ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 31/12/2012


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

مقالات مختارة من الصحف العربية ليوم

30-12-2012

بعد مكاسب المعارضة الميدانية

سوريا: النظام على حافة السقوط

تاريخ النشر: الأحد 30 ديسمبر 2012

جوبي واريك وكولم لينتش

صحفيان أميركيان

الاتحاد

مع أن اسم بشار يوحي لفظياً بالأمل والبشارة إلا أنه لا يبدو أن هذا الرجل الذي يحاربه الشعب السوري الآن وسط تزايد حظوظ الثوار لدخول دمشق والإطاحة به قد بقي له ما يكفي من الأمل للاستمرار وإدارة البلد في خضم الصراع المحتدم بين نظامه وقوى الثوار، ولعل مما يدل على انحسار منسوب الأمل لدى النظام ما تنقله التقارير الواردة من سوريا عن الحالة النفسية للنظام وتأثير سنتين متواصلتين من القتال والمعاناة على الرئيس الأسد نفسه، حيث تبرز تلك التقارير رئيساً معزولا وخائفاً فيما يترنح النظام الذي اعتمد عليه طيلة الفترة السابقة على شفير الهاوية، فالتحركات الميدانية للمعارضة ما فتئت تتقدم في عدد من المناطق، بحيث أصبحت حلب وريفها شبه محررين بعد سلسلة من المعارك انتهت بالاستيلاء على عدد من القواعد العسكرية والمطارات، هذا بالإضافة إلى اقتراب المعارك من وسط العاصمة دمشق، وسيطرة الثوار على أكثر من ضاحية تحيط بالعاصمة. كما أن الأسد الذي كان يظهر بين الفينة والأخرى في وسائل الإعلام ليدلي بتصريحات ويؤكد على مواقفه التي يصف فيها الثوار بالمجموعات الإرهابية اختفى تماماً عن الساحة خلال الأسابيع الأخيرة بعد شهور من الانتكاسات الميدانية التي مني بها الجيش النظامي، فهو لم يدلِ بأي تصريح إعلامي مؤخراً، ولم يظهر على شاشات التلفزيون.

وحسب مسؤولين في الشرق الأوسط وفي الإدارة الأميركية فقد تحول الأسد إلى ما يشبه الرجل الخفي الذي لا يكاد يُعثر له على أثر، مقتصراً في تواصله مع الدائرة الضيقة المقربة منه التي تضم عدداً من كبار الضباط العلويين والمستشارين الموثوقين. وبعد تخليه عن الظهور العلني ورفع معنويات قواته التي تعاني في الميدان يبدو أن الأسد ركز في الفترة الأخيرة على تأمين حمايته الخاصة وضمان سلامته الشخصية.

وقد سجلت وسائل الإعلام السورية ومعها مجموعة من النشطاء هذا التغير في تحركات الأسد الذي بات مهجوساً بأمنه الخاص، بحيث يبيت كل ليلة في غرفة مختلفة، مشدداً المراقبة على الأكل وباقي التفاصيل مخافة تعرضه للاغتيال، وإن كان لم يتسنَّ التأكد من تقارير النشطاء السوريين بهذا الخصوص التي تذهب في اتجاه تأكيد عزلة الرئيس وابتعاده عن الحياة العامة، أو الظهور العلني، ما يعكس في جانب كبير منه شعور النظام بقرب معركة الحسم في دمشق والخوف الذي ينتاب الدائرة الضيقة المحيطة بالأسد من اقتراب النهاية. وأكثر من ذلك يشير بعض مسؤولي الاستخبارات في الشرق الأوسط نقلا عن منشقين فروا من سوريا ولم يتسن التحقق من روايتهم أن الأسد لم يعد يخرج من قصره في النهار مخافة، على ما يبدو، من أن يتعرض لنيران قناصة يراقبون قصره، وهو ما يؤكده مسؤول في الشرق الأوسط رفض الكشف عن اسمه قائلا: «إن تحركات بشار المحدودة تدل بشكل واضح على أنه يعيش حالة من الخوف المستمر».

ولكن على رغم هذه التحليلات التي تشير إلى حالة التوجس التي تتملك أركان النظام السوري وفي مقدمتهم الرئيس نفسه، تبقى تصريحات الأسد الأخيرة وكلماته التي تنقلها وسائل الإعلام مُصرة ولو لفظياً على البقاء في السلطة والقتال حتى الرمق الأخير، ففي آخر تصريحات إعلامية أدلى بها في شهر نوفمبر الماضي للتلفزيون الروسي، تعهد الرئيس بأنه سيعيش ويموت في سوريا، نافياً إمكانية خروجه من البلاد ولجوئه إلى دولة أخرى كما كانت توحي بذلك التقارير، وحتى في اللقاءات التي أجراها الأسد مع مسؤولين في الأمم المتحدة، ولاسيما المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي الذي زار دمشق قبل أيام لمناقشة إمكانية وقف إطلاق النار، لا تشي التصريحات بأن الأسد مستعد لتقديم تنازلات، على رغم الصعوبات الواضحة التي يواجهها النظام في إخماد الثورة وتعاظم قدرات الجيش السوري الحر بكتائبه المختلفة.

وفيما فشلت المحاولات السابقة للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية يشرك النظام والثوار في تشكيل حكومة انتقالية، عبر مسؤولون في روسيا ومجلس الأمن الدولي عن تفاؤل مشوب بالحذر حول الجولة الأخيرة من المباحثات، على رغم التساؤلات التي يثيرها تقدم المعارضة في المعارك اليومية وإصرارها على حسم المواجهة عسكرياً بدل الجلوس إلى طاولة التفاوض مع النظام، وفي هذا السياق قال أحد المسؤولين في الأمم المتحدة امتنع عن الإفصاح عن هويته إن «الأمور في سوريا تسير بوتيرة سريعة، وربما تحسم الأحداث على الأرض الموقف قبل التوصل إلى اتفاق سياسي في العواصم الدولية».

