ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد  02/11/2008


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

أبحاث

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


الإخاء والمساواة في النظام الإسلامي

(رؤية مقارنة)

بقلم : يسري عبد الغني عبد الله*

المساواة في الأنظمة الحديثة:

من المبادئ الدستورية الأساسية التي يرتكز عليها الحكم في الأنظمة الديمقراطية ، مبدأ المساواة ، ويقصدون بهذا المبدأ مساواة الأفراد جميعاً دون أدنى استثناء أمام القانون , بحيث تطبق القاعدة القانونية على الجميع دون تمييز ، والمساواة أمام القضاء ، والمساواة أمام وظائف الدولة بحيث تتاح الوظيفة لكل من تتوافر فيه شروطها الموضوعية ، وكذلك المساواة أمام المرافق العامة للدولة بحيث لا تميز الدولة بين الأفراد بصدد ما تؤديه من خدمات ، و المساواة في الأعباء والتكاليف العامة وخاصة الضرائب .

وعليه : فإن المواطنين لدى القانون سواء ، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة ، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة .

موقف الإسلام من مبدأ المساواة :

إن الشريعة الإسلامية ، تجعل مبدأ العدل من أهم ركائز الدولة الإسلامية التي لا تقوم لها قائمة بدونها.

فالله سبحانه وتعالى من أسمائه الحسنى العدل ، والعدل أساس الملك ، والظلم خراب ودمار للأمة , ولولا العدل لفسدت السماوات والأرض ، ولا عدل بغير مساواة.

ولقد جاء الإسلام الحنيف والعرب تسودهم الفوضى ، وتجري بين قبائلهم حروب طاحنة شعواء لا هوادة فيها ، حروب متصلة الحلقات ، حروب تنتج عن أتفه الأسباب التي تعتبر بمثابة عود الثقاب الذي يشعل نار الحرب والتي قد تستمر سنين طوالاً ، وذلك مثل حرب البسوس التي استمرت عدة سنوات بسبب مصرع ناقة !!

وهكذا تضطرم الحروب ، ويعم الخراب والضياع شبه الجزيرة العربية ، ولم يكن هذا هو الحال في بلاد العرب وحدها ، بل كان هو الشأن في الدول المحيطة بها في بلاد الفرس والروم وغيرها .

جاء الإسلام مؤكداً مبادئ الإخاء والمساواة والعدل على نحو فريد لم يشهده العالم من قبل ، وقرر الإسلام الأخوة التي لا تأبه لفروق الجنس أو اللون أو اللغة أو الثروة ، وكان تقرير المساواة بين الجميع من حيث المبدأ ، ومن حيث التطبيق هو الذي أذن للإسلام بالانتشار على مستوى عالمي بسرعة مذهلة ، وجعل الناس في مختلف الشعوب والأمم تقدم عليه طواعية واختياراً ، ونجح الإسلام نجاحاً باهراً في تأليف أجناس بشرية مختلفة في جبهة إسلامية واحدة أساسها المساواة ، فمن أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم ) : سلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي .

أساس المساواة :

وأساس المساواة وسندها ورد في آيات القرآن الكريم ، وفي مبادئه .

يقول المولى جل علاه :{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمك عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } [الحجرات : 13 ] .

والمعنى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من أب (آدم) ، وأم (حواء) فكلكم متحدون في النسب ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لا لتتقاتلوا وتتعادوا ، ولكن من أجل أن تتبادلوا الأفكار والآراء والخبرات والمعارف والمنافع ، من أجل أن تتعاونوا وتتضامنوا وتتكافلوا ، بهدف واقع أفضل وأحسن لكم ولذويكم ، فليس بعضكم أفضل من بعض بالانتساب لجنس أو قبيلة أو بلد بل بالأعمال الطيبة الصالحة ، إن الله تعالى عليم خبير بكل شيء .

وأحاديث الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم ) في شأن المساواة كثيرة ومشهورة ، فبها علمنا أن : الناس سواسية كأسنان المشط ، وأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى .

