ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

السبت 07/06/2008


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

أبحاث

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


دراسة حول الجالية العربية في بلجيكا:

 بين الاندماج والعزلة

حدود الدراسة الشطر الفلاماني للمملكة البلجيكية

إعداد: د.هشام عوكل

تأخذ قضية الهجرة والاندماج حيزا كبيرا من النقاش في المجتمعات الأوروبية، وخاصة في بلجيكا ، التي ينظر بعض مواطنيها بتوجس إلى العمالة المهاجرة. أما الحكومة فتسعى إلى وضع آليات وضوابط جديدة لاستقطاب الأيدي العاملة من الخارج مع مكافحة الهجرة الغير شرعية  عبر المنافذ البرية والحرية  والجوية مع تنظيم بعض الإشكاليات المتعلقة في الإقامة والتجنس

 

تثير مشكلة العمالة المهاجرة نقاشا سياسيّا واجتماعيّا في الدول الأوروبيّة الغربيّة عامة وبلجيكا  خاصة، إذ يرتبط هذا الجدال والنقاش بالعامل الديموغرافي في ضوء التناقص المتزايد لأعداد السكان وانعكاس ذلك على حجم النشاط الصناعيّ والاقتصاديّ والدخل القوميّ والفرديّ. ففي تقرير لمنظمة العمل الدوليّة بشأن الآثار والتبعات المترتبة على ذلك تبيّن أنّ معدل دخل الفرد في الخمسين السنة القادمة سينخفض إلى 78 بالمئة من نسبة الدخل الحالي للفرد. ولذلك يرى هذا التقرير بضرورة محاربة أشكال التمييز ضد العمال المهاجرين وإقامة علاقة تكامليّة بين الشريحة المهاجرة والسكان الأصليين في مجتمع متعدد الثقافات يستند إلى الاحترام المتبادل والتسامح الثقافيّ والفكريّ. هذه العوامل دفعت بالساسة والمخططين إلى إعادة النظر في سياسات استقبال العمالة المهاجرة والمهاجرين  وآليات استقطابها وتوجيهها

 

أهمية البحث

تكمن أهمية البحث من فشل المحاولات

 التي قامت بها الحكومة ، لإيجاد حل لمشكلة اندماج المهاجرين، بالوصول إلى حل مثالي هو أمر صعب المنال. فحتى هذا الوقت لا يوجد هناك إجماع في بلجيكا  حول قوانين الاندماج، نظرا لطبيعة الثقافات التي تحيط في بلجيكا وعدم خصوعها للتعريفات لاهي الامة ولا الدولة ولاالجهمورية هناك عديد من المشاكل  التي ينبغي بها التعامل مثلا ظاهرة الزواج القسري المنتشرة بين بعض جاليات المهاجرين.  جريمة الشرف الابتعاد عن التعلم وعدة من مشاكل قد اوضحها رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي الفائز في الانتخابات  للعام 2007 قد اقترح إلزام المهاجر الراغب في إذن إقامة بالانخراط في عملية الاندماج، وإذا رفض فإن من حق الدولة أن تلغي إذن الإقامة. وقد قوبل هذا الاقتراح بالرفض من قبل الديمقراطيين الاجتماعيين وحزب الخضر والحزب اليساري. وعلقت وزير العدل قائلا:" من الصعب أن نحدد رفض الاندماج بمصطلح قانوني معين". جدير بالذكر أن عدد المهاجرين في يقارب 125.000الف  شخص.

 

اهداف البحث

1. دراسة مفهوم الاندماج بمنظور الأوروبي  والبلجيكي

2. مشكلة العمالة المهاجرة

3. مشاكل اندماج الاطفال المغاربة في المجتمع البلجيكي

4. عوائق في وجه الاندماج

5. الاندماج وتحديد الهجرة

 

حدود البحث

دراسة مفهوم الاندماج الاجتماعي  على الهوية والدين للجالية العربية المسلمة  بالمنظور  البلجيكي حيث العقبة الكبرى في طريق أي عملية للاندماج الاجتماعي مقارنة بجوانب الانتماء والولاء الأخرى، كالقومية والأيديولوجيات الفكرية الأخرى. وهو ما يمكن ملاحظته وتجربته على حالة اندماج الأفراد أو الأقليات المهاجرة أيضا. حيث يتخلف عادة أكثر المهاجرين التزاما بالعقيدة الدينية، والعكس بالعكس حيث يقبل الأقل التزاما أو غير المتمايزين دينيا على الاندماج ويتفاعل مع فإلى جانب الموضوع العقيدي أو الديني، هناك الجوانب الثقافية الأخرى والتي تعد حواجز كبيرة مثل تعلم اللغة وفارق نصيب التعليم واستخدام التكنولوجيا وغيرها

بظل رعاية أمة متفوقة، فإن أعضاء الثقافات الأقل تقدما في هذه الدولة سوف يسقطون العديد من ميزاتهم البارزة ويتعلمون حضارة حقيقية (مهيمنة)، أي متخلين عن سمات كثيرة من ثقافتهم، عليه فكم سيتبقى بالضبط من هوياتهم المميزة.

