ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

السبت 19/04/2008


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

أبحاث

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


الطريق إلى تجديد الفكر الإسلامي المعاصر

{المفهوم ـ الدواعي ـ الخطوات العملية}

بقلم : يسري عبد الغني عبد الله

في معنى الفكر الإسلامي :

لكي يتضح لنا ما هو المقصود بالتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر ، نحب أن نشير إلى مدلول مصطلح (الفكر الإسلامي) ، فالفكر عموماً هو : إعمال العقل في موضوع من الموضوعات كي نعرف مقوماته وخصائصه ، وما يتعلق به ، أو هو كما يقول الراغب الأصفهاني في كتابه (المفردات) : قوة التوصل إلى المعلومات ، والتفكر هو جولان تلك القوة بحسب نظر العقل (1) .

أو هو كما يقول الجرجاني في كتابه (التعريفات) : ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى المجهول ، أي أن الفكر يتضمن محاولة تحليلية للتوصل إلى المبادئ أو العناصر الأساسية لموضوعه ، ومحاولة تركيبه إبداعياً ، وبمعنى آخر البحث عن المطالب المجهولة أو حلول المشكلات التي يتصدى لها الفكر ولعل هذا ما يقصده الكفوي أيضاً بقوله في كتابه (الكليات) : " الفكر حركة النفس نحو المبادئ ، والرجوع عنها إلى

المطالب " (2) .

ولتأكيد الجانب التحليلي في الفكر يحكي لنا الراغب الأصفهاني عن بعض الأدباء حيث قال : الفكر مقلوب عن الفرك لكي يستعمل الفكر في المعاني ، وهو فرك الأمور وبحثها طلباً للوصول إلى حقيقتها (3)

وقريب من هذا قول ابن رشد : "من لم يعرف العقد لم يعرف   الحل "، وقد قرأنا في بعض الآثار :  " حسن السؤال نصف العلم "

وخلاصة ما سبق : أن الفكر هو حركة عقلية تثيرها مشكلة أو مشكلات معينة ، تنطلق مستهدية بمبادئ أو حدود مقبولة لدى المفكر ، ولدى البيئة التي يتوجه إليها بالخطاب ، بغية الوصول إلى حل أو حلول لتلك المشكلات (4)

إذن فلا بد في الفكر من مشكلة أو سؤال يطرح على العقل ، ولا بد فيه من منهج أو طريقة ما للتحليل والتركيب ، وهو عادة لا يخلو من مرجعية معينة (إطار مرجعي) ، أو معيار ما يتعارف عليه في البيئة العقلية للخطأ والصواب أو المقبول وغير المقبول .

ويكون الفكر إسلامياً إذا كان ثمرة لعمل عقلي يعالج مشكلة من مشاكل المسلمين في أي عصر من العصور ، مستهدياً بتقاليد العلماء المسلمين في النظر والاجتهاد العقلي ، وملتزماً بالقيم الثابتة في كتاب الله وسنة     رسوله ، وربما يوضح ذلك قول أستاذنا الدكتور / أبو ريده (رحمه الله) : " الفكر الإسلامي هو اجتهادات مفكري الإسلام في بحث مختلف المسائل بالاستناد إلى أصول الإسلام الكلية بحسب ما فرضه عليهم القرآن الكريم من التفكير والنظر ، وطلب الحقيقة في أمور الدين والفكر والحياة " (5)

عن معنى التجديد :

أما مسألة التجديد أو معناها فقد يتضح لنا المقصود بها إذا استحضرنا أمرين مهمين : ـ

الأمر الأول : مفهوم الاجتهاد ، وهو في اصطلاح الأصوليين : بذل الفقيه جهده العقلي في استنباط حكم شرعي من دليله على وجه يحس فيه العجز عن المزيد (6)

الأمر الثاني : هو حديث المجدد الذي رواه أبو داود وغيره ، حيث قال في السنن : " عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها " ، وقد صحح الأئمة هذا الحديث حتى نقل بعضهم الإجماع على تصحيحه . (7)

إذن فالتجديد والاجتهاد العقلي في نطاق الشريعة الإسلامية واجب العلماء والمصلحين في كل زمان ومكان  .

إن التجديد بهذا المعنى ضرورة دينية شرعية وحقيقة واقعية  عملية ، وقد وضع علماء أصول الفقه هذه القضية في شبه معادلة  رياضية ، حيث قالوا : الشريعة صالحة لكل زمان ولكل مكان ، ونصوص الكتاب والسنة محدودة ، وحوادث الناس ووسائلهم إلى مقاصدهم متجددة وغير محدودة ، ولا يمكن أن تفي النصوص المحدودة بأحكام الحوادث المتجددة غير المحدودة ، إلا بالاجتهاد (8)

وحديث الصحابي الجليل / معاذ بن جبل (رضي الله عنه) ، من خير الشواهد العملية ، حتى في زمن الوحي ، لوجود ممارسة الاجتهاد ومحدودية النصوص ، وعدم وفائها بحل مشكلات الناس في الأمكنة والأزمنة إلا من خلال الاجتهاد السليم ـ الذي ينطلق من الثوابت الإسلامية ـ الذي بهدف إلى صياغة الحلول الناجعة لمشكلات الناس في ضوء المبادئ العامة التي تتضمنها النصوص  .

