ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الثلاثاء 22/01/2013


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

مقالات مختارة من الصحف العربية ليوم

21-01-2013

عبدالله بن بجاد العتيبي

سوريا: خطاب النظام ووسائل الإعلام

تاريخ النشر: الإثنين 21 يناير 2013

الاتحاد

مستمرةٌ هي الحرب التي يشنّها النظام السوري ضد شعبه منذ ما يقارب العامين، استخدم فيها النظام كافة قوّاته الأمنية والمسلحة البرية والبحرية والجوية ولجأ مؤخراً لاستخدام الصواريخ البالستية في ضرب شعبه، الذي بات يعلم الجميع داخل سوريا وفي العالم بأسره أنّه لن يقبل باستمرار حكم بشار، والذي بقي لم يعلم هذا المعطى الواضح ثلاثة فقط، بشار وروسيا وإيران.

للأسف وفي ظل التأخير الدولي في بناء أي تحرك مجد تجاه الأوضاع في سوريا، فإن الأحداث هناك بدأ تناولها الإعلامي يبهت نوعاً ما، وإنْ لم ينته وهو تناول بدأ يتجه شيئاً فشيئاً ليبحث عمّا هو أكثر جدةً من الأحداث العربية والعالمية وأكثر الخوف أن يعتاد السمع والبصر على المجازر التي ترتكب في حق الشعب السوري، وثمة مثالٌ أرجو ألا أكون مخطئاً في المقارنة وهو مثال الحرب اللبنانية الأهلية وتناولها الإعلامي في الثمانينيات، ففي تلك الفترة كان تناول تلك الحرب له أولوية في الأخبار الدولية، ثم لم يلبث الاهتمام بها أن خبا شيئاً فشيئاً حتى صار خبراً معتاداً لا يلفت الانتباه ولا يشجع على المتابعة.

الفروق هائلة والبون شاسع بين الإعلام الإخباري المستقل عالمياً وعربياً وبين الإعلام السوري الرسمي الذي يمثل وجهة نظر النظام في تناول الأحداث في سوريا، والإعلام الأخير هو إعلامٌ لم يزل يجتر عبارات باهتة وشعارات بالية من مثل «قائدنا إلى الأبد بشار الأسد» أو «الله حرية بشّار وبس» أو نحوها، ولم تزل مخيلة القائمين عليه عقيمة عن إيجاد أي مخارج إعلامية تمكّنها من إقناع المشاهد وجذب المتابع، وهي فرعٌ من أزمة الخطاب السياسي العام التي يشهدها النظام وضياع بوصلته الموجهة له نحو أهدافه النهائية.

الخطاب السياسي العام الذي يتبنّاه النظام السوري يقوم على عدة ركائز، ولم يعد له قيمة في عالم اليوم وواقع الأحداث، فالحديث عن حضارة سورية تمتد لسبعة آلاف عام حديث عن تراث سوريا القديم الذي هو ألصق بالشعب السوري منه بالنظام الحاكم، وقل الأمر ذاته حول استجرار النظام لخطاب القومية العربية باعتباره منقذاً له من أي تصنيفات جديدة هي أكثر صحةً في توصيف واقع النظام، ولئن كان «حزب البعث» المنبثق من فكرة القومية العربية هو الغطاء الأيديولوجي الأكبر الذي يختبئ النظام تحته، فإن الجميع يعلم أن الحزب وعلى مدار أربعين عاماً قد تمّ تشذيبه وتهذيبه ليكون مفصلاً على رغبات طائفة وأحلام عائلة واحدة، وما جرى في الجيش والقوّات المسلحة من تصفية وتطهير شامل ومنظّم وطويل الأمد حصل مثله في الحزب وإنْ بقي للحزب مزيد مساحة في الحركة والاستقطاب أكثر من الجيش باعتبار الفارق الواضح بين قوّة وقيمة كل من الطرفين للنظام.

وفي خطاب النظام السياسي حرص ظاهرٌ على تقديم نفسه باعتباره الضامن لأمرين أساسيين: الأول هو حماية الأقليات، والثاني هو علمانية الدولة، والصحيح أنّ النظام هو العدوّ الأول للأقليات كما للأكثرية، وهو قد بنى نفسه منذ سنين طويلة على سلسلة ولاءات ومصالح طائفية لم تلبث أن تحوّلت عائلية فيما بعد، وهو إن كان عادلاً في شيء فهو عدله في تقسيم الظلم بالتساوي على كافة شرائح وطوائف الشعب السوري تماماً كما كان يصنع صدّام سابقاً في العراق.

أما الثاني الذي يتعلق بعلمانية الدولة، فإن النظام في الأصل غير معني بهذا الأمر إلا بالقدر الذي يضمن له البقاء في السلطة عبر تشويه أي مشاريع أخرى تتبناها هذه الجهة أو تلك داخل سوريا، وهو نظام لا يمثل العلمانية ولا المدنية ولا الديموقراطية بأي شكل من الأشكال، بل هو نظام عائلة تتكئ على طائفة وحزب صنعهما على عينه ووظفهما في خدمة مصالحه وغاياته.

يكثر الخطاب السياسي للنظام السوري من التحذير من الإرهابيين وتنظيم «القاعدة» باعتبارهما من يقود الثورة ضدّ النظام، وهذا باطل أريد به باطل، فالذي يقود الثورة ضد النظام هو الشعب السوري نفسه، وقد تجلّى هذا في الجيش السوري الحرّ بشتى كتائبه وتشكيلاته، وهو الذي بالرغم من شح موارده وقلة خبرته وضعف تسليحه لم يزل يسجل انتصارات مشهودة على قوات النظام الرسمية التي تحظى بموارد ضخمة وخبرة طويلة وتسليح مستمر من روسيا ومن إيران.

أمّا هل يوجد إرهابيون أو منتمون لتنظيم «القاعدة» في بعض المناطق السورية، فهذا أمرٌ غير مستغرب، فـ«القاعدة» تتحرك دائماً في أماكن الفوضى العارمة من مثل تلك التي خلقها النظام بعنفه المستطير في كامل البقاع السورية، غير أنّ وجودهم لا يعني صبغ انتفاضة الشعب السوري كاملةً بصبغتهم وقصارى الأمر أن هذه محاولة فاشلة من النظام لتقديم نفسه كعدو للإرهاب وهو صنع ما لم يصنعه إرهابيو العالم مجتمعين، وإنْ كان التفريق بين الشرور في الدرجة لا في النوع.

أصبح النظام السوري، وتحت ضغط الأحداث الهائل الذي يخضع له غير معني كثيراً بضبط خطابه السياسي وموائمة ذلك الخطاب مع واقع الحال، فهو مثلاً حين يتشدق بالعروبة والقومية العربية وحزب «البعث العربي» الاشتراكي، فإنه يرتمي بقضّه وقضيضه في الحضن الإيراني والمشروع الإيراني في المنطقة ويستجلب القوّات الإيرانية والمقاتلين الإيرانيين للدفاع عنه في وجه شعبه، ولولا كثرة الفظائع التي ارتكبها والمجازر التي اقترفها لكان قبوله بتبادل الأسرى مع «الجيش الحر» بحيث يطلق هو مئات أو آلاف السوريين من أبناء شعبه ليتمكن بالمقابل من إطلاق بعض الإيرانيين الذين اعتقلهم «الجيش السوري الحرّ»، وهي فضيحة ربما تتكرر في القريب العاجل بحسب تصريحات بعض رموز المعارضة السورية.