 

تمهيد ومقدمة

لا بد من التسليم بأن العالم العربي لا يعرف كثيرا عن بلجيكا ولا تعرف عنه الكثير برغم وجود جالية عربية مهمة نسبيا على أرض هذه البلد ووجود مبادلات اقتصادية كثيفة بين الجانبين

1 . صورة بلجيكا في العالم العربي

تقترن بلجيكا في أذهان الناس في العالم العربي عموما ببعض الأسماء مثل بروكسيل (باعتبارها عاصمة لأوروبا) وأنفير (ثاني ميناء في أوروبا). ويعرف العسكريون العرب FN بينما يعرف تجار الأسواق التقليدية السجاد البلجيكي و "كريات البليار" . أما بائعو السيارات فيأتون إلى بلجيكا لاقتناء السيارات المستعملة. ولايزال المصريون يتذكرون بشيء من الحنين "ترام" القاهرة الذي صنعت عرباته في شارل روا (بلجيكا) كما لا يزال الشيوخ من أهل القاهرة يتحدثون بإعجاب وإطراء عن البارون إيمبان الذي حقق نجاحاً تجارياً باهراً في بلاد الفراعنة. ويمكن القول إجمالاً إن بلجيكا معروفة في المغرب العربي أفضل مما هي معروفة في المشرق. فبلجيكا تستثمر كثيرا في صناعات النسيج التونسية وتشتري الغاز الجزائري كما تستضيف جالية مهاجرة، مغربية بالخصوص، تقدر بحوالي 550.000 نسمة. وهناك فضلا عن هذا تعاون ثقافي وتقني مهم بين بلجيكا والمغرب العربي.

غير أنه بالنسبة لكثير من العرب تبقى بلجيكا قبل كل شيء بلدا أوروبيا صغيرا يقع بين هولندا (المشهورة بأبقارها الحلوب وبصنوف أجنانها علاوة على الشركات المتعددة القوميات العملاقة مثل شيل وفيليبس) (التي تتمتع بشهرة راسخة) وفرنسا الحاضرة في كل مكان في العالم العربي ولاسيما في الواجهة الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

ولاشك أن رجال الأعمال العرب يعرفون السوق البلجيكية ويعقد الماهرون منهم في هذا البلد صفقات مربحة. لكن عندما يتعلق الأمر بالصفقات الكبرى، فهي تبرم عادة في غير هذا البلد. فما أقل البنوك العربية التي استقرت في بلجيكا وما أقل الأموال العربية المستثمرة فيه، مع أن مبلغ الاستثمارات الخليجية وحدها في الغرب لا يقل عن 100 مليار دولار، يضاف إليها حوالي 600 مليار دولار تمثل أموال الأثرياء العرب المنتمين إلى برجوازية رجال الأعمال. والهيئة الاستثمارية العربية الوحيدة المعروفة نسبيا في بروكسيل هي المنظمة الكويتية للاستثمار والفضل في ذلك يرجع إلى شبكة Q8. ومن الأسباب التي تفسر هذه الظاهرة كون الأثرياء العرب (وخاصة الخليجيين منهم) يتكلمون الإنجليزية وكونهم يميلون إلى إنجلترا والولايات المتحدة أو يؤثرون الواحات الضريبية المتمثلة في لوكسمبورغ وسويسرا، ومن هنا قلت معرفتهم ببلجيكا. والحقيقة أن أفضل سفراء بلجيكا في العالم العربي هم هؤلاء الآلاف من الطلبة العرب الذين تخرجوا من الجامعات البلجيكية، ولاسيما الفرانكفونية منها. وأكثر هؤلاء ينتمون إلى المغرب العربي ثم، بدرجة أقل، إلى مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن. وكثير منهم يحتلون حاليا مناصب المسؤولية ويمثلون من غير شك رسلا لنشر الفرانكفونية، غير أن الجامعات لا تحتفظ بصلاتها معهم، فقليلا ما تتاح لهم فرص الاستفادة من دورات إعادة التدريب في بلجيكا، ولذلك يفقد هؤلاء الطلبة القدماء كل صلاتهم ببلجيكا مع مرور الوقت حتى لا يبقى لهم من هذا البلد إلا ذكريات الشباب. أضف إلى ذلك أن تشديد سياسة منح التأشيرة والانخفاض الملحوظ لعدد المنح المقدمة من بلجيكا ومجموعاتها السكانية، كل ذلك ساهم في التقليص بنسب ضخمة من عدد الطلبة العرب المسجلين في الجامعات البلجيكية خلال عقد التسعينات.

وباستثناء ثلة من رجال الأعمال يعدون بالعشرات وآلاف من الطلبة العرب، يمكن القول إن العرب لا يعرفون عن بلجيكا إلا القليل، أقل على كل حال مما يعرفون عن بلدان أوروبية أخرى تماثلها تقريبا في الحجم، مثل النرويج وهولندا وسويسرا أو النمسا.

