ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الثلاثاء 20/05/2008


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

أبحاث

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


ظواهر الفوضى والعنف

واشكالية التخلف في المجتمع الفلسطيني

 ومجتمعات المشرق العربي

دراسة حالة فينومينولوجية ونفس اجتماع  

(2)


بقلم : علي نجم الدين

1:3:2- فوضى القيم والثقافة في التغير الاجتماعي  :-

ان الثقافة (   Culture )  تعني التراث (  Heritage) الذي ينتقل من الجيل السابق الى الجيل اللاحق وهو مكتسب من الحياة في المجتمع من قبل الافراد الذين يعيشون فيه وهو تراكمي ومتطور ويشمل الجوانب المادية والمعنوية في احداث التغير الاجتماعي .

 

والانغلاق الثقافي (Culture Isolation  ) يعني العيش ضمن الثقافة الواحدة من دون الانفتاح على غيرها من الثقافات والحكم على انها الثقافة الطبيعية الوحيدة وما عداها يجب ان يقاس عليها وان الثقافات الاخرى لا اهمية لها .

 

إن الشعور بالنقص ( Inferiority Complex ) هو السبب الرئيسي في اختلال التوازن في تقييم الذات لصالح الغير وخاصة عند شعور الفرد بطعنة عميقة ومستمرة في قيمه ومثله وثقافته وفكره ، فيشعر بالمرارة والتخلف بسبب إعاقة في التكوين النفسي ، حيث يجنح به ذلك للتعويض والتخيل بسبب شدة الفوضى التي يعانيها .. جراء ازدواجية الثقافة والصراع بين التقاليد القديمة وبين الانطلاقات الحديثة وضروراتها ، مما يسبب له التمزق والحيرة والقلق الداخلي وينعكس بالتالي على الموقف والأخلاق والسلوك والإبداع .. ( علي زيعور ، 1987، ص/105 ) .

 

التغير الاجتماعي وعلاقته بالثقافة السائدة  :-

 

ان التغير الاجتماعيSocial change) ) يعني التبدل في الابنية الاجتماعية أي في انماط الفعل الاجتماعي ( السلوك والتصرف ) والتفاعل الاجتماعي بما فيها من نتائج ومظاهر متمثلة في معايير وقيم ونتاجات ثقافية ، بمعنى ان التغير والتبدل او الاضافة يشمل النظم والظواهر والعلاقات الاجتماعية بدون تحديد اتجاه هذا التغير الذي يعتبر نتيجة التغير الثقافي والذي يصيب انساق وافكار متنوعة من المعتقدات والقيم والمعايير أي ( عناصر الثقافة المعنوية ) ... ولكن كيف يحدث التغير الاجتماعي ....؟ انه يحدث ضمن نظريات وحسب اسس ومحددات وعوامل  واسباب وهي التي تعنينا ومن اهمها... ( مبادئ علم الاجتماع ،2000 ، ص/308-311 ) :-

1- فكري- ايدولوجي .

2- اقتصادي .

3- تقني – تكنولجي .

4- ديموغرافي ( سكاني) .

5- بيئي – ايكولوجي .

6- عنصري ( بيولوجي ) .

7- ثقافي .

8- ديني .

 

 

والتغير الاجتماعي بحاجة الى حركة اجتماعية ( Social Movement ) ليحدث في المجتمع ، اما الى وضع مرضي او غير مرضي ، ولهذه الحركات نماذج متعددة منها الاصلاحية او التراجعية او الثورية او التعبيرية ( الاحتجاجية ) والاخيرة على نمطين اما شرعية او غير شرعية ... لكن في كلا الحالتين فان للتغير الاجتماعي اثار اهمها :-

1- اما ان تتعارض مع القوانين السائدة .

2- واما التوفيق بين القيم المتعارضة .

3- واما الموافقة على التجديد .

 

اذن من خلال الاثار نستنتج ان هناك معوقات امام التغير الاجتماعي تتعلق بـ :-

1- معيقات اجتماعية وهي اما ان تكون قسرية او للمحافظة على الوضع القائم او لعدم تجانس وتكامل المجتمع .

2- معيقات اقتصادية وهي اما لقلة الموارد الاقتصادية او لانخفاض المستوى التعليمي او الثقافي .

3- معيقات بيئية – ايكولوجية .

 

