ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الثلاثاء 13/04/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

أبحاث

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


أين المفر.. بعد حديث (الآخر) عن "النهايات"، متى نحسم "البدايات"؟

أ.د. ناصر احمد سنه*

في الوقت الذي يعلن فيه (الآخر) عن النهايات: "نهاية التاريخ"، "نهاية الجغرافيا"، "نهاية الدولة"، "نهاية الأيديولوجيا".. إلخ ومحاولاً تعميمها علي نطاق عالمي مازالت تتقاذفنا الأمواج في بحور جدل لما ينتهي بعد:"من أين نبدأ؟(1)، " من هنا نبدأ"، "من هنا نعلم"، "لماذا نجحت تجربة النمور الآسيوية، بينما فشلت نظيرتها العربية؟"، "لماذا تراجعت حركة التحديث علي يد "محمد علي"، والتي تكتلت ضدها الدول الأوربية، ومن ثم تحولت من "تحديث" إلي" تغريب"، فإحتلال بريطاني؟(2)"، "لن نرجع إلي الوراء أبداً(3)"، وأين صدي أفكار "الوضعية المنطقية، والتعادلية، والطريق الثالث، والعلمانية التي باتت في ذمة الله(4)... إلخ؟".

 

يسبق أي نهوض أو تجديد حضاري "وعي أو تصور أو رؤية" لما ينبغي ان يكون عليه الواقع المنشود، فمن المعلوم أن أي "خلل في التصور" يتبعه خلل في "التطبيق". ولقد بات جلياً أننا في مجابهة "أزمتنا النهضوية" تتباين رؤيتان، ويتمايز فريقان: فريق "الموروث، والمذهبية العربية الإسلامية"، وفريق "الوافد، والمذهبية الغربية/ التغريبية".

 

فأولهما: يبغي النهوض مستلهماً تاريخه، وهويته الثقافية الحضارية، ناشدا المخرج من التراجع والتفكك الراهن عبر جذوره وأصوله. وهو يري أن القيم الحاكمة للحضارة العربية الإسلامية هي منهاج كامل للحياة، بما رسخت من تشريعات، تتَّصل بحياة الفرد والأسرة والمجتمع، وأُسس الدولة، وعلاقاتها بالعالم. فالجماعات البشرية عموماً، والعربية الإسلامية خصوصاً، "مفطورة" علي المحافظة علي "إرثها، وموروثها"، ولعلها تبـُز الأفراد في ذلك.

 

بيد أنه غالباً ما تُستنفد جهود هذا الفريق في "الدفاع عن النفس/ الذات الحضارية" مما قد يحول دون بلورته لـ"مشروعه النهضوي" بلورة شافية كافية تبدد الشبهات والشكوك، وتزيل الأوهام والظنون بل والمخاوف من حيث الأهداف والوسائل، ومناهجه الإصلاح المتعدد الجوانب (اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وتربوية وأخلاقية... إلخ). كما قد تصرفه "حالة الدفاع" تلك عن إذكاء إرادته وعزيمته لتجديد ما رث، وإستنهاض ما خار، وبعث ما كمُن، وتقويم ما جُرّب.

 

وثانيهما: ينشد البدايات من خلال الخروج عن جذور حضارته، جزئياً أو كلياً، وذلك عبر تتبع أثر الغرب، والسير خلفه "حذو القذة بالقذة"، و"تقليده" ليكون "نسخة" منه. فنحن ـ وفق رؤية في هذا الفريق ـ (ننتمي إلى الغرب عقلا وفكرا وحضارة وثقافة، حتى بعد رسوخ مظاهر الحضارة العربية الإسلامية ظل العقل الشرقي يونانياً رومانياً أوروبياً). لذا بات الظن هذا التيار أن" ما لدينا من أسس حضارية هي سبب تخلفنا، فيصبح لزاماً ـ للتخلص من مظاهر التراجع الحضاري ـ الخروج منها وعنها، وإحداث "قطيعة كاملة" مع الموروث الثقافي العربي الإسلامي. فالتغريب دعوة إلى نبذ الشرق بما فيه، وما له وما عليه، والالتحاق مباشرة وسريعاً بركب الحضارة الغربية بكل ما فيها. وذلك يستوجب من وجهة نظر أصحاب هذه الدعوة: التبني الكامل لجميع القيم والآداب والعادات الاجتماعية للمدنية الغربية "المجيدة مجدا مطلقاً".