الأدلة الشرعية التي يجب اتباعها (بين الثابت والمتغير) :

تجديد الفكر الإسلامي ضرورة دينية وواقعية معاً ، ونود أن نوضح الآن إحدى القضايا المهمة التي تشتد الحاجة إلى إيضاحها في إطار الكلام عن التجديد ، ألا وهي : التميز بين الجانبين الثابت والمتغير في تراث الإسلام .

فأما الثابت ، فهو ما يجب على الجميع الالتزام به واحترامه ، وطاعته وإتباعه ، وعدم إبطاله أو إهماله ، أو تأويله تأويلاً خاطئاً ، أو الادعاء بتجديده تجديداً مزعوماً ، والثابت هو ثلاث أمور : كتاب الله تعالى ، وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، و ما أجمعت عليه الأمة .

قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيراً وأحسن تأويلا . } [ النساء : 59] .

قال العلماء : الرد إلى الله تعالى هو الرد إلى كتابه الكريم ، والرد إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد موته هو الرد إلى سنته الصحيحة ، وليس لقائل أن يقول : إني اتبع كتاب الله وهو يكفيني !! .

وعليه قال سبحانه وتعالى : {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} [النساء : 65 ]

كما صدق الله تعالى إذ يقول : {ومن يطع الرسول فقد أطاعالله ، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} [النساء : 80]

وهل يسع المؤمن الصادق الإيمان أن يخالف أمر الله عز وجل ، أو أمر رسوله المرسل هدى ورحمة للعالمين ؟ ، وماذا بعد الحق إلا الضلال المبين .

يقول تعالى : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } [الأحزاب : 36] .

هذا ، وقد حذر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) ـ وهذا من دلائل نبوته ـ من هؤلاء المتظاهرين بالتمسك بالقرآن الكريم المهملين للسنة النبوية المطهرة ، وذلك فيما رواه أبو داود والترمذي والحاكم ، عن المقداد بن معد يكرب (رضي الله عنه ) ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : " ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكة يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ، ولا كل ذي ناب من السباع ، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه ، وله أن يعقبهم بمثل قراه " . (9)

ومما استقلت به السنة النبوية الصحيحة في التشريع : توريث الجدة السدس ، وقد أجمعت عليه الأمة ، وهو ليس في الكتاب ، ومنه تحريم الجمع في الزواج بين المرأة وعمتها ، ومنه أيضاً مشروعية الشفعة   والمساقاه ، وغيرها ..

وأما الإجماع فهو اتفاق جميع أهل الاجتهاد من أمة الإسلام في عصر من العصور أو زمن من الأزمنة على حكم شرعي (10)

إذاً فيجب على الأمة اتباعه وعدم المخالفة عنه ، وذلك مصداقاً لقوله تعالى : {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصيرا } [النساء : 115]

قال العلماء : من اتبع غير سبيل المؤمنين ، وقد خالف الحكم المجمع عليه (والله تعالى أعلم) .

موقف أهل الاجتهاد من النصوص الشرعية :

من الواجب علينا شرعاً اتباع القرآن الكريم والحديث النبويالمطهر ، وما أجمع عليه أهل الاجتهاد ، وتلقيه بالسمع والطاعة ، وصدق الله تعالى إذ يقول : {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون .} [النور : 51] .

وقد ثبت في السنة الشريفة عصمة هذه الأمة من الخطأ   والضلال ، كقوله (صلى الله عليه وسلم) : " لا تجتمع أمتي على الخطأ "    و " لا تجتمع أمتي على ضلالة " ، و  قوله : " من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة " ، وقوله أيضاً : " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " وغير هذا كثير مما تواتر نقله عن الثقات ، وإذا لم يكن متواتراً باللفظ فهو متوتر بالمعنى .

وإذا كانت العادة تفيد استحالة أن يجتمع كل أهل الاجتهاد في عصر من العصور على حكم معين ويجزموا به جزماً قاطعاً ، ولا يكون لهم من القرآن الكريم أو السنة النبوية الصحيحة مستند قاطع بنوا عليه إجماعهم ، كما أنه من المحال أن يكونوا مخطئين في إجماعهم ولا يتنبه واحد منهم إلى الخطأ ، فما اتفقوا عليه إذاً صواب مستند إلى دليل من الكتاب أو السنة فيكون العمل به واجباً علينا (11) .

