ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 28/11/2004


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

أبحاث

 

إصدارات

 

 

    ـ أبحاث

 

 

    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


الانتخابات العامة :

مادة الشرعية وميزانها والبرلمانية ثمرتها في مواجهة الاستبداد

3ـ3

عبد الحميد حاج خضر* _ ألمانيا

نحن نفاضل بين نظم ديمقراطية حيث التعددية أحد مسلماتها الأساسية ولا يوجد مجال للمقارنة بينها وبين النظم الشمولية التي تحرم التعددية أصلاً وتعاقب كل مظاهر التعبير عنها بأشد العقوبات ، والأكثر غرابة وسفاهة أن الأحزاب التي تعاني من فقدان الحرية بكل مفرداتها ، والتعددية السياسية بأبسط أشكلالها تضم صوتها إلى صوت الاستبداد وتنادي بمنع الأحزاب ذات المرجعية الدينية . إن المرجعية الدينية ضرورة وطنية وحضارية كما هي واجب ديني . المنظومة القيمية هي صمام الأمان أمام الاحتقان الغريزي الذي تعاني منه الحضارة الغربية ذات المرجعية الدهرية أو الدنيوية . على سبيل المثال لا الحصر . كل الدساتير الأوربية تدعوا إلى حماية الأسرة وتتلقي المؤسسات الاجتماعية دعم مالياً محترماً ، ومع ذلك لم تستطيع كل الجهود المذولة لهذا الغرض أن توقف تفكك الأسرة ، تماماً كما توقع كارل ماركس وأنجلز . لقد أثبتت الاحصائيات الدقيقة أن 90% من الذين قادوا حركة التمرد الطلابية في ألمانيا هم شباب لم يعرفوا حياة الأسرة لأنهم عاشوا في كنف أمهاتهم دون آبائهم لأسباب عدة . غالبية أو قل 90% منهم يوثن العنف أو قد مارسه . يوجد الآن 3 ملاين طفل في ألمانيا لا يعرفون حياة الأسرة ويعيشون في كنف أمهاتهم ، نتيجة تفكك الأسرة وفقدان حس المسؤولية عند الرجال ، ولهذا يتوقع أهل الاختصاص تجدد ظاهرة العنف في المجتمعات الأوربية يكون العنف الذي تعرفه المنطقة العربية أهون الشرين . إن الفقه الإسلامي ثروة إنسانية يكون من السفه والغرور العلماني (الدنيوي ) غير المسؤول التفريط بها . إن فقهاً يوازن بحصافة عجيبة بين الحقوق والواجبات وبين العقل والفطرة وبين الجمال والعفة وبين الكرامة والمتعة حري أن يصان ويفعل ويكون له صوت في ساحة القرار ومحاريب التشريع المسؤول . إنها ليست دعوة سلفية محافظة بل دعوة مسؤولة لتجنيب الحرية من دعاوى الغريزة الهمجية . إن استبعاد مشاركة الأحزاب الدنيية من العملية السياسية تصب مباشرة في خانة العولمة الصهيونية والعلمنة الشمولية حيث يصبح أفراد المجتمع قطعان من الذئاب ينهش بعضه بعض . هذه الدعوة غير المسؤولة ستقود إلى الفتنة التي يسعي كل سياسي حصيف إلى عدم الوقوع في أتونها .

إن إقرار التعددية هو مجرد خطوة صغيرة على طريق الاعتراف بكامل الحقوق والواجبات التي توجبها التعددية نفسها.  في الدول الديمقراطية الغربية تزدهر صناعة الحيل الديوانية (البروقراطية) وتتفتق كل يوم عن جديد من السفسطة والشعارات المضللة للتملص مما توجبه التعددية من حقوق وواجبات تنسجم مع قواعد العدل والكرامة والفطرة . الإندماج The Integration أو Multicultural Society التعدد الثقافي والحضاري ، مصطلحات لحجب الحقيقة والاستحقاقات . المراقب الحصيف يكاد يلمس عند الغالبية ، التي تعتبر نفسها المالك والوصي على الأرض والدولة والمجتمع ، خوف غريزي وغير عقلاني من أن تنال الأقليات حقوقها الطبيعية . هاجس البنية السكانية Demography يستحوذ على مشاعر رجال الدولة ومعظم الساسة ، ويدفع بهم لارتكاب حماقات وموبقات فظيعة ، كتغذية النعرات العنصرية سراً وعلانية "بالحجة" والوسيلة ، أو وضع العقبات ولإجراءت " القانونية " أمام الأقليات لكي لا تحصل على حقوقها المشرعة . النظم الشمولية تعمل العكس تماماً . تركز على الخصوصيات العرقية والطائفية  لتبرر اغتصاب السلطة من قبل الأقلية . الشمولية هيمنة إرادة الأقلية على الأكثرية . إن نظم الانتخابات النسية هي الأقرب إلى إعطاء كل ذي حق حقه ، وتحقيق مفردات المواطنة بشكل مرضي .

الجدول التالي يبين بشك واضح عدم عدالة نظام الانتخابات بالأكثرية وعدم انسجام عدد المقاعد النيابية مع نسبة الأصوات :

الأحزاب           عدد المقاعد (651 ) عام 1992       عدد المقاعد ( 659 ) عام 1997      عدد المقاعد ( 659 ) عام  (1 200 )

                         %               مقعد                   %                مقعد                 %                 مقعد  

ح. العمال             41,9           321             43,1                    418               40           412 

ح.المحافظين          34,4           272                 30,6               165                31,7           166

ح. الأحرار           17,9             26                  16,7               46                  18,3            52 

البقية                  5,8               32                  9,6                30                   9,3             29   

لو طبق على نتائج الانتخابات في عام 2001 النظام النسبي ( الألماني ) لحصل حزب العمال على 268 فقط مقعداً بدلاً من 412 ولحصل حزب المحافظين على 209 مقعداً بدلاً من 166 مقعداً ولحصل حزب الأحرار الديمقراطي على 121 مقعداً بدلاً من 52 مقعداً ولحصلت الأحزاب الصغيرة والأفراد ( البقية ) على 61 بدلاً من 29 مقعداً .