وعلى رغم تحفظ المسؤولين الأمميين على مناقشة الحالة المزاجية للأسد وتأثيراتها النفسية داخل دائرته الخاصة، فقد أكد مسؤول بارز مطلع على معلومات استخبارية أن زحف الثوار على دمشق لابد أنه يلقي بظلاله على الحالة النفسية لأركان النظام مهما كانت صلابتهم، موضحاً ذلك بقوله: «ربما ما زال الأسد يعتقد أن نظامه لم يسقط بعد، ولكن الأثر النفسي لاستمرار المعارك ضد خصم عنيد ومصمم على الإطاحة به يؤثر على معنويات النظام والأسد». ويستدل المسؤولون الأميركيون على الوضع الصعب الذي يعيشه النظام في هذه المرحلة وحالة العزلة المضروبة على الأسد داخل قصره بأنباء الانشقاقات المتوالية التي كان آخرها إعلان قائد الشرطة العسكرية انشقاقه وفراره إلى تركيا، هذا بالإضافة إلى الأحاديث المتكررة لحلفاء دمشق مثل روسيا التي تفيد النأي بأنفسهم عن مصير الأسد ونظامه، ففي ضربة نفسية قاسية للأسد صرح بوتين، في الأسبوع الماضي، بأن موسكو «ليست منشغلة بمصير نظام الأسد»، وهي التصريحات التي يقول عنها مسؤول استخباري كبير في الشرق الأوسط إنها كانت مؤثرة جداً على الأسد «فمع تخلي الروس عن دعم الأسد تزايد الشعور لدى النظام بأن السفينة تغرق».

وبالإضافة إلى الحالة النفسية للنظام التي تشغل المراقبين هناك أيضاً السلامة الشخصية لأركانه، ولاسيما بعد التفجير الذي استهدف في شهر يوليو الماضي مقراً للأمن القومي وسط العاصمة دمشق وأسفر عن مقتل كبار الضباط والمسؤولين عن الخلية الأمنية مثل صهر الرئيس آصف شوكت الذي كان يشغل منصب نائب وزير الدفاع.

ولعل الأهم من ذلك هو سلسلة الانتكاسات التي واجهها النظام في أرض المعركة وفقد خلالها السيطرة على جميع المحافظات السورية الأربعة عشرة فيما عدا اثنتين ما زالتا في قبضة الأسد، ووفقاً لتقديرات المحللين العسكريين يسقط من الجيش النظامي السوري ألف قتيل كل شهر على يد الثوار، بل حتى قوات النخبة التابعة لضباط علويين ما عادت قادرة على شن هجمات متواصلة على معاقل الثوار، وفي هذا السياق يقول «جيفري وايت»، المحلل العسكري السابق بوكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأميركية: «إن الاحتمال الأرجح بالنسبة لقوات النظام هو أن تستمر في التدهور أكثر، وربما بشكل دراماتيكي خلال الأسابيع القليلة المقبلة».

وفيما تنزلق قبضة النظام على الوضع في سوريا يلجأ الأسد إلى الاعتماد على الدائرة الضيقة التي تضم كبار الضباط العلويين، وبعض المتشددين داخل النظام المستعدين للقتال حتى الموت. وعلى غرار الأسد، يقول «أندرو تابلر»، مؤلف كتاب «عرين الأسد»، لم يبدِ مستشارو الأسد أي استعداد حتى الآن للتنازل وذلك على رغم المحاولات المتكررة من الغرب وحلفائه في المنطقة لاستقطاب أركان النظام وتفجيره من الداخل.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

=================

موسكو.. هذا هو الحل!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

30-12-2012

من حق المعارضة السورية ان ترفض دعوة روسيا لها لزيارة موسكو وإجراء حوارات حول ما جاء به المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي أولاً إلى دمشق وثانياً إلى العاصمة الروسية فهذا البلد كان قد إنحاز ومنذ لحظة إنفجار هذه الأحداث المتصاعدة إلى جانب بشار الأسد ونظامه ووزير خارجيته سيرجي لافروف أصبحت يداه ملطختان بدماء أبناء الشعب السوري مثله مثل كل قادة الأجهزة الأمنية السورية ومثله مثل كل الذين يقودون جيش هذا النظام الذي تحول إلى عصابات قتل وتدمير تستهدف حتى الأطفال الذين يصطفون أمام أفران الخبز في طوابير طويلة ليعودون ببعض الأرغفة حتى وإن كانت مجبولة بالدماء.

لماذا يذهب قادة المعارضة السورية إلى موسكو ما دام أن لافروف هو.. هو ولم يتغير ولم يتزحزح عن مواقفه الأكثر تشدداً من مواقف مجرمي الحرب في دمشق.. هل كي يُلقي عليهم وزير الخارجية الروسي المعزوفة نفسها التي بقي يصفهم فيها بأنهم عصابات إجرامية وأنهم إمتداد لـ»القاعدة» وباقي التنظيمات الإرهابية وأن المعارضة التي بالإمكان التفاهم معها هي «معارضة الداخل» لصاحبيها علي مملوك ورامي مخلوف..؟!

لا حاجة لا للإعتذار ولا لإظهار الندم على المواقف السابقة واللاحقة التي هي المسؤولة عن تعنت بشار الأسد وإصراره على حلول العنف المفرط وبالتالي التي هي المسؤولة عن كل هذا الدمار الذي حلَّ بسوريا وسقوط كل هذه الأعداد من القتلى والجرحى ومن المفقودين غير المعروف عنهم أي شيء.. وكل المطلوب من موسكو ان تصحح خط سيرها وأنْ تعلن تخليها عن هذا الحليف الذي ستبقى تدفع ثمن تحالفها معه وعلى حساب مصالحها في هذه المنطقة التي دخلت دائرة التغيير والتي لن يكون مستقبلها وعلى الإطلاق مثل ماضيها!!.

إذا ارادت موسكو أن تذهب إليها المعارضة السورية فعليها أن تطوي صفحة مواقفها السابقة ،وحقيقة والحالية، تجاه حمامات الدماء التي تجري في سوريا وتفتح صفحة جديدة يكون عنوانها على الأقل :»النأي بالنفس» وعدم دعم الظالم ضد المظلوم والتوقف نهائياً عن مساندة نظامٍ قاتل باتت أيامه معدودات وغدت نهايته قريبة.

