ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأربعاء 01/08/2012


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

سورية ومتطلبات المرحلة الانتقالية

2012-07-31 12:00 AM

الوطن السعودية

ينصب اهتمام السوريين الآن على معركة إسقاط النظام، وتغيب عن الأذهان متطلبات المرحلة الانتقالية في حال سقوطه المتوقع في أي لحظة؛ ذلك أنه لايمكن التنبؤ بالأحداث على الأرض، إذ أثبتت التجربة الليبية أن الانهيار يمكن أن يكون فجائياً، وبسرعة تتجاوز التوقعات، وتختصر المراحل الزمنية.

وأمام هذا الواقع، فإن على السوريين ـ في المرحلة الحالية ـ أن يسيروا في مسارين متوازيين؛ أحدهما: إكمال ما بدأه الشعب، ثم الجيش الحر من مواجهة مسلحة مع النظام، والآخر: الترتيب للمرحلة القادمة، بما يضمن عدم انزلاق البلاد نحو الفوضى أو التقسيم، أو قفز بعض العناصر غير المرغوبة إلى كراسي السلطة، لتتجدد المشكلة، وتذهب التضحيات هباءً.

إن من المهم ألا يكون التخطيط للمرحلة الانتقالية صادرا عن تكتل دون آخر من تكتلات المعارضة، وأن يكون هناك توافق كامل على استراتيجية المرحلة القادمة، لئلا يصبح انفراد جهة بعينها بالتخطيط سببا في خلافات لا تحتملها البلاد في ظل أوضاعها الحالية.

الجيش السوري الحر في الداخل كان قد عرض، في بيان صدر أمس، "مشروع إنقاذ وطني" للمرحلة الانتقالية، ينص على إنشاء مجلس أعلى للدفاع، مهمته تأسيس مجلس رئاسي من ست شخصيات عسكرية وسياسية، ليدير المرحلة الانتقالية، وجاء في التفاصيل أن من مهام المجلس الرئاسي "اقتراح قوانين تطرح على الاستفتاء العام وإعادة هيكلة المؤسستين الأمنية والعسكرية على أسس وطنية ووضع حلول لاستيعاب المدنيين الذين حملوا السلاح خلال الثورة في المؤسستين العسكرية والأمنية".

البيان من حيث صياغته، ينم عن الرغبة في مشاركة كل القوى السياسية والشخصيات الوطنية والهيئة العامة للثورة والتنسيقيات والحراك الثوري والجيش السوري الحر "في صنع المؤسسات الجديدة" للدولة، مما يعني استيعاب فكرة شمولية المشاركة، بيد أن العقل العسكري سيطر على البيان، حين تضمن اقتراحا بتشكيل حكومة انتقالية، على أن تكون للمؤسسة العسكرية فيها حقيبتان وزاريتان هما الداخلية والدفاع، ولم يوضح البيان ما إذا كان هذا الاقتراح مؤقتا خضوعا للحالة الأمنية التي تستدعي شيئاً من الحزم في الفترة التي تلي سقوط النظام، أم أنه نهج، وطريقة تفكير.

إن إيجابية التفكير في إدارة المرحلة الانتقالية، من أجل سورية الجديدة، يجب ألا تتسبب في الغفلة عن أن أي خلل في التخطيط، أو تهميش لبعض القوى، يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية غير متوقعة.

=================

ما الثمن الذي ستحصل عليه تركيا ؟

بقلم /  خير الله خيرالله :

الراية

31-7-2012

ثمة سؤال يفترض في أركان النظام السوري، أو ما تبقى منهم طرحه: هل من أفق للقمع؟ كيف يمكن للنظام متابعة إمساكه بسوريا بعد كلّ ما حصل في السنة ونصف السنة الماضية؟

ليس في استطاعة أيّ من أركان النظام الإجابة عن أي سؤال من هذا النوع. من كان يمتلك بعض الشجاعة والجرأة على مواجهة الواقع قرّر التخلي عن النظام. هذا ما فعله العميد مناف طلاس وغيره من الضباط والمسؤولين مثل السفير في بغداد نوّاف الفارس.

يعرف شخصان مثل مناف طلاس ونوّاف الفارس كلّ شاردة وواردة عن النظام. ولم يكن خروجهما من سوريا، بالنسبة إلى الأوّل، ومن النظام بالنسبة إلى الثاني، سوى مؤشر إلى أن مرحلة انتهت وأن ثمة حاجة إلى تغيير جذري. إنه تغيير يؤدي، في أحسن الأحوال، إلى مرحلة انتقالية.

 البديل من المرحلة الانتقالية حروب صغيرة أو كبيرة ذات طابع مذهبي أو مناطقي أو حتى إقليمي معروف كيف تبدأ وليس معروفًا كيف تنتهي. هذه الحروب بدأت بالفعل، لكنها ما زالت محصورة في الوقت الراهن في انتظار ما ستسفر عنه معركة حلب وما ستؤدي إليه المواجهة التي يفتعلها النظام السوري مع تركيا. يسعى النظام إلى مواجهة مع تركيا عن طريق حزب العمّال الكردستاني الذي يتزعمه عبدالله أوجلان. إنه اوجلان نفسه الذي سلمته السلطات السورية إلى تركيا بطريقة غير مباشرة عندما أبعدته عن أراضيها في العام 1998.

كان أخطر تطوّرين حصلا في الأيام الأخيرة، بعد تفجير "خلية الأزمة" في دمشق ومقتل قياديين أمنيين على رأسهم هشام اختيار (او بختيار) وآصف شوكت، حشد قوات في محيط حلب والسماح للمقاتلين الأكراد بالعمل ضدّ تركيا انطلاقًا من الأراضي السورية.

ماذا يعني ذلك؟

يعني التطوران أن النظام لا يمتلك أي مخيلة من أي نوع كان وأنه يظنّ أن في استطاعته ترويض المدن والمناطق السورية على غرار ما فعل الأسد الأب في العام 1982 مع حماة. أكثر من ذلك، يظنّ النظام أن هناك ورقة يستخدمها مع تركيا اسمها حزب العمال الكردستاني.

يرفض النظام السوري أن يتعلم شيئًا من تجارب الماضي القريب. يعتقد الرئيس بشّار الأسد أن الشعب السوري يحبّه وأن لديه مؤيدين ومناصرين ومحازبين في درعا ودوما ودمشق والزبداني وحمص والرستن والقصير وحماة وادلب ودير الزور وحتّى بانياس واللاذقية الخ.. لم يستوعب في أي لحظة أنه خسر كلّ شيء وأنه لا يمتلك أصلاً أي شرعية وإن كلّ ما كان يستطيع عمله هو الخروج من البلد أو الانتقال إلى القرداحة، في حال كان ذلك ممكنًا، والتمتع بالثروة التي جمعتها العائلة.

المؤسف بعد الذي حصل أنه لن يكون قادرًا على التمتع لا بالسلطة ولا بالثروة وأن السوريين سيلاحقونه إلى يوم القيامة بدعم من المجتمع الدولي. لم يعد لديه مكان يلجأ إليه سوى إيران وروسيا. وفي حال استمرّت الأوضاع في التدهور، قد لا يجد ملجأ في أي من هذين البلدين، خصوصًا أن النظام الإيراني آيل إلى السقوط عاجلاً أم آجلاً. لا مكان لمثل هذا النوع من الأنظمة التي تعتقد أن لديها دورًا إقليميًا تلعبه يفوق حجمها وإمكاناتها.

كان الاعتقاد السائد بعد الذي حصل في لبنان بين العامين 2004 و2005، أي بعد التمديد للرئيس اميل لحود واغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه ثم خروج القوات السورية من الأراضي اللبنانية، أن بشّار الأسد جديد في السياسة ولا يعرف الكثير عن لبنان.