أعتقد بات واضحاً أن نظام الإنتخابات النسبية تقدم تمثيل أفضل وأعدل للطيف السياسي والتعددية السياسية . ربما هذه الخطوة العملية تسهم بشكل أفضل في حل الاحتقان والتشنج العرقي والطائفي في مجتمع متعدد الأعراق والطوائف وتضع الزعامات الطائفية والعرقية أمام المحك والامتحان الصعب في بناء الوحدة الوطنية بدل التجارة والمزاودات الفارغة .

هل للانتخابات النسبية عيوب ومثالب ؟ نعم : إن أول مأخذ على الانتخابات النسبية هو أن فوز أحد الأحزاب الكبرى بأغلبية مطلقة أمر عسير المنال ، حيث أن آلية الانتخاب البسيطة نسبياً وآلية توزيع المقاعد الحسابية تسهم بشك فعال في توزيع الأصوات الانتخابية على الطيف السياسي بشكل عادل نسبياً أو أكثر عدلاً من الانتخابات بالأكثرية على الأقل ، وهذا ما يجعل توليف الأغلبية مصحوب بمشقة وتنازلات معتبرة للأحزاب الصغيرة التي ترتضي الائتلاف مع الأحزاب الكبيرة للاضطلاع بمسؤولية الوزارة وانتخاب رئيس الدولة ، ورئيس المجلس النيابي ، وإقرار الميزانية العامة . التجربة الألمانية في عشرينات القرن الماضي ( جمهورية فايمرا ) حيث لم يكن هناك حاجز قانوني أمام الأحزاب الصغيرة جعل تشكيل الوزارة وانتخاب مستشار يقود السلطة التنفيذية صعب المنال وبالتالي أوجد فراغ سياسي أعطى زخماً سياسياً للأحزاب المتطرفة إيديولوجياً ( الشيوعيين والنازيين ) . لنأخذ نتائج الانتخابات التي أجريت في 20/5/1928 . كان عدد الأحزاب والقوائم الانتخابية وصل إلى 13 حزباً . عدد لا بأس به من هذه الأحزاب تمثل خصوصيات ونحل وفرق لا علاقة لها بالشأن العام ( هذه الظاهرة لا زالت قائمة إلى الآن ولكن حجم أثرها السلبي بالحاجز القانوني 5% ) في تلك الانتخابات حصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، أقوى الأحزاب وأفضلها حظاً ، على 153 مقعداً من أصل 491 مقعد ، وحصل حزب الشعب للأمة الألمانية على 73 مقعداً ، وحصل حزب المركز على 62 مقعدأً ، وحصل الحزب الشيوعي على 54 مقعداً ، وحصل الحزب النازي على 12 مقعداً وحصلت الأحزاب الصغيرة وعددها 8 أحزاب على 137 مقعداً . هذه النتجة جعلت تشكيل وزارة ومستشار أمراً عسيراً لهذا جنح المشرع الألماني بعد الحرب الثانية إلى فرض الحاجز القانوني 5% لتفادي الأثار السلبية للانتخابات النسبية ، فحظيت المانيا باستقرار سياسي معتبر . أما في تركيا فالحاجز  10% وهذه عملية قسرية غير مبررة من الناحية الفقهية على الأقل . إسبانيا التي أخذت بالنظام الألماني بعد سقوط الدكتاتورية تتمتع باستقرار سياسي جيد وديمقراطية نشطة . المرة الوحيدة التي حصل حزب سياسي واحد على الأغلبية المطلقة في إلمانيا كان في عام 1957 حيث حصل الحزب المسيحي الديمقراطي مع رديفه  الحزب الاشتراكي المسيحي في مقاطعة بافاريا الجنوبية على نسبة 50,2% فقط .

إذن بعد التغلب على العيب الأول بالحاجز القانوني 5% يبقي العيب الثاني ، وهو ضرورة المساومات السياسي مع الحزب أو  الاحزاب المؤتلفة مع الحزب المكلف ، وهذا لعمري عين السياسة ، فوجود خصم حميم في مطبخ القرار يحجم الوعود الانتخابية غير الواقعية وينشط الحياة السياسية في الدورة القادمة ، على الأقل من الناحية النظرية . إلا أن نشاط الحياة السياسية ليس متوقفاً على سياسة الوزارة والسلطة التنفيذية ، فهناك العامل الاقتصادي والعامل الاجتماعي والعامل الفكري والثقافي .