ويكفي أن نقرأ الصحف العربية الواسعة الانتشار لندرك مدى قلة الاهتمام ببلجيكا. ولم يستطع أحد من الوزراء البلجيكيين السابقين الذين "اخترقوا جدار" اللامبالاة أن ينال الشهرة ويحظى بالتقدير في العالم العربي غير الوزير سباك، وذلك راجع من غير شك إلى مواقفه الشجاعة من القضية الفلسطينية. وبالمقابل لم تؤد تصريحات وزير بلجيكي سابق حول الإسلام ـ هذا الوزير الذي أصبح فيما بعد أمينا عاما لمنظمة حلف شمال الأطلسي ـ إلا إلى زيادة تعتيم صورة بلجيكا في العالم العربي.

قد يقف المرء موقف الاستغراب أو عدم التصديق من تصريحات الوزير البلجيكي للشؤون الخارجية لكن لو قمنا بإجراء تحقيق واسع في عين المكان عن صورة بلجيكا في العالم العربي فستكون النتائج بالتأكيد بالغة الدلالة. لا لأن صورة بلجيكا في العالم العربي سلبية بل لأن العرب يشعرون بأن بلجيكا تدير لهم ظهرها، مفضلة أن توسع نشاطها في القارة الأفريقية.

2 . صورة العالم العربي في بلجيكا

إذا كان العرب لا يعرفون بلجيكا فإن البلجيكيين يعتقدون أنهم يعرفون العالم العربي. ألا يتوافدون بالآلاف على الشواطئ التونسية أو المغربية بحثا عن الاسمرار ؟ ألا يصادفون في كل ناحية من شوارع بروكسيل مهاجرا عربيا ؟ ألا يتأثرون في حياتهم اليومية بأسعار النفط والغاز "العربيين" ؟ ألا يقذفون على مدار السنة بوابل من صور الدم والعنف في فلسطين  او العراق؟ ألم يتابعوا "المسلسلات التلفزيونية" عن قضايا "الحجاب الإسلامي" و"الآيات الشيطانية" لصاحبها سلمان رشدي ؟

وهكذا يختزل الإنسان العربي بالنسبة لكثير من البلجيكيين في جملة من الصور : صور تشبه البطاقة البريدية التي يرسلها السائح إلى أهله وأصدقائه في البلد ؛ صورة غريبة  في الغالب تمثل الجمل والصحراء والسوق التقليدية والمرأة المحتجبة وباختصار عالماً غريباً غير مألوف. وليست هذه الصورة قبيحة في حد ذاتها ولكن أثرها السلبي يكمن في أنها تختزل واقع العالم العربي الشديد التنوع في بضع "ومضات". وتكرار نفس الصور يفضي آخر الأمر إلى الاعتقاد بأن العالم العربي يعنى امرأة متحجبة على ظهر جمل يعبر الصحراء متجها نحو السوق.

ثم هناك صورة أكثر خدعة ودسا وهي صورة السينما، فهنا التمويه واضح وأسلوب التأثير وتوجيه الرأي خفي دقيق. فالسينما تركز في بضع لقطات كلما يتعلق بسوء الفهم التاريخي القائم بين الغرب والشرق، بين الإسلام والعالم المسيحي، بين العرب وأوروبا، فتصبح الصورة التمثيلية كلها ثنائيات متعارضة. وهكذا ينظر إلى الشرق غالباً على أنه نقيض الغرب، فهو العاطفة مقابل العقل، والعنف مقابل الهدوء، والتقليد مقابل الحداثة، و"الحريم" مقابل نظام الزوجة الواحدة، والحكم الفردي مقابل الديمقراطية، وباختصار الوجه الآخر للذات الغربية المثالية.

وقد أجريت دراسات معقمة وشاملة حول الدور السيئ الذي لعبته السينما في تمثـيل المـشرق العربي. ومن الأفلام التي تندرج ضمن هذا النوع يمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر : Pépé le Moko, Casablanca, Thief in Damascus, Laurence dصArabie وRaiders of the lost Ark وRaiders, Sahara, The Sheik, Harum وScarum وThe Son of the Sheik, Ishtar, Harem, Pétrole Pétrole وJamais sans ma fille.

والصور التي تبثها السينما هي الأصعب محواً، وهي التي تعمل في الغالب خفية على تكييف تصورات الأشخاص عن الشرق والإسلام والعالم العربي.

وهناك في الأخير الصورة التي تتشكل من خلال الاحتكاك بالمهاجرين العرب، فأكثر البلجيكيين يكونون صورة عامة عن العالم العربي من خلال منظار الهجرة المشوه للحقائق. ولا غرابة بعد هذا أن يشتد عجب البلجيكيين عندما رأوا عازفا لبنانيا على البيانو وهو عبد الرحمن باشا يفوز في مسابقة الملكة إليزابيث وكاتبين عربيين، المغربي الطاهر بن جلون واللبناني أمين معلوف، يحوزان على جائزة غونكور، ثم عندما رأوا الروائي المصري نجيب محفوظ يحصل على جائزة نوبل للآداب. إن هناك كثيرا من العرب بلغوا شأوا بعيدا في ميادين شتى، ولكن قلما يذكر إسهامهم في الفنون والعلوم، وكأن هذا الإسهام لا يعني أحداً أو لعله يزعزع بعض المسلمات الراسخة في الأذهان.