إنه لم تعد هناك إمكانية لأي حلّ يسمح ببقاء بشار الأسد وببقاء نظامه إنْ به وإن بدونه حتى ولو ليومٍ واحدٍ فمثل هذا الحل كان ممكناً في الستة الشهور الأولى وكان ممكناً عندما لم تكن كل هذه الدماء قد سالت في سوريا وعندما لم ينتقل القتال والإقتتال من المدن الشمالية البعيدة إلى دمشق التي أصبح مطارها «معطلاً» وأصبحت هي بكل أحيائها تنام ليلها على أزيز الرصاص ودوي الإنفجارات المرعبة وتستقبل صباحها على الغارات الجوية التي بقيت غائبة عن هضبة الجولان المحتلة لنحو أربعين عاماً.

لم يعد هناك أي مجال للمناورات والألاعيب فلقد «إستوى العدس» ،كما يقال، ولذلك وإذا كانت روسيا تريد ان تلحق الرَّكب قبل أن يُصبح بعيداً عنها بُعد الأرض عن السماء فإن عليها أن تتصرف على أساس أن حليفها في دمشق قد انتهى وعلى أساس أن التغيير إقترب من قصر بشار الأسد وغير هذا فإن «الرفيق» فلاديمير بوتين سيجد نفسه وقد خسر مصالحه ومصالح بلده في هذه المنطقة الإستراتيجية والحساسة وفي الوقت ذاته سيجد أن الولايات المتحدة قد عززت وضعها كقطب أوحد في العالم كله وعلى غرار ما بقي قائماً منذ إنهيار الإتحاد السوفياتي في بدايات تسعينات القرن الماضي وحتى الآن.

=================

لافروف في معركته الأخيرة .. وإيران أيضا * ياسر الزعاترة

الدستور

30-12-2012

منذ شهور طويلة، لا نرى لوزير خارجية روسيا أي عمل حقيقي خارج سياق المتابعة الحثيثة للمعركة الدائرة في سوريا، فيما يلاحظ الجميع تلك المسافة في المواقف بينه وبين نائبه بوغدانوف على سبيل المثال، ولا يعرف ما إذا كانت إيران قد اشترت جهوده تلك بطريقة أو أخرى، لاسيما أنه يبدو أكثر تشددا حتى من بوتين نفسه، فيما يتحدث عن المنطقة في بعض الأحيان كما لو كان شيعيا يدافع عن الشيعة ضد طغيان السنّة، وهو خطاب يثير الانتباه، معطوفا على قدر من الازدراء.

وفيما يؤكد المراقبون أن الخناق قد أخذ يضيق على بشار الأسد، فإن أحدا لا يمكنه الجزم بمدى قدرة نظامه على الصمود، أولا بسبب الإصرار الإيراني الروسي على الدعم، وثانيا لأن الثوار لا يزالون يترددون كثيرا في اقتحام المدن والمكوث فيها خشية تدميرها كما حصل في مدن عديدة مثل حلب وحمص، فيما يتحصن فيها النظام، من دون أن يذهب بعيدا في مهاجمة مواقع الثوار من حولها.

حين يشرع الصهاينة في بناء سور في المناطق المحتلة بغية النأي بأنفسهم عن مشاكل ما بعد الأسد (لم تكن هناك حاجة للسور قبل ذلك!!)، فهذا يعني أنهم باتوا يقرؤون المشهد على نحو مختلف، الأمر الذي ينطبق على الفرقاء الآخرين.

يمكن لبشار أن يصمد أكثر، ويواصل التدمير أيضا، لكن عاقلا لا يمكنه القول بقدرته على الانتصار، وهو ما اعترف به نائب لافروف (بوغدانوف)، واعترف به فاروق الشرع أيضا، بل ويعترف به حلفاء آخرون يقولون ذلك في الغرف المغلقة، ولعل ذلك هو ما يدفع الآن نحو هذه الحركة المحمومة من أجل إنجاز حل سياسي بتوافق أمريكي غربي روسي، وبالضرورة إيراني.

لم يكن بوسع الأخضر الإبراهيمي أن يتحدث من قلب دمشق عن حكومة “بصلاحيات كاملة”، مشددا على الصلاحيات الكاملة، لولا تأكده من أن أمرا كهذا لن يثير حفيظة الروس والإيرانيين، فضلا عن الأسد نفسه، ولا قيمة بعد ذلك لتصريحات لافروف التالية التي تمارس الغطرسة في الوقت الضائع.

ما بات واضحا منذ شهور أن الوضع على الأرض لا يُدار إلا من قبل النخبة العسكرية والأمنية العلوية (معها قلة قليلة غير فاعلة من السنة)، وهي نخبة لا يمكنها القبول برحيل طوعي للأسد لا ينطوي على تسوية سياسية تحميها من مغبة الانتقام.

هذا الوضع تدركه إيران، وتدركه روسيا، وكلاهما معنيتان بهزيمة أقل وطأة في سوريا؛ تحافظ على الحد الأدنى من هيبتهما ومصالحهما، ولن يحدث ذلك إذا ما استمرا في سياسة العناد حتى الرمق الأخير، لاسيما أنهما لا يملكان ضمانات بقدرتهما على حماية النظام من الانهيار بين لحظة وأخرى.

الأطراف الغربية، وفي مقدمتها أمريكا تدعم الحل السياسي، ليس خوفا على السلاح الكيماوي لصالح إسرائيل فحسب، وإنما على أمل التأثير في الوضع التالي بعد الأسد أيضا (هذا ليس قدرا بالتأكيد)، وعلى هذه القاعدة المشتركة تتم الحوارات، لاسيما أن قوى المعارضة وفي مقدمتها الائتلاف ستقبل على الأرجح حكومة كاملة الصلاحيات مع رحيل الأسد، وبالطبع خشية التدمير الكامل وخسارة المزيد من البشر، وفقدان مؤسسات الدولة وصولا إلى الانهيار. صحيح أن هناك أطرافا على الأرض لا زالت تشكك في الائتلاف وتصر على حسم عسكري شامل، لكن هذه الأطراف لن تكون قادرة على تجاهل الرأي العام الشعبي الذي قد ينحاز لحل سياسي (جيد) يحافظ على ما تبقى من مقدرات البلد، ويوقف سيل المعاناة.

مما تابعناه في الأيام الماضية، وبعيدا عن لغة لافروف المتشددة، يمكننا القول إن ثمة أفقا لانفراج سياسي يبدو أن النخبة المحيطة ببشار لا تمانع في دفعه قدما إلى الأمام، وإذا ما تواصلت الجهود، فإن المعركة قد تكون في طريقها إلى أن تضع أوزارها، وإن كان من الصعب الجزم بتفاصيل المرحلة التالية التي لن تمر بسهولة ويسر. إذا لم يحدث ذلك، وعاد الروس للاستجابة لتشدد لافروف، فستستمر المعركة وصولا إلى حسم عسكري لم يعد موضع شك، وإن بدا من الصعب الجزم بتوقيته.