حق الانتخاب أو الترشيح للانتخابات العامة وتقلد المناصب السياسية ( رئيس الجمهورية ، رئيس الوزراء ، الوزراء ...إلخ ) من حيث المبدأ كل من يملك حق المواطنة يملك حق الانتخاب وحق الترشيح . الاستثناء يحدده الدستور أو القانون . فالدستور يحدد سن التكليف مثلاً 18 سنة وهو السن الذي يعتبر فيه المواطن أو المواطنة مسؤولان عن أعمالهما أمام القانون . يميل المشرع الغربي بشكل عام لتخفيض السن القانونية للناخب ورفع المسألة القانونية في الجنح والجنايات ، أما سن الخدمة الإلزامية في القوات المسلحة فالتوجه العام هو إلغاء الخدمة الإلزامية ، وما تخفيض مدة الخدمة إلا خطوة نحو إلغائها كلياً كما في الولايات المتحدة الأمريكية . الجدل القانوني لسن الانتخاب يتركز حول التوفيق بين سن المسؤولية القانونية جزائية كانت أم مدنية ، حيث تقتضي الحكمة رفعها أو الإبقاء عليها على الأقل . وخفض سن من يحق لهم الانتخاب ، ولولا أن سن التكليف وسن الانتخاب مادة دستورية ( المادة 38 الفقرة الثانية ) ، حيث تتجنب الطبقة السياسية عرفاً تعديل أي مادة دستورية ، لخفضت سن من يحق لهم الانتخابات إلى 16 سنة منذ سنوات . ومع ذلك تسعى بعض الولايات إلى مثل هذا التعديل في نطاق الانتخابات البلدية والمحلية . الفقه الإسلامي أكثر مرونة في هذه المسألة الذي لم يحدد سن معينة للأهلية القانونية وإنما ذكر سن البلوغ وهو مابين 15-16 للذكور وأقل من ذلك للإناث مما يعطي المشرع في هذه المسألة سعة ومرونة . ونحن نعالج هذه المسألة رأينا أن نربطها بمسألة هامة في العملية الانتخابية نفسها وهي المشاركة في الانتخابات فعلياً . في النظم الديمقراطية الغربية ثلاث إجراءات مختلفة ولكنها متفقة من حيث المبدأ الذي يعطي حق الانتخاب لكل مواطن One man one vote  المعروف . إلا أن بعض الدول مثل بلجيكا تجعل هذا الحق واجباً أو فرضاً أي من له حق الانتخاب عليه واجب الانتخاب  أيضاً ، وكل تقصير في أداء هذا الواجب يلزم المقصر بدفع غرامة مالية ، ولهذا جعل المشرع البلجيكي يوم الاقتراع العام عطلة رسمية في أحد أيام الدوام الرسمي في الاسبوع . المذهب الثاني وهو أن حق الانتخاب مجرد حق فردي يمارسه من يشاء ويعفو عنه من يشاء ولكن واجب الدولة أن تجعله ممكن ومتيسر للجميع ولهذا لم تجعل يوم الاقتراع عطلة رسمية ، ويقع عادة يوم الأحد ، إلا أنها اتخذت كل الإجراءات لجعله ممكن وميسر . من هذه التيسيرات مثلاً الاقتراع بالرسالة البريدية ، حيث يتلقى كل ناخب البطاقة الانتخابية قبل يوم الاقتراع بحوالى إسبوعين على الاقل وله الخيار أن يقترع بالرسالة البريدية إذا كان على سفر أو مريضاً أو آثر الراحة عن الذهاب إلى مركز الاقتراع في موعده ومكانه المحدد للإدلاء بصوته . لا يترتب على عدم المشاركين في الاقتراع أي غرامة مالية ، إلا ان السواد الأعظم يعتبر المشاركة من واجبات المواطنة ونسبة المشاركة قد تصل إلى أكثر من 90% وخاصة في الأحياء والمناطق المحافظة ، ومع هذا فإن نسبة أكثر من 20% مؤشر يدعو إلى القلق عند الطبقة السياسية ورجال الدولة والفكر . تفسر نسبة عدم المشاركة وأحياناً تؤول بتشاؤم وتشكك في جدوى الآلية الديمقراطية وإحاطتها بالرغبات الظاهرة والكامنة عند الواطن . عند الذين يوثنون السلطة لا يهمهم نسبة المشاركة صعوداً أو هبوطاً ، المهم عندهم أن يكون من عداد الناجحين في الاقتراع العام وكأن لسان حالهم يقول : سيان عندي إن بروّا وإن فجروا             فليس يجري على أمثالهم قلم

ظاهرة عدم المشاركة في الاقتراع والتأويل والجدل القائم حولها ، رغم التسهيلات المعتمدة ، جديرة بالاهتمام . ولكي نصل إلى شاطئ اليقين عند  تأويل عدم المشاركة . لابد من آليات موضوعية للتفريق بين عدم المشاركة كسلاً وزهداً أم  احتجاجا على المعروض من طيف سياسي لم يستوعب التعددية السياسية والاجتماعية والفكرية في المجتمع . لقد رأينا أن نأخذ بتوليفة بين آليات الانتخابات البلجيكية التي توجب الاقتراع وتعاقب المقصر فيه وآليات النظام الألماني الذي يجعل عملية الاقتراع مجرد حق يمارسه من يشاء ويعفو عنه من يشاء . وراينا أن حق الانتخاب متاح لكل مواطن ومواطنة بلغا السادسة عشر ؛ ولكن يصبح هذا الحق واجباً بعد بلوغ الحادي والعشرين من العمر ، ويعود هذا الواجب ليصبح مجرد حق لمن بلغ الخامسة والستون من العمر وهو عادة سن التقاعد عن العمل . يعاقب كل من يقصر في أداء واجبه الانتخابي بغرامة مالية وهم فقط بين ( 21-65 ) سنة . أما الشباب اليافع والشيوخ فلا يتوجب عليهم الغرامة عند التقصير أو الامتناع . لا يعني واجب الانتخاب لزوم التصويت  لأحد المرشحين أو الاحزاب لأن الانتخابات سرية . بهذا نكون قد حسما الجدل حول السن القانونية لمن يحق لهم الانتخاب وأعطينا تفسير أدق للأصوات المعترضة على الطيف السياسي المعروض والتوجه السياسي العام . هذا المشروع القانوني  يقدم  آلية للحسم ويجنبنا مغبة إعادة العملية الانتخابية لعدم توفر النصاب 51% التي تشترطها معظم القوانين الانتخابية في العالم . النموذج الثالث وهو المعمول به في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى ممن أخذ بهذا النموذج المتخلف ومنها مصر . وهو ليس موضع إجماع عند   فقهاء القانون ، لتعديه على شرط سرية الاقتراع . النموذج الأمريكي يشترط على الناخب أن يسجل اسمه في الدوائر المختصة قبيل الاقتراع بمدة محددة ، معلناً رغبته في المشاركة في الانتخابات العامة ليحصل بعدها على البطاقة الانتخابية التي بموجبها يحق له الإدلاء بصوته . هذه العملية بحد ذاتها تفسر نسبة التدني في المشاركة الانتخابية التي لا تزيد على 50% إلا قليلاً في الولايات المتحدة  وفي الانتخابات المصرية الأخيرة لم تصل في أحسن تقدير إلى 18% . وقد يحجم الكثير عن ممارسة حقهم في الاقتراع ، وخاصة في الدول المستبدة مثل مصر ، حتى لا يعرض نفسه للمسائلة الحقيقة أو الموهومة . ولعله يفسر سماح الحكومة المصرية للأخوان المسلمين بالانتخابات العامة ، رغم العداوة الشديدة ، لمعرفة سرعة تنامي التيار الإسلامي ورصده . سرية الاقتراع لا تعني فقط الدخول إلى حجرة معزولة والإدلاء بصوتك بعيداً عن الأنظار وإنما أيضاً استبعاد كل الآليات التي تمكن الدولة من تحديد ولو بشكل تقربي الشريحة النشطة في صناعة القرار السياسي أو حصرها في شريحة معينة . لأن مبدأ السرية نشأ اصلاً من عداء مبرر لتدخل الدولة .