نعم ، هذه الثلاثة واجبة الاتباع ، لكن هذا المقام يحتاج منا إلى توضيح ، فمن المشهور المتداول أنه " لا اجتهاد مع النص" ، وقد يقصدون بالنص هنا آيات القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الصحيحة .

وحقيقة الأمر أن المجتهد إذا تلقى النص القرآني أو النبوي فعليه تجاهه واجبان مهمان : ـ

الواجب الأول : تدقيق النص : ـ 

على المجتهد أن يقطع أو يطمئن كل الاطمئنان إلى أن النص صدر عن الشارع فعلاً ، فإن كان النص قرآنياً فهو متواتر كله ـ إلا القراءات الشاذة ـ بجميع ألفاظه وحروفه ، ويجب الإيمان به والتعبد بتلاوته ، والعمل بأحكامه .

 وإن كان حديثاً فمنه المتواتر لفظاً ومعنى ، وهذا يجب قبوله بلا بحث أو اجتهاد للقطع بصدوره عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) كالحديث الذي نعرفه جميعاً : " من كذب علي~ متعمداً فليتبؤ مقعده من النار " .

 وأما ما كان غير متواتر فيبحث فيه المجتهد ، فإن اطمأن بغالب الظن إلى صدوره عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أي أنه حديث صحيح أو حسن فقد وجب عليه وعلى من بلغه الحديث المقبول أن يعمل به

وفي حالة ما إذا كان الحديث ضعيفاً في نظره فلا يجب العمل به ، أللهم إلا ما كان حثاً على فضائل الأعمال ، وقد رأى بعض العلماء العمل به أيضاً ، وما سواه فلا .

وأما الحديث الموضوع فليس بحديث أصلاً ، وتحرم روايته فضلاً عن العمل به ، إلا للتنبيه على أنه حديث موضوع مكذوب عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) 

وعليه : فالاجتهاد مطلوب لتوثيق وتدقيق وتحقيق النص النبوي ، وإظهار صحته أو حسنه قبل العمل به .

الواجب الثاني : البحث في دلالة النص ومعناه : ـ

على المجتهد أن يبحث في دلالة ومعنى النص ، ما لم يكن مردوداً ضعيفاً ، وعليه أن يتنبه إلى ما يستفاد منه من أحكام ، فإن دلالة ألفاظ القرآن الكريم على معانيها قد تكون قطعية كدلالة كل عدد على مدلوله الخاص ، كما في قوله تعالى : {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } [النور : 4] .

وقد تكون ظنية كدلالة القُرء على الحيض أو على الطهر في قوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن .. } [البقرة : 128]

فأما المتواتر نقله من النصوص فهو قطعي الثبوت ، فإن كان أيضاً قطعي الدلالة على معناه ، فليس للمجتهد أو لأي مكلف إزاءه إلا أن يطيعه ويعمل بما فيه ، وهو ما يصدق عليه حقاً قولهم : لا اجتهاد مع النص .

أما بالنسبة للنص الظني الثبوت أو الدلالة ، فالاجتهاد من خلال تحقيق ثبوته ، وتحديد معناه ، مجال يختلف فيه الفقهاء ، ويمكن لمن له أهلية النظر والاجتهاد أن يعيد النظر فيه ، إلا ما أجمع عليه المجتهدون في عصرسابق ، هنا يمتنع إحداث قول جديد يخالف كل ما قالوه .

وأما العمل في إطار ما اتفقوا عليه فهو واجب على كلمكلف ، واضعين في الاعتبار أن الاجتهاد ليس باباً مفتوحاً لكل من هب ودب ، ولكن للفقهاء والعلماء الذين درسوا علوم الدين الإسلامي دراسة شاملة مستفيضة ، وحصلوا على قسط وافر من العلوم والمعارف ، وتدربوا على النقد والتمحيص والاجتهاد ، وعرفوا جيداً أصول وقواعد الدين ، والدين علم فلا يصح أن يأتي من لا يعرف هذه الأصول وتلك القواعد ، ويتصدى للإفتاء أو الاجتهاد ، وهذا يثير البلبلة والفتن والقلاقل بين الناس .

الأحكام الفقهية الاجتهادية المختلف فيها :

غني عن البيان أن التراث الفقهي يتضمن أحكاماً لا محل للخلاف فيها ، لكونها قطعية من حيث الثبوت والدلالة ، أو لاتفاق المجتهدين كافة في عصر من العصور عليها .

ويتضمن هذا التراث أيضاً أحكاماً اختلف فيها المجتهدون بحسب ما غلب على ظن كل منهم بشأن ثبوت الدليل المتعلق بها أو معناه ،ومن ثم عرفوا الفقه بأنه " العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية " (12)

وهذا النوع الثاني من الأحكام لا يلزم المجتهد ولا يجب عليه العملبه ، إذ واجبه العمل بما يؤديه إليه اجتهاده ، فإن وافق اجتهاده اجتهاد غيره عمل به ولا ضرر ولا ضرار في ذلك ، وهو في الحقيقة يعمل باجتهاد نفسه ، وإن استنبط من الدليل سواء كان نصاً قرآنياً ظني الدلالة ، أو كان نصاً ثبوتياً ظني الثبوت أو الدلالة ، أو كان دليلاً آخر غير نصي كالقياس أو الاستصحاب أو الاستحسان أو المصلحة المرسلة ، أو نحوها ...