=================

الرئيس يريد سورية من دونه في «الجحيم»

خالد الدخيل *

الأحد ٣٠ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

هل هناك إمكان لحل سياسي يؤمن مخرجاً للأزمة في سورية؟ أخبار الأيام الأخيرة تفيد بتوافر معطيات هذا الحل. بعد زيارته إلى دمشق الأسبوع الماضي، واجتماعه مع الرئيس بشار الأسد، وفريق هيئة التنسيق الوطنية (معارضة الداخل)، قال المندوب العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي إن الحل يتطلب تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، ويقال إن زيارته إلى روسيا (أمس) هي لنقل موقف كل من الحكومة السورية ومعارضة الداخل من هذا المقترح. قبل مغادرة الإبراهيمي دمشق ذهب نائب وزير الخارجية السورية، فيصل المقداد، إلى موسكو. من جانبها دعت الحكومة الروسية قيادة هيئة الائتلاف الوطني (معارضة الخارج) إلى موسكو للتفاوض حول الفكرة نفسها. أبرز ما قيل عن نتائج هذه التحركات هو تصريح حسن عبدالعظيم، منسق هيئة التنسيق الوطنية السورية، لصحيفة «الحياة» الخميس الماضي «أن الإبراهيمي يحمل إلى الجانبين الأميركي والروسي... موافقة النظام السوري على نقاط أربع تبدأ بوقف العنف، وإطلاق المعتقلين والأسرى، وتأمين أعمال الإغاثة، ومن ثم تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، تنهي الوضع القائم، وتصدر دستوراً جديداً، وتجرى انتخابات برلمانية ورئاسية».

ما قاله عبدالعظيم لافت، بخاصة أنه من الذين اجتمعوا مع الإبراهيمي في دمشق، وهو يوحي في تصريحه بأنه ينقل ما قاله لهم في ذلك الاجتماع. بناء على ذلك هل يمكن أن يكون ذهاب المقداد إلى موسكو لنقل موافقة حكومته على نقاط الإبراهيمي؟ مصادر روسية تقول، وفق صحيفة «الحياة» أيضاً، إن هدف المقداد من الزيارة هو نقل تحفظات حكومته عن مقترحات الإبراهيمي، ما يعني أن الرئيس السوري لم يقبل على الأقل بكل هذه المقترحات. وبما أن المعنى المقصود بـ «حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة» هو نقل هذه الصلاحيات كاملة من الرئيس الأسد إلى هذه الحكومة، فماذا سيكون مصير الرئيس السوري في هذه الحال؟ هل سيبقى في منصبه خلال المرحلة الانتقالية كرئيس شرفي من دون صلاحيات؟ أم أنه سيتعين عليه التنحي عن منصبه؟ عن هذه الأسئلة يقول عبدالعظيم إن «بقاء الأسد في السلطة خلال الفترة الانتقالية ما زال مدار نقاش». وهنا بيت القصيد الذي يعيد كل شيء إلى المربع الأول، فإذا كانت الحكومة السورية وافقت على مقترحات الإبراهيمي، فلماذا لم تعلن هي هذا الموقف بشكل رسمي؟ أو لماذا لم يأتِ الإعلان من الإبراهيمي نفسه، بعد اجتماعه مع الرئيس الأسد، ثم مع معارضة الداخل؟

يتردد أيضاً أن تحركات الإبراهيمي تتم على خلفية تفاهم أميركي روسي يؤمن غطاء لمهمته، ولما يمكن أن تسفر عنه، وأن هذا التفاهم سوف ينتهي بقرار من مجلس الأمن تحت البند السادس يلزم الحكومة والمعارضة بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. هناك صمت أميركي حيال هذه التحركات، وهو صمت يبرر ما يبدو أنه شلل وزارة الخارجية الأميركية بسبب مرض هيلاري كلينتون التي ستغادر منصبها، وعدم تثبيت وزير الخارجية الجديد، جون كيري، انتظاراً لموافقة مجلس الشيوخ على تعيينه في هذا المنصب. والحقيقة أن الصمت الأميركي يعبر عن حقيقة موقف واشنطن، فهي ليست على عجلة من أمرها! عين واشنطن في الموضوع السوري ليست على دمشق، وإنما على طهران، وخوفها على تل أبيب وليس سورية، وفي المقابل هناك جلبة تصريحات روسية، بخاصة من وزير الخارجية سيرغي لافروف، تصب كلها في تأكيد ضرورة الحل السياسي، وأنه المخرج الوحيد لكل الأطراف، ومع أن موسكو تردد أخيراً بأن مصير الأسد لا يعنيها كثيراً، إلا أن لافروف لا يمل من التأكيد على أن تنحي الأسد لا ينبغي أن يكون شرطاً مسبقاً للحوار بين الحكومة والمعارضة.

