا بالنسبة لهم نقطة البداية. ومن خلالها سعوا ويسعون لتوسيعها وإحكامها على الآخرين. ولم تعد هذه السيطرة محكومة كالسابق بالقوة المباشرة، لأنه ليس عند اليهود ما يكفيهم من القوة البشرية لتنفيذ ذلك، بل بالمال والإعلام. ويستعملون لذلك كل الأساليب الممكنة والمتاحة من اجل إثارة المشاكل والصعوبات الاقتصادية وتخريب الدول وإفساد الأخلاق. ولا يتحرجون عن استعمال كل وسيلة وذريعة وبالأخص المال والنساء. ومن اجل ألا يعرف الأفراد والجماعات والأمم والدول بخططهم هذه، نراهم يلجئون إلى أساليب العمل السري والمؤامرة. وان تاريخ اليهود من أوله إلى آخره هو تاريخ المؤامرة والخديعة. فقد زحف "الثعبان الرمزي" في مجرى التهامه للأمم والدول ثماني مراحل قبل أن ينتقل إلى فلسطين،التي ستشكل بالنسبة لهم مصدر تصدير القلاقل والتخريب والاستحواذ والالتهام مع البقاء في مأمن من ردود الفعل المباشرة. وكانت هذه المراحل الكبرى "للثعبان الرمزي" هي كالتالي

·           المرحلة الأولى في اليونان عام 429 قبل الميلاد زمن بركليس.

·           المرحلة الثانية  في روما زمن اوغسطس قبل ولادة المسيح.

·           المرحلة الثالثة في مدريد عام 1551 زمن حكم كارل الرابع.

·           المرحلة الرابعة في باريس زمن لودفيغ الرابع عشر

·           المرحلة الخامسة في لندن عام 1814 بعد سقوط نابليون

·           المرحلة السادسة في برلين عام 1871 بعد الحرب الفرنسية البروسية

·           المرحلة السابعة في بطرسبورغ عام 1881

·    المرحلة الثامنة في اسطنبول كما تجسدت في حزب الاتحاد والترقي. وهي مرحلة ما قبل الانتقال إلى فلسطين.

ومن اجل بلوغ أهدافهم سعى الرأس اليهودي إلى عزل اليهود عن آخرين وتسميم عقولهم بسخافة "الشعب المختار" و"قيادته للعالم" وانهم "أبناء الله" وماعداهم حيوانات بأشكال بشرية. وعمق "القهال" انعزال اليهود بعد أن اتخذ أشكالا عديدة في ترسيخ وتنظيم الانعزال على شكل "هيئات" و"مجالس" و"مراكز" وما شابه ذلك. وجرى تربية اليهود على قاعدة "أن حياة الآخرين وأموالهم ملك لكم". إضافة لذلك أن المؤسسة الدينية لليهود تبرر كل الجرائم التي يرتكبونها أو يمكن ارتكابها عبر "تبرئتهم" منها كل رأس سنة! كما استعملوا "العداء للسامية"، الذي نصبوه هم أنفسهم فخا لصيد الآخرين. وجعلوا منه زيتا يصبونه على نار الصهيونية من اجل توثيق عرى اليهود واظهارهم شعبا واحدا مطاردا من اجل إثارة التعاطف معهم. وبهذا الأسلوب يصنعون عملاء متعاطفين معهم. كما "يربون" في نفس الوقت "كلاب" العداء لهم من اجل "جمع خراف اليهود في حضيرة صهيون". أما الآن وبعد أن جرى تشكيل "الاتحاد الصهيوني العالمي"، فانهم يكونوا قد أماطوا اللثام عن "عالمية" مساعيهم الخفية للسيطرة. واصبح استعمال الوسائل الأكثر فعالة في مد جذور السيطرة إلى كل مكان من خلال الذهب والعملة الذهبية العالمية، التي تجعل من الصراعات والحروب المحلية والعالمية روافد لمد خزائنهم بالمال والثروة. ولعل تاريخ روتشيلد مثال حي على ذلك. كما اصبح إنتاج "النظريات العلمية" عن الليبرالية والاقتصاد والاجتماع فخا جديدا. واخذوا يحولون ذوي الحاجة من الليبراليين قصيري النظر إلى خدم لصهيون كما حولوا النظام الجمهوري إلى أداة تعطي لجيش صهيون إمكانية الحركة الموجهة والمنظمة والعلنية عبر مختلف المؤسسات والحركات. من هنا الكفاح المرير الذي يقوم به هذا "الثعبان الرمزي" في الصحافة والإعلام، بحيث جعل منهما خدما مأجورين لهم وللدعاية الفجة لليبرالية. مع أن كل الوقائع تبرهن على غياب الديمقراطية الحقيقية في الجمهورية الليبرالية. وان كان ثمة مظاهر ديمقراطية فما هي سوى ستار للسيطرة على الغوغاء. والأغلبية عادة ما تسير وراء عملاء راس المال الصهيوني العاملين في أجهزة الدعاية والإعلام، حسب نظر نيلوس.