نقول : إن استنبط المجتهد من مثل هذا الدليل حكماً مخالفاً لما استفاده أو استنبطه غيره من أهل الاجتهاد ، وجب عليه العمل بما يؤديه إليه اجتهاده .

أما الجمهور من الناس وأفرادهم من غير أهل الاجتهاد فمن واجبهم العمل برأي أي من المجتهدين ، وآراء المذاهب المختلفة هي بدائل متساوية غالباً يمكنهم الاختيار بينها ، أما الخروج عنها جميعاً إلى لم يقل به فقيه مجتهد ، فهو عمل بالهوى ومخالفة للشرع ، وعلينا أن نسأل أهل الذكر المشهود لهم بالعلم والمعرفة والأمانة والاعتدال والمصداقية ، فيما يعن لنا من أمور لا نعلمها ، ولا نلجأ إلى الأدعياء الذين لم يدرسوا الدين دراسة علمية منهجية بأصوله وقواعده .

وكما يقول الإمام / الشاطبي في كتابه (الموافقات ) : " المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً ، كما هو عبد لله اضطرارا "

والدليل على ذلك عدة أمور :

1 ـ النص الصريح الدال على أن العباد خلقوا ليعبدوا الله حق عبادة ، وليدخلوا تحت أمره ونهيه ، عن طواعية تامة وكاملة ، كقول تعالى : {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق و ما أريد أن يطعمون .} [الذاريات : 56 ـ 57] .

2 ـ ما دل على ذم مخالفة هذا القصد ، وذم من أعرض عن الله ، كما في قوله تعالى : {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [سورة ص : 36] .

3 ـ ما علم بالتجارب والعادات من أن مصالح الناس الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى . (13)

ويمكن أن ننتهي من ذلك إلى قاعدة شرعية كلية هي "أن كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق ـ من غير إلتفات إلى الأمر أو النهي أو التخير ـ فهو باطل بإطلاق " (14)

عند الاختيار :

ومن ثم اشترط العلماء عند الاختيار بين هذه البدائل أن يراعى في الترجيح بينها أمران : ـ

الأمر الأول :

إيثار الرأي الأقوى دليلاً ، و تحري مقصد الشرع ، وما هو الأوفق للنصوص الشريفة وأهدافها .

الأمر الثاني :

ما هو أعون على تحقيق مصالح المسلمين المشروعة في المكان والزمان المعينين .

وهنا نحب أن نؤكد على أن الشريعة الإسلامية لا تغفل العرف أو العادة تماماً ، ولكنها تقسم العرف إلى قسمين : ـ

أ ـ عرف فاسد يصادم النصوص الشرعية الثابتة ومدلولاتها ، فهذا لا ينبغي العمل به ، وإلا حكمنا بالهوى وخالفنا حكم الله تعالى ، وحكم رسوله الذي هو الرحمة المهداه ، وفي ذلك الخسران في الدنيا والآخرة .

يقول تعالى : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [النور : 63] .

ب ـ عرف صحيح يشهد له الشرع ، أو لا يخالف نصوص الشرع أو مقاصده التي هدفها صالح الناس وخيرهم ، وهذا لا بأس بمراعاته ، بل أن الشريعة تعتد به ، وتبني بعض الأحكام عليه ، كما هو معلوم ، وقد أفرد له بعض الفقهاء أبواب خاصة في كتبهم الفقهية ، واهتموا به وبدراسته ، مثل : ابن عابدين في حاشيته وغيره من العلماء .

أعدى أعداء التجديد :

وما دمنا نكتب عن التجديد في الفكر الإسلامي فينبغي أن نشير إلى (التقليد) فإنه من أعدى أعداء التجديد ، والتقليد هو اتباع آراء الغير اتباعاً أعمى بدون دليل ، وقد اشتدت الحملة التقليدية والإنكار على المقلدين في القرآن الكريم .

ومن ذلك قوله تعالى : {بل قالوا إنا وجدنا أبآءنا على أمة وإنا على إثرهم مهتدون . وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا أبآءنا على أمة وإنا على إثرهم مقتدون . قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون . فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين . } [الزخرف : 22 ـ 25] .