ربما أخطأت بعض التقديرات التي توقعت سرعة سقوط النظام السوري لتغير بعض المعطيات وأهمهما الموقف الروسي والصيني تجاه الأزمة هناك، ولكنّها لم تزل صحيحة من جهة المنطق العام، فهذا النظام آيلٌ للسقوط دون شك والحديث اليوم، هو عن حجم ما سيخلّفه من خراب وراءه على الأرض السورية والشعب السوري.

========================

حديث "المعلم" وتخبطات أركان النظام السوري

الوطن

2013-01-21 12:00 AM

دعوة وزير الخارجية السوري وليد المعلم أول من أمس في حديثه على التلفزيون السوري لـ"شباب التنسيقيات" ممن حملوا السلاح من أجل الإصلاح إلى الحوار يعني اعترافه بوجود ثورة، وهذا يناقض الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه الأخير، إذ أشار إلى إرهابيين ومجرمين يريدون تخريب البلد، مستغرباً ممن يتحدثون عن ثورة، مما يشير إلى عدم قدرة أركان النظام على قراءة الأحداث والتطورات على الرغم من إدراكهم للواقع الذي أهم ما فيه أن الثورة كبرت إلى درجة لم يعد باستطاعتهم إيقافها أو استيعابها أو التعامل معها سوى بتلبية شروطها.

إصرار أركان النظام السوري على إنكار الواقع برغم معرفتهم الكاملة له هو ما جعلهم يقودون حملة لتدمير الدولة ويواجهون المتظاهرين بالقمع والقتل، سعياً إلى إخماد ثورة لم يعترفوا بوجودها منذ البداية، ووجهوا أصابع الاتهام كي لا يقروا بمطالب الشعب إلى جهات مخترَعة مثل المندسين والعصابات المسلحة والسلفيين، وتطور الأمر إلى حديثهم عن جماعات إرهابية، وهم يدركون أن كل ذلك محض خيال لا يصدقه أحد، وأن الثورة أمست أكبر من إمكانات النظام القمعية ومخادعته السياسية.

رأي وليد المعلم أن من يطالبون الأسد بالتنحي مسؤولون عن استمرار العنف، يفضح النظام أكثر، فهو اعتراف آخر بأن النظام يواجه المطالبة بتنحي الرئيس بالعنف، لأن المطالبين لن يقمعوا أنفسهم ليكونوا مسؤولين عن استمرار العنف، بحسب حديث المعلم. أما قول وزير الخارجية السوري بأن الأميركيين والروس لم يتوصلوا إلى اتفاق خلال لقائهم الأخير في جنيف حول سورية، بسبب عدم وجود "فهم مشترك للمرحلة الانتقالية الغامضة" التي يبحثون فيها، فهو تهرب آخر من الاعتراف بالحقيقة فـ"الفهم" موجود والخلاف حول الشأن السوري واضح، وهو عملياً ليس بين روسيا والولايات المتحدة، بل بين روسيا التي تحمي الأسد وترفض تنحيه والمجتمع الدولي الذي نبذ الأسد ويطالب بتنحيه كي تبدأ المرحلة الانتقالية.

عثرات المعلم في حديثه التلفزيوني يُستشف منها أن أركان النظام في تخبط، ويصرون على التفكير خارج الواقع، مما يؤكد أن الحل الفعلي يبدأ حين يعودون إلى الواقع وتتخلى روسيا عن حمايتهم.

========================

وماذا عن إرهاب النظام السوري؟

الشرق الاوسط

طارق الحميد

21-1-2013

أصدر الرئيس الأميركي أوباما بيانا علق فيه على العملية الإرهابية في أميناس الجزائرية قائلا: «اليوم.. أفكار الشعب الأميركي وصلواته تتجه نحو عائلات جميع الذين قتلوا أو جرحوا في الهجوم الإرهابي في الجزائر»، ومتعهدا بأن تتعاون بلاده مع السلطات الجزائرية لعدم تكرار ذلك العمل الإرهابي. والسؤال هنا: وماذا عما يحدث بحق السوريين؟

فأولا، وقبل كل شيء، فإن كل عاقل يدين الأعمال الإرهابية بكل أنواعها، وهذا ليس مجال مزايدات، وليس القصد التقليل من معاناة من اختطفوا من قبل إرهابيي «القاعدة»، وإنما السؤال هنا هو: وماذا عن مقتل قرابة أكثر من ستين ألف سوري على يد قوات نظام الأسد؟ فالإشكالية التي لا يفهمها الأميركيون، أو التي لا يريدون فهمها، أنهم يتعاملون مع منطقتنا، وأمنها، بتبسيط شديد، يجعل أزمة أميركا، أخلاقيا وسياسيا، أعمق وأكبر مما يعتقد البعض، فبيان الرئيس الأميركي تجاه ما حدث في الجزائر يعني أن واشنطن لن تتحرك، أو تتفاعل، إلا إذا تورطت «القاعدة»، وعدا ذلك فغير مهم.

والإشكالية هنا أن نظام الأسد يواصل الليل بالنهار قتلا بالسوريين، ويستعين بجماعات طائفية محسوبة على إيران من العراق ولبنان، لقتال الشعب السوري، وهذا ليس كل شيء، بل إن الأسد يستخدم الطائرات الحربية لقصف المدنيين ورغم كل ذلك فإن الرئيس الأميركي يقول إن «أفكار الشعب الأميركي وصلواته تتجه نحو عائلات جميع الذين قتلوا أو جرحوا في الهجوم الإرهابي في الجزائر»! فماذا عن أكثر من ستين ألف قتيل سوري على يد الأسد؟ وماذا عن حالات الاغتصاب الجماعي بحق النساء؟ وماذا عن قتل الأطفال؟ وإذا قال البعض إن هذا حديث عاطفي، فإن عليهم، أي هؤلاء البعض، أن يشعروا بالخزي أولا، كما أن عليهم، وعلى الأميركيين ثانيا، أن يفكروا في ما ستشكله سوريا من خطر على كل المنطقة سواء طال أمد هذه الأزمة، أم سقط الأسد اليوم، طالما أن لا تدخل خارجيا حقيقيا يضمن مرحلة ما بعد الأسد.

فإذا كان الغرب، وعلى رأسه أميركا، يعتقد أن ما يحدث في مالي، أو الجزائر، هو زلزال بالنسبة لأوروبا، وتحديدا فرنسا، فإن على الجميع أن يعي أن القادم في سوريا سيكون زلزالا على الجميع، سواء في المنطقة، أو دول المتوسط، فحجم الجرائم التي يرتكبها جيش النظام في سوريا، وبمساعدة واضحة من إيران وحزب الله، والطائفيين الآخرين في العراق، كفيل بخلق مزيد من الإرهابيين، بل إن سوريا ستكون بمثابة مصنع لتفريخ الإرهاب، فكلما طال الظلم والقهر والقتل، خصوصا مع إضافة البعد الطائفي، فإن مزيدا من الناس ستتطرف، ومنذ اندلاع الثورة السورية كان التحذير الدائم هو أن أفضل وسيلة لقطع الطريق على الإرهابيين الشروع بخطوات جادة لضمان رحيل الأسد، لكن هذا لم يحدث للأسف.

وعليه، فالقصة ليست انتقاصا مما حدث في الجزائر، وإنما إدانة للتقاعس الأميركي تجاه إرهاب الأسد، وقصر نظر واشنطن التي لا ترى الخطر الحقيقي القادم بالمنطقة جراء ما يرتكبه جيش نظام الأسد من جرائم وإرهاب.