وفيما لو نظرنا إلى واقع اغلب الدول المعاصرة في أوربا يتضح لنا خضوع اغلبها لقرارات حكومة صهيون العالمية، كما يقول نيلوس. فهي تستعمل مختلف الأساليب لأجل إحكام سيطرتها على قرارات الدول مثل القروض المالية والمضاربات، وتحارب من تلمس فيه خطرا على مصالحها وتؤيد من يخضع لها عبر الرشوة والدعاية المنظمة من خلال شبكة عملائها العالميين. كما تستعمل "الأفكار العصرية" و"الجديدة" و"النظريات العلمية". كما تستعمل لأجل بلوغ أهدافها البورصة والتجارة والدبلوماسية. وهي عتلات تقع اغلب أدواتها بأيديها. كما تعمل في نشر اشد الأفكار تطرفا وتخريبا وتدميرا عبر اغتيال الروح والأخلاق الإبداع الحقيقي. وفي الحصيلة نقف أمام فاعلية "حكومة عالمية" بلا قلب ولا روح ولا ضمير، حكومة يهودية صهيونية صانعة لنفسية القنانة والعبودية الجديدة. وليست هذه الأفكار في نهاية المطاف سوى الصيغة المكثفة لما هو موجود في "البروتوكولات"، التي تعبّر عن مضمون ومغزى ماسونية اسرائيل التلمودية، كما يقول نيلوس. لهذا ليس مصادفة أن تتعامل معها الصحافة الروسية الخاضعة للسيطرة اليهودية ببرودة مريبة وتتجاهلها وتستهزئ بها. إلا أن ردود الفعل سوف تشق لنفسها الطريق، وذلك لان الأحداث التاريخية في كل مكان تؤيد وتبرهن صحتها، كما استنتج نيلوس. وقدم بهذا الصدد آنذاك بعض النماذج التي استقاها من الصحافة، واتخذ مما اسماه عينة من العالم القديم (روسيا) والعالم الجديد (أمريكا). حيث استعرض مقال كاتب روسي بعنوان {أسرار البرنامج اليهودي} المنشور في جريدة (الأخبار الموسكوفية)، الذي توصل بعد تحليل لأوضاع روسيا بعد ثورة 1905 ودور اليهود فيها إلى أن من الممكن التشكيك بصحة "البروتوكولات" وتقديم مختلف التأويلات للبرهنة على أنها وثيقة منحولة، إلا أن كل ما فيها هو "مفتاح لرؤية ما جرى ويجري في روسيا". أما المقال الآخر فقد كتبه أحد النصارى العرب في أمريكا في مجلة (الكلمة) الصادرة بالعربية في نيويورك، وترجم إلى الروسية وطبع في (الأخبار الموسكوفية) في العدد 277 الصادر بتاريخ 1-1-1910 . وكاتب المقال هو الأب رافائيل، الذي توصل بعد استعراضه للوقائع العديدة من تاريخ أوربا السياسي والشعارات المستعملة فيه ونشاط "الاتحاد الإسرائيلي العالمي" إلى أن "المؤامرة اليهودية ضد العالم ليست اختلاق، بل واقع مؤسف له".

مما سبق يتضح، بان نيلوس أراد القول، بان هناك وعيا متزايدا ومتناميا فيما يتعلق بادراك خطورة "البروتوكولات" بالنسبة لروسيا والعالم. وهما وعي وإدراك يستمدان مقوماتهما من الواقع لا من الوهم، لان "البروتوكولات" وثيقة واقعية وليست اتهاما مختلقا.