بعد اندلاع الثورة في سوريا، تبيّن أنه لا يعرف شيئًا عن بلده وعن مواطنيه أيضًا. ظنّ بكل بساطة أن في إمكانه أن يكرّر مع المدن ما فعله والده في حماة قبل ثلاثين عامًا. لم يتخيّل يومًا أنه كان عليه التخلي عن السلطة بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من بدء الأحداث وظهور مدى عمق الرفض الشعبي له للنظام.

الجديد الآن أنه يبحث عن مشكل كبير مع تركيا التي مارست سياسة ضبط النفس إلى أبعد حدود منذ بدء الثورة السورية. يمكن لتركيا قبول أمور كثيرة، لكنها لا يمكن أن تقبل لعب ورقة حزب العمال الكردستاني. مثل هذا التطوّر في غاية الخطورة وقد سبق للنظام السوري أن لعب هذه الورقة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وانتهى به الأمر إلى الاستسلام أمام الأتراك وتسليم أوجلان والاعتراف بأن لواء الاسكندرون لم يعد "اللواء السليب".

يشير التصعيد مع تركيا إلى نهاية مرحلة في سوريا. ما الثمن الذي ستحصل عليه أنقرة يوم صدور الإعلان الرسمي عن نهاية النظام؟

=================

هل يُمكن قانونياً محاكمة بشار الأسد بعد تنحيه؟

د. زهير فهد الحارثي

الرياض

31-7-2012

    المراقب لما تتناقله وسائل الإعلام هذه الأيام، وما يردده صنّاع القرار في بعض العواصم، وما يتم تداوله في دهاليز السياسة من تصريحات وتلميحات وتسريبات من هذا الطرف أو ذاك، يلحظ بأنها كلها تدفع باتجاه مؤشرات قوية بأن الأزمة السورية باتت إلى خط النهاية هي أقرب،سواء بتنحي الرئيس أو بحرب أهلية شرسة بدأت معاركها في حلب الآن لتؤدي ربما في نهاية المطاف إلى تقسيم سورية لدويلات علوية وسنية وكردية، وإن كان الرأي الأول هو الأرجح بدليل أن النقطة المفصلية التي يدور حولها التفاوض الآن في الغرف المغلقة هي ضرورة تنحي الرئيس ما يعني أن أيام بشار الأسد باتت معدودة وانه في طريقه للرحيل، وان ثمة اتفاقاً بدأ يلوح في الأفق بين دوائر صناعة القرار في أن يتم قبول التنحي مقابل إعطائه ضمانات أي على غرار النموذج اليمني من حيث نقل السلطة سلمياً، وتشكيل حكومة وطنية للمرحلة الانتقالية. ويبدو أن هذا أصبح المخرج لحل الأزمة لاسيما في حالة صحة ما يقال حول توافق أهم الأطراف المؤثرة في القضية على مسألة تنحي الرئيس السوري الذي بات في قناعة الكثيرين بأنه هو جزء من الأزمة لا الحل .

التنديد الرسمي الدولي والغضب الشعبي وشجب ما قام به النظام رغم أهميته،إلا انه لن يأتي بجديد ما لم تترجم هذه المواقف إلى مشروع إدانة يتضمن إقرار المسؤولية الجنائية وبالتالي اعتبار بشار وضباطه مجرمي حرب

وتبين أن التفاهمات وتسارع وتيرة التجاوب، جاءا عقب ضربة دمشق الموجعة التي أودت بحياة أبرز القادة الذين يعتمد عليهم النظام، وحتى لو افترضنا صحة ما قيل بأن العملية كانت من تدبير النظام، وأن بشار أراد تصفيتهم قبل قيامهم بمشروع الانقلاب، فان النتيجة تبقى كما هي سواء تمت من قبل الجيش الحر، أو النظام، فالمحصلة بكل تأكيد هي دخول النظام في حالة من الارتباك والضعف والتصدع إن شئت، بدليل تزايد حالات الانشقاق من رموز عسكرية ودبلوماسية.

غير أن هذا الأمر يطرح تساؤلا وجيها يتمثل في كيفية أن يُترك رئيس دولة متهم بقتل الآلاف من شعبه. لأن الخشية من عدم محاكمته تعني أنها ستكون سابقة في العصر الحديث وستفتح الباب على مصراعيه مستقبلا لكل دكتاتور من الاتكاء عليها كمخرج حين المساءلة.

على أن التنديد الرسمي الدولي والغضب الشعبي وشجب ما قام به النظام رغم أهميته،إلا انه لن يأتي بجديد ما لم تترجم هذه المواقف إلى مشروع إدانة يتضمن إقرار المسؤولية الجنائية وبالتالي اعتبار بشار وضباطه مجرمي حرب، كون الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها الجيش الاسدي في أرضه وضد شعبه من قتل وقصف مبانٍ وإبادة وتجويع وتدمير، يُدخلها بلا أدنى شك في نطاق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولذا فالتساؤل الذي يتبادر للذهن يدور حول مدى إمكانية تقديم بشار وزمرته العسكرية للمحاكمة وفقا لقواعد القانون الدولي، وبالتالي تحميل بشار الأسد ومعاونيه المسؤولية الجنائية؟!

على أن الإجابة القانونية لذلك التساؤل، تتمثل في أن هناك أكثر من آلية وطريق فهناك من يرى أن المحكمة الجنائية الدولية التي تمت الموافقة على معاهدة تأسيسها من قبل أكثر من ستين دولة هي المكان لإقامة الدعوى على اعتبار أن تلك الجرائم تدخل في اختصاصها الأصيل؛ لأنه بمجرد الانضمام لها، يجيز لأي دولة طرف في الاتفاقية، أن ُتحيل للمحكمة دعواها بخصوص الجريمة، حيث نجد أن نصوص المواد (5،6،7،8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تنطبق على الأفعال الإجرامية التي ارتكبها بشار الأسد.

كما أن الاختصاص الزماني لايعد مشكلة هنا، ومع أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، إلا أن المادة (11) حددت اختصاص المحكمة بالجرائم التي ترتكب بعد الأول من(يوليو) 2002، بمعنى أن الأفعال الإجرامية التي ارتكبها نظام الأسد تدخل ضمن الولاية القضائية للمحكمة.

غير أن الإشكالية هنا أن الحكومة السورية لم تصادق على نظام المحكمة الأساسي، وبالتالي فإن المحكمة لن تقبل الدعوى.

إذن ما العمل؟

دعونا نبحث عن المخارج. هناك حالة واحدة يمكن اللجوء إليها وهو قيام مجلس الأمن بإحالتها إلى المحكمة وفقاً للمادة (13) من نظام المحكمة الأساسي،ولكن النتيجة ستكون سلبية، على اعتبار أن الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن كما هو متوقع سيعرقلان إجراءات الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية.

علي أي حال، هناك آلية أخرى ربما هي الأقرب إلى التطبيق على الأرض، وهي في متناول الدول الأطراف الموقعة على اتفاقيات جنيف،التي أكدت على مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية بموجب المواد المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، حيث تشكل تلك المواد القانونية، ما يُعرف بالاختصاص القضائي العالمي الذي بموجبه يحق لأية دولة موقعة على اتفاقيات جنيف ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ومحاكمتهم، ولذا تقع المسؤولية هنا في تقديري على الدول العربية في مطالبة تلك الدول باستخدام حقها في ملاحقة مجرمي الحرب السوريين، وحثها على القيام بدورها الإنساني والأخلاقي.

أما في حالة عدم حماسة تلك الدول، فعلينا أن نعود للجمعية العامة التي كانت قد أقرت مبادئ التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم الأشخاص مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بقرارها في عام1973. وبالتالي فإنه يتم وفق هذا السيناريو أن يصدر قرار منها بإنشاء محكمة دولية جنائية لسورية، على غرار المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا.

ونشير هنا إلى أن المشروع العربي الذي تقدمت به السعودية قد يدفع الأمور في هذا الاتجاه. ولذلك فالمخرج القانوني هنا يكمن في اللجوء إلى المادة (22) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على أن (للجمعية العامة أن تنشئ من الفروع الثانوية ما تراه ضروريا للقيام بوظائفها) ما يعني صدور قرار من الجمعية العامة بتشكيل محكمة جنائية لمحاكمة قادة سياسيين وعسكريين سوريين على جرائمهم وفقا للاختصاص القضائي العالمي.