نعود إلى السؤال : من يحق له الانتخاب لنستوفي على وجه التقرب مسؤولية الإجابة عليه ؟ القوانين الوضعية والشرعية على حد سواء تحجر على بعض المواطن ممارسة هذا الحق . والقانون الوضعي يجرد المواطنين الذين ارتكبوا جرائم تصل عقوبتها إلى خمس سنوات سجن أو أدينوا بجرائم تخل بشرف المواطنة ؛ يحددها القضاء عند صدور الحكم على المتهم نوع العقوبة وما يترتب على هذا الحكم من حجر دائم أو مؤقت  للحقوق المدنية أو حق المشاركة في الانتخابات العامة . كما يجرد كل مواطن من هذا الحق عندما يكون في وضع مرضي يجعل منه تابعاً لغيره في كل شؤونه ، وتحديد هذه الحالة شأن قضائي . إن الفقه الإسلامي ينظر لعملية الانتخاب أو الاقتراع على أنها نوع من الشهادة التي لا يجوز كتمها ، ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده . آيات وأحاديث كثير تؤكد أهمية الشهادة . ولكن الاقترع نوع من الشهادة يفضي بها الإنسان عن قناعته وما أفتى به قلبه فوجوبها على المسلم واضح الدلالة ولكن لما كان عدم الإفضاء بها لا يترتب عليه ضرر حسي بالغير ، لهذا يجور فرض وجوبه من صاحب الولاية ( الأمة ) كما يجوز جعلها مرسلة وهذا شأن الأمة أو من ينوب عنها . إلا أن الفقه الإسلامي يحجر على البعض ممارسة هذا الحق مثله مثل الفقه الوضعي ولكن بتحديد أدق  ، إن قذف المحصنات ويلحق بها جريمة شهادة الزور من موجبات الحجر على الحقوق المدنية ، وكذلك رفع التكليف عمن يرفع عنهم التكليف . يحدد القضاء هذه الأمور عياناً . الفقه الإسلامي من حيث المبدأ لا يحجر بالمطلق على من حكم بجناية أو جنحة ونال جزأه العادل علي ذنبه ، إلا إذا كان الذنب من نوع القذف أو شهادة الزور ، ولو كان قاتلاً وعفى ولي الأمر عن حقه . وهذا يعود إلى قناعة القاضي بأهلية الرجل للشهادة ، ولا يوجد حد معين للعقوبة تمنع المحكوم عليه  بشكل آلي من حق الانتخاب .

بعد هذا التفصيل لمسائل فرعية علينا أن نقدم بوضوح المبادئ الأساسية لحق الانتخاب التي لا تستقيم العملية الانتخابية بدونها كما لا يجوز المساومة بها وهي من المواد الدستورية ذات الصلة بحقوق الإنسان . هذه المبادئ عمومية ومطلقة ولا توجب أى نظام معين للانتخابات ، نسبة كانت أو انتخاب بالأكثرية المطلقة . هذه المبادئ مشتركة في كل دساتير الدول الديمقراطية المنسجمة مع وثيقة حقوق الإنسان ومستوحاة منها . المادة 38 الفقرة الأولى من الدستور الألماني تحدد بإيجاز وسهولة وامتناع القواعد الأساسية لحق الانتخاب : انتخاب المجلس النيابي يجب أن يكون عاماً ، مباشراً ، حراً ، سواسية ، وسري . المجلس النيابي يسن القوانين التى تنظم الانتخابات مستنداً على تاريخ وارتقاء الدستور نفسه . 

المبدأ الأول : الانتخابات عامة ، وهذا يعني للمواطن حق  الانتخاب بغض النظر عن أصوله العرقية أو اعتقاداته الدينية أو هويته الجنسية ( ذكر أم أنثى ) أو انتمائه السياسي . يجب استبعاد كل أنواع الحط أو السخرية أو الازدراء التي تمس الكرامة الإنسانية . لقد ذكرنا آنفاً الشروط القانونية التي تسقط هذا الحق . إن سورية كانت على مدار التاريخ مستودعاً بشرياً ومصدراً من مصادر الهجرة ولهذا يجب أن يحدد القانون من يحق له الانتخاب من المهاجرين والمقيمين في الخارج بشكل طوعي كمواطنين لدول غير عربية أخرى . من المسلم به أن المواطنين الذين أكرهوا على الفرار بدينهم أو أصولهم العرقية أو انتمأتهم السياسية هم مواطنون يتمتعون بحق الانتخاب والترشيح للانتخابات العامة . أما الذين قطعوا طوعاً صلتهم بالوطن مادياً ومعنوياً فهذا شأن آخر يجب البحث به بحكمة ومسؤولية وموضوعية .