========================

أميركا والنفط العربي!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

21-1-2013

ترجح تقديرات رسمية أعلنها الرئيس باراك أوباما أن أميركا ستكون عام 2015 بلدا مصدرا للطاقة من نفط وغاز، ولن تستورد بعد هذا التاريخ القريب هاتين المادتين من السوق الدولية عموما والعربية خصوصا، وأن هذا الانقلاب الطاقي سيقلب سياسات الولايات المتحدة تجاه منطقتنا رأسا على عقب، وسيجعلها منطقة هامشية الأهمية بالنسبة لاستراتيجيات واشنطن الدولية، التي ستقلل حتما من اهتمامها بها، وقد تغريها بتصفية وجودها داخلها أو حولها، لأن اكتفاءها الطاقي سيحررها من الالتزام بوجود عسكري ودبلوماسي كاسح في بلداننا العربية، مع ما سيترتب على ذلك من تغير في أولوياتها وصداقاتها وخصوماتها، ومن توجه نحو مناطق أخرى.. ولا شك في أن المحيط الهادي ومنطقته الشاسعة والغنية بالتجارة والمصالح المتشابكة ستكون البديل المؤكد لمنطقتنا الذاهبة إلى ظلام يشبه ما سبق لها أن عرفته بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، وقبل شق قناة السويس، وأدى إلى انزوائها بعيدا عن خطوط التجارة الدولية، وتسبب في موجة إفقار ضربتها انخفض معها عدد سكانها انخفاضا ملموسا، تهاوت معه زراعاتها وصناعاتها، وتراجع دورها الحضـــــاري والسياسي، إلى أن دخلت في ليل اقتصادي واســـــــتراتيجي دامس، لم تخرج منه بصـــــــورة تــــــامة إلى أيامنا.

هذه النبوءة، التي يقدر خبراء عديدون أنها ستنجم عن استقلال أميركا الطاقي وتحولها إلى مصدر للنفط والغاز، لن تتحقق في اعتقادي، لاعتبارات كثيرة ألخص أهمها في ما يلي:

- موقع العالم العربي الاستراتيجي بين قارات العالم، وقربه من طرق الوصول إلى المحيط الهادي، وما فيه من ممرات بحرية استراتيجية الأهمية بالنسبة إلى مجمل التجارة الدولية وخطوط نقل النفط إلى مختلف مناطق العالم.

- الحجم الهائل لموارد دول النفط العربية المالية، التي تلعب اليوم وستلعب غدا دورا حاسما في استقرار الاقتصاد الدولي عامة والأميركي خاصة، في ظل تزايد مديونية أميركا للخارج وحاجتها إلى الرساميل، ولأن الاقتصاد الأميركي يقوم في جزء كبير منه على موارد خارجية يجب أن تبقى تحت يد أميركا أو متاحة لها، مع ما يقتضيه ذلك من استعداد للحصول عليها بشتى الطرق، وحتى العسكرية منها، مما سيلزم واشنطن بإبقاء قواتها قريبة من هذه الموارد.

- نمط النظام الدولي، القائم على الدفاع عن القطبية الأميركية المهيمنة أمنيا واقتصاديا على معظم مناطق العالم الاستراتيجية، ووجود يانكي منتشر في معظم مفاصل الكون الحيوية برا وبحرا وجوا، مع ما تقتضيه الهيمنة من تحكم واضح المعالم بالبحار المفتوحة ومناطق الفصل والوصل بين أحواض الطاقة الكبرى في العالم العربي والمناطق الإسلامية من الاتحاد السوفياتي السابق، ومن إقامة نظم أمنية متكاملة ومندمجة من شأنها احتواء المخاطر المحتملة والفعلية، والرد السريع على كل ما يهز استمرار سيطرة واشنطن على مجالات واسعة من الكرة الأرضية، بما في ذلك الترتيبات التي تتخذها دول تملك موارد يؤثر استقلالها على قوة أميركا الكونية الشاملة.

هذه الناحية من الهيمنة لن تتراجع مع اكتشاف النفط الأميركي بل ستتعاظم، ولن تتطلب تقييد قدرة واشنطن على التدخل في كل مكان، أو على وجودها في المفاصل الحاكمة من العالم، التي تمر بين وسط وشرق أوروبا وروسيا، وبين روسيا والصين، وبين الصين وبقية بلدان آسيا الشرقية، لكنها تحتم وجود قدرات أميركية وازنة في البلقان وتركيا والعراق والجمهوريات الإسلامية التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي السابق، وصولا إلى أفغانستان، مع ما يعنيه دحر النظام الإيراني من توسع الوجود الأميركي على هذا المحور، علما بأن جيش أميركا فعل المستحيل لاحتلال موقع مؤثر ومفتاحي فيه منذ تسعينات القرن الماضي، بسبب قيام إسرائيل فيه ودورها المباشر في تقرير مصيره، وما تخوضانه فيه من صراعات تستهدف إخضاعه في حمأة التنافس الدولي.

- نمط الاقتصاد الدولي القائم على التجارة المفتوحة وذات الموارد المتاحة بلا قيود لأميركا، لما لذلك من أهمية استراتيجية سياسية وعسكرية تنبثق من سياسات لها قرنان من العمر، ترى أن نفوذ أميركا الدولي يرتبط بنمط التجارة الدولية، التي يجب أن تكون مفتوحة وخالية من أي حماية وطنية أو قيود تفرضها بقية دول العالم عليها.

ومن يتأمل تنمية وتطوير الصين سيرى كم أدى إلى تنمية التجارة الدولية وتعظيم الفارق الكمي والنوعي بين أميركا وغيرها من البلدان وكم خدمها تقدم المحيط الهادي لاحتلال الموقع الأول في التبادل الدولي: السلعي منه والرأسمالي.

تنشر أميركا شبكة علاقات مجردة تتضمن نقاط ثقل فاعلة تحول دون خروج أحد من دائرة مصالحها كمستفيد أول من أي نمو أو تقدم يتم في أي مكان. هذه الشبكة لن تتسامح أميركا في إخراج النفط العربي منها، لكونه مادة تجارية أولا وجالبة رساميل ثانيا ومؤثرة على مكانة مالكيها في مجمل العلاقات الدولية ثالثا، وقادرة على منح أصحابها شيئا من استقلالية الإرادة والقرار رابعا، وهذه كلها ممنوعات وخطوط حمر أميركية لا يجوز ولا يحق لأحد انتهاكها هنا، أو الاقتراب منها هناك.

- التنافس الدولي المتنوع والمتشعب الذي سينشب حتما على ثروات العرب ونفطهم، في حال تخلت أميركا عنهما، وما سيفضي إليه ذلك من تبدل في علاقات القوى الاقتصادية العالمية وأثقال مراكزها الكبرى. لنتخيل للحظة أن الصين استأثرت بمعظم نفط العرب ومالهم، أي تأثير سيكون لذلك على دورها في الاقتصاد العالمي، وكم سيسهم في احتلالهــــــا الموقع الأول منه؟.. ويقــــــــدر اليوم أن وصولها إليه سيســـــتغرق ما بين 30 و50 عاما، ســـــيبقى خلالها الاقتصاد الأميركي أكبر اقتصادات العالم.

هذه بعض العوامل التي يرجح كثيرا أن تحد من استقلال أميركا طاقيا عن النفط العربي، والتي تتجاوز مسألة الطاقة، التي لا يجوز أن نرى علاقات أميركا المستقبلية مع العرب في ضوئها وحدها، لكونها أكثر تشعبا وتعقيدا بكثير من أن تفسر بالنفط دون غيره.