وهكذا يحل العربي في المخيال الجماعي للغربيين ـ ومن ثم للبلجيكيين ـ محل اليهودي والسوفياتي سابقاً، باعتباره عنصرا "غير مرغوب فيه" وبالتالي "سيئ السمعة".

ويكفي القيام باستطلاع بسيط لمعرفة إلى أي مدى تعشش هذه الصور السلبية في أذهان غالبية البلجيكيين وتؤثر في سلوكهم. وأنا أقول الغالبية لأننا نجد في بلجيكا كما في سائر البلدان الغربية أقلية من الناس عرفت بحكم مهنتها أو بدافع حبها للعالم العربي كيف تكتشف هذا العالم وتسخر طاقاتها لرد الاعتبار له في المخيال الجماعي.

3 . الصحافة البلجيكية والعرب

غالباً ما تلقى مسؤولية تشويه صورة العرب على وسائل الإعلام، وهو حكم يحتاج إلى تدقيق بالنظر أولاً إلى اتساع وعمومية مفهوم "وسائل الإعلام". فهناك الصحافيون والصحف والإذاعات وقنوات التلفزيون. ومن البدهي أننا لا نستطيع أن نلصق بقناة تلفزيونية (بلجيكية) أو بصحافي وصمة "مناهض للعرب". ففي هذا البـلد كـما فـي كل البلـدان صحافيون يختلفون في الميولات والمشارب؛ فصحيفة La Dernière Heure مـثلا لا تكـن الحب للعرب، ولكن صحافيي La Dernière Heure لا يتهمون مع ذلك بالعنصرية، بل هذه التهمة بعيدة عنهم. وهناك صحيفة Le Soir التي تبذل كثيرا من الجهد في استجلاء الأحداث والبعد عن الإثارة وشرح حقيقة الوضع في العالم العربي بصورة مفهومة. ولم تقصّر صحيفة La Libre Belgique الكاثوليكية أيضا في هذا المضمار، فالتحليلات والافتتاحيات التي تخص بها كثيرا من القضايا العربية لا تنقصها الدقة والصواب، وهي موفقة في غالب الأحيان، لا لأن هؤلاء الصحافيين يسعون إلى دغدغة مشاعر العرب وخطب ودهم أو إلى إخفاء تناقضاتهم، بل لأنهم على أقل تقدير يتجنبون الانسياق مع التحليلات الصبيانية التي تبدو خارج السياق وخارج التاريخ وخارج المجتمع. غير أن إذاعة وتلفزيون بلجيكا هي التي تقوم بالدور الحاسم فيما يتعلق بالعالم العربي. ولا يمكن القول مع ذلك أنها تروج لصور سلبية، وقد قدمت تقارير صحافية جيدة من إنجاز صحافيين مقتدرين. والصحافيون البلجيكيون معروفون عامة بكونهم يمارسون مهنتهم بكفاءة وشعور بالواجب، وليس لهم من قضية يتجندون لها سوى تتبع الوقائع والإخبار عنها. ولنذكر هنا عَرَضاً برنامج "Sindbad"، الذي يتميز غالباً بجودته العالية والذي ساهم كثيرا في تعريف البلجيكيين على الباحثين والفنانين ذوي الأصول العربية، وعمل على كل حال على كسر الصور النمطية الأكثر رواجاً.

وبالمقابل نلاحظ هزاله الأخبار الدولية في التلفزيون البلجيكيRTL، ولاسيما ما يتعلق بالعالم العربي. ولكن حتى هذه القناة تقدم تعاليق سديدة تصدر عن صحافيين على وعي بإشكالية العالم الثالث. ولكن هؤلاء يشكلون مع الأسف نسبة غير كبيرة ولا يجدون غالباً "المؤازرة" من الإدارة. وعلى أي حال، فقناة RTL قناة تجارية قبل كل شيء، وهي لذلك تخضع لطغيان "الأوديمات" (قياس درجة إقبال الجمهور

والواقع أن الصحافيين سواء في الإذاعة أو في التلفزيون تتوارد عليهم الأحداث المتلاحقة عن العالم العربي بسرعة جنونية. ومن ثم لا يتاح لهم متسع من الوقت في الغالب للتأني والشرح. وكلما دعي شخص للتعليق على الأحداث في الجريدة المتلفزة يطلب منه أن يتحدث في دقيقة أو دقيقتين، وهو وقت لا يكفي إلا لترديد العبارات المعروفة التي تلوكها الألسن في كل مناسبة، ولا يستطيعون غير ذلك. وهكذا يبقى العالم العربي الذي تسلط عليه حركية الأحداث المتصارعة ضوءها الكاشف لغزا كبيرا. فلم يحدث قط أن كثر الحديث عن العراق وفلسطين كما كثر الآن، ومع هذا لم يساهم كل ذلك في توضيح الوقائع واستجلاء المشكلات.