السؤال هنا: هل يمكن التوصل مع النظام الحالي إلى حل سياسي يبدأ بمرحلة انتقالية تديرها حكومة موقتة بصلاحيات كاملة، وينتهي بنظام ديموقراطي؟ كل محب ومخلص للشعب السوري يتمنى لو أن شيئاً قريباً من ذلك يمكن تنفيذه، لكن الحقيقة أن هناك عقبات «كأداء» أمام مثل هذا الحل. أولى هذه العقبات وأخطرها هو النظام السوري نفسه، فهو لا يؤمن بالحلول السياسية في الداخل، وبخاصة ما يتعلق منها بموضوع الحكم، وهو لم يتأسس أصلاً للتعامل مع مثل هذه الحلول. الحل السياسي بالنسبة اليه في شأن الحكم وانتقاله شكل من أشكال المؤامرة. مهما كان شكل هذا الحل، ومهما كانت أهدافه، والنوايا التي تقف خلفه، وأياً كان الطرف الذي يرعاه، سيؤدي في الأخير إلى تلاشي النظام، واستبداله بآخر. بشار الأسد يعرف هذا جيداً، لكنه لا يملك إعلان رفضه على الملأ. يملك تأخير هذا الحل، وعرقلة انطلاقته، والالتفاف عليه بكل وسيلة ممكنة، وكانت آخر هذه الوسائل العودة مرة أخرى لاسطوانة «الحوار الوطني الداخلي» تحت مظلة النظام، والأرجح أن مهمة المقداد في موسكو هي لإقناعها بجدوى هذا الحوار. استراتيجية النظام منذ بداية الثورة وحتى الآن لم تتغير: كسر الثورة عسكرياً، وشراء المزيد من الوقت لتحقيق ذلك. موسكو لا تمانع في ذلك، لكنها تدرك أن هذا الهدف يبتعد بشكل مستمر أمام نجاحات المعارضة المسلحة على الأرض، فلا تتوقف موسكو عن محاولة إقناع المعارضة بقبول الحوار، والغريب أن الروس لا يدركون، أو هكذا يبدو، أن موقفهم هذا لا يبقي من رصيد صدقيتهم الشيء الكثير. قوات النظام تدك المدن بالطائرات والصواريخ الروسية، ومئات القتلى يسقطون يومياً، ولا تملك موسكو ما تقوله أمام كل ذلك إلا دعوة المعارضة للحوار مع النظام، أي الاستسلام للحل الأمني. يشبه الموقف الروسي في هذه اللحظة موقف إيران.

العقبة الأخرى هي بشار الأسد. جاء إلى الحكم بطريقة توريث من خلف كواليس الأجهزة الأمنية. ليس له تاريخ سياسي، وليس له إنجاز، ولم يكن معروفاً إلا أنه ابن حافظ الأسد، وبالتالي فليست له شرعية خاصة به يمكنه الاستناد إليها. انفجرت الثورة في وجهه وهو لا يزال أسير هذا الإرث، والأرجح أنه «مهجوس» بحلم القضاء على الثورة، لأنه إذا تمكن من ذلك، أو تمكن من تطويعها، فسيتمكن عندها من إعادة تأسيس النظام وفقاً لمقاسه هو، ومقاس تحالفاته مع إيران وروسيا، وأنه بهذا الإنجاز سوف يؤسس لشرعية مستمدة من صموده ومن إنجازاته، وبالتالي سيتخلص إلى الأبد من مثلبة التوريث، ومن اعتياشه على إرث أبيه. قبوله بحل سياسي ينتهي بتنحيه يعني أنه فشل تماماً في كل شيء، وبخاصة في المحافظة على الحكم الذي ورثه، وأؤتمن عليه من أبيه.

المبادرة نفسها، كما تبدو عليه، هي مصدر فشلها، فهي مبادرة باردة، تتجاهل كل الدماء التي سالت، والدمار الذي طال المدن على يد قوات النظام. غموض مصير الرئيس الأسد فيها مؤشر على ذلك، وعلى أنها لم تكتمل بعد، وهو غموض ينسف التفاؤل الذي ينطوي عليه تصريح عبدالعظيم، ثم إن رفض معارضة الداخل المسلحة، ومعارضة الخارج لأي حل لا يبدأ بتنحي الأسد وأركان نظامه موقف طبيعي، بل موقف الحد الأدنى في هذه المرحلة. وأثناء كتابة هذه المقالة أعلن لافروف بعد محادثاته مع الإبراهيمي أن الأسد مصرّ على البقاء في السلطة، وهذا كما يبدو، خلاصة ما سمعه من المقداد والإبراهيمي. من جانبه قال الإبراهيمي «إما الحل السياسي أو الجحيم».

=================

فجر سورية آتٍ

بينة الملحم

الرياض

30-12-2012

    أثار خبر تجدّد دعوة موسكو للحوار والأحاديث الروسية الأخيرة عن الحالة السورية الكثير من الشكوك حول مصير الأسد ونظامه.

حثت موسكو مؤخراً دمشق على تنفيذ دعواتها السابقة للحوار مع المعارضة، كما دعت الائتلاف الوطني السوري المعارض للمشاركة في مفاوضات بهدف تسوية النزاع السوري. إلا أن رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد معاذ الخطيب رفض الدعوة، وقال إن روسيا يجب أن تعتذر للشعب السوري عن تدخلها في الشؤون الداخلية لسورية.

التقارير تتحدث عن خروج الأسد من دمشق ولجوئه إلى مناطق علوية في الساحل ما يجعل التأزيم الطائفي للثورة السورية يتنامى.

الأمم المتحدة وصفت الذي يجري في سورية بأن له صبغة طائفية، والنظام السوري يزداد ضعفاً وخوراً وإفلاساً. جهاد مقدسي الناطق باسم الخارجية السورية وضعه غامض، فبعض التحليلات تتهم حزب الله باختطافه من بيروت وتسليمه للنظام السوري ما يجعل مصيره في غايةٍ من الغموض والبعض الآخر يتحدث عن خروجه إلى دولةٍ غير متوقعة فلا هي بريطانيا التي عمل فيها مقدسي من قبل ولا هي أميركا بدليل أن تأشيراته للدخول منتهية.

روسيا بدأت تستخدم منطق «لدينا قلق على سورية ما بعد الأسد لا على الأسد»! هذا المنطق تنامى مع حديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لقناة «روسيا اليوم» والذي قال:» استخدام الأسلحة الكيماوية سيكون بمثابة «انتحار سياسي» لنظام الرئيس السوري، لا أعتقد أن سورية ستستخدم أسلحة كيماوية وفي حال حصل ذلك، فسوف يكون ذلك بمثابة انتحار سياسي للحكومة، الجميع متفقون ومنهم شركاؤنا الغربيون والأوروبيون على أن التهديد المباشر يتأتى من إمكانية سيطرة الثوار على المواد الكيميائية، تحت أي ظرفٍ من الظروف لن تتدخل روسيا لنقل اقتراحات من أي نوع إلى الأسد لأن هذا الأمر متروك للسوريين أنفسهم هم من يجب أن يقرروا ذلك»!

هذه العبارات من لافروف جعلت البعض يصفه ب»الحمامة» بعد أن كان «صقراً» في الدفاع عن النظام السوري وتبرير جرائمه ومنع أي قرارٍ من مجلس الأمن بالتعاون مع الصين.