وفي أركان الإسلام وتطبيقها تطبيق عملي في حياة المسلم يعمق في شعوره مبدأ الإخاء والمساواة ، فالصلاة خمس مرات في اليوم ، يقف الجميع فيها بالمسجد ، يقفون في حضرة خالقهم الأعظم جنباً إلى جنب ، السلطان بجانب أفقر الرعية ، والغني بملابسه وحلله بجانب الفقير المعدم بأسماله البالية ، والأسود بجوار الأبيض , وتنمحي في داخل المسجد فوارق الطبقات والثراء واللون ، ويحل محلها الإخاء والمساواة والمحبة والصفاء .

وفي الحج ، يتساوى الجميع ، حتى المظاهر والفوارق الشكلية تزول ، ويتساوى الناس في لباسهم ومظاهرهم بحيث لا توجد أي صورة من صور التفرقة .

والشريعة الإسلامية تؤكد كل معاني المساواة : المساواة أمام القانون ، والمساواة أمام القضاء ، والمساواة في تولي الوظائف العامة ، والتسوية في الحقوق المالية ، والمساواة أمام التكاليف العامة ، وسوف نحاول الحديث عن هذه المعاني في سطورنا القادمة .

المساواة أمام القانون :

فالمساواة أمام القانون مقررة في الإسلام ، فالحدود مقررة لتطبق على الجميع حتى أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، قد رفض الشفاعة في حد ، حيث قال قولته المشهورة التي نعرفها جميعاً : "والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " .

والفاروق / عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أقام حد الخمر على ابنه .

كما أن شهادة أمير المؤمنين نفسه أو الحاكم عينه على جريمة الزنا لا تكفي الباتة للإدانة ، ولكن عليه أن يحكم بالحد بناء على شهادة أربعة شهود .

 

المساواة أمام القضاء :

والأمثلة الدالة على تطبيق مبدأ المساواة أمام القضاء عديدة ، نذكر منها :

أ ـ يختصم أحد الأشخاص أمير المؤمنين / عمر بن الخطاب ، ويقف معه أمام القاضي / شُريح ، وذلك بسبب خلاف على شراء فرس اشتراها عمر بن الخطاب ، فيحكم القاضي / شُريح لصالح الرجل ، استناداً إلى قاعدة شرعية ، فيسعد عمر ، وينشرح صدره بالحكم ، ويصدر قراره على الفور بتعيين القاضي / شُريح قاضيا على البصرة العراقية .

ب ـ ويخاصم يهودي الإمام / علياً بن أبي طالب (كرم الله وجهه) ، فيستدعيه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أمام مجلس القضاء ، ويقف الإمام علي مع اليهودي ، ويأمره عمر بالوقوف حتى يساوي خصمه ، والأمثلة على ذلك عديدة لا تحصى .

ج ـ والفاروق / عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) له رسالته المشهورة التي أرسل بها إلى أبي موسى الأشعري حين ولاه قضاء الكوفة العراقية ، ومن بين ما جاء فيها : "وآس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من عدلك . "

حتى النظر والابتسام لا يجوز للقاضي أن يفرق فيها بين الخصوم . [عمر الشريف ، مذكرات في نظام الحكم والإدارة في الدولة الإسلامية ، ص 174 ، وما بعدها ، بتصرف ] .

 المساواة في تولي الوظائف العامة :

الأصل الذي يجري عليه مبدأ المساواة ، هو أن كل شخص توافرت فيه الصلاحية لشغل الوظيفة العامة يستطيع أن يطالب بها ، فالعبرة بالصلاحية وحدها ، إذ هي أساس الاستحقاق .

والرسول (صلى الله عليه وسلم) يعلمنا أن : من ولى أمر المسلمين شيئاً ، فولى رجل لمودة أو قرابة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمسلمين .

ويعلمنا أيضاً : أن من ولى أمر المسلمين شيئا ، فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين فقد خان الله ورسوله .

وهذا المبدأ مقرر بالنسبة لكل الوظائف العامة حتى بالنسبة لمنصب الخلافة ، فما دامت قد توافرت في أي شخص مهما كان ، الشروط التي تتطلبها الشريعة الإسلامية في شاغل المنصب ، فيجوز لكل شخص أن يتقدم له ، وأن يتولاه .