لا يعني ما تقدم تجاهل الآثار التي ستنجم عن دخول أميركا كمصدر إلى السوق الدولية، وما سينجم عنه من تعقيدات وملابسات لا بد أن تخضع لدراسات خبيرة، وتعقد حولها مؤتمرات متخصصة تكشف منطويات هذا التطور الفائق الأهمية، قبل أن يباغتنا بما لا نتوقع ونريد، ونقترف أخطاء لا شك في أنها ستكون مصيرية هذه المرة بالنسبة لنا، لما للطاقة وعوائدها من أهمية لاستقرار دولنا ونمو مجتمعاتنا!

========================

الحل السوري ليس سياسيا ولا عسكريا بل مقاومة شعبية حرّة!

مطاع صفدي

2013-01-20

القدس العربي

 متى سوف يُسمح لثورة سورية أن تحقق الضربة القاضية بإسقاط القلعة الأسدية جملةً وتفصيلاً. هذا تساؤل تردده ألسنة كثيرة وإن لم تجد عليه جواباً شافياً، لكنه تساؤل يوحي بأن الثورة كأنها لا تملك حتى اليوم قرارها أو أنها لا تتوفر على الإمكانية القادرة والإستطاعة المادية المطلوبة. فهل يجوز لنا القول أحياناً أن الثورة قد تصير معاقة عن تنفيذ أهدافها، وذلك لأسباب كثيرة معظمها متغلغل في بنية الثورة نفسها، منذ نشأتها الأولى. فتلك البداية العفوية قد وفرت انفجاراً للانتفاضة فاجأت العقل الاستراتيجي العربي وليس العربي وحده لكن هذه العفوية سرعان ما انهالت عليها الأيدي الكثيرة للإمساك بلجامها.

كثيرة هي المنظمات والفئات والأفراد الذين حاولوا أن يختطفوا شعارات أو مظاهر أو أفعالاً من هذه الثورة مدّعين ملكيتها تحت شتى التسميات والتسويغات، لكن الانتفاضة تابعت عفويتها وقفزت فوق الأيدي المشبوهة التي حاولت اختطافها، صارت كالفرس الحرون المانعة لأي فارس مزور أو صاف أن يمتطي ظهرها رغماً عن إرادتها.

قد توصف هذه الحقبة الأولية بالمرحلة الرومانسية إلى حد ما، إذ اعتقد الشباب أنهم سائرون في الطريق المختصر نحو الهدف الكبير، من دون الانتباه إلى العقبات الكأداء التي تنتظرهم.

تميزت هذه الحقبة بجو السلميات سواء بإعلان الأهداف أو بالتحركات الشارعية المباشرة، أو بالتصريحات اليومية الملتهبة، غير أن الحراك السلمي قوبل من السلطات بالعقوبات القصوى، ليس أقلها تصويب الرصاص إلى صدور الفتية مصحوباً بالاعتقالات العشوائية لمن لا يُعدّ ولا يُحصى من رجال الأحياء والقرى ومن ثم وصولاً إلى العائلات وإلى النساء وحتى العجائز.

كان النظام يعتقد أن اللجوء دفعة واحدة إلى مختلف وسائل القمع، هو الكفيل وحده بتراجع المد الثوري الذي كان يتضاعف جماهيرياً بين يوم وآخر، وخاصة في تلك الأرياف المحيطة بالمدن الكبرى حيثما تتراكم النتائج المدمرة لأفاعيل السلطة وتدابيرها المضادة لأبسط وسائل العيش الكريم، بل مجرد العيش الطبيعي للآلاف المؤلفة من سكان الضواحي الذين باتوا تقريباً من دون عمل، محرومين من أبسط وسائل الكرامة المتوفرة للناس العاديين في مختلف بلدان هذا العالم الظالم.

هكذا اضطرت بعض القيادات الشابة إلى الانصياع لضرورة التحول من السلمية والعفوية إلى العسكرية والتنظيم التراتبي، وبذلك تغيرت بنية الكيان الإنساني الحامل لأعباء النضال، فكان أن استقبل الشباب الأعداد المتكاثرة من رجال الجيش المنشقّين، بحيث أصبح هناك جيش آخر مقابل البنيان العسكري الرسمي للدولة. من هنا جاء القول أن الدخول المتعجل لأرتال العكسريين إلى الصفوف القيادية والقاعدية للانتفاضة قد أعطاها صياغة تنظيمية كانت مفتقرة إليها، لكن بالمقابل كان العنصر المدني هو الخاسر الأكبر عبر هذا التحول الشخصاني والمفهومي معاً لطبيعة العمل الثوري عينه، وليس لمادته الإنسانية فحسب. فالعلامة المميزة والأولى للانتفاضة، وهو كونها حراكاً شعبياً وتلقائياً، قد تراجعت مؤثراتها تدريجياً لصالح طابع الحرفية العسكرية التي أمسكت بتلابيب التجمعات الشبابية، هذه القوى وجدت نفسها تدريجياً بعيدة عن مراكز التخطيط والقرار التي تسلمها الرجال القادمون من جيش الدولة. ما يعني أن الحراك الأول الذي بدأه شباب وفتيان بصورة فورية وحماسية قد انتقل إلى صيغة انتفاضة شعبية، وهذه تطورت بدورها إلى جيش شبه نظامي مقاتل؛ ما جعل الساحة السورية أشبه بساحة حرب حقيقية بين جيشين، لكل منهما نقاط قوته وضعفه، فالحرب ليست هي الثورة، وإن كان يمكن لهما أن يتكاملا أحياناً، لكن تظل هناك جملة من الفوارق بينهما لن تستمر لصالح الثورة حتى وقت طويل.

عندما تعسكرت بنية الانتفاضة، شعر المدنيون أنهم أصبحوا مهمشين عملياً، فقد استطاعت الانتفاضة المحافظة على إيقاعها الثوري المتقدم لأشهر عديدة حتى غطى نشاطها ساحات منسعة باستمرار من حولها بشرياً وجغرافياً، في وقت واحد. لكن تصاعد العنف الوحشي من قبل أجهزة النظام غذى شعوراً بالحاجة الماسة إلى عوامل الدعم المختلفة آتية من أي مصدر كان.

هنا تعاظم التدخل الإقليمي والدولي، وانطلقت التصريحات الرسمية من أعلى المراكز العالمية مصحوبة بشتى مظاهر التحركات الدبلوماسية المدعية لأشكال التعبئة ضد النظام الحاكم في دمشق، مما أشاع نوعاً من ثقة بنهايته القريبة. إذ بدا أن العالم كله، وليست أمريكا أو سواها من دول أوربا وحدها هي التي سوف تتدخل بالقوى الضاربة الفاصلة، لقد سيطرت موجة تفاؤل وحماس عامي ونخبوي في آن واحد تبشر الرأي العام المحلي والدولي بأن أيام الاستبداد باتت معدودة حقاً، كما راحت ألسنة قياداتٍ وحكّامٍ تتبارى في نشر معانيها ودلالاتها. كان ذلك أشبه بسيناريو دعاوى موضوع ومنظم بدقة كبيرة، لكنه مجرد سيناريو يحارب بالكلمات والإنذارات، مبشراً بالسقوط المحتوم. هذا الجو، وإن نسيناه اليوم، أوقع الانتفاضة أسيرة سهلة للتيارات الخارجية التي تظاهرت جميعها بالعزم الأكيد على الاطاحة بالديكتاتورية المتوحشة، كان ذلك أشبه بهمروجة دولية وإقليمية صاخبة، لكنها أضرت كثيراً بصورة الواقع الفعلي لأوضاع الصراع، وحقائق القوى الضاربة في كل من المعسكرين للانتفاضة وللنظام معاً.

