ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الثلاثاء 18/03/2008


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


للصبر حدود وللحكمة حدود..

د. عماد الدين الرشيد

كل شيء في تحوُّل. كل شيء في تغير وحركة مستمرة.. هذه هي سمة الساحة السياسية اليوم.

ولا تصرُّ على الركود إلا الجهات التي تستعصي على الإصلاح، وتنأى طبيعتها على هضم المتغيرات، تماماً كطبائع العجزة والطاعنين في السن ونحوهم ممن هم في مرحلة الشيخوخة، فتغُّيرهم لا ريب يودي بحياتهم، لذا نجد هذا الفريق يتغنَّى في المسرح السياسي بالمواقف الثابتة والمبدئية بلغة خشبية تمجُّها أسماع أبناء الألفية الثالثة، الذين يصبحون كل يوم على جديد من البرمجيات وأجيال الرقميات المتطورة، ولكنهم مع ذلك يستمعون إلى اسطوانة النضال المبدئي والمواقف الثابتة!!

 

إن أمواج التغيير المتسارع لنمط الحياة وأساليب الخوض في كل جوانبها قد دفن تلك الشعارات والأساليب السياسية في "قاع البركة"، ولكن إذا ما توسعت هذه البركة وصارت بحيرة فلن يحس أحد بتلك المياه الراكدة، ولن تجد لنفسها موضعاً حتى في الذاكرة؛ لذا ينبغي أن تدور هذه الدفقات الضعيفة من المياه الجارية في أسفل البركة في فلك تيار التغيرات المتسارع حتى تُحدث أثراً إيجابياً في سياق حركة مجتمعاتها.

 

إن المتابع لحركة الإصلاح في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ليدرك هذا المعنى من الجمود والتراجع في أداء المؤسسة الأمنية التي تصرُّ على أن تكون كالمومياء المحنطة، لا تُذكّر إلا بشيئين: التاريخ.. والموت..

 

فعلى الرغم من تلميع هذه المؤسسة لدورها في المجتمع فإنها لا تستطيع أن تحسِّن صورتها أمام الرأي العام؛ لأنها لا تزال تمارس دورها كما لو أن عجلة الزمن قد توقفت عند الحرب الباردة.

 

ومهما ادعت هذه المؤسسة أنها قد غيرت من أساليبها وطورت أداءها فلن تقنع الشارع أبداً؛ فقد تغيرت "ليلى" ولم تعد تصدق "الجدة" في أن أنفها قد تورم بسبب الزكام، وأن أظافرها قد طالت بسبب عدم وجود الفراغ لقصها.. مسكينة تلك الجدة، فليلى ماعادت فتاة بسيطة.

 

إن ضلوع هذه المؤسسة بكبت الحريات وقهر المواطنين والمطاردة على الكلمة والنفس، ومتابعة الدرس والمحاضرة والخطبة والكتاب والسيدي.. الخ ليشكل خطراً على ولاء المواطنين، ويعود بالإساءة أول مايعود إلى الدولة والنظام، ويعكس صورة غير مشرقة للوطن في عيون الآخرين، وربما في عيون البسطاء من أبنائه.

 

لقد أصبح واضحاً لكل ناظر أن المؤسسة الأمنية تريد من جهة أن تثبت للنظام أهميتها ودورها الفاعل من خلال قبضتها الفولاذية، واصطناعها أعداءً وهميين.

 

ومن جهة أخرى تريد أن تُعزز وجودها بإخافة المواطنين، وازدياد عمليات الاعتقال، ومتابعة أفكار الناس واعتقاداتهم.. وحتى آرائهم الفقهية!! مُوحِيّة للجمهور أنها هي النظام!!

 

ماهكذا تورد الإبل!! إن قوة النظام في تماسكه مع شعبه، وليس في أوهام المؤسسة الأمنية وأساليبها البلطجية، وإصرارها على كبت الأنفاس ومتابعة الخواطر وربما الأحلام والمنامات.

 

إن رجل الأمن الناجح هو الذي يكتشف للنظام أكبر عدد من الأصدقاء، وليس أكبر عدد من الأعداء!!

 

يحق لكل مواطن أن يتساءل:

 

ما المصلحة الوطنية في ازداد عمليات دهم بيوت المواطنين بحجة البحث عن كتب ممنوعة؟!