 استثناءات لها مبررات قوية :

غير أنه يرد على هذا المبدأ بعض الاستثناءات استناداً إلى مبررات قوية تتصل بنظام الدولة ذات الطابع المزدوج : الديني / الدنيوي ، ونشير إلى الاستثناء المتعلق بأهل الذمة ، وسوف نشير فيما بعد في بحثنا هذا إلى استثناء آخر وهو يتعلق بالمرآة وحقوقها .

لقد ساوى الإسلام بين أهل الذمة وبين المسلمين في الحقوق بوجه عام ، فكفل لهم كل الحقوق الفردية بما فيها حقهم في تولي الوظائف العامة .

غير أنه بالنسبة لأنواع معينة من الوظائف ، لم يجز الإسلام لهم أن يشغلوها ، وذلك رعاية للصالح العام في دولة يقوم نظامها وقانونها على الشريعة الإسلامية ، فالحكم ـ كما قلنا ـ ديني ودنيوي معاً ، الذي يتولى ولاية عامة في الدولة عليه أن ينفذ أحكام الشريعة الإسلامية ، وعليه تجاه ذلك أن يكون عارفاً ومحيطاً بأحكام الإسلام وشريعته ، فلا يسوغ ولا يعقل أن يقوم على تنفيذ أحكام الشريعة وحمايتها من لا يؤمن بها .

لذلك لم يكن جائزاً أو منطقياً أن يتولى أهل الذمة الوظائف ذات الولاية ، فلا يجوز أن يكون رئيس الدولة الإسلامية غير مسلم ، ولا يجوز أن يتولى وزارة التفويض وزيراً غير مسلم ، لأنها ولاية عامة تلزم صاحبها أن يكون مجتهداً وأن يحمي الدين والشريعة .

كما لم يجيزوا للذمي أن يتولى القضاء بين المسلمين , لأن القضاء ولاية ، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم (وبالذات في مسائل الأحوال الشخصية) ، وإن أجازوا للذمي أن يقضي بين الذميين .

أما ما عدا ذلك فقد عهد إلى أهل الذمة بمختلف الوظائف العامة في الدولة بما فيها وزارة التنفيذ .

ومثل ذلك مقرر في التشريعات والدساتير المعاصرة التي تقرر قيوداً على الوظائف العامة في الدولة لمن تخالف معتقداتهم النظام السائد في الدولة ، ولا يعتبرون ذلك بالمرة إخلالاً بقاعدة المساواة .

 التسوية في الحقوق المالية :

كان الصديق أبو بكر (رضي الله عنه) يسوي بين المسلمين في العطاء (أي : في توزيع الأموال التي ترد إلى بيت المال) ، ولا يرى التفضيل بينهم ، كذلك كان رأي الإمام / علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه ) ، أما الفاروق / عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقد رأى التفضيل على أساس السابقة في الإسلام (السبق إلى الإسلام ) ، وقد نظر عمر حين سوى أبو بكر بين الناس فقال : أتسوي بين من هاجر الهجرتين ، وصلى إلى القبلتين ، وبين من أسلم عام الفتح خوف السيف ؟ !!

فقال أبو بكر : إنما عملوا لله ، وإنما أجورهم على الله . قال عمر : لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه .

وقد أخذ عمر بقاعدة التفضيل أثناء خلافته ، على أساس السبق إلى الإسلام ، وهذا الاتجاه وإن بدا أنه يتنافى مع قاعدة المساواة ، إنما هو في الواقع له ما يبرره ، وخاصة وهو يستند إلى قاعدة عامة تقرر المساواة بين كل جماعة على أساس توافر صفة معينة فيها .

 المساواة أمام التكاليف العامة :

يقابل المساواة في الحقوق ، المساواة في التكاليف العامة أو الواجبات ، وهذه المساواة مقررة في الشريعة الإسلامية ، فالواجبات المالية مقررة على الجميع لا يستثنى منها أحد ما دامت الشروط متوافرة فيه .