 

"الامتحان التاريخي" لماهية "البروتوكولات"

 

رمت ثورة شباط  وحكومتها المؤقتة عام 1917 "البروتوكولات" في الحبس وحكمت عليها بالسجن المؤقت، بينما حكمت عليها ثورة أكتوبر للعام نفسه بالإعدام. ولم تتح لسيرجي نيلوس إمكانية الدفاع وحق البيان عن نفسه وعنها. وهي ظاهرة لها أسبابها ومقدماتها ونتائجها فيما يتعلق "بإحياء" "البروتوكولات" نفسها. فقد كشف "السجن المؤقت" عن أنها مصدر شك وقلق، بينما أدى إعدامها اللاحق إلى جعلها قوة يصعب المسك بها. وذلك لأنها تحولت إلى "فكرة" و"اتهام تاريخي" ليس إعدامها سوى دليل على أن ما فيها ليس مجرد هراء أو كذب أو تلفيق. لان الهراء لا يلبث وان يتبدد، وحبل الكذب قصير، والتلفيق سريع الزوال، والاتهام الفارغ لا يصمد أمام النقد.

لقد صادرت "الحكومة المؤقتة" بعد ثورة شباط 1917 الطبعة الأخيرة من {قاب قوسين أو أدنى}، كما لو أنها تحسست في العنوان نفسها. لهذا اعتقدت بان افضل وسيلة لعدم اتهامها بأنها "الدجال" (الماسوني) الواقف "على أبواب" روسيا هو أن يجري مصادرتها! أما بعد ثورة أكتوبر، فان افضل وسيلة لعدم اتهامها بأنها "الدجال" (اليهودي) الواقف على "أبواب روسيا" هو تكذيبها المطلق "للبروتوكولات" بمسحها من الوجود! وهو موقف وجد انعكاسه المباشر في الرواية التي تحكي لنا عن قول سيرجي نيلوس عندما ادخلوه على فيليكس دزرجينسكي قوميسار لجنة الطوارئ (أمن الدولة) والمسؤول عن تصفية كل اطياف المعارضة للسلطة السوفيتية

- إذا قتلتموني، فان ذلك دليل على صحة ما أقول!

- لهذا لا نقتلك!!

وبغض النظر عما إذا كانت هذه القصة صحيحة أم لا وكذلك الحوافز القائمة وراء تأليفها أو بثها، فان تشرده بعد الثورة وموته البائس عام 1929 وقتل زوجته في المعتقل عام 1938 تجري ضمن سلسلة واحدة هي إزالة آثاره من الذاكرة التاريخية السياسية للوعي الروسي عن الخطر الداهم لما اسماه نيلوس "بالمسيح الدجال" و"ابن المهلكات" و"الخارج عن القانون" الذي الصقه بالماسونية اليهودية الصهيونية، وكذلك تسفيه ما قاله وكتبه بهذا الصدد.

إن جملة هذه الوقائع تشير إلى حقيقة جلية تقول، بان تنصيب العداء لكتاب ما، أيا كان، هو دليل على التخوف مما فيه. والخوف هو نتاج ضعف، والضعف في الحالة المعنية ليس نتاج الاتهام أو النقد كما هو وارد في الكتاب، بل فيما إذا كان الاتهام يشير إلى نقطة الضعف هذه. وإذا كان رد الفعل قويا على هذا الاتهام، فان ذلك دليل على الوجود الفعلي لنقطة الضعف هذه، أي دليل على وجود ما يشير إليه "الاتهام". ذلك يعني أن خوف قيادة "الحكومة المؤقتة" بعد ثورة شباط من كتاب نيلوس هو نتاج لغلبة العناصر الماسونية فيها، بينما كان خوف قيادة السلطة السوفيتية بعد ثورة أكتوبر من كتاب نيلوس هو نتاج لغلبة العناصر اليهودية.