ومن شدة الالتصاق بالحدث ينتهي الأمر إلى احتجاب الحقائق العميقة وانفلاتها من الأيدي، كما أن الإلحاح في حشو أدمغة المستمعين بالأخبار يفضي بها إلى أن تضيق بما حَوَتْ، وتنتهي التغطية الإعلامية الكثيفة لبعض المشكلات والجامعة بين الغث والسمين إلى إيهام المتلقي بأنه أخذ من كل شيء بطرف. وهكذا يطغى الإخبار على التثقيف وتفضل سهولة الانسياق مع التيار العام على صرامة الشك. وينال العالم العربي كغيره من المناطق الجغرافية حظه من الآثار السلبية الناجمة عن ذلك كله.

 

الفصل الأول

المبحث الأول

مفهوم الاندماج

«لماذا لا نندمج؟» سؤال يطرح بحدة دائماً في بداية كل اجتماع سنوي لمجالس إدارات وجمعيات العمومية والوزارات بكافة وظائفها   في أوروبا الغربية في إطار ما أصبح يعرف «بحمى الاندماج» التي تجتاح العالم الآن، حيث لم يعد هناك مكان للكيانات الصغيرة في ظل العولمة ، والسبيل إلى تلك الكيانات يكون دائماً بالاندماج والدمج بين أشكال الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .. فما هو الاندماج وماهي أنواعه ومفاهيمه؟

الاندماج اللغوي

إن معرفة اللغة هي أحد الشروط الحاسمة للاندماج المهني والاجتماعي، فكلما تمكن الإنسان أكثر من لغة البلد الذي يعيش فيه بشكل مستديم كلما زادت فرصته للاندماج في وقت معقول. لذلك فإنه مصلحة المهاجرين، بل أيضا من مصلحة الدولة المهاجر إليها نفسها أن يتم اكتساب اللغة تحدثا وكتابة طبقا لمعايير جودة موحدة وأهداف تعليمية محددة.

الاندماج المهني

بالإضافة إلى اكتساب معارف لغوية جيدة المستوى فإن أي سياسة ناجحة تجاه الأجانب تفترض أيضا وجود اندماج مهني عن طريق التأهيل، ومواصلة التعليم، وإعادة التأهيل، والتدريب العملي، وتحسين الوضع الدراسي للشباب والنساء من الأجانب بصفة خاصة.

تعمل وزارة الاندماج  البلجيكية  والعمل على دعم التأهيل المهني، وكذلك توفير أماكن للدراسة ودورات لتحسين فرص الاندماج، وذلك عن طريق مختلف المشروعات.

الاندماج الاجتماعي

إن تحقيق الاندماج الاجتماعي هي مهمة تقع على كاهل المجتمع كله، والتي لا يمكن الوفاء بها إلا بالعمل المشترك من جانب المهاجرين والشعب البلجيكي  عبر عملية اجتماعية معقدة. وبالرغم مما تحقق من تقدم ونجاح شبة  ملحوظين في سياسة الاندماج إلا أنه لا يزال هناك كثير من النواقص، فلا يزال من الضروري القيام بمجهودات كبيرة لاسيما تجاه تحسين الحياة المشتركة بين الشعب البلجيكي  والأجانب، والتعامل الحازم ضد العداء للأجانب. وبرغم كل ما تقوم به الدولة من جهود فاعلة فإن على المواطنين القيام بمشاركة ايجابية في عملية اندماج الأجانب، كما لا بد من مكافحة النشاطات المتطرفة. أطلقت الحكومة مبادرة كلنا واحد الذي يرمي إلى تحويل ما توفره بلجيكا كدولة قانون ديمقراطية من قيم وضمانات إلى واقع ملموس، والذي يرمي أيضا لتمثيل هذه القيم والضمانات تمثيلا قويا. لذا فإنه من الضروري على كل المواطنين المساهمة الفاعلة

أولا

1.سياسة الهجرة في بلجيكا 

لطالما شكلت الهجرة إحدى نقاط الاختلاف بين الحكومات المتعقبة ، بما فيه ، كتلة التيار المسيحي  التي نجحت في الانتخابات البرلمانية مؤخرا. ستتجه إلى تقوية الاندماج في المجتمع وتقنين الهجرة الوافدة.

كان قانون الهجرة من القضايا الرئيسة الحاضرة في البرامج الانتخابية للأحزاب البلجيكية . وتعتبر هذه البرامج مثار اختلاف بينها لا سيما فيما يتعلق بمسألة اندماج الأجانب في المجتمع. وكيفية وضع السبل التي من شأنها تسهيل هذا الاندماج.

يرى الحزب الاشتراكي في الهجرة حلاً لبعض المشاكل الاقتصادية الاجتماعية الناتجة عن تناقص عدد السكان الناجم بدوره عن تراجع معدلات الولادة في المجتمع. أما الأمر الأخر هو ما يسمى بـ "شيخوخة المجتمع"، أو غلبة كبار السن عليه. وهو أمر له تأثيرات سلبية كبيرة ليس على تركيبة النظام الاجتماعي فحسب، بل على  سوق العمل خلال العقود التالية أيضا. وأثناء تقديم مسودة لقانون جديد للهجرة قبل سنوات من قبل حكومة اعترضت كتلة المعارضة الفلامس بلوك على تسهيل إجراءات الهجرة بحجة أن المزيد من المهاجرين يعني المزيد من العاطلين عن العمل.