لقد مضى العام الأول من هذا الحراك الملتبس من دون نتائج حاسمة، ما عدا أن جولات كثيرة لمجاميع شبابية راحت تضرب في جهات متعددة من جغرافية، سورية يمكن اعتبارها شبه انتصارات معنوية أكثر منها واقعية ثابتة، لكنها مع ذلك أرست بدايات لثورة أكثر منها لحرب طاحنة بين جيشين، بمعنى أن (الجيش الحر) أصبح مرشحاً فعلياً لأن يكون جيش الثورة، وليس بديلاً عنها. بل هو الأداة الضاربة في يدها.

هذا التحول كان أشبه برهان يحتاج إلى براهين كثيرة وصعبة، هي التي سوف تشكل العناوين الصارخة لمجمل الالتباسات الراهنة المحيطة بمسيرة الحراك وظروفه، كاشفة عن نقاط قوته، وضعفه، وربما مصيره الأخير.

فأن يتفق أصدقاء الثورة وأعداؤها حول ضرورة العودة إلى الحل السياسي، ذلك كان بمثابة الحكم على قصة النضال العسكري بعدم الجدوى ومحاولة التبرؤ منه بأساليب غير صادقة مع طروحاتها، كما لم تكن صادقة عندما دعت إلي التمسك به وتحويل العمل الاحتجاجي إلى ما يشبه حروباً صغيرة متنقلة من مكان إلى آخر.

فلقد بينت تجارب هذه الأشهر الدامية، أن النظام له أصدقاء حقيقيون، دعموه بكل ما لديهم من وسائل القوة والتسليح والتمويل. في حين أن الذين ادعوا صداقة الثورة من هذا المجتمع الدولي المشبوه، كانوا أقرب إلى موقف إدارة الحل وتأجيله بشتى أساليب الخداع الدبلوماسي والدعاوي.

ها هم هؤلاء الأصدقاء باتوا، بكل بساطة، يرتدون إلى الموقف الروسي والصيني والإيراني، باحثين لأنفسهم عن ثمة أدوار هامشية لم تعد أفعالها تنطلي على أحد.

قلنا منذ البداية أن الانتفاضة هي ثورة شعبية سلمية، وأن التورط في الحل العسكري ـ إذا كان لا بد منه ـ فليبقى، في حدود الأداة الثانية بيد الثورة، لا أن تصبح هي أداة له.

في الوقت الذي فرض النظام حرباً شاملة بكل معنى الكلمة، ومازال يتابع هذه الحرب وهو يتشدق بالحلول السياسية، كأنه يريد من الثورة وحدها أخيراً أن تتخلى حتى عن الحدود الدنيا من وسائل دفاعها عن ذاتها، لكن لم يتبق أمام الرجال الأشداء والأبرياء من شباب هذه الثورة سوى التمسك بتقاليد 'المقاومة الشعبية المنظمة'، هذه الصيغة التي أثبت تاريخ التحرر الوطني لمعظم شعوب أفريقيا وآسيا أنها هي السبيل الوحيد لطرد الاحتلالات الأجنبية، والنظام الأسدي كان ولا يزال يمثل بكل معنى الكلمة سطوة احتلال أجنبي بشكل معادٍ وقامع لمعظم شعبه، فليس الخيار أمام الثورة متأرجحاً بين ما يسمّى بالحل السياسي أو الحل العسكري، بل هو الطريق إلى ابتكار صيغة المقاومة الشعبية التي تجمع بين الأسلوبين معاً: المدني والكفاح المسلح، شرط أن يكون هذا العامل الثاني تحت سطوة الأول ورعايته وتنظيمه. وأول شرط لنجوع المقاومة الشعبية، هو اعتمادها الكلي على قواها الذاتية. فلا بد من تجاوز وسائل التوسل لهذا الحليف، أو ذاك من كل هؤلاء الأنواع من تماثيل الخداع والمماطلة التي خبرتها الثورة وعرفت أسرار التواطؤ الخارجي عندما يتقنع بمصالح الشعوب الداخلية وهو منها براء.

فلا بد للثورة أن تُعد كل قواها مجدداً من أجل استخراج العميق والعظيم من إمكانيات كفاحها الشعبي، تلك التي لم تُجرّب حتى الآن إلا القليل منها، لكن هذا القليل فعل الشيء العظيم، فقد حرر ثلاثة أرباع الأرض السورية الطاهرة، لم يتبق سوى هذا الجو الذي تعيث فيه فساداً طائرات المحتل الأسدي، لكن الموعد مع نهاية هذا الشر المحض لن يطول انتظاره ما أن تستوعب الثورة حقيقة المقاومة الشعبية التي تنتظرها جماهير سورية لكي تصنع مستقبلها بيدها كما كانت تصنعه بدمها ولحمها طيلة هذا الزمن البائس والمجيد معاً..

========================

المدنيون السوريون والمناطق الخضراء

إبراهيم الأصيل

2013-01-20

القدس العربي

تطرح تفجيرات مدينة إدلب الأخيرة سؤالاً جوهريّاً عمّا اذا كان الوقت مناسباً لإدخال هذه المدينة حيّز الصراع بما تؤويه من نازحين. فمع استمرار النظام بالتصعيد من وحشيته وما يولّده ذلك من عنف مضاد، ومع تلبّد أفق الحل السياسي تبرز الحاجة لوجود مناطق آمنة للمدنيين، وبقدر ما هي ملحّة بقدر ما تبدو بعيدة المنال، فالسوريّون انتظروا فرض المناطق العازلة ولكنّ الأحلام تبدّدت مع انكشاف حقيقة موقف المجتمع الدولي وعزوفه عن التدخل المباشر، فسعى الجيش الحر لتطبيقها معتمداً على ما توفَّر لديه من امكانيات. إلا أنّ الحديث عن المناطق الخضراء هنا مختلف عن المناطق العازلة، سواءً من حيث طريقة تطبيقها أو أهدافها.

تهدف المناطق الخضراء لتأمين الحماية للمدنيين عن طريق تحييدها من قبل جميع الأطراف المسلّحة، وتختلف عن المناطق العازلة بأنّها لا تهدف لأن تكون منطلقاً للمسلّحين في هجماتهم، وبأنّها للمدنيين السوريين بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم، سواءً في المناطق الثائرة أو ذات الأغلبية المؤيّدة، وتعتمد على الحاجة المشتركة لدى جميع الأطراف لإبقاء مناطق معيّنة خارج الصراع. وهذا ليس ضرباً من الخيال فالمناطق الخضراء موجودة واقعاً وإن كان بشكل محدود، فهناك عدّة توافقات في إدلب ودمشق وحمص ومنها منطقة الوعر بالإضافة لبعض القرى في سهل الغاب وأخرى في الشمال الشرقي تم تحييدها خارج الصراع المسلّح فلا قوّات النظام تقتحمها أو تقصفها ولا هي تكون منطــــلقاً لمسلّــحي الجيش الحر، وبالمقابل يمتنع الجيش الحر عن مهاجمة بعض المناطق المؤيّدة رغم قدرته على ذلك. أي أنّها ليست مبنية على حسن النوايا وإنّما على المصلحة المشتركة بالأمن وهذا ما يمكن البدء بالبناء عليه.