لنأخذ مثلا الشعور بالنقص والعجز الاجتماعي ( Social Incapacity) الذي يعانيه الفرد العربي خاصة أمام الضيف أو الغريب أو الأجنبي ، فهو يشعر بكبرياء في تدخينه سيجارة أو حين يلبس ثيابا أجنبية ، بالإضافة إلى انه شديد الانضباط  في مواعيده مع الأجنبي ، ويكون في منتهى الأدب والرقة والاتيكيت المصطنع والتملق والمداهنة ( Adulation & Cajolery) ، أما في حالة السير معه في الشوارع وعلى الأرصفة فأنه ( العربي)… يلتزم بعبور الشارع من المكان المخصص للمشاة ، حتى انه لا يتجرأ على التدخين في السيارة أو الحافلة وهو معه ، حتى في قيادته للسيارة أيضا تراه يتحلى بفن وذوق وأخلاق السياقة الراقية أمام الأجنبي ..(الحياة الجديدة 17/6/2000، ص/5)… لكن في حالة التخلّص منه (من الأجنبي) فان العربي يعود ( Retrace ) إلى طبيعته الفوضوية من عدم احترامه لمواعيده وزياراته وخاصة للمستشفيات ويدخّن في السيارات والحافلات ، بل ويتجرأ بصفع رجل المرور ، على عكس ما أظهره أمام الأجنبي قبل لحظات …لماذا…؟  لأن هذه اللحظات ( أمام الأجنبي) تعطينا الفرصة لنعيش ونتلذذ (Relish ) التميز والتفرد أمامه لنحاكيه ، وهذا ما تحدثنا عنه في موضوعة ( القيم ونمط التربية والحرية كمثال ) ، وحتى وأن أتقنا ممارسة الحرية أمام الأجنبي فهي فوضوية بالمقاييس الأخلاقية والاجتماعية ، لأننا متأكدين من ذاتنا بأننا نقّلد ونكذب ونتجمل أمامه بسبب النقص الذي نعانيه من جهة ، ولأننا نفتقد لأساسيات التربية والثقافة الخاصة بقيم الحرية – والتي نحن بصددها- ولم نتعود عليها ، وهي في الحقيقة فوضى وليست حرية من جهة أخرى ، والا ما الذي يدفع الإنسان العربي لان يقول عند أي فعل يقوم به أو حركة أمام المجموع أو الأفراد مثلا ( أنا حر… اعمل ما يحلو لي ) وفي جميع المناسبات ، فهذا دليل على النقص والتشوه في التربية والسلوك والثقافة ، والذي ما زال شاغرا ومترسخا في داخلنا ومهما حاولنا سداده ( النقص- Penury ) .. فالعربي سيظل عربي ولو تغير دينه أو تقليده أو جلده .. ( واصف عبوشي، 1980، ص/6 ) .

 

إن أثر الثقافة يظهر جليا على سلوك الفرد أو .. بحسب ما يومئ به نظام القيم لديه … والذي كوّنه خلال حياته وتربيته وتنشئته وعلاقاته …الأمر الذي قد يتعارض مع نظام القيم السائد في المجتمع ، لذا فكل فرد في هذه الحالة من (الفوضى ) يتصرف ويسلك ويحكم على الأمور من خلال نظام كونه وترسّخ لديه ضمن ما يسمى بالتنظيم الاجتماعي .. (شكور ، 19، ص/85 ) .

 

لهذا فالتنظيم الاجتماعي يعتبر من انماط السلوك تجمعت حول حاجات الانسان الاساسية ، ويعتبر مستودع التراث الثقافي يفيد كمرشد ودليل لكل سلوك ويعين كل دور او مركز ويحدد كل وظيفة ، حيث يصبح السلوك من خلال التنظيم الاجتماعي رسميا ومنمطا خاصة حين يرتبط بقيم ثقافية ويؤدى بطريقة آلية ومن ثم يترسخ ويتعمق الخضوع له ، وبالتالي يتقبل الناس معاييره من خلال السلوك المقبول والمرضي ، لكن ان تحول عن هذه الانماط السلوكية ( المشار اليها ) فان السبب ان هناك تباين ثقافي ينتج صراعا اجتماعيا كما راينا سابقا.

 

ان التنظيم الاجتماعي يرتبط بالبناء الاجتماعي ارتباطا التحاميا وما البناء الاجتماعي الا النتيجة النهائية للتنظيم الاجتماعي او افراز طبيعي له حيث يشمل جميع مستويات العلاقات الاجتماعية في البناء الاجتماعي .

ومستوى العلاقات الاجتماعية في البناء الاجتماعي الطبيعي هي ثلاث ، اما في مجتمعاتنا العربية ربما تمتد لكثر من ذلك والمستويات الثلاث هي :-

1- المستوى الاول :- ويشمل الاسرة وجماعات الصداقة والشللية والاتراب والجيران ( الجماعة الاولية – Primary Group) .

2- المستوى الثاني :- ويشمل المدرسة او النادي او المؤسسة البروقراطية او اجهزة الدولة الرسمية ( الجماعة الثانوية – Secondary Group) .

3- المستوى الثالث :- وتشمل العقيدة او الاتجاه الفني او الادبي او الفني او المهني او الجمعيات بانواعها  ( الجماعة المرجعية – Reference Group ) .

 

والانسان السوي يجب ان تتوفر فيه المستويات الثلاث لتعكس نمط وطبيعة السلوك الانساني المنظم . اما في عالمنا الثالث او عالمنا العربي فهناك مشكلة ( تداخل ) في مستويات العلاقات بعضها ببعض والسبب :-

1- بكيفية الاتصال ونعني بها طبيعة العلاقات من الادنى الى الاعلى وبالعكس وتظهر خالية من المشاعر والعواطف والمودة  ويظهر ذلك في جميع المستويات .

2- تداخل المستوى الاول بالمستوى الثاني ونعني به نشوء ( تكوين ) علاقات جماعة اولية في المستوى الثاني ( الجماعة الرسمية ) والسبب يرجع عما فقده الافراد من قيم ومعايير ثقافية وتعاطف في مؤسساتهم الرسمية كتكوين النقابات او الجمعيات  .