فالتقليد الأعمى داء قديم في البشرية ، واجه الأنبياء والهداة وأهل الإصلاح بالجحود والإعراض والإنكار ، وتحالف مع الترف والبطالة والفساد وأهل المصالح والمنافع ، ودافع عن الأوضاع المتوارثة مهما كانت أضرارها على الناس ، دون فكر أو نظر في المصلحة العامة ، ودون دليل عقلي أو منطقي ، وهذا ما ينكره القرآن الكريم ويكشف لنا تهافته .

يقول الله تعالى :{وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا . اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة  وزر أخرى و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا . وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا . وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيرا } [الإسراء : 13 ـ 17 ] .

إن القرآن الكريم يكشف بوضوح وجلاء تهافت منطق   المقلدين ، وتقليدهم الأعمى الذي لا يستند إلى دليل أو برهان ، فالعبرة في الدين الإسلامي بالدليل الهادي وسلطان الحق والبرهان لا باتباع الآباء والأجداد ، فكل مكلف عاقل مسئول عن نفسه مسئولية تامة وكاملة .

ومن المفروض أن يبرأ الإنسان المسلم ، وتبرأ الجماعة المسلمة من هذا الداء العضال الخطير الذي يهدد تقدم البشرية وتجدد الحضارة ، بل يهدد مصير الإنسان في الآخرة ، لأن الإنسان بتقليده الضار المضر يتبع الباطل بحجة أنه قديم وراسخ ، ويعرض عن الحق والخير والهدى ، مدعياً أنه يقتدي بالآباء والأسلاف حتى لو كانوا لا يعرفون طريق الحق .

هذا ، وقد قرر علماء المسلمين قي القديم والحديث أن التقليد غير مقبول في أصول العقيدة ، فلابد للمرء في التوحيد والإيمان من دليل ساطع واضح ، ولو كان إجمالياً نظرياً ، كهذا الذي قال : " البقرة تدل على    البعير ، والثر يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج .. أفلا يدل كل أولئك على اللطيف الخبير ؟ ! " .

أما الفروع (أي العبادات ) والمسالك العملية للمكلفين فلا بأس بعد الإيمان من تقليد رسول الله الهادي البشير  (صلى الله عليه وسلم) ، بمعنى اتباعه والإقتداء به فهو القدوة الحسنة ، والمثل الأعلى الذي يجب أنيحتذى ، وقد تأكد ذلك للجميع من خلال سيرته الطيبة ، وهديه وسنته المطهرة ، وصدقه ، وعصمته ، وخلقه العظيم .

عن أدب الفتوى :

ومن ثم كان من أدب الفتوى أن يذكر المفتي حجة ما يفتي به من كتاب أو سنة ، حتى يربط المكلف بالمعصوم (صلى الله عليه وسلم) ، وما جاءنا عنه من دليل هرباً من التقليد المذموم الغير واعي ، والتعصب المقيت الذي لا يجدي ولا يفيد .

ونحب أن نقول في هذا المجال : إن الناس طوائف ثلاث : ـ

1 ـ مجتهدون : وهؤلاء لا يجوز لهم تقليد غيرهم فيما يجتهدون فيه .

2 ـ عوام : أي لا علم لهم بأحكام الشرع ولا أدلته ، ولا تسمح أحوالهم بطلب العلم بها ، وهؤلاء لا مذهب لهم يتعصبون له ، ومذهبهم هو مذهب من يفتيهم من العلماء الذين يسألونهم أو يستمعون إليهم .

3 ـ العلماء بالشريعة : وهؤلاء لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد ، وهم يرجحون بين الآراء الفقهية المختلفة فيختارون القوى دليلاً ، والأوفق بمصالح المسلمين ، ويراعون ما يسود الإقليم من مذهب فقهي ما دام دليله الشرعي قوياً ، ولكن دون التزام دائم بمذهب واحد ، ولو كان دليله ضعيفاً ، ودون تعصب بإمام معين ، أو مذهب بعينه .

وقد نجد بعض هؤلاء وغيرهم يقوم بالهجوم على بعض المذاهب الأخرى التي لا يلتزم بها ، كما شاع في بعض العصور والأقاليم في القديم والحديث مما كان لهم الأثر الضار بوحدة المسلمين ، والتعصب المذهبي آفة ندعو الله تعالى أن يحمي بلادنا العربية والإسلامية منها ، فالتعصب والتقليد الأعمى دون دليل أو حجة مقنعة مخالف لهدي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

واجبنا تجاه الاجتهاد والتقليد :

نحاول في هذه الجزئية أن نعرج على واجبنا إزاء الاجتهاد والتقليد ، وذلك بإرساء قاعدة الاجتهاد الديني الذي لا يمكن أن يترسخ إلا بإشاعة العلم الشرعي ، فالعلم هو قاعدة التجديد ، وهو الحصن الواقي للأمة من غارات الجهل والخرافة والتعصب والتطرف .

لقد كثر الخلاف من قديم بين أنصار التقليد لواحد من المذاهب الفقهية السائدة بين المسلمين كالمذاهب الأربعة المعروفة بين أهل السنة ، أو غيرها لدى الشيعة .