روسيا الآن تعرف أن مصير سورية هي سبب فيه وإلا لو سارت مع الضمير الشعبي تجاه المجتمع السوري والثائرين لما وصلت سورية إلى الحالة التي وصلت إليها، غير أن روسيا دولة تجارة ودولة مافيا وليست دولة سياسية بالضرورة.

كتب مدير مركز الإصلاح الأوروبي «تشارلز غرانت» في صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً بعنوان:»روسيا والصين وعراقيل التقدم» قال فيها إن: «العائق الأساسي في طريق الإصلاح في الدولتين هو الجماعات القوية التي تعمل لمصلحتها الشخصية. تحيط الكثير من العائلات في روسيا وكذلك رجال أعمال بفلاديمير بوتين ويسيطرون على الشركات الكبرى التي تتحكم في الموارد الطبيعية والمؤسسات الأمنية، ولا يريدون إعادة الاتزان إلى البلاد، فهذا يهدد ثرواتهم ونفوذهم. وبالمثل في الصين، ترتبط الكثير من الفصائل في الحزب الشيوعي، ومشاريع الدولة الكبرى والمؤسسة الأمنية بالريع الاقتصادي والامتيازات التي يضمنها النظام الحالي، إن المصدر الرئيسي لشرعية النظامين في روسيا والصين هو النمو الاقتصادي الذي يساعد على تحسين مستوى المعيشة. وفي ظل تباطؤ النمو، والمرشح للمزيد من التباطؤ في حال استمرار رفض استعادة الاتزان، سيحتاج النظامان وسائل جديدة لإضفاء الشرعية على حكمهما»!

هذه المقالة بليغة ودالة على مستويات التحدي في روسيا والصين، والنتيجة أن روسيا تريد إرضاء العائلات التاجرة في البلد ولهذا لم تستطع أن تكون ذات سياسة أخلاقية ولم تجد إلا النفعية المحضة وسيلةً للتدخل في سورية..

حمت روسيا النظام السوري إلى أبعد الحدود وسيأتي اليوم الذي تشعر فيه بأن النظام السوري قد تآكل وربما يكون تغير الخطاب الروسي.. وانتهاء النبرة الاستعلائية في السياسة أحد علامات الانهيار الذي يجري للأسد.

روسيا تريد أن تبقي على الأسد بأي ثمن، لكنها هي من قال إن وضع نظامه في حالةٍ صعبة وهي التي تتحدث عن آلامٍ يعاني منها النظام، ولا ننسى تصريحات فاروق الشرع الذي قال إن النظام يصعب عليه حسم المعركة ... الأكيد أن فجر سورية سيأتي وهذا ما يعزينا وسط الأخبار المؤلمة والصادمة..

=================

أسئلة صريحة تواجه الثورة السورية

إن درجةً عاليةً من التهميش والإقصاء مورست على الغالبية العُظمى من الساسة المنشقين..

د. وائل مرزا

الأحد 30/12/2012

المدينة

لماذا يُعتبر المنشق (العسكري) فقط شريفاً عند شرائح من أبناء الثورة السورية؟ ويُغفر له تاريخه (البعثي)؟ ويتم التجاوز عن عمله سنوات طويلة مع النظام؟ ويُرحّب به للعمل في مجاله حتى على مستوى القيادة؟ في حين يندر أن يُستعمل الوصف نفسه مع المنشقين السياسيين عن النظام، ويتم التعامل معهم بلسان الحال، وأحياناً بلسان المقال، أنهم من المشكوك في أمرهم. ويغلبُ أن يتم رفض وجودهم في ساحة العمل السياسي المعارض الذي يهدف إلى إسقاط النظام، وتكاد الدعوة لإعطائهم دوراً قيادياً في المراحل الانتقالية تُصبح تهمةً على من يُطلقها، وفي أحسن الأحوال (تابوهاً) من المحرمات لايجوز الكلام فيه أصلاً.

لاندعو هنا في قليلٍ أو كثير لسحب صفة الشرف عن الضباط الذين انشقوا على جيش النظام وانحازوا إلى شعبهم، بل إن هؤلاء يمثلون معنى البطولة في كثيرٍ من الأحيان لأسباب لايختلف عليها اثنان. لكن مايهمنا في الموضوع يتمثل في تجاوز استخدام المقاييس الثنائية مع الذين كانوا يعملون في الدولة السورية، وكانوا بشكلٍ أو بآخر تابعين للنظام الآيل للسقوط، وكانت الغالبية منهم، ممن وصلوا إلى مراتب عالية فيه، من البعثيين.

لقد كانت نداءات الانشقاق التي تُرسل إلى السياسيين ممن يعملون مع النظام في مقدمة النداءات التي أطلقها الثوار، وكان معروفاً أن الثورة ستحقق مكاسب كبيرة بانشقاقهم، وأن هذه العملية تُعتبر عنصراً رئيساً من عناصر إسقاط الشرعية عن النظام سياسياً، ومن عناصر الحرب المعنوية التي تجعل بنيته تُصاب بالاهتراء التدريجي.

هذه حقيقةٌ ثمة إجماعٌ كبيرٌ عليها. فما هو ردّ الفعل الطبيعي تجاه أولئك إذا استجابوا للنداءات وقاموا بما كانت الثورة تدعو إليه بشكلٍ ملحٍ ومتكرر؟ بدرجةٍ من الصراحة والشفافية، لايبدو أن ردّ الفعل على الحالات التي حصلت ينسجم مع منطق الثورة وخطابها الأصيل ومبادئها المتميزة. ففيما عدا بعض مظاهر الترحيب الخجول والسريع بتلك الحالات، والتي غلبت عليها رنّة الشماتة بالنظام، قصّرت المعارضة السياسية في استيعاب الطاقات المذكورة في صفوفها. بل يمكن القول أن درجةً عاليةً من التهميش والإقصاء مورست على الغالبية العُظمى من الساسة المنشقين. وحتى في بعض الحالات التي فيها تم التواصل مع أفراد منهم، كان هذا التواصل بمثابة محاولةٍ للـ (توظيف) من قبل بعض التجمعّات الحزبية لأسمائهم هي من قبيل الاستثمار لاأكثر ولا أقل.