3- تداخل المستوى الثالث بالمستوى الثاني ونعني به تداخل العلاقات المرجعية بالعلاقات الرسمية وهذه تتضح عندما يهيمن نسق اجتماعي –Social System  ( كحزب او حركة او فكر سياسي او عسكري ) على جميع انساق البناء الاجتماعي ، وهنا تظهر الفئوية والطائفية والعنصرية ، وتصبح المناصب والمكافآت حكرا على المنتفعين واعوان الحزب او الحركة فقط ، وتصبح انساق البناء الاجتماعي مغلقة امام باقي الافراد كما حصل ويحصل في العراق وسوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية ، انها فوضى ما بعدها فوضى .

4- لم تقتصر الفوضى على التداخل ضمن المستويات الثلاث فقط ، فهناك مستوى رابع ولكنه غير رسمي أي انه خارج اطار البناء الاجتماعي وهو مستوى السلوك الجمعي – Colective Behavior – وهي النزعة القطيعية – Instinct Herd Gregarious - ومن المفترض في الوضع الطبيعي ان يكون هذا المستوى غير ثابت او مستمر ، وان يكون آني وطارئ وعفوي كالجمهور او الحشد او الجمع او مجموعات الشغب او الغوغاء او جماعات البدع او الصرعات ، الا انه في المجتمعات العربية عكس ذلك تماما لماذا ...؟ لان البناء والتنظيم والعلاقات الاجتماعية مصابة بفيروس الفوضى ولاننا نستهويها ونشعر بنشوة عارمة حينما نمارسها ، بل ونحس براحة تامة ومتعة بعد ان كنا موتورين ومحتقنين وساخطين ومفتقرين لنظام قيم وثقافة وتنشئة اجتماعية منظمة ومنمطة ، ونفتقر لوسائل الضبط الاجتماعي فانعدم الحس والشعور بالانتماء والوعي الوطني ، وهنا تخيلنا وكأن الوطن والمجتمع والنظام اعداء لنا فعثنا فسادا وفوضى ونهب وسلب وعنف وادمنا على ذلك ... ونعود مرة اخرى ونضرب مثلا على ذلك وهو العراق عشية سقوط بغداد ...ماذا فعلت الغوغاء وقطعان الشغب في مؤسسات النظام ....؟ والتي كانت تعتبر آليات ( Mechanism ) تدير علاقات وحياة المجتمع رسميا . لقد تسائلنا منذ البداية عن سبب نشوء هذه الظواهر ( السلوك الجمعي – القطيعي ) وسنجيب ولكن هذا لايعطيها المبرر او المسوغ في سلوكها او ديمومة وجودها الا اذا كان هناك :-

1- تباين كبير وواسع في الحراك الاجتماعي مما يولد اجحافا وحرمانا وظلم لهذه الجموع بمعنى ان هناك فئة معينة تسيطر وتهيمن على ثروات المجتمع وتمتلك القوة والنفوذ والسلطة والجاه دون غيرها .

2- اعتقاد هذه المجاميع (  Rabbles) بأنها قادرة على حل المشاكل التي تعاني منها بهذه الطريقة الفوضوية .

3- تعمد اجهزة الامن والمخابرات استفزاز هذه المجاميع بالاعتقالات والاشتباه وقطع الارزاق .

4- فشل وسائل الضبط الاجتماعي ( كالمحاكم ودوائر الامن والشرطة ) في السيطرة وبسط النظام وحل المشاكل وتوفير الامن .

5- احساس هذه المجاميع بالظلم الاجتماعي في توزيع المناصب وفرص العمل والوظيفة والثروة .

6- سوء المعاملة التي تتعامل بها بعض انساق النظام الاجتماعي في ظل النظام السياسي الحاكم .

 ومن الأمور الهامة أيضا طبيعة العلاقة بين نظام القيم وما يسمى بعصر اقتصاد المعرفة ويعني ذلك إن العلم هو ممارسة العلم ، والثقافة هي سلوك ، والمعرفة هي التطبيق العملي .. في حل إشكاليات قائمة أو استحداث أخرى جديدة … فمثلا ما زالت النصوص العربية بحاجة إلى الكثير من البحوث في مجال علم النفس اللغوي والتربوي ، حتى تتضح لنا الأسرار الخفية لهذه العملية الذهنية …التي اعتدنا أن نأخذها كقضية مسلمة … فالنص العربي ملغز( Cryptic )... يفهم ليقرأ ولا يقرأ ليفهم... ( نبيل علي ، مجلة العربي ، السنة /2000، ص/34 ) .

 