المبدأ الثاني : الانتخابات مباشرة . عرف فقهاء القانون الوضعي هذا المبدأ ، أن الانتخاب يجب أن يتم بدون وسيط بين الناخب والمرشح لمنصب ممارسة الوظيفة النيابية ( البرلمانية ) حيث يدخل الوسيط أو المندوب Delegate في صياغة إرادة الناخب مجدداً عبر دوره  كوسيط في عملية الاختيار . لا زال كثير من المؤسسات الديمقراطية تأخذ بآلية الانتخابات غير المباشرة وخاصة في هيكلية منظمات المجتمع المدني ، الأحزاب والنقابات وكذلك في انتخاب المجالس الشورية في المؤسسات الاقتصادية وممثلي العاملين بها في المجالس الشورية . انتخاب الرئاسة في الولايات المتحدة الامريكية يتم هو الآخر بطريقة غير مباشرة وغريبة أشبه ما تكون بلعبة البوكر المحببة للأمريكان ، حيث هناك 51 ولاية ، صغيرة أو كبيرة ، عدد المندوبين لكل ولاية يتناسب طرداً مع عدد سكان الولاية . فولاية ( ك ) مثلاً التي يبلغ عدد سكانها 10 ملاين نسمة تمثل بألف مندوب في حين عدد مندوبي الولاية ( ل ) التي يبلغ عدد سكانها 20 مليون نسمة 2000 مندوباً . المرشح للرئاسة أو الحزب الذي يحصل على أكثر الأصوات في الولاية يحصل على كافة مندوبي الولاية المعينين من قبل حزبه ، وتخرج بقية الأحزاب صفر اليدين من اللعبة . ونذكر كيف فاز جورج بوش الإبن بكافة أصوات المندوبين لولاية فلوريدا لمجرد حصوله على 576 صوتاً أكثر من المرشح الديمقراطي ولو كان عدد المندوبين متناسب طرداً مع عدد الأصوات التي يحصل عليها الحزب أو المرشح على مستوى الولاية أو مجموع الولايات لتحقق إلى حد ما مبدأ سيادة الأكثرية الذي يعتبر من فقرات العمود الفقري في العملية الديمقراطية . وهناك اعتراض معتبر آخر على الانتخابات غير المباشرة ، وهو مدى التزام المندوبين بإرادة الناخب ، فالمندوب غير ملزم وفق المفهوم التمثيلي أو البرلماني أن يعكس رغبة ناخبيه ، أو أن يكون  مجرد حامل رسالة أو ساعي بريد ، وإنما لديه فسحت للموازنة بين ما يعتقد أنه صواب وينسجم مع قناعته الوجدانية ورغبة ناخبيه الذين ستعود إليهم سيادة القرار بعد انتهاء الدورة البرلمانية .  وقد  يكون البعض مطاع عند قومه في السراء والضراء ، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أحد سراة القوم : ( إنه الأحمق المطاع ) . النظام البرلماني في هذه المسألة وكذلك النظام الإسلامي يفسحان المجال للطبقة السياسة هامش معتبر للموازنة بين الضرورة ، حسية كانت أم عقلانية ، والرغبة الجماهيرية . الاجتماع الإنساني ليس كم تراكمي أو محصلة حسابية لمجموع أفراده . فالأنسنة في ماهيتها وكنها علاقة جدلية بين النوع والكم ، إن تواجد الملكة والموهبة ثم المعانات مع التحصيل والجهد في رعاية وتفعيل هذه الملكة أو الموهبة ، من خصوصيات الفرد التي ليس بالضرورة حسية . أما الحاجة التي تفرزها المجتمعات فهي حسية في الغالب . إن عالم السياسة ، غير خاضع للمساواة الصورية فقط ، يجعل مبدأ التمثيل ضرورة  . فوق كل هذا وذاك أن كل مخلوق ميسر لما خلق له ، فالشأن العام أو الشأن السياسي  قد يستحوذ على معظم اهتمامات إنسان ما ، بينما يعتبر مجرد الخوض فيه عند البعض الآخر مثيراً للتثاؤب والملل . هذه الحقيقة أو البديهية جعلت المشرع الوضي يرجح المنطلق التمثلي Representative على التمثيل  الملزم Imperative Mandate  كذالك الاقتراع المباشر على المسألة المطروحة حالة استثنائية لضرورة استثنائية ، ومع ذلك بقي رعيل من أتباع الاستقلالية  والفردية  والمباشرة السياسية Anarchy  أو Anarchism والتي أطلق عليهم لمزاً وغمزاً " الفوضوية " يرفضون مبداء التمثيل  ويدافعون عن مبدأ العمل المباشر. لو حملنا على محمل الجد الخنفشارية القذافيية ، والتي أطلق عليها المؤتمرات الشعبية ، كنوع من أنواع الديمقراطية المباشرة ، فهي في أحسن الحالات الصورة الكاريكاتورية لهذا النوع من التمثيل .

عرفت سورية الانتخابات غير المباشرة في أيام الوحدة عند انتخاب الاتحاد القومي . الاتحاد القومي لم يكن سلطة تشريعية وإنما حزب أو تجمع وحيد لا يعرف التعددية ، وعن هذا الحزب الوحيد أو التجمع الوحيد ينبثق مجلس الأمة . لم تكن التعددية السياسية مسموح بها ، ومع ذلك فقد برزت التعددة السياسية ، سوأً في المؤتمر العام أم في اللجنة التنفيذية للاتحاد القومي ،  من خلال انتخاب أشخاص عرفوا بانتمأتهم الحزبية السابقة مع بعض التكتم المفرض على الجميع . فقد حصل الإخوان المسلمون عل 42% من مجموع الأصوات بينا لم يحصل حزب البعث واليسار عل أكثر من 16% وحصل الأعيان والمستقلون على بقية الأصوات . إلا أن تمثيل الإخوان في اللجنة التنفيذية ، حيث تدخلت الأجهزة الأمنية ( المباحث ) ، كان أقل من 8%    

من بين كل النماذج التي طرحناها أرى : أن انتخاب السلطة التشريعية ، التي تمثل ولاية الأمة وتعبر عن إرادتها ينبغي أن يكون عن طريق الانتخابات المباشرة والنسبية ، وربما هو النموذج الأقرب إلى مدلول الآية الكريمة " وأمرهم شورى بينهم " كما أن ممارسات الرسول (ص) الفعلية لهذا المبدأ تؤكد صحة ما ذهبنا إليه . لقد نأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بنفسه ، في الشأن العام ( الأمر ) أو السياسة العامة ، أن يتوجه مباشرة الى جمهرة القبائل واكتفى بسراة القوم أولاً ، حتى إذا حصل القبول من السراة توجه إلى إلى سواد القوم . هكذا كان شأنه (صلى الله عليه وسلم) في عام الوفود ، بل وفي بيعة العقبة الأولى والثانية حيث طلب (صلى الله عليه وسلم) أن يتخذ القوم نقباء عنهم من النساء والرجال رغم صغر عدد القوم  الذين جاءوا مبايعين .