ومثال على ذلك : الزكاة ، يلتزم بها الجميع كلما توافر النصاب الموجب لها ، ويرى جمهور الفقهاء أنها كما تجب على الكبار تجب على الصغار أيضاً ، وذلك لأنها حق مالي معلوم وواجب للفقراء في أموال الأغنياء ، أي أنها مرتبطة بالثروة ، وكذلك صدقة الفطر يلتزم بها الجميع .

ولم يفرض الإسلام الزكاة على أهل الذمة (أي أهل الديانات السماوية الأخرى ) ، المقيمين في دار الإسلام ، لأن الزكاة عبادة ، ولا تفرض العبادة على أهل الذمة .

وفي مقابل هذا الإعفاء فرضت عليهم ضريبة هي الخراج ، وهي المقابل الذي يدفعه أهل الذمة كضريبة للدولة عما تنتجه الأراضي الزراعية التي يمتلكونها من غلال ، وينتفعون بها ، والتي يقيمون عليها .

كما أن أهل الذمة قد فرضت عليهم الجزية ، والجزية عبارة عن مبلغ ضئيل من المال يدفعه كل واحد من أهل الذمة بشرط القدرة على دفعها .

هذا ، وقد ثار جدلاً كبير من بعض الباحثين وبالذات في الغرب حول ما إذا كان في فرض الجزية على أهل الذمة إخلالاً بقاعدة المساواة أمام التكاليف العامة .

والواقع أن الأمر ليس كذلك ،لأن الجزية قد فرضت على أهل الذمة ، مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية الإجبارية (التجنيد ) ، وتولي الدولة مهمة حمايتهم خارجياً وداخلياً ، وتوفير الأمان لهم ، وضمان قيامهم بشعائرهم الدينية في حرية كاملة وتامة ، وهو مبلغ ضئيل جداً يدفعه كل منهم سنوياً إذا كان قادراً من الناحية المالية على الوفاء به ، أما إعفائهم من الخدمة العسكرية الإلزامية ، فقد دعا إليه خشية إشراكهم في الجهاد دفاعاً عن دين لا يؤمنون به ، فضلاً عما يكون في ذلك من إرهاق نفسي لهم .

بقي أن نشير إلى مسألتين مهمتين ، يثور بشأنهما الجدل كلما طرح على بساط الحوار والمناقشة موضوع المساواة التي قررتها الشريعة الإسلامية ، وهاتان المسألتان هما : ـ

1 ـ موضوع الرقيق .

2 ـ موضوع حقوق المرأة .

المسألة الأولى :موضوع الرقيق :

يوجه بعض كتاب الغرب النقد إلى الإسلام على أساس أنه يبيح الرق بما يترتب عليه من إخلال بمبادئ الحرية والمساواة .

ومن ناحية أن الرق يتعارض تعارضاً تاماً مع مبادئ الحرية والمساواة ، فهذا صحيح ، ويقره كل منطق وتفكير سوي .

وأما من ناحية النقد الذي يوجهه كتاب الغرب إلى الإسلام ، فإنه غير قائم على أساس سليم ، وذلك للأسباب التي سنوضحها فيما يلي : ـ

 أولاً : إن الإسلام لم ينشئ نظام الرق :

لقد كان نظام الرق معروفاً منذ أقدم عصور التاريخ في شتى أرجاء الدنيا ، ففي بلاد اليونان القديمة كان الرق أحدى دعائم النظام الاجتماعي والاقتصادي .

وكانت الديمقراطية التي يأخذون بها هي ديمقراطية الأحرار ، في الوقت الذي كانوا يعتبرون فيه وجود الرق ضرورة سياسية / اقتصادية ، وذلك حتى يتفرغ الأحرار للشئون السياسية ، ويتولى الأعمال الأخرى الأرقاء .

والديانة اليهودية كانت تبيح الرق ، وكذلك الديانة المسيحية قد أباحته .

لقد كان الرق معروفاً وذائعاً عند نزول الديانة المسيحية ، فلم تعترض عليه ، وأمر بولس الرسول الأرقاء بطاعة سادتهم كما يطيعون السيد / المسيح (عليه السلام) [الإصحاح السادس : 5 ـ 9 ] .