لقد تحسست هذه القوى "الهامشية" بالنسبة لحقيقة التاريخ الروسي ومرجعياته الثقافية والروحية الكبرى ملامح الاتهام الثابتة ضدها في كتاب نيلوس. كما أن وجودها الكثيف في السلطة كان يشير إلى ما في كتاب نيلوس من "نبوءة" وتحذير وضعها في رؤيته التاريخية اللاهوتية عن "الثعبان الرمزي". بعبارة أخرى، لقد كشفت الأحداث التاريخية بعد عام 1905 و1917 عن وجود ظاهرة سياسية وذهنية ثقافية اعتبرها نيلوس قوة تقف "قاب قوسين أو أدنى" من ابواب روسيا، هي الخطر المميت بالنسبة لها.

ذلك يعني أن سيرجي نيلوس لم يتهم جزافا، بقدر ما انه قدم رؤية كانت تسعى أساسا لكبح "المحتوم" من خلال تثوير الرؤية القومية المتجلببة باللاهوت النصراني الأرثوذكسي. ولم يسع هو من وراء ذلك لإدانة الثورة والثوار، مع انه استهزأ بفكرة "الحركة التحررية"، بل أراد القول، بان الذهنية المغامرة للقوى الهامشية (الماسونية اليهودية) بالنسبة لروسيا تعادل "انقضاء الدهر" و"نهاية التاريخ" الروسي. ووضع ذلك في الإضافة التي ألحقها بعنوان الطبعة الثانية (عام 1905) من كتابه {عظيم في حقير} بكلمات "كإمكانية سياسية محتملة". أي انه وضع فكرته وموقفه هذا قبل ثورة 1905. ذلك يعني انه لم يربط بين الحدثين، لأنهما لم يظهرا سوية بعد. لقد بحث نيلوس عن احتمال سياسي ممكن لمجرى الأحداث اللاحقة في روسيا، وجد سببه وقوته في الماسونية اليهودية. مع أن ثورة 1905 ظاهرة اعقد بكثير من أن يجري إرجاعها لسبب واحد أي كان هذا السبب. إضافة إلى كونها ظاهرة تاريخية روسية من حيث مقدماتها وإشكالياتها وأهدافها الكبرى. والشيء نفسه يمكن قوله عن إضافة "عودة المسيح الدجال" لطبعة 1911، أي فكرة الانتظار وتدقيقها الحاسم في مجرى الحرب الإمبريالية الأولى ورؤية المسار الذي يمكن أن تؤول إليه روسيا كما وضعه في عنوانه الجديد {قاب قوسين أو أدنى}.

عكست هذه الرؤية دون شك، واقع الأحداث التي عانت روسيا منها منذ بداية القرن العشرين. إلا أن تاريخها اعمق وأوسع من ذلك. واذا كان البعض يربطها من الناحية التاريخية بعام 1881 باعتبارها نقطة الانطلاق في تأطير وتأجيج الموقف المعادي لليهود في روسيا استنادا إلى كونه عام اغتيال القيصر الكسندر الثاني من قبل الإرهابيين اليهود، وبالتالي بداية المطاردات الشعبية لليهود في روسيا، فان ذلك مجرد بريق تاريخي لصيرورة عريقة نسبيا تجسدت في اليهودية الصهيونية كما ظهرت بوضوح بعد مؤتمر بازل الصهيوني العالمي الأول عام 1897. فهو عام ظهور "البروتوكولات" بالمعنى الرمزي والتاريخي.

مما لا شك فيه، أن السلطة القيصرية وأجهزتها الأمنية كانت تراقب بحذر النشاط اليهودي. فقد أدت مشاركة اليهود في اغتيال القيصر عام 1881 إلى جعل الإرهاب أسلوبا في العمل السياسي. وهي مساع جعلت من الراديكالية وأسلوب الاغتيال راية النشاط السياسي. إضافة لذلك أن الاشتراك الكبير والفاعل لليهود في الحركات الثورية آنذاك، الذي كان في جوهره شكلا من أشكال الاحتجاج على واقع عوام اليهود ومحاولة للاندماج السريع بالمجتمع، أدى على خلفية اليهودية التلمودية المغروسة في شرايين الشتات والغيتو إلى طفح راديكالي متشبع بنفسية الانتقام والتشفي. ووجدت هذه الظاهرة انعكاسها في محاولة السلطة القيصرية دراسة أساليب عمل اليهود المعارضة والمخربة للدول ومؤسساتها على امتداد قرون عديدة بدءاً من الحروب الصليبية وانتهاء بالمرحلة التي تناولها تقرير الشرطة السرية المقدم عام 1895 والمتعلق بهذا الجانب.