المبدأ الثالث . سرية الانتخاب : القصد والغاية من الانتخابات معرفة حقيقة ما يفكر به المواطن بعيداً عن عوامل الاكراه السياسي والاجتماعي والاقتصادي...الخ وكان المخرج الوحيد من هذا الإشكال هو المناداة بسرية الانتخاب ، فأصبحت سرية الانتخاب عنوان الشرعية . كل سلطة لا تراعي هذا الأصل يشك في شرعيتها . لقد خبت الأصوات التي تقول إن الجهر بالرأي من شجاعة الشجعان ، أو ما قيمة رأي إنسان لا يملك صاحبه الشجاعة الأدبية للجهر بما يعتقد أنه الصواب ، ولكن أنصار هذا الرأي في تراجع ملحوظ . من الناحية الفقية الإسلامية هناك مبدأ الأخذ بالعزيمة أو الرخصة ووضعها الشارع على قدم المساواة رأفة بالإنسان الذي خلق ضعيفاً ، بل أمر الرسول بالسير على خطى الأضعف منا ، والتيسير مبدأ إسلامي أصيل . في المحصلة النهائية لا يوجد مانع شرعي من الأخذ بمبدأ سرية الانتخابات خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالحقوق فكل ما يؤدي إلى انتزاع الحقوق من القوي وردها إلى صاحب الحق الضعيف أمر مندوب بل واجب مالم يكن أثم . المشرع الوضعي أوجب الأخذ بمجموعة من الإجراءات التي تجعل سرية الانتخاب أصل وصرف النظر بل منع ممارسة حق الانتخاب جهراً ، وكلها إجراءات معقولة ومقبولة في الفقه الإسلامي السياسي . في الانتخابات النسبية يشترط لترشح الأحزاب الصغيرة والقوائم الانتخابية حد أدنى من التواقيع المساندة للترشح ؛ مثلاً في ألمانيا  2000 توقيع . هذا الإجراء يعتبر مساساً بمبدأ السرية . يبرر المشرع الألماني هذا الإجراء ، بأن على المرشح أن يقدم البينة والدليل على وجود سند شعبي لمبادرته السياسية . إلا أنه يمكن حصر هذه العملية في الإطار القضائي للمحافظة على مبدأ السرية من جهة والتأكد من وجود السند الشعبي من جهة ثانية . وتجري العملية  بتقدم التواقيع إلى كاتب بالعدل وقاض يتأكدان من صحة التواقيع ونصابها القانوني ، ثم يعطى شهادة على صحة المعلومات تقدم إلى الجهات المختصة لاعتماد قائمة الحزب أو القائمة الانتخابية المسندة بالتواقيع ولا تعطى أسماء الموقعين إلى جهة ثالثة .

المبدأ الرابع . حرية الانتخابات :  إن القول : بأن الانتخابات يجب أن تكون حره في دولة ديمقراطية . كالقول : المواطن يجب أن يكون حراً . فلا مواطنة بلا حرية ولا ديمقراطية سليمة بدون انتخابات حرة . إن حرية الاختيار  تعني استبعاد كل إجراء قد يسلب الناخب حرية الاختيار . لهذا وضع المشرع مجموعة من القوانين الإجرائية والموضوعية التي تعاقب من يسعى إلى ابتزاز أو خداع أو رشوة الناخب . جرت العادة أن تقوم الكنائس بإسداء نصح ومشورة للمؤمنين من أتباع الكنيسة باختيار من تتوفر فيه شروط ومواصفات معينة دون الإشارة صراحة إلى حزب بعينه . في الستينات وبداية السبعينات قام جدل حاد حول مشروعية مثل هذه الرسائل ،  واعتبر مثل هذه الرسائل مساس بمبدأ حرية الانتخاب ، إلا أن المحكمة الدستورية ردت مثل هذه الدعاوى وأباحت للهيئات العامة ومنها الكنائس بأكثر من ذلك ، حيث سمح للكنائس أن تسمي وتعين الحزب بالاسم في رسائلها . وكان التبرير لمثل هذه الإباحة أن حرية الاعتقاد تقع في مقدمة الحريات وحرية البيان والتعبير تابع لهذه الحرية ومنبثق عنها وحرية الاجتماع والتظاهر حق مقرر للجميع وعلى السلطات واجب توفير إمكانية انعقاده وسلامة المشاركين به . أي إجراء تتخذه السلطات لتقيد حرية الاجتماع يجب أن يبرر بواقع حسي مقبول من قبل المشرفين والداعين للاجتماع . كعدم المرور في أماكن قد تسبب لهم مشقة بالغة وخطر محقق ، يستثنى من ذلك الاقتراب من مبنى الوزارات والبرلمان لمسافة معينة قانونياً 12 متر مثلاً وكذلك إلى السفارات الأجنبية عندما تطلب ذلك . من هذا المنطلق تكون الدعوة إلى منع قيام أحزاب على أساس ديني عدوان صارخ على مفردات الحرية ، وإن مقالة أن " لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين " سخف وهراء وبعد عن العقلانية وطبيعة الإنسان ، حتى في الدول التي تأخذ بمبدأ فصل الدين عن الدولة . المقصود من مبدأ فصل الدين عن الدولة هو استبعاد المؤسسة الكهنوتية اللاهوتية أن تفرض رأيها في الشأن العام ( الأمر ) أو سيلسة الدولة دون أن تلزم نفسها تقديم دليل حسي أو عقلي يقنع الأمة أو من يمثلها بجدواه ، الاستبداد بالرأي بحجة غيبية غير قابلة لتأويل أو موافقة من هو خارج المؤسسة الكهنوتية أو اللاهوتية ليطبق على من هو خارج المؤسسة أي سواد الناس . في الفقه الإسلامي لا وجود لمؤسسة لاهوتية أو كهنوتية أصلاً ، حتى في الشؤون العبادية ، فضلاً أن يكون لمثل هذه المؤسسة حق الاستبداد بالرأي . الأمة أو الشعب أومن ينوب عنهما هما صاحبة الولاية في الشأن العام ( الأمر ) أو سياسة الدولة . أما التشريع  فهو اجتهادات متعددة ، من أهل الاجتهاد والاختصاص ، في المسألة الواحدة يحتاج  اعتماد أحدها إلى موافقة الأمة ليصبح قانون ينتظم الأمة . المؤسسات العلمانية في الدول غير الديمقراطية تتقمص روح ودور المؤسسة الكهنوتية اللاهوتية وتستبد في رأيها بل وتوثن نفسها أو بعض رموزها ، وفي كثير من الأحيان ، أكثر من المؤسسة اللاهوتية التقليدية نفسها ، بل وتفرض النفاق والرياء على الأمة والشعب . والخلاصة : إن الفقه السياسي الإسلامي لا يرى ضيراً من الأخذ بمبدأ حرية الانتخاب على إطلاقه ويعتبره من الحكمة والطيبات المطلوبة في الاجتماع الإنساني.