وتبقى هذه قراءة قانونية وليست بالضرورة أنها طرحت كل الحلول، بقدر ما أنها تؤكد أن مجرمي الحرب ليسوا في مأمن من العقوبة وفقاً للقانون الدولي، برغم أن مرارة الأزمة تكمن في عدم تحرك الموقف الدولي وضعف إرادة العرب..

ولعل ما يحدث في حلب هذه الأيام أبرز دليل على هذا الخذلان.

=================

حتى روسيا تدافع عن حقوق الإنسان!!

يوسف الكويليت

الرياض

31-7-2012

    كعادة القوى الكبرى ابتكار المصطلحات والقوانين والتشريعات التي تفصّل عليها، وتوضع رادعاً لغيرها متى كان ذلك يحقق مصالحها ونفوذها، وقانون حقوق الإنسان تحول إلى مزادات علنية، كلٌ يدعي حقه في الدفاع عنها، وقد استغله الغرب ضد الشرق أيام الحرب الباردة، والآن أصبح مَن قمع القوميات، وهجّر الشعوب وقاد الحروب على محيط الاتحاد السوفيتي سابقاً يعلن فتاواه في الدفاع عن هذه الحقوق..

فحين تطالب روسيا بحقوق الإنسان لا تضحك على العالم الخارجي، بل على نفسها، وخاصة حين تدافع عن الأقليات في الوطن العربي دينية، أو قومية، أو مذهبية وخاصة الشيعة والسنّة في مناطق الأكثرية للطائفتين، فإنها تخرج أقوالها، وكأنها إحدى الدول الاسكندنافية التي تعد النموذج العالمي المتقدم بهذا الشأن، لا أحد ضد فرض هذا المبدأ، ومساواته في الداخل والخارج لجميع أمم وشعوب العالم، لكن أن يأتي النقد من دولة ضالعة بانتهاك حقوق الإنسان مثل روسيا، فمبرره رفع الصوت فقط، لأن من عارضوا ترشيح (بوتن) وقاموا بمظاهرات ضد ترشيحه أدخلوا السجون، وحرمان الأقليات من حقوقها تبرزه الحالة الشيشانية التي دمرت مدنها على سكانها، وهناك سجل طويل لمثل هذه الممارسات والتعديات..

ليس من بين الدول ذات الديموقراطيات العريقة، المتقدمة والمتخلفة، من يتم تداول السلطة بين اثنين فقط، وفقاً للنموذج الروسي، وهو ما يشبه التوريث في جمهورياتنا العربية، ولا ندري كيف يفسر الروس حقوق الإنسان في سوريا، عندما يقدمون دعماً مادياً «ولوجستياً» وعسكرياً لنظام الأقلية الذي يفتك بالأكثرية، أم أن هذا الشعب ينطبق عليه ما طبقته روسيا على شعب الشيشان، أي قطاع من الخارجين عن القانون، وإرهابيون تدعمهم دول خارجية لإسقاط النظام، حتى أن ما يصرح به وزير الخارجية (لافروف) يومياً، يوازي ما يقوله الإعلام السوري، والناطق باسم الدولة السورية؟

لقد خسرت روسيا ما بناه الاتحاد السوفيتي من صداقات وعلاقات مع معظم الدول العربية من خلال سوريا، والتي تريدها رأس حربة لها ومركز ثقل لتتحرك على عدة جبهات، لكنها بمغامرتها الأخيرة أعادت سيرة احتلال أفغانستان، سقف آسيا أيام الاتحاد السوفيتي لتطل على أهم موقع آسيوي استراتيجي، فكانت النهاية الهزيمة المدوية..

يقال إن الروسي يعبّر عن فرحه وغضبه بالموسيقى، وهو تعبير رائع، لكن منذ حكم عائلة (رومانوف) مروراً بالشيوعية، وانتهاءً بالحكم القائم، فالحرية لم تتغير، وقد هيمنت طبقة بيروقراطية، ومعها نخبة (أورستقراطية) تدور في حلقة النظام ودعمه حتى أن الحق العام ارتبط بإرادة من يحكم الكرملين، لا تشريعات الدساتير والبرلمان والمحاكم العليا، مع أن روسيا دولة العديد من العظماء في العلوم والفلسفة، والأدب والمسرح وكل الفنون الأخرى، لكن الكثير منهم هاجر، أو أودع السجون، بمعنى أن النظام يأكل أبناءه، إلا من بقي ضمن دائرة عمل السخرة التي توجهه الأحزاب والقيادات..

سوريا عرّت مفاهيم العديد من الدول، وروسيا ستكون الخاسر الأكبر باعتمادها سياسة الإبادة الجماعية لشعب أعزل ذُبح بسلاحها وأموالها، وللتاريخ حكم آخر ستكون روسيا المتهم الأول في هذا الموقف اللاإنساني..

=================

سورية بعد دولة البعث .. إعلان الجمهورية الثانية

عبدالله الغضوي

عكاظ

31-7-2012

بدأت ملامح الدولة السورية تتشكل بعد جلاء الاستعمار الفرنسي في أبريل (نيسان) العام 1945، لكن وعلى بالرغم من أن سورية نالت الاستقلال في هذا العام، إلا أن الدولة السياسية بأبعادها الجغرافية والوطنية لم تلد عشية هذا الاستقلال مباشرة، وإنما شهدت مخاضا قاسيا نتيجة صراعات إقليمية وداخلية، كان ذلك في إطار التشكل العام لدول الشرق الأوسط آنذاك وتشكل بنية المجتمع السوري ذاته.

وبحكم خصوصية الموقع الاستراتيجي لسورية وصعوبة السيطرة عليها حتى من قبل الدول الاستعمارية، إضافة إلى حركات المقاومة الشعبية تمكنت من أن تكون أول دولة مستقلة عن الاستعمار الغربي. وبعد الحصول على هذا الاستقلال بدأت رحلة تقطيع أوصالها، فكانت البداية من لبنان، حينها لم تكن لبنان تتشكل بحدودها السياسية والجغرافية حتى مطلع الأربعينات، إذ ظلت مرتبطة سياسيا واجتماعيا بسورية، إلا أن رياض الصلح قبل آنذاك بفكرة تأسيس لبنان كدولة ذات كيان سيادي مقابل تنازل الموارنة عن فكرة الحماية الفرنسية وقبول مبدأ الانتماء العربي للبنان. وإضافة إلى جبل لبنان، اقتطعت أربعة أقضية (بيروت وطرابلس والبقاع وصيدا) أخرى من سورية وألحقت بلبنان الذي صار يسمى بلبنان الكبير، وتغير فيما بعد إلى الجمهورية اللبنانية. هذا الاقتطاع من الجغرافية السورية، ظلت تعاني منه سورية الكبرى (سورية - فلسطين- لبنان) على المستوى السياسي والاجتماعي، ومن هنا نشأ الألم القومي لدى السوريين الذين فوجئوا بأول تشكل لدولتهم تتفتت نتيجة تخطيط غربي تم على أرض الواقع.

وظل هذا الألم إلى أن تحول إلى ذهنية وطريقة تفكير شعبية مؤداها أن الوحدة الجغرافية والسياسية أي نظام سياسي يحكم البلاد. وأحد المغريات التي كان يقدمها حافظ الأسد للشعب السوري، إلى أن تحولت إلى «منة».

لم يكن هذا التقسيم الأول من نوعه لبقايا الدولة الأموية، وإنما سبقه مخطط فرنسي يقضي بتشكيل دولة حلب ودمشق ودولة للعلويين في اللاذقية والدروز في جبل العرب ولواء اسكندرون، لكن وعي الطبقة السياسية السورية بتاريخ بلادهم وإدراكهم لأهمية الجغرافية حال دون ذلك.