 

ما المصلحة الوطنية في التضييق على الكلمة، والحرية؟

 

إن هذا الشعب العظيم قد تميز بتمسكه بوحدته الوطنية منذ قرون طويلة، وما التعايش المدني والسلم الأهلي الذي ينعم به هذا المجتمع إلا من ثمار صناعة الأجيال المتحضرة من أبناء هذه الأمة. وهو أحوج ما يكون إلى مزيد من تدعيم الإحساس بالانتماء، وما أرى سياسة المؤسسة الأمنية القائمة على عدم احترام حقوق الأفراد إلى خطوة إلى  الوراء في مسيرة المجتمع، بل طعنة في تعزيز الانتماء مابين المواطن والدولة.

 

مرفوض كل الرفض أن تُنصِّب المؤسسة الأمنية نفسها حكماً على وطنية أبناء الأمة، لأن الحرص على الوطن والالتزام بقضاياه ليس حكراً على جهة، ولا دعوى ينتحلها أحد. فضلاً عن أن معايير الوطنية يفرضها توافق الأمة، وليس مجرد الالتزام بالسلوك المحبب للمؤسسة الأمنية.

 

إن المؤسسة الأمنية واحدة من مؤسسات السلطة التنفيذية، وليست السلطة التنفيذية كلها، ولا النظام، فهي تخضع لكل القواعد والمعايير التي تخضع لها بقية مؤسسات الدولة، وهي محل مساءلة شانها شان الآخرين، وكل واحد في هذا الوطن فرداً كان أم مؤسسة ينال موقعه الوطني بمقدار ما يخدم هذا الوطن، ويقدم له من خير وصلاح.

 

وقبل هذا كله لا يسلّم للمؤسسة الأمنية أنها مستقلة بحفظ الأمن، فالأمن الذي تعنى به هو الأمن السياسي، وأما الأمن الاجتماعي وهو أكبر حظٍّ من الأمن فهو صناعة المؤسسات التربوية وعلى رأسها المؤسسة الدينية.

 

هل تساءل أبناء المؤسسة الأمنية عن أسباب انخفاض الجريمة في مجتمعنا؟!

 

ولماذا لا يعاني أبناء مجتمعنا من الإدمان؟.

 

ولماذا.. ولماذا؟.

 

إن الذين يحرسون أبناء المجتمع – بما فيهم أبناء المنتسبين على المؤسسة الأمنية من الإدمان والجريمة والانحراف – هم أبناء المؤسسة الدينية، وحرّاس الفضيلة في منابر الجمعة ومحاريب الصلاة.

 

فهؤلاء هم صانعو الأمن الاجتماعي وهو أكبر الأمن نسبة، وأعمقه استقراراً.. ومع ذلك لم يسلم الكثير من هؤلاء من بطش المؤسسة الأمنية وسلوكها المتعسف، إلى درجة أنهم لا يأمنون من تهم جاهزة وادعاءات متناقضة.

 

تستطيع المؤسسة الأمنية أن تدعي ما تريد، وتكيل ما يحلو لها من تهم لبعض أبناء المؤسسة الدينية، ولكنها لا تستطيع أن تنزع من قلوب هؤلاء الصادقين حبهم لأوطانهم ولمتهم وولاءهم لها، أو أن تشكك في ذلك.

 

إن ما ينبغي أن تدركه المؤسسة الأمنية أن هذا الشعب أحوج ما يكون إلى ما يزيده لحمة وولاءً، ويزيد من أواصر الثقة فيما بينه وبين المؤسسة التنفيذية، فهو شعب جدير بأن يأخذ ما يستحقه من الحرية التي ستفجر طاقاته في البناء والتنمية؛ لأن وزنه الحضاري بين أمم الأرض، وعمقه الموغل في التاريخ قد حفظه من الانفعال والمراهقة السياسية.. فلا تحركه غرائز الشارع، ولا يسحبه عن جادة الاعتدال تعنت المتعنتين، أو تشدد المتشددين، او ظلم الظالمين، بل يقوده إيمانه بالله، ليولد فيه حرصه على الاستقرار والأمن.

 

ومن أجل هذا كله فهو يرفض المزاودة عليه في ولائه وانتمائه.. الأمر الذي يحتم أن يعامل معاملة ناضجة تليق بوزنه وموقعه الرائد.