 

2. الاندماج وتحديد الهجرة

وضع الحزب المسيحي الديمقراطي تحديد الهجرة وتقوية الاندماج في المجتمع على برنامجه في الانتخابات الأخيرة التي خرج منها فائزاً. ويرى الحزب أن بلد مفتوح على العالم، وان الكثير من الأجانب المقيمين فيها اندمجوا في المجتمع. ولكنه يرى فيها أيضاً "إشارات خطر تهدد السلام الاجتماعي في البلد". السبب في هذا الخطر يتعلق بمعدلات البطالة المرتفعة، وعدم حصول أطفال المهاجرين على التعليم المدرسي الأساسي، وإحجام بعض شباب المهاجرين على الاختلاط بالمجتمع البلجيكي . ويرى الحزب كذلك أن قانون الهجرة وحده غير كافي لتجاوز مشاكل الاندماج.

يضع الحزب نصب عينيه تحقيق أهداف من شأنها تحسين هذا الواقع، فقد ورد في برنامج الحزب الانتخابي أن المملكة  يريد أن يعيش الأجانب المقيمين "مندمجين في مجتمعنا على أسس ثقافتنا ونظامنا القانوني." والشيء الأساسي في هذا الاندماج هو تعلم اللغة، وهنا يشدد الحزب  على دور الوالدين في تشجيع أطفالهم على الاشتراك في "فرص الحياة والعمل."

كما انه سيعمل على دفع مسألة الاندماج إلى الأمام، عن طريق حث الأجانب بالوسائل القانونية للاشتراك في دورات للاندماج. كما سيكون هناك شرط جديد في إجراءات "لم الشمل" هو إلمام الزوج القادم إلى بلجيكا  الكافي باللغة الفرنسية والفلامنية

 

3.مشكلة العمالة المهاجرة

تثير مشكلة العمالة المهاجرة نقاشا سياسيّا واجتماعيّا في الدول الأوروبيّة الغربيّة عامة وبلجيكا  خاصة، إذ يرتبط هذا الجدال والنقاش بالعامل الديموغرافي في ضوء التناقص المتزايد لأعداد السكان وانعكاس ذلك على حجم النشاط الصناعيّ والاقتصاديّ والدخل القوميّ والفرديّ. ففي تقرير لمنظمة العمل الدوليّة بشأن الآثار والتبعات المترتبة على ذلك تبيّن أنّ معدل دخل الفرد في الخمسين السنة القادمة سينخفض إلى 78 بالمئة من نسبة الدخل الحالي للفرد. ولذلك يرى هذا التقرير بضرورة محاربة أشكال التمييز ضد العمال المهاجرين وإقامة علاقة تكامليّة بين الشريحة المهاجرة والسكان الأصليين في مجتمع متعدد الثقافات يستند إلى الاحترام المتبادل والتسامح الثقافيّ والفكريّ. هذه العوامل دفعت بالساسة والمخططين إلى إعادة النظر في سياسات استقبال العمالة المهاجرة والمهاجرين  وآليات استقطابها وتوجيهها.

ويرى جيرون دوميرنك من معهد الدراسات الإثنية والهجرة أنّ أوروبا ستبقى بحاجة إلى العمالة المهاجرة سواء علا مستواها التعليميّ أم انخفض من مزاولة للأعمال البسيطة من تنظيف وخدمات عامة. وفي هذا الصدد فإنّ بعض الدول الأوروبية بلجيكا  ألمانيا وهولندا تبدي حساسية من ذلك بحكم تجربتها التاريخية على عكس ما هو الأمر في دول أخرى كبريطانيا مثلا. إذ يرى دوميرنك أنّه منذ الثمانينيّات من القرن الماضي سجلت البطالة نسبا عالية بين المهاجرين وأنّ الأمر قد طال التحصيل الدراسيّ لأبنائهم أيضا. الأحزاب السياسية تدعو إلى تبني سياسات وآليات محددة في عملية استقدام العمال الأجانب. إذ يرى أوميد من حزب الخضر أنّ الحل يكمن في تنفيذ سياسة منظمة ومحددة للعمالة الوافدة يمكن أن تساهم في حل المشكلات التي واكبت عمليات الهجرة من اندماج ولغة وغير ذلك. فهو يرى أنّ تطبيق نظام النقاط حسب المؤهلات في هذا المجال يمكن أن ينظّم عملية الهجرة. إنّ اتّباع مثل هذا النظام يجعل استقطاب العمالة الوافدة عملية مقننة ومدروسة وممنهجة  تتيح الفرصة للمؤهلين للقدوم وتغلق الباب أمام غيرهم.