ولم تكد سورية تتخلص من الهيمنة العثمانية نهاية 1919، حتى جاء الاحتلال الفرنسي باتفاقية سايكس بيكو الشهيرة التي خولت الاحتلال الفرنسي السيطرة على بلاد الشام. وما إن انقضت الحقبة الاستعمارية نتيجة التغير في الظروف الدولية تزامنا مع حركات التحرر الوطني، حتى بدأت ملامح الدولة تلوح في الأفق بإرادات وطنية وقوى سياسية تعي أهمية الاستقلال ومهمة بناء الدولة.

من كل هذا الاستعراض التاريخي، يمكننا الولوج إلى الهواجس الحالية التي تعتري مستقبل الدولة السورية، وفهم ما يجري الآن خصوصا في ظل التوجه الدولي العام لمرحلة ما بعد الأسد. وربما كانت العبرة المطلوبة من كل هذه المقدمة وصلت بضرورة الحفاظ على وحدة سورية.. لكن لا بد من توصيف دقيق لهذه المهمة، التي تكاد تكون الأصعب بالنسبة للمعارضة السورية، المتمثلة عموما بالمجلس الوطني. فدولة «الانقلابات» حتى بداية السبعين أحوج ما يكون إلى الوعي بأهمية الوحدة السياسية والجغرافية، التي تنبثق عنها بطبيعة الحال قوة الدولة.

وهنا التحدي الأبرز أمام سورية الجديدة، ومن غير المحتمل على السوريين أن يروا بلادهم تتمزق بعد هذه التضحيات في ثورة الكرامة.

لقد فتح نظام الأسد سورية على كل الاحتمالات، بدءا من الحرب الأهلية إلى التقسيم، إلى ىتدمير بنية الجيش الذي بناه الشعب السوري على مدار خمسة عقود. وهذا الأمر صعب على المعارضة قيادة المرحلة المقبلة، إذ استنزف الأسد بقصد كل مكونات الدولة، من وجهة نظر«أنا الدولة والدولة أنا». وهنا تكمن الهواجس حول قدرة المعارضة على استيعاب متطلبات المرحلة المقبلة. التي تتطلب بالضرورة عمل جماعي وإرادات وطنية على قدر المسؤولية التاريخية لمرحلة تاريخية.

وأخيرا وليس آخرا.. لا بد لنا من العودة للتاريخ بالقول أنه في عام 1930 اتخذت سورية دستور جديد وجرى إعلان «الجمهورية السورية»، وهي الجمهورية الأولى في العصر الحديث، والآن تقترب دمشق من استقلالها الثاني عن منظومة البعث لتعلن جمهوريتها الثانية.

=================

احتمالات تواجهها الأقليات السورية

المصدر: صحيفة «جابان تايمز» اليابانية

التاريخ: 31 يوليو 2012

البيان

قال نابليون إنه في الحرب تساوي نسبة القوة المعنوية إلى نظيرتها المادية ثلاثة من أصل أربعة، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية تغييرا جذريا ومفاجئا في ميزان القوى المعنوية في سوريا.

يمكن للقنبلة التي قتلت ثلاثة من أكبر أعضاء جهاز الأمن السوري، أن تكون مجرد ضربة حظ بالنسبة للثوار، ويمكن للمعركة في دمشق أن تنتهي بانتصار (مؤقت) للنظام، ولكن كل شيء تغير من حيث التوقعات.

بدا النظام السوري، منذ وقت قريب، آمنا على المدى القصير، رغم هلاكه المحتمل على المدى الطويل، حيث كان جيش الرئيس السوري بشار الأسد مسلحا تسليحا جيدا ووفيا في ما يبدو، فيما المعارضة ضعيفة التسليح والتنظيم.

ولعل "المعنويات" هي كلمة أنسب من "القوة المعنوية". فالسبب في أن النظام بدا آمنا حتى وقت قريب، لم يكن سلاحه وإنما ثقة مؤيديه في أن جانبهم كان لا يزال قادرا على الفوز. غير أن تلك الثقة باتت مهزوزة الآن، فقد وصل القتال إلى قلب المدن الكبرى، وهاجم الثوار صلب النظام، أي مبنى الأمن الوطني، لقتل أعضاء رئيسيين في دائرة الأسد الداخلية.

لذا فإن العديد من الأشخاص، الذين كانوا في السابق ينظرون إلى النظام باعتباره حامي امتيازاتهم، أخذوا يدركون أن رجاله قد يخسرون في الواقع، وفي حال كانوا سيخسرون حقا، فإنه لا أحد يريد أن يهوي معهم. وبعد ذلك سيدرك الأشخاص أنفسهم أن كثيرين غيرهم تراودهم الأفكار ذاتها.

وبالطبع، ليس ذلك مضمونا بأي حال، فالنظام لا يزال متفوقا من الناحية المادية، والروح المعنوية هي أمر دائم التقلب. وإذا سحقت الانتفاضات في أجزاء من دمشق وحلب بشكل سريع وحاسم، فإن مؤيدي النظام قد يستعيدون معنوياتهم، والحرب الأهلية قد تستمر لشهور أو سنوات أخرى. والسؤال هو: ماذا سيحدث بعد ذلك؟

الخوف الكبير هو أن تسير الأمور كما سارت في العراق ولبنان، الدولتان المجاورتان اللتان تشاركان سوريا المزيج نفسه تقريبا من الجماعات العرقية والدينية (بنسب مختلفة). فقد تمثلت الوسيلة الرئيسية التي اعتمدها نظام الأسد لحشد الدعم، في إصراره على أن حكمه الاستبدادي هو وحده الذي يستطيع "حماية" الأقليات التي تشكل نحو 30% من الشعب السوري.

والأقلية الأكثر عرضة للخطر هي الأقلية العلوية، التي تنحدر منها عائلة الأسد. ورغم أن معظم العلويين لم يستفيدوا كثيرا من النظام، فإنهم قد يعتبرون بسهولة مسؤولين عن جرائمه، ويحاسبون على هذا الأساس.

والأقليات الأخرى كذلك ستخاف وتسلح نفسها، وستشهد البلاد حربا طويلة وقاسية من المجازر والتطهير العرقي.

لذا، فإنه في حال سقط نظام البعث قريبا، فسيتعين على بقية العالم أن تكون مستعدة للمسارعة إلى تقديم المساعدات الاقتصادية لنظام ما بعد الثورة، وإيفاد المراقبين من أجل توثيق ما يحدث حقيقة للأقليات، وتبديد الشائعات الكاذبة.

=================

يخوض معركة حلب بتكتيكات جديدة

الجيش السوري الحر... ورهان تعادل القوى

تاريخ النشر: الثلاثاء 31 يوليو 2012

الاتحاد

منذ عدة أيام تجمع الآلاف من قوات الجيش والثوار في مدينة حلب الواقعة في شمال سوريا، استعداداً لخوض معركة حاسمة أطلق عليها أحد قادة الثوار اسم "أم المعارك" في هذه المدينة التي ظل المراقبون حتى أيام قريبة يتوقعون أنها ستظل خارج نطاق معارك الحرب الأهلية التي تدور في سوريا في الوقت الراهن.

وفي تصريح له لوكالة الأنباء الألمانية قال "أبوعمر الحلبي"، ممثل الجيش السوري الحر، إن هناك 3000 مقاتل قد انضموا إلى الـ 2500 مقاتل الموجودين بالفعل داخل وحول مدينة حلب.

ووفقاً لـ"سي. إن.إن" فإن 48 شخصاً من الـ200 شخص الذين لقوا مصرعهم في مختلف أرجاء المدينة قد لقوا حتفهم في ذلك الجزء منها المصنف من قبل اليونسكو باعتباره من مواقع التراث العالمي. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يفوق فيها عدد القتلى في حلب في يوم واحد عددهم في أي مدينة من المدن السورية الأخرى منذ أن اندلعت الانتفاضة ضد نظام حكم الأسد.