 

وهذا التصور ـ برأي آخرين ـ "هزيمة مصيرية"، بل و"أنتحاراً حضارياً". فهو يكرس الهيمنة والإستلاب، والمسخ والتشوه، ويزيد من التراجع والتقهقر الحضاري مما يعطل أي محاولة جادة وجديدة للنهوض الذاتي، الحامل لعوامل استمراره وتجذره المستقبلي. وتلك إشكالية تعد جزءا من الأزمة، وليست باباً من أبواب حلها.

 

فخلال الحقبة الاستعمارية وبعدها، وفي ضوء مقولة ابن خلدون" "أن المغلوب مولع بتقليد الغالب"، حرص من (المستعمِر) علي  إغراق "مستعمراته" بقيم وأفكار وعادات وتقاليد حضارته "المهيمنة الغالبة". ولا شك أن هضم هذه الأشياء، و"القابلية لإستهوائها"– وليس أمتلاءً بزخم العلم الحقيقي الذي "يحتكره" ليبقي علي تفوقه"– وجعلها جزءا من كيان "المستعمرات" لا يتم إلا بتحقير ما عند (المستعَمر) من قيم ومعتقدات ولغات ومحاولة محوها بالكلية، ليكرس "الشعور بالدونية والانهزامية".

 

وعلي الرغم ذلك فمضي نحو أربعة قرون من "الاستنارة" اكتشف بعدها الإنسان الغربي أنها "كانت إلى حَدّ ما مظلمة في كثير من جوانبها". ولذا راجع كثيرا من أطروحاته، وتناقضاته، وخطورتها "التدميرية" على الإنسان والكون(5). ومع هذا يحرص، بجد وكفاءة، علي نقل/ وترويج/ وتكريس أطروحات تلك "الاستنارة المظلمة"عندنا، وينوب عنه في ذلك كثيراً من التيارات التغريبية، دون تعديل أو نقد أو مراجعة(6).

 

بين رؤيتين

 

علي كر السنين لا تتغير القيم العليا ـ المتفق عليهاـ الحاكمة لحضارة ما، فتلك" عقيدتها الحضارية، و"مثالها العام".. قيمها الإنسانية، وشخصيته الإعتبارية، وروحها السارية، وبواعث ودوافع حركتها وتفاعلاتها ونشاطاتها المتنوعة لتحسين أحوالها مادياً ومعنوياً. وغياب نمط الحياة المتفق والمتناغم مع هذه "العقيدة الحضارية" يؤدي إلي إبطال دور الإنتماء الحضاري، ومن ثم التوتر الإجتماعي، و"الفصام" بين الواقع الحياتي" وقيم الأمة(7).

 

قياساً علي "الدافعية للتوحيد الفيزيائي بين قوي الطبيعة الأربع:الجاذبية، والمغناطيسية، والكهربائية والنووية" أليس من المعقول والمقبول ـ حضارياً ونهضوياًـ الإتفاق علي "رؤية قيمية حضارية مُوحدة يقف من خلفها التأييد الشعبي، والشرعية المجتمعية"، للأمة لتزيل عنها توترها، وخطر تفككها الإجتماعي، وتشرذمها السياسي إلي عصبيات وعشائر وقبائل.

 

وفي ضوء تلك "الرؤية وعبر تطبيقها واقعياً، وتقويما عملياً" ثمة مرونة كافية لاستيعاب مقتضيات الواقع المعيش، ومتغيرات جوانب الحياة المتعددة، ومستجدات العصر بما لا يخرج عن ضوابط النظرية الحاكمة. فمن المعلوم أن ليس ثمة حضارة بلا قيم تؤطرها وترسم، لمجموعها، معالم وملامح ما يسيرون علي ضوئه، ولتغيب "السيولة/ والعشوائية / والفوضي" التي تخالف أسس الإجتماع والتعايش، وتضرب جذور التحضر والعمران (8).