في تاريخ الأزمات الداخلية تجارب مشابهة للمناطق الخضراء، كثيرٌ منها لم يُفرض بقوّة السلاح بل باتفاقيات وتوازنات، وفي حال غياب ذلك قد يعجز حتى التدخل الخارجي عن تأمينها كما حصل عام 1995 حين اجتاحت القوات الصربية ســـربرنيتسا وقتلت 8000 مدني دون أن تستطيع قوّات حفظ السلام ردّها. فمن الصعب فرض المناطق الخضراء والمالك الحقيقي لمفاتيحها هو المجتمع الأهلي ومجموعات العمل المدني عن طريق المبادرة لعقد مثل هذه الاتفاقيات والضغط على المسلّحين -من كل الأطراف- لتحييد مناطق متفق عليها لإبقائها ملاذاً آمناً للمدنيين وللنازحين من مناطق أخرى.

تطرح الصعوبات والتحديات نفسها بقوّة هنا، فعدم وجود قيادة مركزية سواءً لمقاتلي المعارضة أو لميليشيات الشبيحة يجعل خرق أي اتفاق سهلاً وقد لا يحتاج إلا لمسلّحَين أو ثلاثة يطلقون النار باتّجاه ما، ولكن التجربة تفيد أنّه يمكن الحد من الخروقات أو الرد عليها بشكل تحذيري بما لا يشعل المواجهة الكاملة، خصوصاً مع تدخّل الحواضن الشعبية لاحتواء الموقف. كما أن الشمال والشرق أصبحا بمجملهما قاب قوسين من التحرير، بمعنى أنه قد يبقى هناك مجموعات موالية متفرقة ولكنّ السيطرة المركزية لأركان الجيش وللقصر الجمهوري تتهاوى، وهذا يفتح الباب لعقد صفقات محلية مع هذه القوّات بمعزل عن قيادتها. صحيحٌ أنّ المناطق الخضراء تحتاج لمبادرة سياسية شاملة لتطبّق على المستوى الكلّي، ولكن حريٌّ بالمجتمعات الأهلية أن تبدأ بتداول الفكرة على المستوى الجزئي والمحلّي وتبحث سبل تطبيقها بمناطق صغيرة.

في حال سعى النظام لإفشال هذه المبادرات بشكل عنيف ومباشر وهذا ليس مستبعداً أبداً، فسيزيد من انكشافه أمام مؤيديه وسيدفعهم للبحث عن حل بعيداً عن مظلّته، فميزان القوى العسكرية أصبح متكافئاً ولم يعد بإمكان النظام تأمين مؤيديه وعلينا أن نلمس هذه التغيّرات في المكوّنات الموالية بعد أن أصبح تأمين مناطقهم من مسؤولياتهم، ويجب المراهنة أن غريزة البقاء ستكون أقوى من الولاء لنظام يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام أعينهم. كما أنّ صفقة تبادل الأسرى الإيرانيين تؤسس مجتمعياً لتقبّل فكرة المناطق الخضراء من مختلف المكوّنات، حيث أثبتت للثوّار أنّ التفاوض ليس تنازلاً ما دامت الثورة ندّاً تفرض شروطها فيه، ومهّدت له بين الموالين بعد أن تجاهل النظام أسراهم وأمنهم بشكل مفضوح.

ستؤسس المناطق الخضراء ولو بشكل متواضع لبذرة حل، ولا أعني لإسقاط النظام، فالثورة بذراعيها المدني والعسكري قادرة على تحقيق ذلك دون أدنى شك، وإنّما حل لرأب الصدع، فلن يتمكّن السوريون من بناء جمهوريتهم الجديدة في مجتمع منقسم طوليّاً وتسوده رغبات الانتقام، والقتال لن يتوقف بمجرد رحيل أو قتل الأسد وقد يمتدّ ليأخذ منحى طائفياً صرفاً، أو ربما ما هو أسوأ فنصل للمرحلة التي يصفها توماس هوبز 'بحرب الجميع ضد الجميع'. الحل يبدأ من الأسفل نحو الأعلى، وبحياكة الأجزاء الصغيرة للشبكة حتى تصبح متينة ومتماسكة. الثورة السورية ثورة على الظلم والطغيان وهدفها الاطاحة بالنظام ومحاكمة المسؤولين عن القتل والدمار ثمّ التأسيس لمصالحة وطنية انطلاقاً من المصلحة المشتركة بالعيش والسلم الأهلي، وهذا يمر من المناطق الخضراء وما شابهها من مبادرات. آن للسوريين أن يوقنوا أن الحلول لن تأتي من الخارج، وأنّ عليهم نحتها في صخر واقعهم، وما يبثّ الأمل أنّ تاريخهم أثبت بشكل مستمر أنّهم قادرون على ذلك.

========================

تحرير سورية.. التخبط أم التواطؤ الدولي؟!

د.عبدالله القفاري

الرياض

21-1-2013

 في كل هذا المشهد لايمكن فهم الموقف الامريكي إلا وفق سياق تاريخي يكشف عن علاقته بالنظام السوري منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة في عام 1970، وما تلا ذلك من التدخل السوري في لبنان وحتى تأسيس حزب الله إلى الغزو الامريكي للعراق.. إلى المفاوضات التي تجري بين إيران والإدارة الأمريكية في الخفاء

تثيرالمسألة السورية الكثير من الاسئلة التي تطال الموقف الدولي من الثورة والنظام ومستقبل سورية. وتظل تلك الاسئلة تلح خاصة مع مضي أكثر من 22 شهراً من عمر الثورة التي عصفت بها رياح المواقف الدولية.. إلا أنها ماضية في طريقها رغم كل العوائق ورغم التحالفات المضادة ورغم سياسة التدمير الشامل والتنكيل والقتل والتهجير التي مارسها ولازال يقترفها النظام.

يأتي الموقف الامريكي كأكثر المواقف التي تثير اللبس. يتدثر هذا الموقف بالعديد من القضايا التي تجعله في نهاية المطاف موقفا معطلا. الاتكاء على التصريحات الاعلامية للقادة الامريكان من الرئيس الى وزيرة الخارجية الى وزير الدفاع لم تترك للباحثين عن سر التعطيل سوى التعويل على الوقت المناسب الذي لم يحن بعد، رغم الابادة الواسعة والتدمير الشامل الذي احدثه النظام ورغم ملايين المهجرين في الداخل والخارج، ورغم كل مناشدات منظمات حقوق الانسان..!!

ما هو الموقف الامريكي الحقيقي من الثورة السورية ومن نظام الاسد ومن محور النظام الايراني - العراقي - السوري - حزب الله؟

هل يمكن التعويل على تصريحات بدأت منذ الثورة السورية تطالب الرئيس الاسد بالتنحي ثم تنكفئ لتعود مرة اخرى.. حتى اصبح منظر الدماء والاشلاء والقتل الجماعي والتدمير الشامل لا يستحق حتى تصريحا مماثلا.. أين يمكن صرف تلك التصريحات والمواقف بلا مواقف؟

هل تجسد السياسة الامريكية اليوم (السياسة هي الكذب)؟ هل أصبحت مجرد تصريحات في الهواء تذهب أثرا بعد عين بمجرد نشرها واستهلاكها إعلاميا أم ان الوقائع على الأرض هي التي تكشف عن الموقف الامريكي تجاه الثورة والنظام؟!