المبدأ الخامس . المساواة : لقد حسمت المساواة الانتخابية نظرياً بالمقالة المشهورة One man one vote للرجل الواحد صوت واحد . أي المواطن الذي يتمتع بحق الانتخاب والترشيح له صوت واحد بغض النظر عن أي اعتبار آخر ، ومع بساطة هذا المبدأ إلا أن تطبيقه كان ولا يزال مثقل بتاريخ المبدأ نفسه أو مبدأ المساواة أصلاً . الدولة العصرية اكتفت بصورية المبدأ والحيادية اتجاه العوامل الاجتماعية التي تترجم هذا المبدأ عملياً وتجعل منه واقعاً حسياً بصائرياً . وقد قال أحد مفكري الثورة الفرنسية ساخراً من صورية التطبيق : إن جميع المواطنين متساوون أمام القانون ، الذي ينص بتحريم النوم ليلاً تحت الجسور والقناطر ، سواء كان فقيراً أو غنياً . المساواة كمبدأ يعالج معضلة حقيقية تمس كينونة الإنسان يتعذر تفسيره وتقريره بالجدل الفلسفي أو الديني ولكن لهذا المبدأ تاريخ وصيرورة معاشة لا يمكن تجاوزها ، فالتجرد الفلسفي لهذا المبدأ يولد تشنجات ايديولوجية قد تتمخض عن ثورات وكوارث إنسانية . ما يهمنا هو تطبيق هذا المبدأ في العملية الانتخابية . لم يكن من المسلمات أن يتمتع صاحب العزوة السياسية والاقتصادية بنفس الحق الذي يمتلكه إنسان لا يملك إلا نفسه وأسماله البالية ، بل كم لعب الجمال وحسن الطلعة في الإخلال بهذا المبدأ ، ولا زال من يعترض ، وبحماس منقطع النظير ، على مساواة الجاهل بالعالم والسفيه بالحكيم . لهذا فإن النظام الانتخابي وآلية الانتخاب تلعب دولاً في سوق التناقضات والإرهاصات في قناة تخدم السلم الاجتماعي وتحجم الفتنة . أكثر الأنظمة الانتخابية تأجيجاً للتناقضات والتشنج هي الأنظمة التي تقول بالانتخابات غير المباشرة ، والنظم الشمولية المستبدة تعتمدها في الغالب في تصنيع " شرعيتها " . إن حصر قيادة الدولة والمجتمع في حزب البعث العربي الاشتراكي السوري نسف لمبدأ المساواة شكلاً وموضوعاً ؛ خاصة أن قيادة الحزب ، وكأي حزب ، " تنتخب " بآليات غير مباشرة . أما عندما تهيمن الباطنية على هذه الآليات فإنها تجتث آخر جذور المساواة والعدل وحتى الحيادية ، وتجعل صناعة القرار نوع من الشعوذة والظلامية المستبدة فتفرض النفاق والرياء على الناس كسلوك للحفاظ على حق الحياة والبقاء . إن مبدأ المساواة الانتخابية ولد جنيناً وترعرع ليصل إلى ما وصل إليه ،  وما صيرورته الحالية إلا محطة أو طور في الارتقاء أو الانتكاص . لهذا نقول : إن المبدأ يحمل في سريرته كل المخصبات أو المثبطات الأصيلة والمكتسبة عبر مساره التاريخي ، والحذر الدائم هو الدواء والخمول أصل لكل داء . يلاحظ الدارس والباحث في المسار الديمقراطي الأمريكي أن قابلية الانتكاص والارتداد إلى همجية الاستبداد متواجدة بنفس القدر لقابلية السمو والارتقاء ، وأحد الأسباب هو نمط ونظام الانتخابات المعتمدة في أمريكا ، أي الانتخابات غير المباشرة ، التي تسمح للأقلية المنظمة بدور يزيد على خمس أضعاف على حجمها الحقيقي ، وعندما تتحالف ولو مصلحياً مع أقلية أو أقليات أخرى تصبح الديمقراطية أثر بعد عين أو مجرد اديولوجية للهيمنة والتضليل . مبدأ المساواة يكاد أن يكون النقيض لآلية الانتخابات غير المباشرة وكلما طبق هذا المبدأ بآليات انتخاب مباشر كلما اقتربنا من صيرورة أفضل لمبدأ المساواة ، ولكي لا تصبح العملية الانتخابية المباشرة مجرد استطلاع للرأي يتعاطاها أهل الصنعة و" الاختصاص " ممن تحيطهم الريبة والشكوك الكثيرة والمبررة . لابد من الجسم السياسي البرلماني الذي يصون العملية الانتخابية المباشرة .