 

المجال القائد، والسياج العام

 

بإستقراء التاريخ والواقع.. ما يميز الحضارة العربية الإسلامية أن مجالها العام المتغلغل بطبيعته في جوانب حياتها المجتمعية، شعبياً ورسمياً، هو مجال الدين. فهو معيار أساس ومرجعية حضارية مطلقة. بينما الإطار الحاكم للحضارة الغربية هو إطار سياسي متمثل في "الدولة القومية". وهي "تتغول" بسلتطها المباشرة، وغير المباشرة، كل مجالات الحياة الأخري. فهناك مؤسسة قيادة واقعية تنفيذية أما هنا فالقيادة "لعقيدة سماوية" لا تتشخص في سلطة مؤسسة بعينها، بل قيمها العليا الحاكمة تمثل قيادة مرجعية.

 

فالدولة في الإسلام "دولة مدنية مرجعيتها الإسلام، تقوم على أساس اختيار "القوي الأمين"، المؤهل للقيادة، الجامع لشروطها، يختار بكل حرية، كما تقوم على البيعة العامة من الأمة، وعلى وجوب الشورى و"إلزاميتها"، حيث نزول الأمير أو الإمام على رأي الأمة، أو مجلس شوراها، كما تقوم كذلك على مسؤولية الحاكم أمام الأمة. كما تحافظ على حقوق الأقليات، وتعتني بحقوق الإنسان التي هي في معظم الأحيان فرائض وواجبات..الخ". فتلك الدولة تحقق فكرة "شمول الدين وتعاليمه دون تجزئة، فالحياة وحدة لا تنقسم"، حيث إن الإسلام لم يدع جانبا من جوانب الحياة إلا وتعهده بالتشريع والتوجيه، والموقف الواضح والصريح, وهي تتزامن مع كون الإسلام ليس شعائر تعبُّدية فحسب، بل عقيدة وعبادة وخلق وشريعة متكاملة(9).

 

أما العلمانية فكان لها أسبابها التاريخية (في الغرب) والتي "لم تعد قائمة اليوم"، وتمثلت في تحكُّم الكنيسة الغربية ورجالها في الدولة، وفي حياة الناس، وتسلطها عليهم في الأرض باسم السماء، حيث لم يكن لأحد الحق في محاسبهم أو إنتقادهم، فلهم من القداسة ما يحول دون ذلك(10).

 

إن أي محاولة لإقصاء المجال القائد، والسياج العام (الدين) من معركة وجود الأمة، ومن طريق مواجهتها التحديات الجسام هو كسلب قدرتها علي النصر، وتكريس إنهزامها وإذلالها، بل وفنائها.

 

نسق القيم

 

يري المهتمون أن القيمة العليا القائدة في حضارتنا العربية الإسلامية هي (الحق). قيمة يمكن بها ومن خلالها تفسير ـ ليس فقط الهوية الإيمانية ـ بل الهوية والأنموذج الحياتي والعملي للأمة. فأمة تتعبد (للحق):"فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ.." (يونس:32) وتنظم حياتها طاعة له، وعليها بالتالي مواجهة ( الباطل): "وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"(البقرة: 42)، "الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ"(البقرة: 147) ، إنما تُحكم بنظام متجاوز لها، ليس من صنع البشر، لذا تخضع هي له.. إختياراً. إذ "الإيمان اختيار"، ورضي ثم طاعة وإلتزام حياتي.

 

لذا فينبغي لتدبير شئون حياتها، أن تنتظم وفقاً للأوضاع والنظم التي تحقق (الحق). بل إن ذلك (الحق) يمثل دافعها ووقودها "للصعود الحضاري". فالأمة العربية الإسلامية لم يحركها ـ طوال عقود خلت ـ لافتات (التقدم/ التطور/ الحداثة / ما بعد الحداثة) بقدر ما يحركها "رسالة روحية إيمانية تجسد دورها الإنساني". نعم.. "الحق مطلق، والتطبيق نسبي"، لكن يبقي أن محرك الأمة الحقيقي هو بغيتها ورغبتها في الأقتراب "التدريجي" من هذا "المطلق".. غير متوقفة عن التوجه إليه، لكنها لا تبلغه.. لأن الكمال لله وحده.