ناهيك عما يلاقيه الأدب مثلا من حرب شعواء من قبل فئة التقليديين ، كما حدث عند نشر رواية (وليمة لأعشاب البحر) للكاتب السوري حيدر حيدر ، اذ ليست بالأهمية والخطورة والإلحاد حسب ادعاء الإسلامويين الجدد والملتحين ... حيث سقط اكثر من 50 جريحا جراء اشتباك طلاب جامعة الأزهر مع قوات الأمن المركزي المصري في القاهرة احتجاجا على الرواية وإساءتها للإسلام ، كما أطلق المتظاهرون هتافات ضد وزير الثقافة المصري فاروق حسني لسماحه بنشر الرواية... ( الحياة الجديدة ، 9/5/2000، ص/14)… لنرى المنفلوطي واصفا نظرة رجال الدين إلى الأدب ( كتجربة واقعية للكاتب ) فقال " كنت أعيش في مفتتح عمري به (الأدب ) بين أشياخ أزهريين من الطراز القديم … فكانوا يرون العمل به … من أعمال البطالة والعبث وفتنة من فتن الشيطان … فكانوا يحولون بيني وبينه … فكنت لا أستطيع أن ألم بكتابي إلا في الساعة التي آمن فيها على نفسي … وقليلا ما كنت أجدها ، وكثيرا ما كانوا يهجمون مني على ما لا يحبون ، فإذا عثروا في خزانتي أو تحت وسادتي أو بين لفائف ثوبي على ديوان شعر أو كتاب أدب ، خيل إليهم انهم ظفروا بالدينار في حقيبة السارق فأجد من البلاء بهم الغصص … ما لا يحتمل مثله مثلي "( مصطفى لطفي المنفلوطي ، 1983، ص/11 ) ... إن ذلك يعكس الإرهاب الفكري على حرية الثقافة والأدب المعاصر من جهة ، وتدخل السياسة والدين في قضية الحريات الفكرية والثقافية ، والا كيف تجرؤ إحدى محاكم القاهرة على تكفير نصر حامد أبو زيد وتطليق زوجته منه بقوة الشرع ، الذي كفّر الكاتب بسبب احتجاج لوبي اسلاموي – أزهري تمادى وتجاوز حدود الدولة ومؤسساتها ، والمنوط بها توفير الحماية الضرورية لحريات الأفراد الأساسية ، إنها الفوضى التي تريدها الدولة للهيمنة ولإلهاء الأفراد والجماعات والطوائف بعضها ببعض .

 

فأهمية الثقافة اليوم تنبع من معانيها وإنجازاتها الحضارية والعلمية والتكنولوجية والأنثروبولوجية ، لذا فأن الثقافة العربية ليست متفردة ( Distinction ) ... لان التفرد يتطلب مكانة بارزة بين ثقافات الامم والمجتمعات من حيث الابداع العلمي والفني والتكنولوجي فثقافتنا  ...هي ثقافة عامة مشتركة ومتنوعة … ومستمدة من اللغة العربية وآدابها ومن الدين والعائلة وأنماط الإنتاج المتشابهة والتحديات والنظام العام السائد ووحدة التجربة التاريخية… فهي نتاج تفاعلي بين قوى وأوضاع ومصادر متنوعة… وتفاعلها هذا تفاعل معقد دائم مستمر ودائري، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل مارست الإمبريالية الاستعمار الثقافي والفكري والروحي والسياسي والاقتصادي … بأسلوبين متناقضين … نتج عنهما اقتلاع … وتشجيع التفكير التسلطي الغيبي ، فنشأت ثقافة ثنائية ضمن البلد الواحد … شملت أنواع الثقافة التي تحددت بالثقافة السائدة (  Prevailing Culture) وهي الأكثر انتشارا ، والثقافة الفرعية ( Ramiform Culture ) وهي الثقافة العامة ، والثقافة المضادة (Culture  Counter ) وهي المتصارعة والمضادة للثقافة السائدة .. ( بركات ، 1996 ، ص / 52) .

 

ولكن كيف يبدو مشهد واقعنا العربي ثقافيا ونحن في القرن الحادي والعشرين ….؟  يجيب على هذا السؤال سليمان العسكري ( رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية ) في مقالة له بعنوان نحن والعام 2000 ،  فيقول " إن العام 2000 يكشف لنا عمق فشلنا وتخلفنا … ويبدو هذا الواقع كالمتجه إلى المستقبل يحث السير إلى الوراء … أننا نبدو أشبه بذلك الشخص الذي وقع فجأة على واحد من تلك الممرات المتحركة إلكترونيا … نراه يهرول مذهولا في الاتجاه المعاكس لسير الممر، في اتجاه الماضي والتقليدي والمهجور في كثير من أمور العقل والمعاش " ...اذن لدينا تخلف ثقافي لان عناصر الثقافة المادية ( Material Factors) قد اثرت بنا وسادت ثقافتنا بسرعة اكبر من تأثير عناصر الثقافة المعنوية Intangible Factors -... وحينما نقول عناصر الثقافة المادية فاننا نعني العناصر التي نختبرها بحواسنا الخمسة ، أي انها الاشياء الواقعية الملوسة ونستخدمها في حياتنا اليومية ... وعناصر الثقافة المعنوية تعني العناصر التي لا تدرك بالحواس وغير ملموسة الا من خلال كيفية تعاملنا مع عناصر الثقافة المادية ومن خلال سلوكنا وانتاجنا المادي ، لانها تشمل القواعد والنظم والانماط السلوكية والفكرية والوجدانية وهي التي تحدد رؤيتنا لانفسنا وللعالم وللثقافات الاخرى ...اذن نعاني من تحدي ثقافي ( Culture Chalenge ) أي اننا نواجه صراعا مع ثقافات اخرى ترغب في الغاء ثقافتنا وشخصيتنا وهويتنا وبالتالي تحطيم بنائنا الاجتماعي على اعتبار ان هناك هوة ثقافية ( Culture Gap ) بيننا وبينها ....!