ومن أقدم ما روي في ذلك ـ حسب علمنا المتواضع ـ إنكار أمراء الأيوبيين على الملك الظاهر كونه حنفياً وهم جميعاً شافعية ، وكذلك اتهام علماء ذلك العصر (في القرن السابع الهجري ) أحدهم أنه يبغي إحداث مذهب فقهي خامس ، أي غير المذاهب الربعة المعروفة .

وقد كتب الإمام / جلال الدين السيوطي في مطلع القرن العاشر الهجري كتابه الذي طبع في القاهرة في أواسط التسعينات من القرن الميلادي الماضي ، بعنوان : (الرد على من أخلد إلى الأرض ، وجعل الاجتهاد في كل عصر فرض ) ، ومعلوم أنه ادعى الاجتهاد لنفسه فعارضه الكثير من العلماء من أهل عصره .

وقد زعم بعض المتأخرين أيضاً أن الحق لا يخرج عن أئمة المذاهب الأربعة (أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وابن حنبل) ، مع أن الثابت عن كل واحد من الأئمة المذكورين ـ وروي عن غيرهم أيضاً ـ نهيهم الجميع عن اتباع أقوالهم بلا دليل ، وقولهم : إذا صح الحديث فهو مذهبي .

وقد نقل ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار : إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث ، ويكون ذلك مذهبه ، ولا يخرج عن كونه حنفياً للعمل به ، وقد صح عن ابن عابدين أنه قال أيضاً : إذا صح الحديث فهو مذهبي .

وقد حكي ذلك عن أبي حنيفة النعمان ، وعن غيره من الأئمة ن ونقل الأجهوري والخراشي في شرحهما عن مختصر (خليل) عن معن بن عيسى قال : " سمعت مالكاً يقول : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا ما في رأيي فإن وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وما لا يوافقهما فاتركوه ... " ، وقد نقل هذا الكلام أكثر من عالم وفقيه عن ابن عبد البر في كتابه المعروف : ( الجامع بين العلم وفضله ...) (15)

ولعل القارئ الكريم يرى معي أن أكثر من يتصدون للكتابة والاجتهاد والإفتاء في الموضوعات والقضايا الإسلامية من أهل عصرنا ، وفي مختلف البلاد الإسلامية ، بكل أسف أصحاب بضاعة قليلة من العلم بالدين والفقه بأصولهما وقواعدهما ، كما أنهما أصحاب تمكن قليل في العلوم الشرعية ، أعني علوم القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة ، وعلوم العقيدة والفقه ، وأصول الفقه الذي يلزم له بالإضافة إلى معرفة قواعده وأسسه دراية واسعة وتمكن كبير من اللغة العربية وتفقه عميق في أسرارها ، ومعرفة بالناسخ والمنسوخ وتاريخ التشريع ، وسائر ما اشترطه العلماء في أهل الاجتهاد وخاصة الإلمام التام والكامل بأحوال العصر ومستجداته ، وما نزل بالناس في زمانهم من قضايا ونوازل ، وما نشأ بسبب تطور الحياة المعاصرة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً من معضلات ومسائل .

إن مهمة الفقيه أو المجتهد الحقيقية هي تنزيل أحكام الله تعالى على أحوال الواقع المعاش ، ومن لم يتمكن من طرفي هذه المعادلة فليس بفقيه ، ولا ينبغي له أن يتكلم في الفقه فضلاً عن الاجتهاد فيه .

أقول لكم : إنه ربما كان الأولى بنا بدلاً من الكلام الكثير الذي نسمعه عن فتح باب الاجتهاد أو إغلاقه ، والإسهام في المعارك الكلامية الجدلية حول الاجتهاد والتقليد ، أولى بنا جميعاً أن نصرف جهودنا إلى إرساء القاعدة الراسخة للعلم الديني الصحيح الذي جوهره : الوسطية ، والاعتدال ، والدعوة بالتي هي أحسن ، بعيداً عن الانغلاق أو التعصب .

إننا بنشر العلم الديني الصحيح المستنير نضع البنية الأساسية للفكر الإسلامي التجديدي ، ذلك الفكر الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة ، القادر على تلبية حاجات المسلمين في جميع البلاد الإسلامية وخارجها ، في ضوء شريعة الإسلام الصالحة لكل زمان ومكان .

ولنعلم : أن الاجتهاد ـ بلا ريب ـ ضرورة دينية بعد عصر النبوة لانحصار النصوص وعدم انحصار النوازل المتجددة ،وهذه قضية لا يماري فيها عالم بالدين متفقه فيه .