 

أما القيمة العملية للأمة فهي (العدل)، ميزان يحدد القواعد العامة، قواعد العدل المفروضة علي الدولة والناس في أن معاً. وهو يحقق قيمة (الحق) فعلياً وينزله واقعياً، فالحق عدل، فلا يمكن أن تتوجه أمة نحو (الحق) وهي تعيش حياة عير عادلة. إن المجتمعات كما الإنسان: "كالنبات لا يزهو إلا بهواء هو العدل، ونور هو الحرية، وماء هو العلم، وتربة هي حد أدني من الرخاء يحول بينها وبين الفقر الذي يقطع السبيل علي كل تقدم أو أمل فيه".

 

فبقدر إلتزام طرفي المعادلة (الدولة والناس) بقيمة "العدل" وقواعده يتحدد أسس النهوض وقواعد نيل الشرعية المجتمعية. ولعل معركة تحقيق العدل وإيجاد النظام العادل الذي معه (تنتفي صفة الظلم، وصفة الفساد..) هي المضمار الأول الحاسم للإحياء الحضاري للأمة. أما قيمة (التراحم) فهي قاعدة السلم القيمي ذي الثلاث درجات: التراحم، فالعدل فالحق. فالتارحم يتجاوز ويشمل التضامن والتكافل.. أسريا ومجتمعيا وبشريا وإنسانياً(11).

 

العقل.. وأمور أخري

 

لا يمكن لإنسان أن يختلف علي "حق الاجتهاد" و"حرية الفكر"، و"إبداء الرأي"، و"المفاهيم الأخلاقية والوطنية"،  و"إعمال العقل".. إلخ، فمن ذا الذي يرفض ذلك؟!. لكن المشكلة ـ فيما يري د. عبد الوهاب المسيري ـ  لا تكمن في "استخدام العقل" أو عدم استخدامه، وإنما في "نوع العقل" الذي يُستخدم: (أهو عقل مادي أداتي أم عقل قادر على تجاوز المادة؟، وما هو الإطار الكلي الذي يتحرك فيه؟، وما هي المرجعية النهائية التي تصدر عنه؟). فالإشكالية الرئيسة التي تطرحها "المرجعية المادية الكاملة"هي إشكالية علاقة العقل الإنساني بالطبيعة / المادة وأيهما هو موضع الكمون، فضلاً عن الصراع بين "النموذج الواحدي المادي المتمركز حول الذات"، والذي يفترض أسبقية الإنسان على الطبيعة / المادة، وبين النموذج الواحدي المادي الطبيعة/ المادة، والذي يفترض أسبقيتها على الإنسان.

 

وفي إطار هذا الصراع، وامتدادا لهذه الأطروحة المادية الغربية ظهرت "الفلسفة النفعية" تعبيراُ عن هذه النزعة الطبيعية الحسية المادية. وهي قد أعطت للإحساسات الفيزيائية الأسبقية على المفاهيم الأخلاقية، بل والمفاهيم العقلية والإنسانية، فالأخلاق لا علاقة لها بالفضيلة أو الاحتياجات الروحية، وإنما لها علاقة بالسعادة (اللذة والمنفعة) وبالتالي عرف الخير والشر تعريفا ماديا كميا، فالخير هو ما يدخل السعادة (اللذة) على أكبر عدد ممكن من البشر، وما يحقق لهم المنفعة، والشر هو عكس ذلك (أي ما يسبب الألم والضرر). بينما العواطف الإنسانية إن هي إلا تعبير عن حركة المادة، وليس هناك أسئلة أخلاقية كبرى أو نهائية فكل الأمور مادية نسبية متغيرة(12).

 

لكن "حاكمية الدين" في الحضارة العربية الإسلامية إنما تعني سيادة القيم الدينية خيارا للأمة، وإيماناً منها، وتعبيراً عن تاريخها العريق "المتدين" والذي ليس من السهل فصمه عنها. بينما يحدد " الفقه، ومؤسساته" الجوانب التطبيقية في واقع الحياة العام والخاص. كذلك فأهم ما تحققه سيادة القيم الدينية أنها تسبب تكاملاُ وإتساقاً بين مجالات الحياة الأخري وبين فئات المجتمع "المؤمن بها" دون الحاجة للتغلغل، والتغول التنفيذي الذي تقوم به "الدولة القومية" في الغرب.