 

إن دعاة الهوة الثقافية في العالم العربي والإسلامي يعارضون سياسات الانفتاح .. ويعارضون الدعاة الجدد لعالمية حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي … بسبب إن الإسلام … يريد أن يكون دينا ودولة في آن واحد ، على عكس الإنسان الديمقراطي … الذي لا يقبل فرض حدود جغرافية أو إنسانية أو علوية … فرغم واقعية الفكر الإسلامي لكنه اقل مواتاه للديمقراطية ، خاصة هذا التعارض الوسواسي بين النظام… ( السلطة الراسخة )… وهي الدين وبين الفوضى… (الحرب الأهلية )… الناجمة عن الممارسة الديمقراطية " (غسان سلامة ، 1995 ، ص / 11- 12 ) … تماما حسب منطق ابن تيميه الذي يخلط بين الممارسة الديمقراطية وبين الحاجة إلى وجود سلطة عامة تضبط أمور الناس وكما يحرص الغزالي على ضبط الانكحة  .

 

إن موضوعة الثقافة وعلاقتها بالقيم متشّعب ومتنوع كما أسلفنا ، لنأخذ مثلا معنى ومفهوم (الكوفية والعقال ) فهو في نظر المجتمع العشائري " يحدد رجولة الرجل وشجاعته وشرفه … فلا يجوز خلعها ، حيث تستغل الكوفية في الحرب والحماسة والأخذ بالثأر والفرح والتلويح بها ورميها عن الرأس هي والعباءة يعتبر رمزا للإهانة ، وهي رمز الاعتراف بالذنب في مكان الصلح…( وهي أداة تمّلك للمرأة ، فان ألقاها لابسها على المرأة فإما أن يحميها ويفديها ويذود عنها ، وإما أن يتزوجها ويتملكها قسرا ) – التشديد من عندنا - …فالكوفية والعباءة هي الإجراء الحاسم والقاطع "( التل ، 1999، ص / 340 342 ) … ولنفترض أن المرأة في هذه الحالة متزوجة فكيف سيكون الوضع حينها … هل يترك لها أي خيار؟

 

لنأخذ صورة أخرى من صور الوثنية المتوارثة (Beguested Paganism  ) وهي عروس المولد – وهي دمية من الحلوى تباع وتؤكل بمناسبة المولد النبوي في مصر ، والنذور كمظهر من مظاهر التخلف الثقافي فيقول المنفلوطي بهذا الخصوص :- " يوجد في ضريح السيد البدوي صندوق توضع فيه النذور، ويبلغ مجموعها في العام نحو ستة آلاف جنيه فإذا فتح … يختص بعض الخلفاء…( القيّمين على الضريح )…بأخذ الربع مما فيه ، والباقي يوزع على أصحاب الأنصبة الكثيرين ... ( الفقراء وابن السبيل واليتامى والمحتاجين الخ…)… والصورة الأبشع هي ما يجب على الزائر أن يفعله عند زيارة ضريح (مقام ) عبد القادر الجيلاني في بغداد ، فأول ما يجب عمله هو أن " يتوضأ الزائر ثم يصلي ركعتين ثم يتوجه إلى تلك الكعبة… ( الضريح )…ويبدأ بالدعاء والمناجاة فيقول ( يا صاحب الثقلين اعني وفرج كربتي … يا سيد السماوات والأرض والنّفاع والضّرار والمتصرف في الأكوان والمطّلع على الأسرار ومحي الموتى ومبرئ ألاكمه والأبرص والأعمى وماحي الذنوب ودافع البلاء والرافع والواضع وصاحب الوجود التام …الخ" ( المنفلوطي ، 1983 ، ص / 65 ) … فهل يعقل إن كل هذه الصفات لصاحب الضريح وليست لله ...؟

 

إن هذه الممارسات ما زالت متداولة بين الناس وهي آفة من آفات الثقافة العربية قديما وحديثا ولهذا فلم تراعى عوامل التغير الثقافي فحسب بل " فرض عليها فرضا أن تنهض بحمل مطلقات أو ادعاءات بامتلاك الحقيقة المطلقة ونفي الأخر الفكري والسياسي والديني والقومي وغير ذلك " ( محمد السيد سعيد ، 2000، ص / 45 ) … وعليه فما زالت هذه المجتمعات مبتلاة بالجهل والفقر ، رغم التقدم التكنولوجي في جميع المجالات وتطور التعليم وإكساب العقل مهارات فكرية وقدرات ذهنية إبداعية ، وما يسمى بالانفتاح على العالم كالهجرة والسياحة ووسائل الاتصالات والمواصلات والإعلام ، فالمنفلوطي خير من يصوّر لنا هذه المآسي ويرصد لنا عمق التخلف وفوضى القيم في كتاباته جميعها والتي شملت مختلف التركيبة الاجتماعية للمجتمع العربي والمصري بشكل خاص .