كما أن نظام الرق في صدر الإسلام ربما كان لازماً كضرورة حربية ، فقد كانت الدول التي دخلت في حروب مع المسلمين تأخذ بنظام الرق ، فإذا أسرت المسلمين فإنها استرقتهم ، وعملا بالمثل ، فقد كان للمسلمين أن يسترقوا أسرى الأعداء .

ولكل ما تقدم لم يتم إلغاء الرق في الإسلام فجأة أو مرة واحدة ، ولكن الإسلام عمل على إلغائه تدريجياً بما وضعه من أنظمة تؤدي إلى هذا الإلغاء الذي يدعم ويؤكد مبادئ الحرية والمساواة التي نادى بها الإسلام .

 ثانيا : لم يفرض القرآن نظام الرق :

لم ينص القرآن الكريم على فرض نظام الرق صراحة ، وإن كان قد أقره ضمناً ، بدليل ما نص عليه في العديد من الآيات من دعوة إلى عتق الرقيق .

 ثالثا : تحديد أسباب الرق بما يؤدي إلى زواله :

 وتحديد أسباب الرق نجدها قاصرة على الوراثة ، والرق في الحرب .

فأبناء الرقيق رقيق مثلهم ، وإن كان الإسلام قد قرر صراحة أن الرقيقة إذا أنجبت من سيدها فإن الأبناء يكونون أحراراً ، فضلاً عن أنها هي تعتبر حرة بعد وفاة سيدها .

أما أسرى الحروب فإن ضرورة المعاملة بالمثل قد اقتضت بقاء هذا السبب طالما كانت تلك الحروب دفاعاً عن الدولة ، ورغم ذلك فإن القرآن الكريم قد دعا إلى عدم استبقاء هذا الرقيق بأن حث على تحريره بمقابل مادي أو بغير مقابل لوجه الله تعالى .

قال تعالى : {فإذا لقيت الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم . سيهديهم ويصلح بالهم .} [محمد : 4 ـ 5] .

والمعنى : إذا لقيتم الكافرين في ميدان القتال فاقتلوهم ، حتى إذا أغلظتم في قتلهم فأسروهم ، ثم منوا عليهم بالإطلاق أو خذوا منهم الفدية ، ولو شاء الله لانتقم منهم بلا حرب منكم لهم ، ولكن ليصيب بعضكم بعضا ، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضيع أعمالهم ، سيهديهم إليه ويصلح حالهم ، ويدخلهم الجنة التي عرفها لهم .

كما أن الخليفة أو القائد يستطيع تحرير الرقيق مناً منه أي : بغير مقابل أو بمقابل مادي ، أو بموجب اتفاقية لتبادل الأسرى .

وكلا السببين من أسباب تملك الرقيق كان مؤداهما الحتمي أن ينقطع هذا الوضع بمضي الزمن ، إما بانقراض الموجودين منهم ، أو بانتهاء الحروب التي تفتح الباب للاسترقاق .

هذا مع ملاحظة أن الرق كان لا يرد على أسرى الحرب المسلمين .

وإذا كانت هذه هي أسباب الرق التي وجدت في الدولة الإسلامية في صدر الإسلام ، فقد كان أهل الشرائع الأخرى يفتحون الباب على مصرعيه للرق ، ويبيحونه لأسباب عديدة ، ومثال على ذلك : كان اليهود يحصلون على الرقيق من أسرى الحرب ، ومن خطف الأشخاص في غير الحرب , كما كانوا يوقعون عقوبات لا إنسانية على من يخطئ أو يرتكب جريمة معينة ، مثل : بيع الشخص السارق أو استرقاقه ،وكذلك بيع الشخص الذي لا يوفي دينه أو استرقاقه ، بل إنهم كانوا يسترقون مع المدين زوجته وأولاده

 رابعاً : الإسلام عمل على تحرير الرقيق بوسائل عدة :

1ـ فإن ابن الأمة من سيدها يولد حراً .

2 ـ كثير من الذنوب كفارتها العتق أي تحرير الرقيق .

3 ـ كان عتق الرقيق من أعظم القربات إلى الله تعالى .