وفي غضون ذلك قالت "فيكتوريا نولاند" المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة تشعر بالقلق من احتمال وقوع "مذبحة في حلب". وقالت نولاند في تصريح لـ"النيويورك تايمز": "على ما يبدو فإن هذا هو ما يخطط له النظام".

ويقول المحللون إن الرهانات مرتفعة للغاية فيما يتعلق بحلب لأن المقاومة المسلحة تدرك أنها إذا ما خسرت معركتها هناك فإن ذلك سيكون بمثابة انتكاسة خطيرة بالنسبة لها يمكن أن تؤدي -على أقل تقدير- إلى تحييد تأثير الثورة لعدة شهور قادمة. أما بالنسبة للأسد فإنه يعرف أن خسارته معركة حلب قد تكون النقطة التي تميل فيها كفة الميزان ضده وتصبح إرهاصاً بسقوط حكومته.

وتشير أدلة عديدة إلى أن قوات الجيش السوري النظامي لم تكن مستعدة لمواجهة قوة الثوار عندما حاولوا الاستيلاء على المدينة منذ أسبوع، أما الآن فإن تلك القوات كما يبدو تمكنت من إعادة تنظيم صفوفها وحشد المزيد من القوات لمواجهة المقاتلين المنتمين للمعارضة، وهو ما يبدو من خلال قيامها بقصف أحياء المدينة بقذائف المدفعية والهاون ومدافع الطائرات العمودية.

وعلى رغم الشجاعة الفائقة التي يبديها المقاتلون الثوار إلا أنهم ما زالوا أقل تسليحاً بكثير من قوات الجيش وكذلك أقل عدداً وخصوصاً مع تدفق المزيد من قوات الجيش، ولذا فسيتطلب الأمر منهم جهوداً كبيرة من أجل السيادة على أرض المعركة في ضوء هذه الظروف.

وفي حديث عبر الهاتف لناشط المعارضة "ماجد النور" قال إن الثوار قد حصلوا على موطئ قدم لهم في وسط مدينة حلب بالإضافة إلى مواقع أخرى في غرب وشرق المدينة، وإن كانت قوات النظام ما زالت تسيطر على نقاط الدخول للمدينة، وكذلك بعض طرقها الرئيسية وشوارعها التجارية، وتقوم في الوقت الراهن بشن حملة لاستعادة بعض الأحياء السكنية التي استولى عليها الثوار.

والرأي السائد بين المحللين هو أنه على رغم أن استيلاء الثوار على أحياء من حلب كان بمثابة مفاجأة مدوية وغير متوقعة، إلا أن أي تغيير تكون لهم فيه اليد العليا على ساحة المعركة قد يكون قصير المدة، لأنهم عندما استولوا على تلك الأحياء في البداية فإن ذلك كان يرجع إلى حد كبير إلى أنهم قد أخذوا قوات الجيش النظامي على حين غرة. أما الآن وبعد أن نظمت تلك القوات صفوفها وحصلت على مدد إضافي من الجنود والسلاح فإنها قد تعمد إلى استخدام الوحشية البالغة في إخراج الثوار من المواقع التي استولوا عليها كما فعلت في دمشق.

ويقول "توني كارين" المحلل في مجلة "التايم" إننا إذا ما قارنا ميزان القوى في سوريا في الوقت الراهن بميزان القوى عندما قام ثوار "الفيت كونج" في فيتنام عام 1968 بهجومهم الذي أقنع القادة العسكريين الأميركيين بأن "حرب فيتنام باتت غير قابلة للكسب"، فإنه يمكن الوصول إلى نتيجة مؤداها أن المكاسب التي حققتها قوات المعارضة خلال الأسابيع الأخيرة قد أثبتت للنظام أنه لن يتمكن من استعادة سيطرته على كامل أجزاء البلاد مرة أخرى، كما لن يتمكن من سحق قوات المعارضة بشكل كامل.

وبالنسبة للملايين من السوريين فإن ذلك يوكد حتمية تغيير النظام وهو تأكيد سيقنع كثيرين من حلفاء الأسد الأقل تطرفاً في دعمه بتغيير موقفهم والبحث عن بدائل لهذا النظام.

وبالنسبة للمواجهة في حلب التي تدور رحاها في الوقت الراهن فإن الاحتمال الأكبر هو أن نتيجة هذه المعركة قد تعكس ما حدث في دمشق الأسبوع الماضي عندما تمكنت قوات الجيش السوري النظامي من إجبار الثوار على التراجع.

وعلاوة على ذلك فإن قادة قوات الثوار لا يتوقعون أن يتمكنوا من أن يحافظوا على سيطرتهم على الأحياء التي استولوا عليها نظراً لتفوق قوات الجيش النظامي في القوة النيرانية، وتصميم الأسد نفسه على عدم السماح بأي حال من الأحوال بسقوط ثاني أكبر مدينة في البلاد في أيدي الثوار.

ومن هنا يمكن القول إن معركـة حلـب قد لا تكون هي المعركة الحاسمة في الصراع الدائر في سوريا حالياً، وإنما المتوقع هو أن تكون مقدمة لوضع من تعادل القوى الاستراتيجي يجد فيه النظام نفسه غير قادر على تدمير قوات الثوار، وتجد قوات الثورة أيضاً نفسها فيه مفتقرة للقوة النيرانية اللازمة لتدمير النظام، وهو ما يعني أننا قد نشهد المزيد من المذابح خلال الأسابيع وربما الشهور التالية.

أرييل زريولنك

مراسل الشؤون الخارجية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«كريستيان ساينس مونيتور»

=================

حلب ليست بنغازي... ولكن

علي حماده

2012-07-31

النهار

هكذا بعد مرور ما يربو على عام ونصف يتجه ثوار سوريا بخطى ثابتة وبكثير من بذل الدم والتضحيات الى اقامة المنطقة العازلة كأمر واقع في الشمال السوري بين مدينة حلب والحدود مع تركيا. فمعركة حلب استراتيجية لذا يستميت النظام ليس في الدفاع عن مواقعه فيها بل في تدميرها حجرا حجرا لمنع الثورة من الاستقرار في العاصمة الاقتصادية للبلاد واقامة ما يشبه "بنغازي" جديدة، علما ان بنغازي في ليبيا سرعان ما جرت حمايتها بالمظلة الاطلسية مما حولها قاعدة انطلاق اساسية لاسقاط نظام العقيد معمر القذافي في معاقله في الغرب الليبي. في حالة مدينة حلب يمكن القول ان المعطى سيكون مختلفا عن بنغازي، لكن نتائجه ستكون مشابهة الى حد ما. فالفارق الاكبر بين الحالتين ان سوريا ليست مقسمة الى منطقتين على غرار الحالة الليبية، إذ لا يملك بشار سيطرة حقيقية على اي منطقة في سوريا عدا مناطق العلويين غير الوازنة في الصراع السوري. ومن الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب وعلى طول الحدود مع دول الجوار نلاحظ ان الثورة مشتعلة والقتال في كل مكان ولا يستثني قلب العاصمة دمشق ووصل حالياً الى قلب العاصمة الاقتصادية صاحبة الثقل السكاني الكبير حلب. من هذا المنطلق سيكون سقوط حلب بيد الثوار محطة مفصلية اخرى على طريق اسقاط بشار ولكنها لن تكون منطقة آمنة كبنغازي طالما لم يفرض حلف "الناتو" حظرا جويا ولم يحولها بمساعدة الجيش التركي منطقة عازلة.

لا يعني ما تقدم ان حلب لن تكون خطوة كبيرة الى الامام، بل على النقيض ستكون قفزة كبيرة، وهي كذلك حتى اليوم في خضم المعارك. فأين نحن من مرحلة سابقة كان النظام فيها يعتبر ان العاصمتين السياسية ( دمشق) والاقتصادية ( حلب) لن تفلتا من قبضته وانهما الاساس في تركيز دعائمه لمواجهة الريف الثائر؟ هكذا مع استمرار بشار في القتل من دون حساب انتهى به المطاف الى مواجهة معطى جديد يتمثل في اطباق الريف والمدن الاقل حجما على مدينتي حلب ودمشق، فضلا عن أن احياء شعبية مهمة في المدينتين تشارك في الثورة منذ أيامها الاولى. ومهم التوقف عند مشهد ريفي حلب ودمشق اللذين يحشران النظام في حصار لا فكاك منه على رغم القدرة النارية الهائلة التي يملكها ولا يتوانى عن استخدامها في كل مكان بوحشية لا مثيل لها.