 

أمة إجتماعية

 

من خصائص أمتنا أنها أمة إجتماعية، وليست فردية النزعة كما هو الغالب عند غيرنا. فهي أمة ذات بناء جماعي، مجالها الديني الحيوي مجال تفاعلي ترابطي جماعي النزعة. أما في الغرب ففردي النزعة، فردي الإيمان .. عبادة وممارسة.

 

لذا ففعل النهضة وبداياتها ينبغي أن تكون جماعية، وتهدف لتفعيل ذلك الجانب. فتفعيل الحياة الإجتماعية يحقق للأمة (مجالها القاعدي) حيث طبيعتها التضامنية، وفاعلية المجتمعات، وترابطها الإنساني، ويخلق رأيها العام، وإتفاقها وإجماعها في قضايا الدين والسياسة والحياة. كما يعظم دور الفرد داخل جماعته تلك.

 

فمحاولات "التحديث أو التسييس" التي لا تأخذ بعين الإعتبار ذلك الجانب الإجتماعي فتحسمه إنما تصيب الأمة في مقتل. فمشروعات التنمية والتحديث، والمؤسسات الإقتصادية والأساليب الإدارية التي تقوم علي نمط فردي غير جماعي، ولا يوزع الأدوار، أو يتبع شورية وتشارك العمل والقرار.. لا تتؤائم مع ما ذكر، بل يحكم عليها بالفشل.

 

إن حداثة العمران ـ علي سبيل المثال ـ حيث بيئة وأنماط الإسكان، وتوزيع التجمعات التي لا تراعي بيئة إجتماعية صالحة ومناسبة، وذات خصوصية تؤدي إلي التفكك والتنازع بدلا من التواصل والتضامن الإجتماعي. ولعل المناطق "الأكثر حداثة" تشهد تفككاً إجتماعياً وسلبيات حياتية أكثر من نظيرتها التي راعت تلك الخصوصية الإجتماعية في جانبها التنموي والعمراني. 

 

إن إنسان الحضارة العربية الإسلامية (يكون) عندما يحقق " ذاته" إجتماعياً، أما الآخر فهو (يكون) فقط عندما يعمل وفق مبدأ:"دعه يعمل.. دعه يمر" , ولا يعني هذا أن "قيمة العمل" تقل في ظل الحضارة العربية الإسلامية بل تحض عليه: (إن قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة، فأن أستطاع ألا يقوم حتي يغرسها، فيلفعل)(13).

 

مجالات عملية حياتية

 

ليس بالضرورة أن ما نجح هناك سينجح ـ فور استيراده وتقليده ـ هنا. قد يحدث "تكيفاً سلبياً" مع ما يتم استيراده ونقله. بيد أن قناعات الناس بالنظم (السياسية والأقتصادية والعلمية والتعليمية والصحية ..إلخ) المتوائمة مع خصوصياتهم تجعلهم علي التزام تلقائي كامل بها.. فينجزون ويبدعون.

 

فلا يظن ظان أن فشل تلك "الأنظمة المستوردة" ناتج عن عدم تطبيقها بالشكل المناسب أو غير الكامل، بل بالأساس "لغربتها" عن المجال القائد (الديني)، والمجال القاعدي (الإجتماعي)، وعن سلم قيمها: التراحم، العدل الحق. فالمشكل ليس في أدوات الإنتاج بل في منظومة العمل نفسها.