 

إن الثقافة العربية تعيش أزمة وجود ذات اوجه متعددة فهي لم تبلغ بعد مرحلة المصالحة بين الأنا والأخر ولا بين النحن وهم  ، فالأنا " يمثله فريق نخبوي يفرض أيدلوجية بشكل فوقاني على السواد الأعظم … فيبرز الصراع هادئا حينا وعنيفا حينا أخر… والانا الأخر يعاني من انعزالية لم تعرف حقيقة التواصل والاتصال ، وفريق أخر يدّعي بالتواصل مع التراث إلا انه…(صدى)… ورد فعل على تيار الغربنة … وهو بذلك ازدواجي ، يقبل بالرأي الأخر ليحبذه أو ليحتمي من أذاه … ويخلق أرضية حوار قائمة على التضليل والتزييف والتمويه … ثم تتجمع هذه الأنماط السلبية لتأخذ مواقف متعددة من السلطة، التي تتحكم في فريق الأنا من اجل النفعية والارتزاق والعيش كالفطريات وعلى مغانم الطبقة الحاكمة تحقيقا لمبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، ثم هناك فريق أخر معارض ورافض ومنكفئ على هامش الحياة الاجتماعية في مواجهة قسوة وقمع وطغيان الدولة التسلطية " (الطاهر لبيب واخرون ، 1992 ، ص / 11- 12) .

 

فالمعنى العام يشير إلى أن الثقافة وقيمها (Culture Values )... هي عملية تقليد … تأخذ القشور وتترك الجذور … فالأول اسهل في الاستهلاك واكثر منه في الإنتاج واسهل للاستيعاب … فالتقليد اسهل للمتخلف… ولهذا نلاحظ في العرب العصريين …عنصر التصنع (الزيف) وعقد النقص…التي تنتج في الغالب من فجوة تحدث بين الإمكانيات والرغبات ...( عبوشي ، 1980 ، ص / 97 ) .

 

وما دمنا بالقشور والزيف فنرى البهرجة والمنفحة الكاذبة ( الاستنفاخ - Cockiness ) أمام الناس سواء بالتصرف أو بالفكر أو بالتعبير أو بالعمل .. فنراه مرتشيا وينادي بالمبادئ ويحبذ العمل في السلطة (السلك الحكومي ) وذلك نابع من الخوف المتأصل فيه من الأب ، حيث ينتقم لذاته من السلطة الحاكمة… (كإسقاط ) التشديد من عندنا ولا يقتصر الأمر على ذلك ، بل يمتد إلى المؤسسات الحكومية وغير الرسمية التي تحكمها العقلية البدوية والشللية والمحسوبية والمصالح الذاتية.. ( زيعور ، 1987 ، ص / 108) …وهذه تنتج كما قلنا الاستنفاخ كيف …؟ لنأخذ ظاهرة تقديم التهاني أو التعزية أو النعي في الصحف مثلا ، فنرى صاحب التهنئة أو التعزية يبدأ بوضع لقبه مثل (الدكتور … أو العميد… أو رئيس مجلس أمناء …أو النائب …أو مدير العلاقات العامة …الخ ) ثم يتبع ذلك الاسم واللقب بـ( أبو …) وجميع المرتبطين به ، والأدهى من ذلك أن صاحب الإعلان يتبع بعد لقبه اسم محلاته أو مكان عمله أو شركته وعنوانها ، ثم يصل بعد ذلك بكلمات قليلة إلى تقديم التهنئة أو التعزية وكأن المادة المنشورة ما هي إلا إعلان له ولنشاطاته أو ترويجا لمشاريعه …إن ذلك يعكس انعدام الذوق ومدى شعور الفرد بالخواء المتعلق بالتخلف الثقافي الناتج عن فوضى القيم وطغيان حب الذات والعصبية والمنفخة ، وسنلمس ذلك في فوضى قيم التربية والبناء الاجتماعي .

 

2:3:2 - فوضى قيم التربية والتدرج الاجتماعي في البناء الاجتماعي :-

يفتقر الانسان العربي الى التربية المدنية ( Breeding Patriotic & ( Civilian والوطنية والتي نعني بها معرفته لحقوقه وواجباته نحو وطنه ونحو العالم الخارجي وكيفية تعامله مع الاخرين ، أي انه ( غير مؤنسن –  Non-Humanize) لسبب بسيط وهو لحد الان لا يعرف ذاته اوهويته او نفسه من جهة ، ويفتقر لمفهوم الصالح العام ، وتلك هي معضلته الاساسية في عدم تكيفه واندماجه في علاقاته مع الاخرين سواء في مجتمعه المحلي – الوطني او على مستوى العالم الخارجي .

 

إن افضل من شخّص السمات العامة للمجتمع العربي من حيث الشمولية والعمق والدقة هو حليم بركات (المجتمع العربي المعاصر ، 1996، ص/14- ص/224 ) ولشدة الاتساع في موضوع التربية والبناء الاجتماعي ارتأينا الاسترشاد به ، ولهذا فان المجتمع العربي مجتمع نامي ومتخلف من حيث التربية والبناء والنظم الاجتماعية ، معتبرين أن البناء الاجتماعي .. هو الهيكل التدرجي للمواقع الاجتماعية والثقافية والمهنية المتسلسلة والتي يشغلها الأفراد إما بالوراثة أو بالاكتساب ، ضمن شروط ومواصفات مهنية ومهارية وذكائية وخبرة ، من اجل بناء علاقات اجتماعية متفاعلة داخل المجتمع ، مع الأخذ بعين الاعتبار عوامل اللغة والمعتقدات والأمور الثقافية ومراعاة اختيار الفرد المناسب لكي يشغل الموقع الاجتماعي المناسب مقيدا بالضبط والامتثال لمعايير المجتمع وقيمه ، وكخطوة إلى نمو تنميط سلوكه في تكوين النسق الاجتماعي ..(معن خليل عمر ، 1992 ، ص/ 256 ) على اعتبار ان اهداف الهيكل الاجتماعي هو... احتضان الجماعة ... والطبقة الاجتماعية تحوي التنظيم الاجتماعي ، والمؤسسات الاجتماعية تحوي الجماعة العرفية ...وبالتالي لا يسمح الهيكل بأنفصال لاي وحدة من وحدات الهيكل في البناء الاجتماعي ... ( معن خليل عمر ، 1998 ، ص/ 46 ) ، إذ تتسم  اطر البناء الاجتماعي بالجماعية والسلطوية فيما يتعلق بأنماط التفكير والحياة والسلوك بسبب تفاعلها ( الأطر ) مع.. الأنظمة الأجتصاسية .. (دويري،1997، ص/71) .