4 ـ خصص القرآن الكريم سهماً من الصدقة لشراء العبيد وتحريرهم .

قال تعالى : {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذو القربى واليتامى وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .} [البقرة : 177] .

والمعنى : أيها الناس ليس العمل الصالح محصوراً في أن يتحرى الناس مكان القبلة ، ولكن العمل الصالح هو الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر ، وإعطاء المال رغم حب المال الشديد لدى الإنسان (أو حباً في الله تعالى) ، للأقارب ، واليتامى والفقراء والمساكين والسائلين وأبناء السبيل ، وفي الرقاب أي تحرير العبيد بشرائهم وإطلاقهم لوجه الله تعالى ، وكذلك من أقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وكان موفياً بعهده إذا عاهد ، وأهل الصبر في الشدة والرخاء ، كل هؤلاء من الصادقين المتقين .

هذا كله فضلاً عن أن الإسلام الحنيف ضمن للرقيق أحسن معاملة ، وأوجب الرفق بهم ، وحسن معاملتهم ، حتى أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقرر بأنه خصيم من يؤذي الرقيق .

وإذا زالت ضرورات الرق بعد حين ، فلم يعد الرق موجوداً ، وفقاً للتعاليم الإسلامية واتفاقاً مع الشريعة الإسلامية التي تدعوا إلى مبادئ المساواة والحرية .

إن تغير الظروف وزوال الضرورات والوصول بسنة التدرج إلى نهايتها ، لتؤدي حتماً إلى إلغاء نظام الرق. [عبد الحميد متولي ، مبادئ نظام الحكم في الإسلام ، ص 481 ، وما بعدها ، بتصرف ] .

 

المسألة الثانية :موضوع حقوق المرأة :

يثور هذا الموضوع ، عندما يتم بحث مبدأ المساواة ، فيقتضي الأمر بحث ما إذا كانت المرأة تتمتع بالحقوق السياسية التي تشترك عن طريقها في شئون الحكم والإدارة.

ولقد كان هذا الموضوع ، موضوع إجازة الشريعة الإسلامية أو عدم إجازتها لهذه الحقوق ، محل خلاف كبير بين العلماء والباحثين ، وبالتالي ثارت فكرة الإخلال بقاعدة المساواة .

وإذا كانت الدساتير الحديثة تطلب من الدولة أن تكفل التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع ، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ، فنحن من جانبنا نؤيد ذلك ونتفق معه بشرط أن يكون ذلك دون أدنى إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية .

والجميع من أهل الفكر والرأي يسلمون بالحقوق الفردية التي منحها الإسلام للمرأة في كافة المجالات ، مثل: الحرية الشخصية بفروعها المختلفة ، وحرية التملك ، وحرية التصرف في شئونها وأموالها ، كما يسلمون بحق المرأة الكامل في مباشرة الأعمال التي لا تحتاج إلى ولاية خاصة ، أي التي لا صلة لها بالسلطة ، وذلك كحقها في الوصاية على الصغار ، وكذلك في بعض الوظائف الحكومية التي لا تنطوي على سلطة , كالعمل في التدريس أو الطب ... إلخ ..

ولكن الخلاف بين أهل الرأي والفكر يدور حول حق المرأة في تولي الوظائف العامة ، وممارسة الحقوق التي تتضمن ولاية عامة ، وهي التي يكون لصاحبها سلطة اتخاذ القرار أو البت والإلزام في شأن من شئون الجماعة .

هذا ، وقد انقسم الرأي في هذه المسألة على النحو الآتي : ـ

الرأي الأول :

هذا الرأي يعارض حق المرأة في شغل عضوية المجالس النيابية ، وحق الانتخاب ، وحق تولي الوظائف ذات الولاية العامة .

ومن هذا الرأي أغلب علماء الشريعة الإسلامية ، ويرون أن الفوارق الطبيعية بين الرجل والمرأة قد ترتب عليها تفرقة في الأحكام الشرعية ، فللرجل حق الطلاق ، والمرأة لا تسافر إلا ومعها محرم وبعد إذن زوجها ... إلخ..