من الناحية الفنية المحضة نستطيع القول : إن مبدأ المساواة الانتخابية لم يصل إلى صيرورة تجعل منه قانون محكم  ، ولكن من منطق التفضيل والتفاضل نستطيع القول أن نظام الانتخابات النسبي هو الأقرب إلى مبدأ المساواة الانتخابية .

إن النظام الانتخابي غير المباشر المعتمد في أمريكا هو الأبعد عن مبدأ المساواة حيث أن نظام المندوبين Delegate يسمح  للأقلية المنظمة والتي تملك الوسيلة ( المال والخبرة ) من تصنيع الأكثرية والهيمنة على القرار السياسي .

الانتخابات المباشرة بالأكثرية كما في بريطانيا هي أشبه بسباق المئة متر بين عدد من المتنافسين ، حيث يعتبر فائزاً من يتقدم المتنافسين الآخرين ولو بعشر الثانية ويستبعد الآخرين من منصة القرار .

الانتخابات المباشرة بالأكثرية كما في فرنسا أشبه ما تكون برياضة لي الذراع ، فالأقوى ولو حصل فقط على 50,01% هو الفائز ، ويقصي عن حلبة القرار من حصل على 49,09% . ولعل أوضح مثال على تعسف هذا النظام الانتخابي والروح الإقصائية الكامنة في آلياته ما حدث في فرنسا أيام الرئيس ميتران . حيث أخذت فرنسا بالنظام النسبي الألماني فاستطاعت الأحزاب الصغيرة التي لم يكن لها أي تمثيل في مجلس الأمة أن تحصل على تمثيل معتبر في المجلس . حصلت الجبهة القومية Front Nationale على 15% من الأصوات ومثلها في الجمعية الوطنية L’Assemble’e Nationale عدد من النواب يتناسب مع مجموع الأصوات ، وتحت ضغط الأحزاب اليسارية والأقلية اليهودية والحركات المعادية للعنصرية ،  تم إلغاء القانون النسبي والعودة للعمل بنظام الانتخابات بالأكثرية . هذا لا يغير من حقيقة أن الناخب الفرنسي يدعم هذا التوجه العنصري بهذه النسبة أو يزيد . تجلى ذلك بالانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث كان المنافس الأقوى للرئيس شيراك Chirac هو رئيس الجبهة القومية Jean-Marie Le Pen جان ماري لبان . هذه الحقيقة تبين أن نظام الانتخاب بالأكثرية يقصي شرائح أو طيف سياسي من التمثيل العادل  وبحجمه الحقيقي في المؤسسة البرلمانية ، وبدلاً من التعامل الواقعي مع هذا الطيف السياسي  قد يدفع بآليات الانتخاب بالأكثرية إلى  التطرف والشعور بالغبن والمظلومية . فخصم تعرفه خير من خصم تجهله .

يقودنا هذا التحليل إلى القول أن نظام الانتخابات النسبية هو الأقرب إلى مبدأ المساواة ولكن قد يقود إلى تشتت برلماني يجعل الإتلاف من أجل تكوين أغلبية برلمانية تضطلع بمهمة الوزارة أمراً لامناص منه ، وقد يكون في بعض الأحيان أمر صعب المنال . لهذا ذهب المشرع الألماني إلى آلية الحاجز القانوني 5% الذي يستبعد تمثيل الأحزاب التي لم تحصل على أصوات كافية تمكنها من اجتياز هذا الحاجز والحصول على تمثيل مناسب لها في البرلمان مما يتعارض مع مبدأ المساواة .لقد شرحنا سابقاً الآليات التي تخفف بعض الحيف الذي يتولد من تطبيق الحاجز القانوني ومع هذا لا يزال الجدل قائماً والبحث عن مخرج من هذا الإشكال المبدئي . إن حصول حزب ما على 1% فقط يعني أن له الحق في 6 مقاعد نيابية ،  وفي بلد مثل سورية 1% يعني مقعدان نيابيان في المجلس . إن تخفيض الحاجز القانوني إلى 3% قد يسهم في تخفيف حدة التوتر بين الطوائف والفرق والأعراق ويذهب عنها هاجس الأقلية ووهم الاستعانة والاستقواء بالأجنبي .

يكثر الحديث في البلاد العربية عن نزاهة الانتخابات ، وتذكر النزاهة وكأنها أحد المبادئ الأساسية في الانتخابات . إلا ان معظم دساتير الدول الغربية لا تذكر النزاهة كمبدأ . فهل يعني أن النزاهة ليست من الشوط اللازمة والضرورية لصحة العملية الانتخابية ؟ النزاهة لغة تعني خلو الشيء من الشوائب والأردان . نزه الله سبحانه يعني استبعد الشرك به . فالمشرع الغربي يرى أن النزاهة مجرد دعوة أخلاقية للسلطة لتكون نزيهة . إن الطبقة السياسية الغربية والسواد الأعظم من الناس لا يوجد لديهم الحد الأدنى من الثقة بالسلطة ، فهي متهمة حتى تثبت برأتها والمثل الشائع : الثقة أمر جيد ولكن الأحسن منه الرقابة ، ولهذا يعتبر كل إجراء لاستبعاد الرقابة ولو للحظات مدعاة للشك . لقد رأينا عند شرح المبادئ المعتمدة في الدساتير الغربية أن الرقابة ليس حق فحسب بل واجب وضرورة . هذا في بلاد أصبح الالتزام بقواعد الضبط والربط والالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية سجية وسلوكاً . إذن ماهو المطلوب من الطبقة السياسية والقضائية فعله في بلد أصبحت صناعة 99,9% تقدم للعالم بلا خجل أو وجل . إن الانتخابات التي تستوفي الشروط التي ذكرناها هي الميزان الذي توزن به الشرعية وكلما كان الميزان دقيقاً وأميناً كلما كانت الشرعية محترمة ومطاعة .

* باحث في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر

انتهـــى

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