من هنا نستطيع القول، بوجود استعداد فعلي عند السلطة القيصرية فيما يتعلق بالموقف السلبي من اليهود في روسيا. ومن ثم تقبل "البروتوكولات" كما هي على أنها مخطط يهودي مركزي، وبالأخص بعد أحداث ثورة 1905. فهي الأحداث التي أعطت "للبروتوكولات" بعدا جديدا وكشفت عما فيها من خطورة فعلية بالنسبة للدولة. وهو تقبل يمكن تتبعه في مواقف القيصر الروسي نيكولاي الثاني ووزارتي الداخلية والخارجية، أي في الأجهزة ذات الصلة بأمن الدولة والسلطة وسياستها الداخلية والخارجية. فقد اعتبر القيصر "البروتوكولات" عندما عرضت عليه للمرة الأولى بعد أحداث عام 1905، "خطة جهنمية" وتنفيذا دقيقا لما فيها من برامج، كما أقر بصحتها. وكان ذلك رد فعل نفسيا، لكنه مؤيد بوقائع الأحداث وليس برؤية تاريخية سياسية. من هنا تأييده لمبادرة وزيره للخارجية آنذاك ف. ن. لامزدورف، الذي اقترح في مذكرته للقيصر أن توحد كل من روسيا وألمانيا والفاتيكان جهودها من اجل النضال ضد "الاتحاد اليهودي العالمي"، الذي تستغله فرنسا لأغراضها السياسية آنذاك. وردّ القيصر نيكولاي الثاني على هذا الاقتراح قائلا "من الضروري إجراء المحادثات فورا! إنني اتفق تمام الاتفاق مع ما هو وارد في هذا الاقتراح". وهي وثيقة نشرت من قبل وزارة الخارجية السوفيتية عام 1918. غير أن موقف القيصر تبدل بعد فترة وجيزة عندما قدم له سطاليبين تقريرا سريا بهذا الصدد حاول ان يثبت فيه أن "البرتوكولات" وثيقة منحولة. وبالتالي لا ينبغي أن تستند إليها الدولة في سياستها ومواقفها من اليهود في روسيا. ووافق القيصر على هذا الاستنتاج وطالب بسحب "البروتوكولات" وزجر من يتخذها أساسا للعمل في مواقفه من اليهود.

كل ذلك يعكس المواقف المترددة وعدم ثبات القيصر ومن ثم تغير مواقفه تحت تأثير تنوع واختلاف التقارير والمقترحات. وهو واقع جرى تأويله في وقت لاحق، وبالأخص من جانب اليهودية الصهيونية نفسها على أن "البروتوكولات" نفسها أعدت وقدمت بالطريقة المعروفة تاريخيا للقيصر نفسه وذلك بسبب ضعفه وعدم حزمه لأجل التلاعب به وبسياسته! وجرى تقديم هذا التأويل بالشكل التالي: بما أن القيصر ضعيف الشخصية وكان مولعا بالروحانيات والدين لهذا جرى وضع "البروتوكولات" في الطبعة الثانية من كتاب سيرجي نيلوس {عظيم في حقير}(طبعة 1903)، الذي سبق وان أثار إعجاب زوجته الأميرة يليزافيتا فيودوروفنا المولعة أيضا بالدين والروحانيات. وجرى دفع هذا التأويل إلى أقصى مداه عبر تحويل شخصية نيلوس نفسه إلى "بيدق" في شطرنج اللعبة السياسية الماكرة التي كانت تحيكها مختلف القوى المتصارعة آنذاك خلف كواليس العائلة المالكة. والمقصود بذلك الصراع الذي كان يدور في الخفاء آنذاك بين القوى القومية التي أرادت التخلص من فيليب الفرنسي، الرجل الدجال الذي اصبح طبيبا للعائلة المالكة ومقربا من القيصر مع انه ليس له علاقة بالطب. وهو يشبه بهذا المعنى راسبوتن، الشخصية التي ستكرر موقعه وتأثيره على العائلة المالكة في وقت لاحق (قبل الثورة). وبما أن الأميرة يليزافيتا فيودوروفنا كانت من المعجبات جدا بكتاب سيرجي نيلوس، لهذا جرى دمج {البروتوكولات} في كتابه {عظيم في حقير}، بعد اقتناع نيلوس نفسه، بان "البروتوكولات" وثيقة صحيحة جرى العثور عليها في الخزائن السرية للماسونية اليهودية في باريس. ذلك يعني أن القوى القومية التي خاضت الصراع مع أولئك الذين استغلوا فيليب الفرنسي للتدخل في شئون الدولة الروسية عبر العائلة المالكة هي التي الفت هذه الوثائق من اجل خدمة أغراضهم السياسية. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن يليزافيتا فيودوروفنا نفسها كانت تسعى إلى جعل سيرجي نيلوس مربيا ومرافقا روحيا للقيصر نفسه انطلاقا من يقينها بان نيلوس هو الشخصية الروحية والصوفية الأرثوذكسية الروسية المثلى للقيام بهذا المهمة. وهي "لعبة" كان يقف وراءها من وضع "البروتوكولات" نفسها، أي الشرطة الروسية السرية، التي استغلت ثورة 1905 على اكمل وجه! وهو تأويل يستند في اغلبه إلى المعلومات والتقييم الذي قدمه دي شايل في مقاله {سيرجي نيلوس والبروتوكولات الصهيونية} عام 1921.