في المبدأ مهما صار في حلب، وحتى في حالة ميلان ميزان القوى لمصلحة النظام فان الامور لن تعود الى ما كانت عليه. اما ريف حلب فقد خرج منه بشار ولن يعود والمهم اليوم ان يصل الدعم العسكري النوعي الى الثوار. بمعنى ان سلاحا متطورا مضادا للدبابات وآخر محمولاً ضد الطائرات سيقلب المعادلة كلياً لمصلحة الثورة. استنتاجنا الاول من معركة حلب ان بشار يستنفد احتياطاته البشرية المقاتلة في مقابل هوامش واسعة امام الثوار. وما يهمنا لبنانيا ان يخرج "حزب الله" نفسه بسرعة من التورط بدماء السوريين. بسرعة وفورا!

=================

خسارة لن تعوّضها الدولة العلوية!

راجح الخوري

2012-07-31

النهار

في النهاية ستصل مدينة حلب عاصمة سوريا الاقتصادية الى ما وصلت اليه حمص. ستدخل جحيم الخراب الذي عرفه حي بابا عمرو، لاذقية جديدة مدمرة ولكن بأسلحة تكدست منذ اربعة عقود لمهمة اخرى غير الانتحار الذاتي او نحر الوطن. ستنضم الى سلسلة المدن السورية المنكوبة في صراع من الواضح انه سيطول كثيراً ليذيق سوريا كأس"اللبننة" التي ابدع النظام السوري في إدارتها.

ما لا يصدق فعلاً هو تلك البراعة الروسية في الرهانات الخاسرة عبر الوقوف مع انظمة تتهاوى ضد شعوبها الثائرة طلباً لفسحة من التغيير والحرية بعد نصف قرن من الظلم وكمّ الافواه، لأن "لا صوت يعلو فوق المعركة ضد العدو"، الذي صار الشعب بدلاً من اسرائيل.

في استطاعة سيرغي لافروف المقطّب ان يمضي في اطلاق تصريحاته اليومية، التي تؤكد ان روسيا مع النظام حتى آخر نقطة دم في آخر سوري وآخر منزل في حلب واخواتها، رغم انه كان في وسع بلده ان يساعد على حل حقيقي عبر ممارسة ضغط فعلي على النظام لدعم الاصلاح بدلاً من تكسير اصابع اطفال درعا، ولكنه لم يفعل بل استمر في المراهنة على الحل العسكري ينفّذ بأسلحته وقذائفه، واشترى له المزيد من الوقت بـ"الفيتو" وغيره، ولن يصدق احد قول لافروف ان موسكو ضغطت على الأسد لتنفيذ خطة كوفي انان، ولو انها فعلت وفشلت فتلك مصيبة وان لم تكن قد فعلت وهو الارجح، فالمصيبة أعظم عليه وعليها وعلى سوريا وعلى المنطقة كلها!

الغريب ان ينضم لافروف الى جوقة المحذّرين من مأساة في حلب، لكنه يحمّل الغرب وجيران سوريا مسؤولية إراقة الدماء! غريب قوله بعد سنة ونصف سنة من حمامات الدم: "ان موسكو في صدد اقناع النظام بالقيام ببعض المبادرات الاولى"، بما يدّل على انه لم يقم بأي مبادرة من قبل، والغريب اكثر ان يكمل انه "عندما تحتل المعارضة (لم يقل الارهابيين هذه المرة) مدناً مثل حلب فهل يمكن ان يقول النظام ببساطة: حسناً لقد اخطأت تعالوا وانقلبوا عليّ؟ هذا امر غير واقعي"!

لكن غير الواقعي ان لافروف يتناسى انه لم يكن مطلوباً اكثر من اصلاحات وفسحة من الحرية، بيد ان النظام رفض ان يقدم اي شيء "للارهابيين" ودمر "المبادرة العربية" ثم خطة انان وتحولت ملاحقة "العصابات" مسلسلاً للقتل والمذابح وتدمير المدن على رؤوس الناس.

وموسكو التي خسرت ليبيا ستخسر سوريا والشرق الاوسط لكنها ستربح كراهية العالم الاسلامي، رغم انه كان في وسعها ان تسحب السجادة قليلاً من تحت اقدام الأسد كي يشعر هو وايران ان المضي في قتال الشعب انتحار محقق، لكنها واصلت وتواصل المساعدة "البارعة" على رسم "شرق اوسط جديد" يكرهها وتكرهه ولن يعوّضها عن هذا قيام الدولة العلوية!

=================

سوريا ولعبة الأمم

الياس الديري

2012-07-31

النهار

إنها لعبة الأمم ذاتها. إنما ليس على طريقة الروليت الروسيّة، بل بنكهة روسيّة من صنع الشيف فلاديمير بوتين شخصيّاً. لقد جرّبها لبنان قبل الربيع العربي. وقبل الخريف السوري.

وقد تكون اللعبة الجهنّمية اختارت البلد الصغير جغرافيّاً لوفرة التناقضات في تركيبته البشريّة، وللتوثّب الدائم بالنسبة إلى اصطياد الفرص الذي يداعب الشعوب المتنافرة ويحفّزها على المغامرات ولو كانت على شفير الهاوية.

في المجالس السياسيّة، في الكواليس، في الصحف، في الزجليّات التحليليّة على الفضائيّات والأرضيّات، يكاد يكون السؤال واحداً: لماذا كل هذا الانكفاء لواشنطن، واختفاء صوتها وحضورها عن شلالات الدم التي تتنقّل بين المدن والقرى السورية منذ ثمانية عشر شهراً، كأنّ ما يحصل هناك لا يعنيها ولا يتّصل بمصالحها الحيويّة في كل شبر من جغرافيا الشرق الأوسط؟

وهل من دور لإسرائيل في هذا الموقف الذي ينطوي على الكثير من الغموض والالتباس؟

جواب يتيم، أجوف، مبهم، يتردّد منذ الحلقة الأولى والضحيّة الأولى: في انتظار الانتخابات الرئاسيّة التي يتهافت المرشّحان المتنافسان فيها على تقبيل عتبات إسرائيل قبل جدرانها، ونيل إعجاب بنيامين نتنياهو...

أما عصبة الأمم الأوروبية، فإنها في حال لا يختلف عن حال الصبي مع خالته: تصريح خجول من هنا، نرفزة مع استنكار من هناك. مع الكثير مما يُسمّى "علْك الصوف".

روسيا وحدها، وللمرّة الأولى، تعرّض شملتها، وتتحوّل بكل قوّتها ونفوذها رافعة دائمة للنظام السوري، ومشنكلةً معها صين ماو تسي تونغ التي تتهيّأ بدورها لتكون المحور الأوّل لدورة السياسة العالميّة، ودورة الاقتصاد، ودورة الأرض أيضاً.

بعضهم يربط هذا الغرام الروسي بالبحر السوري الدافئ الذي تستحمّ فيه الأساطيل الروسية بحريّة وأمان.

لكن ذلك لا يحول دون سقوط الوضع السوري، بكل مآسيه والمحن التي تحاصره، في حضن لعبة الأمم. ولو من بعيد لبعيد.

عندما يحصل شيء بهذا المعنى إسأل مجرّباً ولا تسأل حكيماً. ولبنان الذي لدغته لعبة الأمم لا يزال يتخبّط في سمومها حتى يومنا هذا. وربما إلى الآتي من الأيام والأزمنة.