ونؤكد هنا على أنه لا يجوز أن يقوم بالاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية ، وحل المشكلات و المعضلات كل واحد من المسلمين ، بل لا بد من توافر حد الكفاءة في من ينهض بذلك ، وذلك أيضاً لا يمكن أن يجادل فيه أي عالم دارس للفقه وقواعده وأصوله وعلومه .

وصدق الله تعالى إذ يقول في محكم آياته :{ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [الأنبياء : 7] .

وأهل الذكر هم أهل العلم والمعرفة والاختصاص ، من علماء الدين ، ومن الفقهاء الثقات ، أصحاب الكفاءة ، الذين يعرفون بعمق ودراية أصول الفقه .

وحد الكفاءة ـ وإذا أردنا الاختصار ـ ثلاثة أمور : التمكن من علوم اللغة العربية ، والتفقه الواعي في العلوم الشرعية ، والمعرفة بالواقع المعاصر من كافة جوانبه .

إننا مطالبون شرعاً كأمة مسلمة ـ على سبيل فرض الكفاية ـ بدعم تدريس العلوم الدينية وإشاعتها وترقيتها (وهذا هو الأهم ) ، بما يتيح ظهور الفقيه الحقيقي المؤهل للاجتهاد النافع للناس .

ضوابط الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر:

نعرف أن من أحكام الله جل شأنه ما يتلقاه المسلمون ـ بما فيهم المجتهدون ـ بالقبول والتسليم ، وفيها ما يجب فيه إعمال العقل     والاجتهاد ، ولكن هذا الاجتهاد ليس وظيفة الجميع أو فرض عين على كل الناس ، بل هو مهمة الفقيه المجتهد ، أو العالم بالفقه الذي يمتلك القدرة على الموازنة بين الأحكام الاجتهادية وأدلتها ، ليختار من بين أقوال أهل الاجتهاد أقواها دليلاً ، وأوفاها بمصالح الأمة ومنافعها .

ونرى أن أهم ما ينبغي الاتفاق عليه في ظروفنا الراهنة ، وقد أصبحنا نعاني من الجمود الفكري في جانب ، والتسيب أو الفوضى الاجتهادية في جانب آخر ، هو الاتفاق على ضوابط التجديد والاجتهاد في الفكر الذي يمكن أن نصفه ونحن على اطمئنان تام بأنه فكر إسلامي معاصر .

الضابط الأول : الاتفاق على المرجعية الإسلامية :

أول هذه الضوابط التي نراها هو : الاتفاق على المرجعية    الإسلامية ، وأساس المشروعية التي يتم في إطارها كل اجتهاد أو    تجديد ، وهي مرجعية الوحي المباشر في كتاب الله المجيد ، أو غير المباشر في الثابت من سنة الرسول المعلم محمد (صلى الله عليه وسلم) ، ويلحق بذلك ما أجمع أهل الاجتهاد عليه من أمثلة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، فلا يمكننا أن نصف رأياً ـ مهما كان صاحبه ـ يبيح نكاح المحرمات ، أو يسوي في الميراث بين البنات والبنين ، أو يتناقض مع نصوص قطعية الورود والدلالة ، أو يخرج تماماً عما أجمع عليه علماء الأمة ، بأنه اجتهاد شرعي أو تجديد إسلامي ، وإلا قطعنا الصلة بين ماضي الأمة وحاضرها ، واسبغنا وصف الإسلامية على ما يخالف أصول الإسلام نفسه .

الضابط الثاني : الالتزام بقواعد اللغة العربية :

ونقصد بذلك الالتزام الكامل بقواعد اللغة العربية في تفسيرنا للنصوص الدينية وتأويلها ، فإن كتاب الله الحكيم عربي مبين ، كما يقول المولى جل علاه : { وإنه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين .} [الشعراء : 192 ـ 195]

والسنة النبوية المطهرة جاءت كلها بهذا اللسان ، فألزم الضوابط التي تفرض نفسها على أية محاولة للتجديد أو التأويل لهذه النصوص اتباع أساليب العرب في الخطاب ، وكذلك اتباع مناهجها في التعبير والتصوير والدلالة على المعاني ، أمراً ونهياً ، إثباته ونفيه ، تخصيصاً وتعميماً ، وصلاً وفصلاً ، حقيقة ومجازاً ، مع تفقه في أسرار ذلك كله ، وأساليبه المتنوعة في كتاب الله العظيم ، وسنة رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) .(16)

نفعل ذلك ونلتزم به حتى لا تزل القدم ، أو يميل بنا الهوى في من يميل ، أو يتحكم فينا الشطط وعدم الروية عن جهل أو سوء طوية ، وقد روى ابن عبد البر في كتابه : (جامع بيان العلم وفضله) ما يدل على خطر التأويل لكلام النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي هو وحي يوحى ، حيث يقول : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، وتأويل المبطلين ، وانتحال الجاهلين "

الضابط الثالث : الاحتكام إلى القواعد الشرعية :

ونعني بهذا الضابط :الاحتكام إلى القواعد الشرعية الأصولية المستنبطة على سبيل الاستقراء من الشريعة الإسلامية على النحو الذي يسميه الإمام / الشاطبي (التواتر شبه المعنوي) ، أو الواردة بنصها من لفظ الشارع كقاعدة المقاصد الشرعية الضرورية في حماية : الدين ، والنفس ، والعقل ، والعرض ، والمال ، وكذلك قاعدة رفع الضرر ، وقاعدة الضرورة ، وقاعدة الغنم بالغرم ، ونحو ذلك مما استخلصه علماء الأصول من استقراء أحكام الشريعة ونصوصها .