 

وما دمنا في سياق النسق الاجتماعي وعلاقته بنظام القيم السائد فان التركيب الاجتماعي يلعب دورا هاما في " تغيير نظام القيم …( النسق القيمي – Values System )…وفي إيجاد مواقف تتناقض فيها القيم التي تحكم سلوك الفرد منذ القيام بالدور الاجتماعي … ويمكن اعتبار هذا التناقض مشكلة اجتماعية .. (شكور ، 1998 ، ص/85) .

 

إن نواة المجتمع العربي كما هو معروف هي العشيرة والقبيلة ( Tribe Kin &  ) التي يتحدد من خلالها موقع الأسرة والفرد ، منذ نشأته الأولى وعلاقته / ها البطريركية - التقليدية في بداية مرحلة الاندماج (الانتماء- Integration  ) الاجتماعي الذي يتحدد من المدرسة ثم إلى المجتمع ( المحيط والبيئة ) ، ويستمر هذا الاندماج متوازيا مع القبيلة ويتحد ذلك في شخصية وسلوك وثقافة الفرد ، وبالتالي تحول هذه العلاقة البطريركية دون عضوية الفرد في تحوّله إلى مواطن داخل المجتمع ، إذ يبدأ بعدها دور الدولة التي تمارس عنفها بالتعسف والقهر والتسلط والديكتاتورية التي تمس بل وتفقد الفرد كرامته وحريته ، حيث يساعدها ( الدولة ) في ذلك العقلية والعلاقة البطريركية الأبوية التسلطية ( Domineering Patriarchy ) التي تحول دون العقلية الديمقراطية ، حيث يتم إعادة إنتاج الأزمة والفقر والجهل .. وتصبح الحقوق مستباحة وتعم الفوضى السياسية المفروضة بالإكراه والعنف ، ويحدث الانهيار في جسم ( بناء ) المجتمع وتظهر الفروقات الطبيعية التي تنم عن فوضى في البناء المؤسساتي في المجتمع وأجهزة الدولة .. (مجلة دراسات عربية ، العدد 7/8 ، السنة /35 ، ص/114) …كما هو موجود حاليا في جميع دول العالم العربي ومن ضمنها مناطق السلطة الفلسطينية، فتصبح النخبة هي الواجهة الأبرز في جسم المجتمع والدولة والتي تمتلك إمكانيات السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والأمنية (والاستخباراتية) من جهة ، وطبقة أخرى دنيا مسخّرة للعمل والإنتاج ودفع الضرائب يعمها القهر الاجتماعي والكبت والحرمان والدونية من جهة اخرى ، وخير من جسّد وصف هذه الطبقة هو الدكتور خلدون النقيب ( الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1996) وبحث الدكتور محمود عبد الفضيل ( التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1997 ) وكذلك بحث د. برهان غليون( المحنة العربية … الدولة ضد الأمة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1994 ) .. حيث تكون الطبقة الوسطى هنا غائبة بسبب الفوضى ... والضعف..(علي كمال ، 1983، ص / 40 ) ...حيث ادى ذلك الى تشويه مقومات الكيان الاجتماعي التي تشمل على ما يلي :-

 

* الموقع الاجتماعي – Social Position :- وهذا يتطلب لتبوءه الكفاءة والتخصص والخبرة والمؤهل ولا يحتاج الى .. عوامل وراثية – اجتماعية او جنس او اعتبار شخصي او مكانة اجتماعية او قبلية او طائفية او حزبية .. ( معن خليل عمر ، 1997 ، ص/70 ) ..فالموقع الاجتماعي يمثل الرتبة المهنية ولا يمثل الشخص ، بينما في مجتمعنا العربي يمثل الشخص ، وهذا نتاج التحام مصالح القبيلة مع سلطة النظام السياسي العربي الحاكم ، الامر الذي ادى الى تشويه البناء ( الهيكل) الاجتماعي وخاصة في مجتمعات المشرق العربي ، التي تتميز نتيجة ذلك بالبيروقراطية والجهل والتخلف الاداري الرسمي – الشعبي وتهميش ذوي الكفاءة والاختصاص والمؤهل ، وحتى تدرجنا الاجتماعي ينم عن فوضى عارمة وقبل ان نسهب لنسأل انفسنا اولا... ما هو التدرج الاجتماعي – Social Stratification ...؟

انه يعني التمايز الاجتماعي للافراد الذين يكونون نسقا اجتماعيا او معاملتهم في حدود الاعلى والادنى في جوانب مهمة اجتماعيا، وهذا يعني تدرجهم في ترتيب هرمي للمكانات والادوار والمراكز داخل المجتمع .