 

ومن أجل هذا فإن من أعظم ما يستدعي الاستنكار والاستهجان تتابع عمليات الاعتقال التعسفي الذي لا يسمح به الدستور.. وتصرُّ بعض الأجهزة الأمنية على التوسع فيه، وأعني بذلك ماتم قبيل عيد الأضحى من اعتقالات واسعة للوطنيين من أبناء هذه الأمة من أنصار ما يعرف بـ "إعلان دمشق".

 

لقد مر العيد على أسر هؤلاء المعتقلين أسودَ مكفهراً:

 

فكم من أم لم تجد لها فرحة في العيد!!

 

وكم من أب لم يتمكن من أن يضم ولده إلى صدره في ذلك اليوم!!

 

وكم من ولد لم يجد من يمسح على رأسه صبيحة العيد!!

 

ما ينبغي أن يضيق الوطن بأبنائه.. وما ينبغي أن يُحدِثَ الخلاف في الرأي أسىً في قلوب الناس.

 

ليست القضية توسلاً أطلبه لعاصٍ.. ولا عفواً أرجوه لمذنب.. لا.. إنها الحرية التي يعشقها البشر جميعاً، وجاءت الرسالات والنبوات من أجلها.

 

من المؤسف حقاً أن يخرج أحد أبواق المؤسسة الأمنية على بعض الفضائيات ليتهم التيار الإسلامي في إعلان دمشق بأنه تيار دخيلة وانتهازي ومرتبط بالخارج وانقلابي على إعلان دمشق وعلى المعارضة!!. لا يقبل أبداً أن تستبد الاتهامات بالموقف، ولا يقبل أن تسود سياسات التشويه بدل الحوار والمراجعة.

 

إنني أعلن على الرغم من موقفي الذي لا يرى في إعلان دمشق مخرجاً للأزمة السياسية السورية، - ويعلمه العديد من أبناء الإعلان أنفسهم- إنني أعلن أن هذا عدوان على أشخاص وطنيين معروفين بحبهم للوطن. وأطالب بالإفراج عنهم كافة، وعلى رأسهم أبناء التيار الإسلامي: الدكتور ياسر تيسير العيتي والدكتور أحمد طعمة الخضر. فضلاً عمن اعتقل قبلهم، ومن اعتقل بعدهم، فلا يقبل أن تُعّد الكلمة الحرة عدواً، ولا أن يصبح أصحابها مجرمين.

 

إنني أناشد المسؤولين عن هذه الاعتقالات محرضاً فيهم هيبة الوقوف بين يدي الله جبار السموات والأرض أن يضعوا حداً لهذه المهزلة المتسارعة؛ لأنها لن تزرع في الدرب سوى الأشواك، ولن يحصدوا هم سوى ما زرعوه. أما الحرية فهي الأمل في درب خضراء تقود الأمة على غدٍ تلتقي فيه الأجيال على حبٍِّ ووئام لا ضغينة فيه.

 

إنني ألح في مناشدتي لأنني مؤمن بأن منتسبي المؤسسة الأمنية هم من أبناء هذا الوطن ومن نسيجه، وليسوا صنعة مستوردة، ولا رجالاً أجانب، على الرغم من القسوة التي ينتهجونها. والوطن يتسع للجميع، وإن كانت مسؤولية من ملك القلم والقرار أكبر أمام الله وأمام الناس.. وليس ندائي هذا من أجل أبناء إعلان دمشق فحسب، أو خصوص التيار الإسلامي، بل من اجل كل معتقل لكلمة أو فكرة أو اقل من ذلك أو أكثر.

 

لقد حرصت على أن أتمالك أعصابي، واحبس قلمي ولساني عن الحديث في شأن هؤلاء المعتقلين بسبب الوعود الكبيرة التي تناقلتها وسائل الإعلام. ولكن أن يصل الأمر إلى حملة بل حملات متلاحقة من الاعتقال منذ أمس بدل الإفراج المتوقع!! فهذا مالا يمكن السكوت عنه.

لقد أردت أن أسكت صبراً وحكمة، ولكن..

للصبر حدود وللحكمة حدود.

28/1/2008

(من مواد العدد 75 شباط 2008)

___________________________

المصدر : الرأي - حزب الشعب الديمقراطي السوري 13/3/2008

-------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