بعدما مرّت به بوسطة عين الرمانة، حصل شيء يشبه الخرافات. لم تبق دولة غربيّة كبيرة أم صغيرة إلا تفقّدت مريض الشرق الأوسط، الذي ورث كل الأوبئة الانقلابيّة التي تعاقبت على المنطقة، وفي ظهرها "قضية العرب الأولى".

وبموجب صك رسمي يدعى "اتفاق القاهرة"، الذي بفضله اكتملت عناصر لعبة الأمم.

قد يقول أحدهم، إن سوريا ليست لبنان. هذا صحيح. غير أن لعبة الأمم تبقى هي ذاتها.

=================

«شهداء الأسد» وسؤال الانقسام حيال ثورة سوريا * ياسر الزعاترة

الدستور

31-7-2012

من قرأ مئات الأسماء التي ذيلت بها رسالة العزاء التي وجهت من هنا من الأردن لبشار الأسد عبر سفيره في عمان، فضلا عن نص الرسالة. من قرأها قد يُلقى في روعه أن ثمة انقساما في الموقف الشعبي من الثورة السورية هنا في الأردن، وبالضرورة في الدول العربية.

لا حاجة للتوقف عن عملية حشد الأسماء التي كان هدفها تكبير الرقم لا أكثر، ولو أراد مؤيدو الثورة أن يردوا على النار بالمثل وكتبوا برقية باسم الشعب الأردني موجهة للجيش السوري الحر تبارك له بالعملية النوعية التي قتلت أربعة من رؤوس الإجرام في النظام، لو فعلوا ذلك، لكان بوسعهم حشد مئات الآلاف من الأسماء، وأقله الآلاف إذا أرادوا الاكتفاء بالأسماء المعروفة، وليس الناس العاديين.

إن محاولة الإيحاء بوجود انقسام شعبي في الأردن حول الموقف من سوريا هي محض تضليل. صحيح أن قطاعا من الحزبيين اليساريين والقوميين، ومن يدورون في فلكهم، إلى جانب أناس ينتسبون إلى أقليات معينة لديها هواجسها من عموم الربيع العربي، صحيح أنهم لا يزالون على تأييدهم للنظام رغم كل ما ارتكبه من جرائم خلال أكثر من عام ونصف، لكن ذلك لا ذلك لا يشير إلا لفئة محدودة جدا لا تتجاوز الخمسة في المئة في أعلى تقدير.

ليس ثمة إحصائيات ولا استطلاعات للرأي تؤكد ما نذهب إليه، لكن نبض الشارع لا تخطئة العين. ليس من خلال المسيرات والاعتصامات التي نظمت تأييدا للثورة مقابل فعاليات اللون الآخر، ولكن من خلال ما يلمسه الإنسان في الشوارع والبيوت في سائر المناطق، فضلا عن المساجد التي يرتادها ملايين الناس، بخاصة في رمضان، بينما تلهج فيها الألسن بالدعاء لنصرة السوريين على نظامهم المجرم. المساجد بالطبع لا تدخل في حسبة كثير من أولئك، من دون أن نعمم لأن هناك من يؤيدون النظام انطلاقا من قناعات معينة لا صلة لها بالأهواء الشخصية، بصرف النظر عن نسبتهم من المجموع العام للمؤيدين.

لا يحدث ذلك في الشارع الأردني وحده، فالتأييد العارم للثورة السورية لا ينحصر في الأردن أو فلسطين، بل يشمل سائر الدول العربية والإسلامية. ولو استثنينا المسلمين الشيعة أو غالبيتهم بسبب الموقف الإيراني، فإن المسلمين السنة يُجمعون على تأييد الثورة، بل متابعتها بشكل يومي وحثيث، ومواقع التواصل الاجتماعي تؤكد ذلك.

كل الفذلكة التي يجترحها من اعتبروا رؤوس الإجرام الذي قتلوا في عملية مبنى الأمن القومي شهداء يدافعون عن الأمة في مواجهة المؤامرة الإمبريالية الصهيونية، كل تلك الفذلكة لا تعني الجماهير من قريب أو بعيد، أعني “الجماهير النقية” التي تحدث عنها البيان إياه (توجد جماهير نقية وأخرى ملوثة إذن!)، لأن المسألة في وعيهم في غاية البساطة؛ هناك شعب ثار يريد الحرية، تماما كما ثار الشعب المصري والتونسي واليمني والليبي، ورد عليه النظام بالرصاص، ليس حرصا على فلسطين ولا عداءً لأمريكا، بل حرصا على مصلحة نخبته الدكتاتورية الفاسدة.

تلك هي الحكاية بكل بساطة، أقله في البداية، لكن الموقف ما لبث أن ذهب في اتجاهات أخرى أكثر خطورة في الوعي الشعبي. ذلك أن تأييد إيران وحلفائها بروحية مذهبية لا تخطئها العين، قد أدى إلى ردة فعل مذهبية مقابلة في أوساط السنة، ولو أجريت استطلاعا للرأي بشكل حقيقي عن الموقف من حسن نصر الله لما وجدت له تأييدا يذكر في الوسط السني بسبب موقف من الثورة السورية، ولك أن تضم إليه، بل قبله إيران ونوري المالكي (الأخير جزء من تيار المقاومة والممانعة وحرب الإمبريالية أيضا!!!).

نعود إلى القول إن محاولة الإيحاء بوجود انقسام شعبي في الأردن حول الثورة السورية لن تنجح بحال. وكما سقط مبارك والقذافي وبن علي وعلي صالح، سيسقط بشار الأسد، وسيجرُّ مؤيدوه أذيال الخيبة عما قريب بإذن الله.

=================

رأي الدستور إنقاذ الشعب السوري أولاً

الدستور

31-7-2012

إن من يتابع مجريات الأحداث الدامية التي تعصف بسوريا الشقيقة، وأعداد الضحايا الذين يسقطون يومياً، حيث تجاوزوا العشرين ألفاً خلال الـ”16” شهراً، يجد أن من أولى اولويات الجامعة العربية، والدول الشقيقة والعالم أجمع إنقاذ الشعب الشقيق من تلك الكارثة التي تحيق به، والموت الذي يلاحقه من مدينة الى مدينة، ومن قرية الى قرية، ومن واد الى واد وعبر الحدود والأسلاك الشائكة، حتى أصبح القطر الشقيق كله أرضاً محروقة، لا أمن ولا استقرار، وقد طغى صوت الرصاص ودوي المدافع وهدير الدبابات على كل شيء.

إن إصرار النظام على الحلول العسكرية والأمنية، ورفضه الاستماع لمطالب شعبه، والتفافه على قرارات الجامعة العربية، ومناوراته لإفراغ مهمة عنان من مضمونها، كل ذلك أدّى الى تفجير الحرب الأهلية وبصورة عنيفة، في ضوء الانشقاقات في الجيش السوري، وانضمام الآلاف من الجنود والضباط الى الجيش الحر، الذي أخذ على نفسه مهمة حماية الأهالي وإسقاط النظام، والتصدي له في كافة المواقع والجبهات.. في المدن والقرى، ما أدى الى نشوب معارك عنيفة داخل المدن، يستعمل فيها الجيش النظامي الاسلحة الثقيلة والطائرات لقصف أفراد الجيش الحر، الذين يتمركزون في مواقع استراتيجية، ما أسفر ويسفر عن تدمير فظيع للأبنية والمنشآت العامة، وتدمير كلي للبنى التحتية، وتهجير اكثر من مليون مواطن سوري الى دول الجوار وأكثر من مليونين الى الداخل هرباً من الجحيم، والموت والدمار الذي يطال كل شبر في القطر الشقيق.