فلا يصح لمجتهد أن يغفل بأي حال من الأحوال تلك القواعد الأصولية ، ويفسر النصوص ويجتهد في النوازل والمستجدات بما يناقضها ، لأنه بذلك يخرج على الحكام الشرعية نصاً أو روحاً ، وربما انتهى به الأمر إلى التأويل الباطل أو التحريف المغالي ، أو أن يلصق بالدين ما ليس فيه وهو الانتحال ، وتلك الأمور الثلاثة حذر منها الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ، وجعل مقاومتها واجب العلماء في كل جيل .

الضابط الرابع : عدم الاعتماد على نص شرعي واحد :

لا يعقل أن يتعرض المرء للحكم على بعض الأمور أو الفتوى فيها اعتماداً على نص شرعي واحد يتعلق بها مع إغفال سائر النصوص المتعلقة بها أيضاً .

وقد رأينا بعض المعاصرين بسبب نقص العلم والمعرفة والدراية لديه ، بالإضافة إلى دخوله فيما لا يحسن ، نجدهم يقومون بالفتوى المخالفة في أمور أجمع عليها الفقهاء الثقات ، كحرمة القيام لأهل الفضل والعلم ، قائلين لنا : صافحهم وأنت جالس !! ، ويبررون كلامهم بحديث سمعوه يتصل بذلك ، دون أن يلموا إلماماً علمياً جاداً بالأحاديث الأخرى التي أباحت احترام أهل العلم والفضل ، والقيام لهم تبجيلاً وتقديراً .

ويزداد الأمر خطورة عندما يتعلق بدماء المسلمين ، ودينهم ، وأمنهم ، ومالهم ، و عرضهم ، فيقع البعض فيما وقع فيه الخوارج من تكفير أهل العلم والفضل ، والسابقين إلى الإسلام من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، فيبيحون (والعياذ بالله) محاربتهم ، وسبهم ، والاعتداء عليهم ، وذلك أكبر دليل على سوء فهمهم للإسلام ، وقد فاتهم أن رسول الله (صلى الله ليه وسلم) قال في الحديث الصحيح المتفق عليه : " سباب المؤمن فسوق ، وقتاله كفر " (17)

كما غفلوا عن قوله عز وجل : { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ، ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون . فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم . } [الحجرات : 7 ـ 8 ] .

وصدق الله تعالى إذ يقول أيضاً : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا إن تصيبوا قوماً بجهالة على ما فعلتم نادمين . } [ الحجرات : 6]

وقد ذكر أئمة التفسير أن هذا الأمر كان من وراء الكثير من التأويلات الخاطئة  (18) .

ومن المسلم به أن المرء لا يستطيع أن يصل إلى الفهم الصحيح ، والإدراك السليم ، والتفسير الصائب لنص مقتطع من نسق فكري كامل دون مراعاة المجموع أو تبين وإظهار الدلالة المستفادة من نص مروي ـ بشرياً كان أو إلهياً ـ دون بحث ، وبالذات عندما يرتبط به نصوص أخرى تفيد إطلاقه ، أو تخصيص عمومه ، أو تزيل ما يلابسه من إخفاء أو إشكال .. إلى آخر ما هو مقرر ومعروف لدى أهل الشأن ، وعلى كل من يتصدى للحديث في قضايا الإسلام أن يعلمه ويدرسه جيداً حتى تأتي أحكامه سليمة ومقبولة ومفيدة للجمهور .

الضابط الخامس : التوفر على فهم الواقع :

وآخر ما نورده من هذه الضوابط المقترحة التوفر على فهم المشكلات الواقعية المعاشة ، والنوازل المتجددة التي يواجهها المسلمون في بلادهم المختلفة ، وظروفهم المتفاوتة في حياتهم المعاصرة ، فإن الحكم على الشيء ـ كما علمنا شيوخنا الأجلاء ـ فرع عن تصوره ، وكيف يحكم المرء على ما يجهل ؟ ! ، أو ما لا يلم إلماماً جيداً بحقيقته وظروفه ؟ !

صعوبات تبدد جهود التجديد :

أعتقد أن القراء الأفاضل يسلمون بما سبق أن ذكرناه ، وفي نفس الوقت يتفقون معنا في أن هناك صعوبات