ما زال ينظر إلى المسلمين عامة والعرب خاصة على أنّهم تقوقعوا داخل مجتمعاتهم الخاصة بهم بعيدا عن التواصل الحقيقي مع المجتمع البلجيكي  والتفاعل مع الثقافة البلجيكية ، الأمر الذي انعكس سلبا على صورة العرب والمسلمين، إذ أنه من الملاحظ أنّ أمواج الهجرة العربية الأولى إلى بلجيكا  كانت تنحصر في العمل في الصناعات الثقيلة كصناعات الفحم والصلب والسيارات وقد استوطن القسم الأكبر منهم بالقرب من هذه التجمعات الصناعيّة الكبرى في غرب البلاد وجنوب غربها لا سيّما في منطقة الفلاندر  ومدنها الصناعية مثلا لمنطقة الولونية   على سبيل المثال. ويلاحظ أنّ النمو الاقتصاديّ قد لعب دورا كبيرا في عملية الاندماج، ففي الستينيّات والسبعينيّات مثلا يبدو أنّ العرب كانوا أكثر اندماجا من مهاجرين  ووافدين اليوم وذلك لتدني فرص العمل وتراجع معدلات النمو الاقتصاديّ فبالوقت الراهن. وبالرغم من ذلك فإنّ هناك فئة عريضة من الشباب العربي الذين تلقوا علومهم في بلجيكا  يحتلون مراكز متقدمة في ميادين مختلفة من طبيّة وأكاديميّة وغيرها. فقد استطاعوا أن يقيموا جسرا من التواصل بين الثقافة الشرقية والغربية من خلال المحافظة على هويتهم الإسلامية والثقافية والاندماج مع المجتمع البلجيكي في شطرية الفلاندر الذي يتكلم اللغة الهولندية والشطر الولوني الذي يتكلم اللغة الفرنسية  . إلا أنّ هذ لا يمنع من وجود نماذج ضربت على نفسها سياجا من العزلة وأصبحت رهينة لأفكار ورؤى لا تخدم صورة الإسلام و القضايا العربية.وكذلك يمكن القول  أنّ  مسائل الاستيعاب والاندماج تبقى من أكثر  الأمور جدلا في الساحة الداخليّة

 

4.الهجرة وسوق العمل

تشكل العمالة المهاجرة عنصراً هاماً من عناصر الاقتصاد العالميّ، إذ تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 86 مليون عامل مهاجر وفدوا إلى بلدان مختلفة للعمل فيها، إلا أنّ هذه العمالة المهاجرة سرعان ما تصطدم في البلدان المضيفة لها بأنواع مختلفة من التمييز سواء أكانت على مستوى الأجور التي يتقاضونها أم النظرة العامة إليهم من توجس وخيفة، إذ تتجلى مبررات هذا الخوف بعيون المواطنين الأصليين بأنّ العمال المهاجرين يحتلون وظائفهم وكذلك التخوف من تفريغ المؤسسات ومراكز العمل من عمال البلاد الأصليين. ولا شك أنّ هذه القضية في هذه الدول ترتبط بقضية التركيبة السكانية وقضية البطالة وإعادة الهيكلة السياسية والاجتماعية والثقافية لهذه الدول للهجرة في بلجيكا  تاريخ طويل من حيث ارتباطها بسوق العمل. فهناك العديد من الحالات التي فتحت فيها بلجيكا أبوابها للمهاجرين من اجل الحصول على أيدي عاملة لسد النقص الموجود في منشأتها الصناعية.

تنقل لنا كتب التاريخ ان أول هجرة أيدي عاملة إمرسوما عام 1955 منح فيه حق الإقامة لـ 44.000 شخص من تركيا والمغرب وايطالية  كحل للخروج من  المشاكل الاقتصادية الكبيرة التي كانت تعاني منها بلجيكا  في ذلك الحين، بعد حرب العالمية الثانية  

والحالة تكررت بعد أن طلبت بلجيكا  بعد الحرب العالمية الثانية الكثير من العمال الضيوف لسد النقص الذي جرى في سوق العمل في تلك الفترة، فتوافد عليها  الكثير من العمال الضيوف يشكل المغاربة  الأتراك النسبة الغالبة منهم.

واليوم يضع الحزب المسيحي عدة ضوابط الهدف منها تحديد الهجرة. وفي علاقة ذلك بسوق العمل والنهوض بالاقتصاد الذي يعاني من البطالة. حيث ستقتصر الهجرة الوافدة في سوق العمل على ما يكفي لسد النقص الأساسي في عدد محترفي حرفة ما. كما على الأجانب من ذوي الكفاءات العالية في المجالات العلمية والبحث العلمي، أو من يمكنهم تقديم إسهامات في الاقتصاد والثقافة.

لكن هذه الضوابط الجيدة، التي سيحاول الحزب انتهاجها بعد فوزه في الانتخابات وتشكيل الحكومة التي لم تشكل للحد الان ، لا تغفل عن حقوق المرأة بغض النظر عن الأصل أو الديانة. فالحكومة القادمة ستدعم وتقوم بحماية حقوق الفتيات والنساء المقيمات في بلجيكا  والقادمات من بلدان إسلامية، من خلال منع الزواج بالإكراه وسيضع قانون يعاقب على مثل هذه الحالات.