يعاني هذا التأويل من نقاط ضعف جوهرية، أولها أن نيلوس حصل على هذه البروتوكولات عام 1901. وحاول طباعتها في غضون سنوات عديدة لكنه لم يفلح. ولم يدرجها ضمن طبعة 1903 لكتابه {عظيم في حقير}. وفي العام نفسه (1903) ظهرت "البروتوكولات" على شكل حلقات في جريدة "زناميا" (الراية). أما إدراجه إياها ضمن الطبعة الثانية من كتابه الآنف الذكر عام 1905، فقد جرى قبل ثورة 1905. ذلك يعني أن ما قام به لم يكن جزءا من "لعبة سياسية"، أو مهمة تحريضية مبنية على وقائع وأحداث ثورة 1905.

لقد كان إدراجه "للبروتوكولات" ضمن الطبعة الثانية من {عظيم في حقير} انعكاسا لتطور آرائه الروحية والسياسية، كما بينته سابقا. ولم يكن ذلك معزولا أيضا عن الشهرة والمكانة التي حصل عليها كتابه، بما في ذلك عند العائلة المالكة. وبالتالي كان يمكن استغلاله كوسيلة أو منفذ لتحقيق الفكرة التي كان شديد القناعة بها، ألا وهي أن الخطر الأكبر على النظام والدولة والقومية الروسية يكمن في الماسونية اليهودية. وإذا تلاقت آراءه وتصوراته مع توجهات التيار القومي الروسي بشخصية "اتحاد الشعب الروسي"، الذي يطلق عليه جزافا تسمية "المائة السوداء"، فانه أمر طبيعي للغاية.

غير أن هذه "النتيجة" الطبيعية لتطور آراء ومواقف الأفراد والأحزاب والمؤسسات في المرحلة التي اتسمت بغليان الصراع السياسي والعقائدي في روسيا ما بين 1905 و917، تحولت على خلفية ظهور "البروتوكولات" إلى جزء من صراع سياسي اشترك فيه مختلف الأطراف والقوى. مع أن "البروتوكولات" في جوهرها هي نتاج لتاريخ أوسع واعقد واكثر إشكالية، مرتبط أساسا بتاريخ السبيكة اليهودية الصهيونية المتراكمة في تقاليد ووحدة الشتات والغيتو. لهذا أجمع التيار القومي الروسي على أن "البروتوكولات" هي وثيقة صحيحة وضعها "حكماء صهيون" من اجل بلوغ السيطرة العالمية، بينما تنوعت محاولات التيار اليهودي الصهيوني لإثبات العكس. وجرى توظيف مختلف "السيناريوهات"، التي لا تتعدى في الأغلب كونها اعتقادات وتأويلات لا دليل قاطع عليها.