 

فرغم مضى نحو قرن من الزمان علي ظهوره واستمرار الدعم الغربي له إلا أن من الواضح أن "المشروع التغريبي" ظل فكرا معزولاً عن الواقع الثقافي والإجتماعي العام، وفشل في أن يحظي بجماهيرية فاعلة، أو أن يصبح لغة خطاب عام لغالب مثقفي الأمة.  فهذا المشروع الذي روج له أتباعه علي أنه  مشروع للنهوض لم يؤد إلى النهضة ولم يقدم لبناء "دولة حديثة" يتم فيها التداول علي السلطة والتمتع بكافة حقوق المواطنة، وتتشكل في سياقها أطر فعلية للتمثيل السياسي. بيد أنه في ظله تعاظم الإفقار، وترسخت جذور الاستبداد السياسي والتبعية للغرب، وتراجعت سبل التنمية، وتزايد  التدهور في معدلات الإنتاج، وتنامي العجز عن إيجاد الحلول للمشكلات المتفاقمة في الكثير من البلدان العربية والإسلامية.

 

 لعل من دلائل إخفاق ذلك المشروع يتمثل في تخلى بعض سدنته ورواده عنه وتبنيهم " الرؤية" والمشروع العربي الإسلامي. فالشيخ "علي عبد الرازق" امتنع عن الدعوي: "أن الإسلام دين لا دولة فيه" ورفض التصريح بإعادة طبع كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي نفذت طبعته في العام نفسه 1925م، وظل على هذا الرفض حتى وفاته 1966م. ومما قاله معارضا لما جاء في كتابه ما ورد في محاضرة له بالجامعة الأمريكية في مارس 1932م وفيها قوله: "جرت مصر منذ العصور الأولى على أن يكون الحكم فيها شرعيا يرجع إلى أحكام الإسلام. وكان المصريون يفزعون من أن يحتكموا إلى غير الإسلام لان الحكم بغير ما انزل الله كفر صريح في القرآن"

 

أما د. "طه حسين" فعندما أعاد طبع كتابة " في الشعر الجاهلي" حذف العبارات التي كانت "تشكك في القرآن والإسلام". إلي جانب إحجامه عن إعادة طبع كتاب "مستقبل الثقافة في مصر". ويتضح رجوعه عن هذه الفكرة  من موقفة عندما اختير - عام 53 19– عضوا بلجنة وضع الدستور المصري فقد جاءت آراؤه في مداولات هذه اللجنة مؤكدة على أنه: من الضروري أن يلتزم الدستور بالإسلام بكليته وألا يخرج نص من نصوصه عن  أحكام القرآن الكريم.  ودعا صراحة في كتابه "مرآة الإسلام": "إلى ضرورة إتباع القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة الصحابة وفهمها فهما عميقا لتتحول معانيها إلى القلوب والضمائر فتؤتى ثمارها في تزكية النفوس والسلوك والعمل". وكان قبل صدور هذا الكتاب بعشر سنوات قد تخلى عن نظريته عن حضارة البحر الأبيض المتوسط وركز على كون الإسلام  "مذهبا ثوريا ودينا للحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية" كما جاء في كتابه "الوعد الحق " الذي صدر في القاهرة 1949م(14).

 

أما د. "زكي نجيب محمود"  فيؤكد على "الهوية ومقوماتها" حين يقول في كتابه "تجديد الفكر العربي": من ذا الذي أوهمنا أن تشرب روح العلم الجديد بكل ما يستتبعه من نتائج يتنافى مع هويتنا الأصيلة بالجوانب الثلاثة التي نراها مقومات لتلك الهوية وأعنى التدين والوطنية المصرية والقومية العربية". ويعلن في كتابه "رؤية إسلامية"(15): "إن الذي انتهى بنا إلى موقف المسئول المحروم في دنيا العلم والصناعات ليس هو إسلامنا، بل هو إننا قد أخطأنا منزلة العلم بأسرار الكون والانتفاع بذلك العلم في الحياة العملية تلك المنزلة التي من اجل رفعتها كانت " اقرأ" وما نزل من القرآن الكريم". ويواصل قائلاً:" نعم لو أن المسلمين عبدوا الله من ناحية دراستهم لخلق الله بالإضافة إلى عبادته سبحانه وتعالى من ناحية الأركان الخمسة لانتهوا إلى ما يصح تسميته بالعلم الإسلامي".