.قد يقول قائل إن النظرة المذكورة تتعلق فقط بالمنشقين من الطبقة السياسية العالية، لكن هذا بحدّ ذاته يُمثّل مشكلةً كبيرة. فإذا كان الترحيب يرتفع كلما كان المنشق العسكري أعلى رتبةً، ماذا يعني أن ينخفض الترحيب كلما كان المنشق السياسي أعلى موقعاً؟ خاصةً وأننا نعلم أن نفوذ وقوة العسكري العامل في النظام من الرتب العليا كان في جميع الأحوال أكبر من نفوذ وقوة السياسي العامل في النظام من الدرجات العليا.

قد يكون من التفسيرات (المُخيفة) للموضوع أن ثقافتنا لاتزال تحترم (القوة) بمعناها المباشر الذي يتمثل هنا في القدرة على حمل السلاح. ونحن لانصف هذا التفسير بأنه مخيف لأننا لانُقدّر عمل العسكريين وعطاءهم، بل لأننا نحسبُ أن الجميع متفقون على أن من أهداف الثورة إيجاد سوريا الديمقراطية الحديثة التي يكون من ملامحها الواضحة ألا يُسيطر عليها أحدٌ بقوة السلاح. وبما أن كثيراً من الثوار العسكريين والمدنيين يُصرحّون بقبولهم لهذه الحقيقة في المناسبات العامة واللقاءات الخاصة، فإن عملية مراجعةٍ للموقف من المنشقين السياسيين باتت مطلوبةً وبإلحاح.

ثمة بعدٌ آخر للموضوع لايمكن الهروب منه أيضاً. فنحن نعلم أن الغالبية العظمى من شرائح المعارضة السياسية الحالية لم تعمل في يومٍ من الأيام في مجالات الإدارة الحكومية، وليس لديها خبرةٌ في دهاليزها التي تحتاج إلى درجةٍ من الخبرة والمعرفة والدراية العملية. من هنا، فلن يكون غريباً القولُ أن العاملين في الدولة يجب أن يبقوا خزّان الكوادر البشرية الذي سيرفد النظام السوري الجديد المُنتظر.

ثمة شرطٌ يتفق عليه الجميع ويتمثل في ألا يكون في مواقع القيادة أشخاصٌ تلوثت أيديهم بدماء السوريين بشكلٍ مباشر من خلال الأمر والمساهمة العملية، أو بشكل غير مباشر من خلال التمويل الكثيف والمقصود لعملية قتل السوريين. وهذا شرطٌ يجب أن يكون الحُكمُ بوجوده مَنوطاً بهيئات قضائية ثورية عادلة. أما فيما عدا ذلك، فمن غير المنطق إقفال الباب في وجه خبراتٍ وطاقاتٍ يمكن أن تساهم في الإدارة الحكومية بشكلٍ متميز وكبير.

ماهي رؤية المعارضة السورية للآلية المحددة لانتقال النظام، سواء كان الأمر عبر شرعية سياسية أو ثورية؟ ماهي التوازنات الحساسة بين مايُعتبر حقيقةً بمثابة (تنازلات) تتناقض جذرياً مع أهداف الثورة، وبين قراراتٍ سياسية تُساعد على وقف المجازر بحق الشعب السوري؟ هل يُعتبر كل اتصال، ولو كان بشروط مدروسة سياسياً، مع بعض القوى الدولية والإقليمية التي تساند النظام خيانةً للثورة؟ كيف يجب أن تكون طبيعة العلاقة حالياً ومُستقبلاً بين الساسة المعارضين والثوار من العسكر والمدنيين؟ هل ينحصر معنى القيادة في الانسجام مع المزاج السائد العام، أم يتجاوز ذلك إلى اتخاذ قرارات قد لاتحظى بالشعبية على المدى القصير وإن ظهر صوابها على المدى الأبعد؟

هذه وغيرها أسئلةٌ صريحة تواجه الثورة السورية وأهلها يجب أن تُطرح بوضوحٍ وشفافية كما هو الحال مع موضوع المنشقين السياسيين الوارد أعلاه، والهروب من مواجهتها لايليق بالتأكيد بمقام الثورة وثقتها بنفسها وبشعبها الواعي الذي يكتب التاريخ.

=================

.. وأين أخطأ؟

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

30-12-2012

يحار سوريون كثيرون في فهم ما جرى لبلادهم. وبما أنهم لا يجدون مسوغات لسلوك النظام الحربي ضد شعبهم، فإنهم يتهمون أهل السلطة بالجنون تارة، وبنقص الوطنية أو الخبرة تارة أخرى، ولا يكفون عن طرح سؤال يحيرهم: ما هذا الجنون الذي يعتمده الحكام وما أسبابه؟

هذا السؤال تحدى أيضا المهتمين والعارفين بالشأن السوري، بمن في ذلك مفكرون وكتاب كبار، يتبادلون طرح هذا السؤال الصعب على بعضهم البعض، حين يتحادثون بالهاتف أو يلتقون. لماذا حدث ما تعيشه بلادنا اليوم؟ ولماذا لم يكن يخطر لنا ما عاشته خلال العامين الماضيين على بال؟ ولماذا لم نصدق أنه يحدث فعلا حتى بعد قيام الثورة بفترة غير قصيرة؟

سأضع نفسي في مكان أهل السلطة، لإيجاد مقاربة معقولة للطريقة التي اعتمدوها في فهم الحدث السوري ومعالجته. أعتقد أن الرئيس وطاقمه القيادي والاستشاري فهموا العلاقة بينهم وبين الشعب على نحو جعلهم يقررون نمط سلوكهم الحالي، الذي قام منذ البداية على اللجوء إلى قدر أقصى من العنف، أرادوا له أن يكون رادعا إلى أبعد حد يمكن تصوره. وأعتقد أن الرئيس وجماعته كانوا على ثقة من أنه لن تكون هناك ثورة في سوريا، وأن عدد من سينزل إلى الشارع من السوريين لن يكون كبيرا في جميع الأحوال، لذلك سيكفي لإعادته إلى رشده قدر صاعق ومفرط من القوة، بالإضافة إلى اتهامه بالعمالة للأجنبي في الخارج، وللإسلاميين في الداخل. أما العنف، فهو سيعيدهم إلى رشدهم وسيجعلهم يدركون أن المسألة لا تحتمل المزاح، وأن النظام لن يحجم عن فعل أي شيء لقمع وقتل من يتظاهر منهم، بينما ستكفي تهمة العمالة لإقناع السوريين عموما بأن عقوبة من يتظاهر منهم هي الإعدام.