فإضافة إلى الصيغة الآنفة الذكر عن ضعف شخصية القيصر واستغلال شخصية نيلوس للتأثير على العائلة المالكة، هناك صيغة اكثر انتشارا وثباتا للبرهنة على أن مصدر "البروتوكولات" هو الشرطة السرية القيصرية (أوخرانكا)، التي جرى تشكيلها بعد اغتيال اليهود القيصر الكسندر الثاني عام 1881. واستندت هذه "الاوخرانكا" إلى تقاليد ما يسمى "بالشعبة الثالثة" التابعة للمكتب الإمبراطوري التي جرى تشكيلها عام 1826 بعد حركة الديكابريين (الديسمبريين). وهو اتهام أطلقه للمرة الأولى الفرنسي هنري ونت أحد عملاء الشرطة السرية الروسية، الذي كان يعمل لحسابها. حيث ادعى بعد ثورة شباط عام 1917، بان "البروتوكولات" هي من وضع رئيس جهاز الشرطة السرية في الخارج بيوتر ايفانوفتش راجكوفسكي (ت 1911). وهو اتهام قال به الصحفي الروسي فلاديمر بورتسف، واضاف إليه اسم شخصية أخرى هو غولوفينسكي، الذي كان يعمل في الجهاز نفسه إلى أن بلغ لاحقا رتبة جنرال. ووقف إلى جانب هذه التهمة أيضا المؤرخ ميخائيل ليبختين، الذي اعتبر غولوفينسكي من "المؤهلين" للعمل مع الصحافة، ومن المحترفين نشر الآراء والدعاية التي تعمل من اجل تخريب المعارضة وإثارة الاتهامات المتبادلة. وانه أول من قام بوضع "البروتوكولات" استنادا إلى كتاب موريس جولي {حوار في الجحيم}، لكنه لم يفعل غير أن استبدل كلمة "فرنسا" بكلمة "صهيون" وكلمة "نابليون" بكلمة "يهود". وهو سبب عدم قبوله وذلك لظهور زيفه ورداءته وإمكانية اكتشاف مصدره بسرعة. لهذا جرى رفضه! وهو اتهام باطل لا أساس له ولا برهان. إذ يصعب توقع  ذلك من إنسان "مؤهل" و"محترف" أن يقوم بعمل "كبير" من خلال استبدال مواقع كلمتين فقط من كتاب ونسبه لآخرين. إضافة لذلك لا يوجد أي دليل مادي ولا أية وثيقة تدل على ذلك لا عن قرب ولا عن بعد. ثم ليس هناك وجود مخطوطة أو حتى قصاصة صغيرة أو ما يشبه قصاصة للبرهنة على وجود هذه النسخة. ثم ليس هناك من إشارة إليها عند أي من تناول مسألة "البروتوكولات" حتى عام 1921. أما بالنسبة لراجكوفسكي، الذي عادة ما يجري التركيز عليه في كل الكتابات والأبحاث التي تحاول نسبة "البروتوكولات" إلى الشرطة السرية الروسية، فإنها تنطلق في اتهاماتها هذه من المهمة السياسية التي كان ينفذها، وبالأخص بعد أن اصبح رئيسا لجهازها في الخارج (باريس). لا سيما وان باريس كانت "وطن" "البروتوكولات" كما أشارت إليه كل الطبعات الروسية، بدء من طبعة عام 1903.

كان راجكوفسكي في شبابه من أنصار حركة "نارودنيا فوليا" (حرية الشعب). ويقال، أن دخوله جهاز الشرطة السرية جرى بعد اعتقاله عام 1879 بتهمة ملفقة وباطلة تتعلق بتأييده للحركات السرية الإرهابية. حينذاك وقف أمام مفترق طرق، أما النفي إلى سيبيريا وأما التعاون مع جهاز الشرطة السري. واختار الطريق الثاني. وهو اتهام لا دليل عليه أيضا، سوى محاولة رسم الملامح الشخصية لراجكوفسكي التي يمكن من خلالها تمرير "مؤامرته" في وضع "البروتوكولات" وتسويقها. وذلك لان مجمل نشاطه المهني يصب أساسا ضمن عقيدته السياسية والقومية، التي أوصلته في ظروف روسيا عند ثمانينيات القرن التاسع عشر (بداية عمله في وزارة الداخلية) حتى وفاته، إلى يقين سياسي يقول، بان الخطر الأكبر بالنسبة لروسيا كدولة وقومية يقوم في استفحال الراديكالية السياسية، التي لعب ويلعب اليهود فيها دورا رئيسيا. وتبين ذلك بجلاء في اشتراكه السياسي الفعال في الحركات القومية الروسية، حيث ساهم في إنشاء حركة "الجماعة المقدسة"، التي شكلت بؤرة "اتحاد الشعب الروسي". غير أن التجسيد العملي لعقيدته السياسية ظهر على أتم وضوح في نشاطه المهني، باعتباره رئيس قسم الشرطة السرية في الخارج. حيث ترأسه من عام 1884 حتى عام 1903. وعلى مدار تسعة عشر عاما كشف راجكوفسكي عن مقدرة كبيرة في مواجهة الحركات الثورية الروسية، بحيث اعتبره الكثير من أصدقائه وأعدائه أحد المع الشخصيات وأكثرها ذكاء فيما يتعلق بمهنته وإخلاصه للنظام القيصري. وبسبب عمله الدؤوب في تتبع رجال الحركات الثورية الروسية في الخارج، جرى إلصاق تهم عديدة به بما في ذلك تهمة تأليفه للمقالات والكراريس المنحولة من اجل إثارة الخلاف والبلبلة بين صفوف وأوساط الحركات الثورية السياسية الروسية العاملة في الخارج.