وقياساً على ذلك ومن باب أولى فإنه لا يجوز أن تسند إلى المرأة وظيفة ذات ولاية عامة ، ولما كان البرلمان (مجلس الشعب أو الأمة أو النواب أو الشورى أو الشيوخ ) هو الذي يقوم على شئون الجماعة ، ويسن تشريعاتها فولايته عامة ، وينبغي أن تكون للرجال .

وهم يستندون إلى قوله تعالى : {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ...} [النساء : 34] .

والمعنى : بأن الرجال يجب أن يتولوا أمر النساء (يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية ) ، ليقودوهن إلى كمالهن ، وذلك بسبب تفضيل الله الرجال بالقوة الجسدية وخاصية الاحتمال ، وبسبب قيامهم عليهن بالإنفاق .

ويستند هذا الفريق إلى حديث معناه أنه : لن يفلح قوم ولوا عليهم امرأة ، فهذا الحديث – كما يقول هذا الفريق _ يقصد به عدم إسناد شيء من الأمور العامة إلى النساء .

ويستطرد هذا الفريق قائلاً : ولأن إسناد هذه الأعمال إلى النساء غير جائز شرعاً ، فلم يحدث في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وعهود الخلفاء الراشدين ، أن أسند مثل هذه الأعمال إلى المرأة ، رغم وجود نساء فضليات منهن أمهات المؤمنين .

ويفرع أصحاب هذا الرأي على هذا المنع ، منع المرأة من مباشرة حقوقها السياسية ، مثل حقها في الترشيح للمجالس النيابية ، وحقها في الانتخاب ، لأن هذه الأمور وسائل إلى الحق الممنوع .

ولذات الأسباب يحرم أصحاب هذا الرأي تولية المرأة أي وظيفة ذات ولاية عامة كالوزارة مثلاً .

الرأي الثاني :

ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن : للمرأة كل الحقوق السياسية التي للرجل ، ولكن ظروف المجتمع لا تسمح بها في العصر الحديث .

كما يقول أصحاب هذا الرأي : إن القاعدة العامة ـ بحسب الشريعة الإسلامية ـ هي مساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية ما لم يوجد نص صريح بالاستثناء .

ومن بين أسانيد هذا الرأي أن القرآن الكريم قد تضمن آيات عديدة تدل على المساواة منها ، قوله تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم .} [التوبة : 71] .

والمعنى : المؤمنون والمؤمنات بعضهم يتولى بعضا ، يأمرون بالمعروف أي : ما استحسنه الشرع وندب إليه ، وينهون عن المنكر أي : ما استقبحه الشرع ونهى عنه ، ويقيمون الصلاة تامة كاملة في أوقاتها المعلومة ، ويؤدون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله ، أولئك سيدخلهم الله في رحمته ، إن الله عزيز حكيم .

فالآية لم تفرق بين المرأة والرجل ، وحملت الجميع واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو واجب يشمل كل ضروب الإصلاح في المجتمع , بما في ذلك الاشتغال بالحياة السياسية .

ويستندون أيضاً إلى أن المرأة مسلم بأنها تستطيع أن تباشر بعض الولايات (الولايات الخاصة) فتكون وصية أو وكيلة في إدارة الأموال ، أو شاهدة ، فضلاً عن أن الإمام / أبا حنيفة النعمان قد أفتى بتوليها القضاء (في غير الحدود والقصاص ) لأن شهادتها مقبولة فيما عدا هذين الاستثنائين .

وتلك كلها ولايات , فلماذا نحرمها من غيرها ؟ !!

وعند أصحاب هذا الرأي أنه يجوز للمرأة أن تكون نائبة في المجالس النيابية ، وأولى أن يكون لها حق الانتخاب والترشيح ، ولها أن تتولى كافة الوظائف ، باستثناء الإمامة الكبرى (أي رئاسة الدولة) لأن شرط الذكورة لازم فيها بنص الأحاديث ، وكذلك بسبب أنواع الاختصاصات التي يتولاها الإمام [عمر الشريف ، مذكرات في نظام الحكم والإدارة في الدولة الإسلامية ، ص 182 ، وما بعدها .]