 

5. التجربة البلجيكية 

تسعي الحكومة إلى زيادة معدلات الهجرة، إلا أنها تصطدم بمعوقات إدارية تحول دون تسريع وتفعيل عملية الهجرة المؤهلة. إذ  ترى ميشالو، الباحثة في شؤون الهجرة في أنّ عملية التنجس ازدادت صعوبة بحكم اختبار التجنس الذي قد يشكل خطراً حقيقياً على هذه الزيادة و معدلات الهجرة. ولكن من الواضح أن الحكومة البلجيكية  تعتبر التجنس رافدا مهما من روافد الزيادة السكانية، كما أشار قانون الهجرة الصادر عام 2000.

 

6. النموذج البلجيكي في مقابلة النموذج الأمريكي

 

إذا كانت مشكلة الهجرة وتبعاتها تثير زوبعة سياسيّة واجتماعيّة في بلجيكا فإنّ الأمر يبدو مختلفا في الولايات المتحدة الأمريكية التي تبقى القبلة الأولى للمهاجرين، إذ لا تحتل هذه النقاشات مساحة واسعة في الرأي العام الأمريكيّ بعكس ما هو عليه الحال في أوروبا. ووفقا لبيانات مركز دراسات الهجرة في واشنطن فإن الولايات المتحدة تستقبل 5 مليون مهاجر كل عام. ونصيب بلجيكا  قرابة 20.000 مهاجر سنوياً. وقياساً إلى نسبة عدد السكان في البلدين، فإن بلجيكا  تستقبل ما يعادل 2بالمئة المهاجرين للولايات المتحدة سنوياً

 

الفصل الثاني

المبحث الثاني

مشاكل اندماج الأطفال المغاربة في المجتمع البلجيكي

1. . العالم العربي والمدرسة البلجيكية

ماذا يتعلم التلاميذ البلجيكيون عن الإسلام والعالم العربي ؟ كثيرا ما يستوقفني هذا السؤال لأن المدرسة تمثل أهم مؤسسة بعد الأسرة في إقامة العلاقات مع المجتمع والاندماج فيه. ففي المدرسة يتفتح الذهن للمعرفة العلمية وينمو الفضول المعرفي والروح النقدية.

ولمعرفة كيف يدرس العالم العربي والإسلام في المدارس البلجيكية كان لا بد من تفحص الدروس والكتب المدرسية بإمعان وتأن. فماذا كانت النتيجة ؟ لا نجد إجمالا إلا بضع صفحات حول الحضارة الإسلامية ولا شيء تقريبا عن المليار مسلم الموجودين حاليا في العالم. أما المعلومات عن العالم العربي بسكانه البالغ عددهم 270 مليون نسمة فشذرات قليلة لا تكاد تذكر. كما لا يجد القارئ سوى إشارات عابرة عن إسهام العرب في تطور العلوم فيما بين القرنين الثامن والرابع عشر، وعن صعود الإمبراطورية العثمانية فيما بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر وعن الاستعمار الأوروبي، وتمزيق العالم العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وعن نمو الحركة الوطنية العربية (ق.20) وعن الأحداث العاصفة التي يشهدها العالم العربي حاليا. فأي تلميذ بلجيكي سمع أسماء العلامة الخوارزمي (850-750 ميلادية) والعالم الرياضي الفارابي (950-872) والفيزيائي الفرازي (المتوفى سنة 777م.) وعالم الفلك المقديسي (ق.10م.) والكيميائي العبادي (807-877م.) والفيلسوف ابن سينا (1036-980) أو عالم الاجتماع ابن خلدون (ق. 14م.) ؟

وإذا كانت كتب التاريخ تذكر الحروب الصليبية، فقد سكتت بالمقابل عن حملة نابليون على مصر وعن استعمار الجزائر وشق قناة السويس و "الثورة" العربية الكبرى (1918-1915) والمقاومة الفلسطينية للمشروع الصهيوني الرامي إلى زرع دولة يهودية في فلسطين قبل سنة 1948، وتصفية الاستعمار في العالم العربي (1970-1920)، كما لا تشير إلى العلاقات الحالية بين العالم العربي والغرب. ومن الصعب حقيقة إدراج درس معمق عن العالم العربي وعن الإسلام في برنامج مدرسي مثقل بالمواد، لكن بالنظر إلى زخم الأحداث الراهنة في العالم العربي من جهة وجو العداء السائد من جهة أخرى، هل يبلغ العجز بالمدرسة البلجيكية ألا تجد من الأفكار والوسائل ما يمكنها من تطعيم برامجها ولو بالحد الأدنى من المعلومات بحيث تساعد الطلبة على تمييز الأحكام المغلوطة وكشف النقاب عن تزييف الحقائق في العالم العربي ؟

ومن البديهي أن موازين القوى غير متكافئة. فالتلميذ البلجيكي قد يجوز له أن يتجاهل تاريخ العالم العربي ولغته وآدابه وإنتاجه العلمي. أما التلميذ العربي فيتلقى قدرا أكبر من المعلومات عن الغرب عامة، حتى وإن لم تتوفر له معرفة أفضل عن بلجيكا وصيرورتها التاريخية وخصوصياتها الحالية..

ولاشك