فمن الناحية التاريخية تزامن صعود راجكوفسكي في هرم وزارة الداخلية مع صعود وتنامي واستفحال موجة التيارات الإرهابية في الحركات الثورية، الذي شكل اغتيال القيصر الكسندر الثاني عام 1881 انعطافها الكبير، واستدعى بدوره ظهور "الاوخرانكا" (الشرطة السرية). وقد كان تعيينه رئيسا لجهازها في الخارج عام 1884 دليلا على موقعه المتميز بالنسبة لأمن الدولة آنذاك، وإدراكا منها بفعالية مساعيه وقدرته في مواجهة الحركات الإرهابية والراديكالية السرية. وهو أمر أدى بالضرورة إلى المواجهة بينه بين اليهود بسبب غلبتهم السائدة في الأجهزة السرية للحركات الثورية في الخارج. و مما يتهم به بهذا الصدد وضعه كراريس ينسبها للثوريين كما هو الحال بالنسبة لظهور ما يسمى "برسالة  ايفانوف" عام 1887 في باريس، الذي أعلن فيها عن يأسه وشماتته بالثوريين في الخارج واعتبرهم إرهابيين وان اغلبهم من اليهود. وفي عام 1890 يظهر كراس {اعترافات مناضل ثوري قديم} يشّهر برجال الحركة الثورية الروسية العاملين في بريطانيا، ويتهمهم بالعمالة للمخابرات البريطانية. كما ظهرت عام 1892 رسالة منسوبة إلى بليخانوف يتهم فيها قيادة "نارودنيا فوليا" في نشرها كراس {اعترافات مناضل ثوري قديم}. وبعدها بقليل يظهر رد عليه بعنوان {رسالة بليخانوف} وهكذا دواليك.

ومع أن هذه الظاهرة ليست غريبة بالنسبة للحركات الثورية (وغير الثورية) في كل مكان، إلا أن الاتهام اللاحق وجه أساسا لراجكوفسكي، وبالأخص بعد ظهور "البروتوكولات" وطباعتها بفترة طويلة نسبيا (بعد ثورة شباط 1917). وهو اتهام مبني على أساس موقف راجكوفسكي المعارض بشدة لليهود. مما دفع بالبعض للقول، بان الكتاب الذي ظهر باللغة الفرنسية في باريس عام 1892 بعنوان {الفوضى والنزعة العدمية} لمؤلفه غ.  بريفال هو من تأليف راجكوفسكي نفسه[40]. إذ يحتوي هذا الكتاب على جملة من الأفكار الجوهرية التي تتضمنها "البروتوكولات"، وبالأخص ما يتعلق منه بالثورة الفرنسية والليبرالية وأثرهما في صعود السيطرة اليهودية في فرنسا. وان القوة الوحيدة التي تقف حجر عثرة أمام سيطرة اليهود العالمية هي القيصرية الروسية، أو ما دعاه الكتب "بالقلعة الموسكوفية". وفي هذا يكمن سبب عمل اليهود وبناء شبكاتهم وتشكيل الأحلاف المعادية لروسيا من اجل هدم نظامها