وقد سبق لنا أن تعرضنا لمسألة صلاحية المرأة لولاية القضاء ، ورأينا أن رأي جمهور الفقهاء لا يجيزها لذات الأسباب التي يستند إليها القائلون بمنع إسناد الولايات العامة للمرأة ، وأن الإمام / أبا حنيفة النعمان قد أجاز لها القضاء فيما يجوز لها الشهادة فيه ، وأن الإمام / ابن جرير الطبري قد تفرد برأي ، رأى فيه جواز توليها القضاء عموماً ، لأنه يرى أن لها حق الفتوى .

غير أن أصحاب هذا الرأي يذهبون إلى أنه وإن كان للمرأة أن تتمتع بالحقوق السياسية طبقاً للشريعة ، إلا أنهم يرون أن الظروف الاجتماعية ، وأحوال المجتمع لا تسمح بتقرير هذه الحقوق لها وممارستها إياها ، إلا بعد أن تتغير ظروف المجتمع بما يؤيد هذا الاتجاه .

الرأي الثالث :

يؤيد أصحاب الرأي الثالث ما جاء في الرأي الثاني من أن الإسلام لا يوجد فيه ما يحول دون مباشرة المرأة المسلمة للحقوق السياسية والوظائف ذات الولاية العامة .

ويختلف أصحاب هذا الرأي معه في أن تجميد هذه الحقوق بدعوى عدم ملاءمة الظروف الاجتماعية أمر محل نظر شديد ، هذا فضلاً عن أن هذا التقدير ـ إذا سلمنا بأن الشريعة الإسلامية لا تمنع هذه الحقوق ـ لا يصبح مسألة دينية ، وإنما يصبح مسألة اجتماعية يقدرها كل مجتمع على قدر ظروفه ، وبمراعاة شئون الحياة فيه [عبد الحميد متولي ، مبادئ نظام الحكم في الإسلام ، ص 841 ، وما بعدها .] .

كلمة خاتمة :

وبعد ، فتلك خلاصة للمبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام بسلطاته المختلفة والمبادئ العامة التي تحكم حقوق الأفراد في الإخاء والمساواة والحرية ، وقد حاولنا إبراز الصورة الحقيقية المشرفة لنظام الدولة وحقوق أفرادها كما رسمها الشارع الحكيم , كما حاولنا إجراء المقارنات بقدر الإمكان بالأنظمة المعاصرة , وتبين لنا من المقارنة أن ثمة توافقاً كبيراً بين ما تقرره الدساتير الحديثة ـ التي يتباهى أصحابها بأنهم أول من دعا إلى الحرية والعدل والإخاء والمساواة ـ من مبادئ وبين الأحكام الشرعية ، فلعلنا نكون قد وفقنا إلى ذلك .

ومن عمل بشرع الله واقتدى برسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) فقد اهتدى .

والله ولي التوفيق ،،

-----------------

الأسانيد والمراجع

(1) محمد فريد وجدي ، المصحف المفسر ، دار الشعب ، القاهرة ، مصر .

(2) عمر الشريف ، مذكرات في نظام الحكم والإدارة في الدولة الإسلامية ، القاهرة ، 1977 م .

(3) يسري عبد الغني عبد الله ، المدنية العربية الإسلامية (نظرات في الأصول والتطور ) ،هيئة الكتاب ، القاهرة ، 1987 م .

(4) الإنجيل ،دار الكتاب المقدس ، القاهرة ، مصر .

(5) عبد الحميد متولي ، مبادئ نظام الحكم في الإسلام ، القاهرة ، مصر .

(6) فاروق النبهان ، نظام الحكم في الإسلام ، القاهرة ، مصر .

(7) محمد عبد الله العربي ، النظم الإسلامية ، الجزء الثاني ، نظام الحكم في الإسلام ، القاهرة ، مصر .

(8) علي منصور ، الحكم والإدارة في الشريعة الإسلامية ، القاهرة ، 1965 م .

ــــــــــــ

*باحث ومحاضر في الدراسات العربية والإسلامية

Ayusri_a@hotmail.com

--------------------

هذه الدراسة تعبر عن رأي كاتبها

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