على ماذا يفاوض الامريكان الروس في جنيف؟ وعلى أي مستوى تبدو تلك الخلافات؟ وما هو موضوع الخلاف الحقيقي؟

الموقف الامريكي الغامض لا يحتاج للتخمين ولا يكفيه بالتأكيد التبرير بأن المخاوف الامريكية لازالت قائمة في حال التورط في الشأن السوري كما حدث في الشأن العراقي. فالمعادلة على الارض مختلفة والثوار يحققون انتصارات متوالية، وكلما طال الوقت تعقد المشهد في الداخل.. وتكاد تكون فقط جزءا من آلة النظام فاعلة على مستوى التدمير والقتل والحصار.

في كل هذا المشهد لايمكن فهم الموقف الامريكي إلا وفق سياق تاريخي يكشف عن علاقته بالنظام السوري منذ استيلاء حافظ الاسد على السلطة في عام 1970. وما تلا ذلك من التدخل السوري في لبنان وحتى تأسيس حزب الله إلى الغزو الامريكي للعراق.. وحتى المفاوضات التي تجري بين ايران والادارة الامريكية في الخفاء، والتي بدأت اليوم تتخذ طابع التهيئة لجس النبض وتهيئة اجواء تجعلها في سياق جهود للسيطرة على المشروع النووي الايراني بينما هي في حقيقتها تطال كافة القضايا الاقليمية ومنطقة الخليج ومستقبل العراق وسورية ولبنان.

استيلاء حافظ الاسد على السلطة في عام 1970 حظي بعين الرضا الامريكية. لم يكن يعني الامريكان او الاسد علاقات توحي بالارتماء بالحضن الامريكي لأن سر بقاء النظام تلك الممانعة التي استثمرها اربعين عاما.

كان من الضروري ان تبقى الولايات المتحدة الامريكية الحليف العضوي لإسرائيل في موقع التنديد المستمر من قبل النظام. العلاقة الوثيقة مع الاتحاد السوفياتي حينها، ثم روسيا الوريث الطبيعي لذلك الاتحاد لم يكن ليضر العلاقة الامريكية بنظام الاسد طالما ظل في حدود الخبرات العسكرية، وضمن مجال يمكن السيطرة عليه. هذه اللعبة لم تكن جديدة على العقل الغربي في تقاسم حلقات النفوذ ضمن معادلة المصالح وحدودها.

دخول قوات الاسد الى لبنان في عام 1976 اثناء الحرب الاهلية في لبنان جاء تحت المظلة الامريكية، وتسليم لبنان للأسد يعني إبقاء النفوذ الامريكي قويا في لبنان من خلال الوكيل - قوات وأجهزة النظام - ولم يكن تأسيس حزب الله في بداية الثمانينيات سوى حلقة تخدم نظام الاسد بحليف موثوق ومعبأ أيديولوجياً ومسلح يحل مكانه في لبنان ويحصل على مشروعية السلاح من خلال مقاومة محدودة لإسرائيل في جنوب لبنان..

وهو في ذات الوقت لملء الفراغ السوري بأجهزته وقواته ليمارس وظيفته الجديدة.. وهو ما حدث بعد رحيل قوات نظام الاسد بُعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وإذا كانت تلك العلاقة لا تعني التطابق التام بين المشروع الامريكي ونظام الأسد.. إلا ان السياق التاريخي الذي جرت فيه كل هذه الاحداث لايمكن تفسيره بعيدا عن تلك العلاقة السرية التي تضمن حليفا سريا وموزونا في سلم الصراع في المنطقة.

يأتي لاحقا الدور الامريكي الكبير في بناء التحالفات الجديدة في المنطقة. اقتلع الامريكان نظام صدام حسين لإحلال قيادة سياسية بنفس طائفي عززت امتداد تحالف النظام الايراني مع النظام السوري وصولا إلى حزب الله في لبنان.

ومن يعتقد ان الامريكان خسروا العراق بعد رحيلهم لا يدرك أبعاد تلك العلاقة التي جسدت حضور الطائفة السياسي لأول مرة في تاريخ العراق. والادارة الامريكية التي تبنت بعد احداث 11 سبتمبر 2001 اسقاط النظام العراقي استهدفت غرس بنية سلطوية طائفية ممتدة من طهران إلى بيروت ما يمكنها من إحلال تكوينات وتحالفات طائفية تشغل المنطقة، وقد تشعلها لتظل تعيش هاجس الحرب الباردة التي تستنزف قدراتها. وهذا بالتأكيد يضمن أمن إسرائيل، الهدف الكبير الذي لم تختلف حوله الادارات الامريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ورقة الضغط الايرانية لتمرير مشروعها النووي، لم تكن بعيدة عن اجندة مشروع امريكي يستهدف تقسيم القوى السياسية الحاكمة في المنطقة على أسس طائفية. كان المطلوب تقليص المساحة التي يتمدد فيها التكوين العربي الجامع لمختلف الطوائف على امتداد هذه المنطقة لصالح تحالفات طائفية تنشغل بالمخاوف من بعضها عوضا عن الانشغال بمصالحها او بمواجهة الالتهام المستمر لما تبقى من الاراضي المحتلة في فلسطين.

وعليه، فليس المطلوب إنقاذ سورية والثورة السورية وبناء نظام ديمقراطي لدولة سورية لكل مواطنيها وإيقاف حمام الدم الهادر.. المطلوب اليوم - اذا لم يكن من الممكن اعادة انتاج النظام من داخله - تدمير سورية دمارا شاملا، وارهاق الانسان السوري بآثار نزاعات ذات صبغة طائفية او يمكن توظيفها في هذا الاتجاه لسنوات طويلة قادمة. وفي كلتا الحالين فهذا الهدف يخدم اولا واخيرا اسرائيل التي تحمل أكبر القلق من التطورات في سورية، ولا يقض مضجعها أكثر من انعدام امكانية قراءة ما يحمل لها المستقبل من مفاجآت بعد رحيل نظام أمّن حدودها وتغاضى عن احتلالها.

الموقف الروسي يبدو انه ثمرة صراعات خفية على حجم المصالح والنفوذ أكبر منه موقفا مبدئيا لحماية النظام السوري. إنها ورقة ضمن اوراق يحركها الروس لتقاسم كعكة الغنائم في مرحلة تشكّل جديدة في المنطقة.

يبقى الموقف الاوروبي وبالتحديد الفرنسي، يوحي بأن ثمة صراعا أمريكيا - فرنسيا حول سورية، ويدرك الفرنسيون انهم عاجزون وحدهم عن تبني مشروع تدخل، ومباشرته فعليا في ظل التخبط أو التواطؤ الدولي تجاه الثورة السورية.

الرهان الوحيد المتبقي أمام أحرار سورية أن يواصل الجيش الحر وقوى المعارضة المسلحة الانهاك المتواصل للنظام حتى سقوطه.. وهذا مرتبط بدعم نوعي يجب تقديمه بكل الطرق والوسائل فالخصم عنيد وحلفاؤه يبذلون الكثير لإنقاذه. أما القوى الدولية والرأي العام الغربي فقد كشفت الثورة السورية عن أن الدم العربي أرخص - حتى لو سال أنهرا من حناجر الاطفال وقلوب الامهات - من أن يحرك إنسانيتهم ناهيك عن طائراتهم وأساطيلهم..

========================

لماذا مالي وليست سوريا ؟

أمل وعمل

إبراهيم محمد باداود

الإثنين 21/01/2013

المدينة

فجأة وبدون أي مقدمات وبدون اجتماعات مجلس الأمن أو قرارات للأمم المتحدة أو انعقاد جلسات للتصويت أو إرسال مندوبين من الأمم المتحدة وبدون سقوط آلاف الضحايا من أطفال ونساء وشيوخ وبدون نزوح للاجئين أو وجود أسلحة محرمة أو غيرها من الأعذار الواهية التي توجب وقوع هجوم من دولة على دولة أخرى ، هبت فرنسا بمقاتلاتها لتقصف مالي مشيراً رئيسها في تصريح له أن هذا التدخل هو لدحر الإرهاب في هذا الجزء من أفريقيا .