 

جملة القول: لقد كان التزاوج والتزامن بين تحدي "التغريب" وتحدي "التراجع الحضاري" هو ما عطل إمكانات النهوض. وكان سبباً رئيساً في غلبة أليات "الدفاع عن النفس الحضارية" علي حساب تنامي بدايات ومسيرة واستمرار "النهوض الحضاري" وفق أسسه وشروطه. إن في إتفاق نخب الأمة، ورموزها، ومثقفيها، وصناع القرار، ومن ثم مجموع نسيجها الإجتماعي ـ دون مزايدات، أو إحتكارات، أو تخوفات، أو توهمات، أو استقواءات ـ علي "مفر ومخرج" وإعطائه الزمن الكافي ـ إذا الزمن عنصر ضروري ـ لإحداث الأثر المرجو كفيل بحسم مرحلة البدايات. ومن ثم تأتي لا حقا مرحلة التقويمات، فالتعديلات أو حتي التحولات وفق الإتفاق العام، و"العقد الإجتماعي الجديد والمُشهر". ولعل النهوض المنشود ليس نهوضا سياسياً بالأساس بل هو ديني قيمي إجتماعي للناس وبالناس ولحياتهم مما يؤدي بالنهاية علي التغيير السياسي أو يفرضه. فأمة القيم والمعاني والعقيدة والمثل، رأسمالها الحقيقي يعتمد علي ترابط مجالاتها الدينية والقيمية والإجتماعية لا علي نفوذها السياسي أو المالي أو العسكري.

ـــــــ

مصادر وهوامش

1- يرد "عبد المتعال الصعيدي" في كتابه: "من أين نبدأ"، مكتبة الخانجي ، مصر، د.ت. علي كتاب "من هنا نبدأ" للشيخ خالد محمد خالد، و"من هنا نعلم" للشيخ محمد الغزالي.

2- للمزيد أنظر د. مسعود ضاهر: النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدمات ، وإختلاف النتائج. سلسة عالم المعرفة، العدد: 252، ديسمبر 1999م، الكويت· كذلك قضية العدد الثالث من مجلة الدوحة، يناير 2008م، قطر.

3- محمد الهرميل: "لن نرجع إلي الوراء أبداً"، دار الفكر الحديث للطبع والنشر، ط 1، 1954م.

4- للمزيد حول "علمانية في ذمة الله" أنظر قضية العدد الرابع من مجلة الدوحة، فبراير 2008م، قطر.

5- د·جان مارى بليت:عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة ، سلسة عالم المعرفة، العدد/189، ربيع الأول 1415هـ، الكويت·، وكذلك أنظر: - توماس باترسون: الحضارة الغربية: الفكرة والتاريخ، ترجمة شوقي جلال، مطابع الهيئة المرية العامة للكتاب، ضمن مشروع مكتبة الأسرة 2004م

6- د. عبد الوهاب المسيري:العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق القاهرة، ط 1، 2002م.

7--أنظر د. "رفيق حبيب": "في فقه الحضارة العربية الإسلامية: إحياء التقاليد العربية"، دار الشروق،  ضمن مشروع مكتبة الأسرة، 2003م.

8- د. حسين مؤنس: "الحضارة"، سلسة عالم المعرفة، العدد: 237، سبتمبر 1998م، الكويت، وتوماس باترسون: الحضارة الغربية: الفكرة والتاريخ، م.س.

9- د. يوسف القرضاوي: الدين والسياسة، دار الشروق, القاهرةط،1، 2007م

10- راجع  د. عبد الوهاب المسيري:العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، م.س.

11- د. "رفيق حبيب": "في فقه الحضارة العربية الإسلامية: إحياء التقاليد العربية، م.س.

12- راجع  د. عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، م.س.

13- مسند أحمد برقم :12512، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

14-للمزيد  د. طه حسين: الوعد الحق، مطابع الهيئة المرية العامة للكتاب، ضمن مشروع مكتبة الأسرة 1995م. 

15- د. زكي نجيب محمود: رؤية إسلامية، مطابع الهيئة المرية العامة للكتاب، ضمن مشروع مكتبة الأسرة 1995م.

ـــــــــ

* كاتب، وأكاديمي من مصر.

nasenna62@hotmail.com

--------------------

هذه الدراسة تعبر عن رأي كاتبها

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