وقد قال الأسد شيئا من هذا قبيل الثورة، عندما نفى أن يكون هناك خطر ثورة من الطراز التونسي أو المصري في سوريا، وأشار إلى وجود تطابق بين النظام والسوريين في الوطنية والممانعة، وانتفاء التذمر في البلاد. في ظني أن الرئيس كان يفكر على النحو التالي: لدينا من أصل 23 مليون سوري نيف ومليون مواطن في الأمن والجيش والشبيحة، وقرابة ثلاثة ملايين في الحزب والجبهة الوطنية التقدمية، وملايين الشباب في المنظمات الطلابية الشبابية المختلفة، بينما تم تأطير الشعب كله في «منظمات شعبية» تخضع لرقابة أمنية دائمة، وتخترق المجتمع تكوينات موالية للنظام تنقل إليه كل شاردة وواردة فيه، فمن أين ستأتي الثورة، إن كان لا يوجد شعب في سوريا، وكانت المعارضة ضعيفة ومتهالكة، والمواطنون بلا خبرة سياسية، ولا يشكلون كتلة واحدة أو كتلا متقاربة أو متشابهة، بل جماعات مشتتة لا يربط بينها رابط؟ لن تكون هناك ثورة، بل أعمال شغب متفرقة في أسوأ الأحوال، وهذه لن يخاطر بالانخراط فيها غير قلة من المتأدلجين المذهبيين، الذين سيبتعد الشعب عنهم بمجرد أن نسميها كجهة تحركهم ونتهمهم بالعمالة. لن تكون هناك ثورة، وقد لا تكون هناك أعمال شغب، فلنكن مطمئنين إلى أن سوريا ليست ولن تكون تونس أو مصر أو اليمن. إنها بلاد لا شعب فيها، ينضوي مواطنوها ضمن النظام وتنظيماته، ويعيشون ويموتون تحت أعين أجهزته الأمنية الساهرة ليلا ونهارا!

نشبت الثورة في منطقة طرفية يديرها أقوى تنظيم حزبي بعثي، هي حوران، فعالجها النظام كما كان قد قرر أن يعالج أي تحرك احتجاجي: بأقصى عنف ممكن، وبوصفها حراكا إسلاميا وعميلا تقوم به قلة لا شأن لها. هل أخطأ العقل الأمني القمعي، ولم يفهم معنى أن يكون بين شهداء الثورة الأولى ثمانية بعثيين شاركوا في المظاهرات واقتحام قصر المحافظ ومقر عاطف نجيب، مدير الأمن السياسي، الذي كان قد اعتقل وعذب أطفال درعا وأهان وجهاءها المطالبين بوضعهم في السجن مقابل إطلاق سراح أبنائهم؟ لا أهمية اليوم لهذا السؤال. ومن الأهمية بمكان متابعة ظاهرة لم تكن تخطر ببال أهل السلطة، هي تشكل شعب سوري جديد منفصل عن النظام، في إطار حاضنة كانت مغيبة تماما هي الحرية، حامل الثورة الحقيقي والحافز المعنوي الذي مكن الشعب من الصمود أمام آلة القتل الرهيبة طيلة قرابة عامين، علما بأن انبعاث الشعب السوري في إطار المطالبة بالحرية وضعه منذ لحظات الصراع الأولى خارج عالم السلطة، وأخرجها من عالمه وجعله يعاملها كاستعمار داخلي تكتسب المعركة ضده طابعا وطنيا يتخطى أي سياسات حزبية أو محلية. هذه الحقيقة عمقت شعور السوريين بوطنيتهم المجتمعية الحرة، التي حلت محل وطنية زائفة فرضتها السلطة عليهم كي تضمن استسلامهم لها. هنا يكمن، في اعتقادي، السبب في ظاهرة مهمة جدا تتلخص في حقيقة أن هذه الوطنية الحرة هي التي حالت دون زج الشعب فيما سعى النظام إليه من صراع طائفي واقتتال أهلي، وأن أعدادا هائلة من المواطنين السوريين يدافعون عن أنفسهم منذ عام ونيف دون أن ينزلقوا إلى هوة الاقتتال مع من يختلفون عنهم في الدين أو المذهب أو الموقف السياسي أو الانتماء القومي.

هذه الوطنية الجامعة، التي صمدت أمام آلة القتل وسياسات التحريض والشحن والتعبئة الطائفية، كانت المفاجأة التي واجهها النظام وعجز عن فهم معناها أو امتلاك القدرة على مواجهتها، رغم أنه اندفع إلى قتالها كثور هائج يريد كبحها، بيد أنه لم يحقق شيئا غير كسر قرنيه وجعلها أصلب عودا وأكثر قوة واستعدادا للعيش، وقدرة على دحره قرية بعد أخرى، ومدينة بعد مدينة، وشارعا بعد شارع. في هذه النقطة بالذات تكمن غلطة النظام الاستراتيجية، التي لن يتمكن من تصحيحها حتى إن أخمد الحراك والمقاومة. وفي هذه النقطة يكمن تفوق الشعب، الذي كسب المعركة على الصعيد الاستراتيجي رغم ما كابده من خسائر تكتيكية أوهمت أرباب السلطة أنها ستكسبهم المعركة، رغم أنهم كانوا يتعرضون لهزيمة استراتيجية بدءا من اليوم الذي هتفت فيه دوما: «يا درعا نحنا معاكي للموت»، وحمص: «يا دوما نحنا معاكي للموت»، ودير الزور: «يا حمص نحنا معاكي للموت»، وحماه: «يا دير الزور نحنا معاكي للموت»... وهكذا دواليك في كل شبر من أرض سوريا تسابق مواطنوها لافتداء بقية مكونات الوطنية المجتمعية الجديدة بحياتهم.

كان أحد الحكماء يقول: في حياة كل شخص غلطة إن هو اقترفها ضيع نفسه وعجز عن الخروج منها. هذه الغلطة اقترفها النظام عندما عجز عن فهم احتمالات وممكنات الواقع السوري، وتبنى نهجا عنيفا لم يكن أي سوري يصدق أنه قد يمارسه ضد الشعب. إنها الغلطة القاتلة التي لا يمكن إصلاح نتائجها، والتي ستقضي حتما عليه، والتي نزعت عنه أي صفة وطنية أو مجتمعية أو سياسية، وألغت جميع مسوغات وجوده.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