 

فالمركز الاجتماعي هو المكانة – Social Status التي يحتلها الفرد في المجتمع ضمن محددات واسس سنوضحها لاحقا .

 

اما الدور الاجتماعي – Social Role فيعني السلوك الذي يقوم به الفرد في المركز الاجتماعي الذي يشغله ، وهذه بديهيات في علم الاجتماع ، ففي الثقافة البدائية والمتخلفة لمجتمعاتنا العربية تتميز المراكز بالجمود والتقليدية ، مما يجمد التدرج والحراك الاجتماعي في هذه المجتمعات ويؤدي الى ما يسمى بصراع القوى والمواقع والمراكز ، بأساليب مسعورة (Rabid) وكانها حرب طاحنة في البناء الاجتماعي تستخدم فيها العشائرية والحزبية والطائفية والواسطة والنزعة الاستكلابية (Doggery ) والافتراءات والاكاذيب والاشاعات وحتى الاسلحة النارية والاغتيالات ، والنظام الحاكم واقف يتفرج بل وينظم ويشجع كما يقول د. هشام شرابي وينتظر من سيخرج من هذا الصراع ليأخذ المكافأة ويخدم النظام السياسي كنسق مهيمن وليس النظام الاجتماعي ككل في المجتمع ، وفي مثل هذه الحالة نطلق على هكذا مجتمع ( مجتمع مغلق وجامد ومتخلف ) تسوده الاستبدادية وتتحكم فيه طبقة او فئة معينة ، تسيطر على مقدراته وثرواته بالوراثة وتنعدم فيه فرص تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص ، والتعليم يصبح غير مهم في هكذا مجتمع ولا يحترم وليس له مكانة ، لذا نلاحظ ان فئة المتعلمين والاكاديميين في هذه المجتمعات ليس لها مكانة لائقة او احترام بل لها المعتقلات والارهاب الفكري والبطالة واحتقار المؤهل ، اما المجتمعات المتقدمة فيحدث فيها العكس دون اعتبار للخلفية السياسية او الحزبية او الاقتصادية او العنصر او الجنس .

 

فلو نظرنا الى أي مجتمع قديم او حديث متخلف او متحضر شرقي او غربي سنجده مقسم الى مستويات او طبقات متسلسلة تعكس درجات متباينة من الكيانات والادوار الاجتماعية تنحصر في تمايزات او اختلافات في القوة والهيبة والدخل والثقافة والتعليم والجنس ( رجل وامرأة) ، أي ان الافراد متفاوتون بين بعضهم البعض وهذا حقيقي وواقعي حتى في المجتمعات الاشتراكية سابقا والتي كانت تدعي وتصرخ في ادبياتها وعلى منابرها بانها حققت العدالة الاجتماعية والمساواة وازالة الطبقية والفروق الاجتماعية ..وطبعا هذا مستحيل بالمطلق ، فلا يمكن لاي مجتمع أي كان ان يحقق المساواة بالكامل ويلغي التدرج الاجتماعي في بنائه او تنظيمه الاجتماعي حتى لو كان هذا المجتمع فطري او بدائي او مشاعي .

 

ان مفهوم التدرج الاجتماعي واشكاله المتنوعة هو في الحقيقة عبارة عن جماعات او تكوينات وطبقات لا تخضع لتحديد او لتعريف قانوني او ديني او اقتصادي او سياسي او ثقافي ، لكن ان حدث وتم فالتدرج على هذه الاسس او المعايير يعطي التدرج طبقية مفتوحة اذ بامكان الفرد الانتقال من طبقة الى اخرى ( عليا او وسطى او دنيا او عاملة او أي كانت طبقته ) الى طبقة اخرى اذا كان يملك المعايير او الاسس  السالفة ، فنقول ساعتها ان المجتمع مفتوح طبقيا ويشهد حراكا اجتماعيا بكلا الاتجاهين ( راسي او افقي ) وهذا يدل على انه يشهد تطور وتقدم معا ، بالاضافة الى تغير المكانات والادوار خلال مراحل تطوره وذلك يدل ايضا على ان افراد المجتمع في هذه الحالة يملكون التعليم والمهارة والذكاء والسلطة والكفاءة والعمل الجاد والدقة والانضباط والتخصص ، فكان طبيعيا ان يكافئهم مجتمعهم بالتدرج الاجتماعي ( ماديا ومعنويا ) ولا يخلق ذلك سعارا او صراعا اجتماعيا ومن ثم ومع مرور الزمن تصبح هذه الاسس والمحددات جزءا من النظام الاجتماعي ، فلا تفيد في مثل هذا المجتمع الواسطة او الحزبية او التنظيم او العشائرية او الطائفية او الشللية او المحسوبية او الرشوة لشراء المناصب وكتابة التقارير الامنية ، ولا يفيد الانصات والتلصص واستراق السمع وتوصيل الافتراءات لاجهزة الامن والمخابرت ،  كما هو متبع عندنا كمجتمع عربي عامة وكمجتمع فلسطيني خاصة ، فنحن كمجتمعات عربية حددنا سلفا تدرجنا الاجتماعي حتى قبل ان نولد كيف ...؟

 

اننا