كما صرح قائلاً ( المحك بالنسبة الينا ليس في السيطرة على أرض أو زيادة نفوذنا أو البحث عن أي مصلحة تجارية او اقتصادية، لقد ولى هذا الزمن". وقال أيضا "في المقابل على بلادنا، لأنها فرنسا، أن تهب لمساعدة بلد صديق هو من بين الأفقر في العالم وضحية منذ أشهر عدة لكي لا نقول منذ سنوات لهذا الإرهاب الذي بات يأخذ اليوم أشكالاً أكثر خطورة".

هل يمكن أن نصدق مثل هذه التصاريح الإعلامية من دولة متقدمة ترى كل يوم سقوط الضحايا في سوريا منذ أكثر من عامين ولاتحرك ساكناً وتكتفي بالشجب والتنديد والاستنكاروإنتظار مبعوث وراء مبعوث أما عندما تم مس المصالح المباشرة فلم تنتظر أياً من هذه الأعذار بل تحركت وحدها لتقصف أراضي دولة أخرى بنفس الحجة المعتادة والتي أكل عليها الدهر وشرب وهي ( مكافحة الإرهاب ) .

هل يعني مما يحدث أن لكل دولة الحق أن تقصف دولة أخرى دون الرجوع إلى أي شرعية دولية بحجة مكافحة الإرهاب ، إننا نعيش في عصر غريب ، عصر تجيز كل دولة من الدول العظمى أن تضرب أي دولة أخرى لتحميها من الإرهاب وذلك كما حدث في العراق وأفغانستان ، أما الإرهاب الحقيقي الذي يحدث كل يوم في سوريا منذ أكثر من عامين فتنتظر تلك الدول أن تقر الشرعية الدولية ماتراه مناسباً اتجاهه !!.

لقد حرصت حكومة خادم الحرمين الشريفين على بذل كل ماتستطيع من اجل إغاثة الشعب السوري الحر الأبي وقدمت لهم المساعدات وجهزت القوافل المتعددة بالمؤن لنصرة هذا الشعب الذي يغمض العالم أجمع أعينه عما يحدث فيه ويفتحها فقط على الأماكن التي يرى فيها مصلحته ومنفعته .

========================

هل اقترب إغلاق الحدود مع سورية؟

د.باسم الطويسي

الغد الاردنية

21-1-2013

جاءت تصريحات رئيس الوزراء عبدالله النسور، نهاية الأسبوع الماضي، التي لوح فيها بإغلاق الحدود الأردنية مع سورية إذا ما ازدادت أعداد اللاجئين مع تصاعد الصراع هناك، وسط موقف معقد وصلت إليه حركة اللجوء إلى الأردن، وموقف معقد آخر في إدارة اللجوء من قبل السلطات الأردنية بعد الانكشاف الإنساني المحرج الذي وصلت إليه أحوال المخيمات أثناء الأمطار والعاصفة الثلجية الأخيرة، مع استمرار ضعف وفاء المجتمع الدولي بتوفير الإمكانات التي تساعد في إيواء واستضافة اللاجئين.

البديل الذي طرحه رئيس الوزراء بإنشاء منطقة عازلة لأغراض إنسانية داخل الأراضي السورية، بمساعدة القوات المسلحة الأردنية، يحتاج إلى مناقشة وطنية جادة، تحسب الحسابات الاستراتيجية والسياسية والإنسانية لخطوة من هذا النوع، على اعتبار أنها تعني قيام الجيش بمهمة خارج الحدود. ولكن، من غير الواضح حجم البعد العسكري والاستراتيجي في هذه المهمة، وحجم المخاطر المترتبة عليها.

شعبيا، يمكن أن تُقبل خطوة من هذا النوع في ضوء توافق على ثلاثة شروط أساسية، هي: أولا، أن تكون المنطقة العازلة لأغراض اللجوء الإنساني؛ فتخصص للاجئين الهاربين من نيران الصراع، وليس منطقة عسكرية عازلة بمفهوم منطقة بنغازي في معركة ليبيا، وهو ما يتطلب أن تكون منطقة معزولة السلاح تماما. ثانيا، أن يتم إنشاء هذه المنطقة بحد أدنى من التفاهمات مع النظام السوري والمعارضة معا. وفي لحظة ما، سيكون هذا الطرح من مصلحة كافة الأطراف، ويمكن أن يوفر إطارا مطلوبا ومرغوبا. ثالثا، توفير غطاء سياسي ومالي دولي وعربي، يساهم في دعمه مختلف الفرقاء في المعادلة الدولية.

هذا السيناريو يتوقف على ازدياد شدة الصراع في جنوب سورية، وقد لا يرتبط عمليا بقوة تماسك النظام في دمشق؛ فالمؤشر الحقيقي هو قوة حركة اللجوء نحو الأراضي الأردنية، وقد دلت أرقام هذه الحركة أنها مرتبطة بعوامل عدة، منها استهداف قوات النظام للمدن والبلدات الجنوبية، ونقل الجيش الحر أنشطته العسكرية إلى مناطق جنوبية وحدودية.

الأمر الآخر المهم هو حالة الضغط المنظم على الفلسطينيين في مخيم اليرموك؛ إذ تذهب كل السيناريوهات إلى أن المخيم سيدفع الثمن، وسيكون ضحية مرحلة الحسم أو مرحلة ما قبل الحسم، ما سيدفع نحو عملية تهجير ولجوء إرادي وقسري هائلة. وهنا يحتاج هذا الأمر إلى تفكير أردني معمق بعيدا عن المواقف المعلبة والحساسيات المسبقة والمعارك الواهمة؛ فمسألة رفض أي نزوح فلسطيني جديد من أي جهة إلى الأردن يجب أن يكون موضوع توافق وطني شامل بين مختلف مكونات المجتمع الأردني.

لقد تحولت مسألة إدارة اللاجئين السوريين إلى قضية سياسية صرفة ضمن إدارة الصراع حول سورية. وفي الوقت الذي أصبحت فيه هذه المسألة قضية مركزية في الصراع، فإن وفاء المجتمع الدولي بالتزاماته السياسية والأخلاقية ما يزال في أضعف درجاته، والمساعدات القليلة التي تصل المخيمات لا تعدو أن تكون أكثر من دعاية سياسية تبرز في أوقات محدودة، وعلى خلفيات معروفة.

أمام الأردن خيارات محدودة في الوفاء بالتزاماته الإنسانية والعربية، وحماية مصالحه. وعلى الحكومة أن لا تعوّل كثيرا على نصائح الأصدقاء الذين لا يملكون إلا العواطف الملتهبة للسوريين، والكلام المجاني للأردنيين. وعلينا تذكر أن لدينا واحدة من أطول وأكبر الخبرات التاريخية في إدارة اللجوء، ونعرف الأثمان السياسية المترتبة على ذلك قبل الاقتصادية. وبالمناسبة، فقد كان الأردن أول من استقبل موجة نازحين في التاريخ، نتيجة الاضطهاد الديني والسياسي؛ حدث ذلك حينما استقبلت منطقة بيلا في الشمال مجموعة من الحواريين الهاربين من الاضطهاد في فجر المسيحية الأول.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