إن مجريات الأحداث أو بالأحرى الحرب الأهلية التي تجتاح كل سوريا، والتدخلات الاجنبية بتلك الحرب، والتي تذكرنا بأيام الحرب الباردة، وكأن التاريخ يعيد نفسه، اضافة الى الصراعات الاقليمية، والخلافات العربية - العربية، كل ذلك يشي بأن تلك الحرب القذرة ستطول أكثر مما هو متوقع، ما يفرض على المجتمع الدولي والدول الشقيقة التدخل وبشكل فعال لوقف تلك الحرب المدمرة، وانقاذ الشعب الشقيق، والذي هو المتضرر الوحيد، قبل أن تمتد ويصل لهيبها الى كافة دول الجوار، ما يصعب معه إطفاؤها في ظل التدخلات الخارجية.

مجمل القول: إن الحرب الأهلية القذرة التي تزلزل سوريا: الوطن والمواطنين، وأسفرت عن مقتل اكثر من 20 الف مواطن تستدعي التدخل الدولي السريع لإنقاذ الشعب الشقيق أولاً من ذلك الحريق، والعمل على حل الأزمة حلاً سياسياً، وهذا هو المخرج الوحيد قبل ان تمتد نيران الحريق الى المنطقة كلها.

التاريخ : 31-07-2012

=================

عجلة التغيير ماضية إلى غاياتها في سوريا

باسل أبو حمدة

2012-07-30

القدس العربي

كما هو حال أي حراك إجتماعي يسعى إلى التغيير، تدور عجلة الثورة السورية متسارعة بلا توقف منذ نحو عام ونصف العام، مجيبة على الكثير من الأسئلة المشروعة وغير المشروعة، الصادقة والمغرضة منها على حد سواء، مستبعدة عددا منها وكاشفة ومثبة عددا آخر في صيرورة تعنى في عضد القضية المحورية التي قامت من أجلها ثورة بقيت حلما يراود السوريين في قاع نفوسهم تجنبا لبطش نظام برع في إدخال الرعب في أفئدة الناس قبل عقولهم فحاولوا النأي بأنفسهم عن الاشتغال في الشأن العام تخوفا من كل ما من شأنه إثارة حفيظته.

هذه الخلفية قد تفسر حالة الانكار المرضية المزمنة التي يعاني منها النظام في سوريا فيما يتعلق بحق المجتمع السوري في أن يرفع صوته عاليا ويقول كلمته هو لا أن يردد كالببغاء مقولات زائفة بدت في شكلها وطنية وقومية وتقدمية في لحظة ما، لكنها رسخت في الحقيقة الحكم الشمولي في سوريا طوال 42 عاما، بينما تثبت دفاتر الثورة السورية الحالية عدم الحاجة إلى انتظار كل هذا الوقت الطويل زيادة عن اللازم ليقول المجتمع السوري بحراكه الثوري وقواه الفاعلة وفطرته السليمة كلمته في مجريات الأحداث الدموية الجارية على الأرض.

مرت الثورة السورية في العديد من المنعطفات الخطيرة والمضنية في آن، وتعرجت مساراتها وتلوت داخل البلاد وخارجها في مشهد راح يولد آليات تطوره بنفسه رغم محاولات لي عنق الحقيقة الساطعة فيما يتعلق بالطبيعة السياسية التغييرية المشروعة لهذه الثورة التي استهلت مشوارها سلمية صرفة قبل أن تدفع آلة النظام القمعية وممارساته الفظيعة غير المسبوقة ثلة من الشبان إلى تشكيل لجان مسلحة بما تيسر من الأسلحة الخفيفة كانت مهمتها حماية المظاهرين من بطش تلك الآلة الفتاكة.

كانت البداية من الداخل وها هي تعود إليه مجتازة العديد من حقول الألغام والأفخاخ السياسية التي وضعت في طريقها ولا تزال سواء من قبل النظام نفسه أو من قبل بعض القوى والشخصيات الانتهازية السورية أو من قبل العديد من القوى والدول العربية والاقليمية والدولية، وها هي النتيجة تتبدى مع كل ساعة ومع كل يوم يمضي من عمر الثورة السورية، وذلك من خلال قدرتها المذهلة على استبعاد كل العوالق والطفيليات التي إعترضت طريقها حتى الآن بدأ من المحاولات الحثيثة لمصادرتها لصالح هذه الجهة أو تلك وليس إنتهاء بمحاولات حرفها عن مسار ما تفترضه ضرورات التغيير السياسي المنشود، ومرورا بمحاولات جرها إلى أوكار الطائفية ومختلف صنوف التشدد.

بينما كانت قوى التغيير الفاعلة على الأرض مغيبة عن المشهد السياسي ومخرجاته بما فيها من مؤتمرات ومبادرات وتحركات، ها هي العجلة تدور وتقلع في كل مرة من الميدان ومن حرارة الدم النازف من عروق ضحايا المجازر والاعدامات اليومية التي ترتكبها آلة النظام الحربية ومن نواح نساء مفجوعات وأطفال يسألون عن مصير طفولتهم وعن نظراء لهم لم تستثنهم آلة القتل تلك، فبات ذلك الميدان مربط الفرس ومبتدأ الكلام على كل لسان وفي كل تحرك بعد أن ثبت بالملموس أنه ثمة عملية سياسية تتشكل في سوريا وأن ملامحها النهائية لم تتكشف بعد وأنها قادرة على غربلة نفسها بنفسها وأنها تولد آلايات عملها بصورة طبيعية لا مكان فيها للنزعات الفردية والأطماع الأجنبية.

في الدعوة إلى تشكيل حكومة سورية مؤقتة أو انتقالية التي أطلقها المجلس الوطني السوري أخيرا، على سبيل المثال، يتراءى ذلك الميدان جليا سواء من خلال انضمام كوكبة من المنشقين العسكريين والأمنيين والدبلوماسيين والقضاة وأعضاء مجلس الشعب إلى الحراك الثوري أو من خلال التركيز على إدراج شخصيات وقوى من الداخل في هذه الحكومة، فضلا عن الدعوة إلى جعل مقرها في المناطق المحررة في سوريا وتحديدا في المنطقة الشمالية منها، الأمر الذي بات بالفعل واقعيا إلى حد كبير بعد المكتسبات التي أنجزها الحراك الثوري في تلك المناطق، التي باتت تحفل بأذرع مدنية تعنى بشؤون حياة الناس اليومية وتسير أمورهم. يرتقي هذه الملمح من دفاتر الثورة السورية إلى مستوى جديد ومغاير يعد مفصلا نوعيا سيكون له ما بعده في حركة حلزونية متصاعدة لا مكان فيها للتراجع إلى الخلف، حيث تتلاشى تلك التخوفات الصادقة أو المغرضة منها والتي يروج أصحابها عن حسن أو سوء نية إلى أن الثورة السورية ماضية إلى أمكنة مظلمة على غرار التدخل الخارجي أو وصول قوى إسلامية متشددة إلى سدة الحكم في سوريا، لكن ألم تثبت مجريات الأحداث أن هذا الحراك الثوري قادر على استيعاب جميع التيارات والشخصيات السياسية والعسكرية بما فيها تلك الخارجة للتو من عباءة النظام نفسه؟

ألا يعني اتساع الرقعة الجغرافية والديموغرافية بمختلف مشاربها شيئا لأصحاب تلك التخوفات التي ثبت بطلانها؟ ثم ألا يدرك هؤلاء أن المجتمع السوري يتحلى بمستوى من الوعي يكفيه لإدراك أن مسألة إسقاط النظام السوري ما هي إلا رأس حربة التغيير في سوريا وأن هناك جبهات عديدة مفتوحة على مصاريعها أمامه وعليه التصدي لها جنبا إلى جنب مع تغيير رأس الهرم السياسي المتعفن؟ ألم يقتنعوا بعد بعبثية محاولات خلق الذرائع لبقاء هذا النظام وأن لا شيء في الدنيا يتسحق كل هذا السيل الجارف من دماء السوريين وعذاباتهم؟

صحيح أن كل دقيقة تمضي من عمر الثورة السورية تعني مزيدا من التضحيات، لكن هذه التضحيات ليست بلا ثمن، ليس بإتجاه تقريب اللحظة الحتمية لإسقاط النظام فحسب، وإنما بإتجاه مراكمة عناصر ضرورية لبلورة تشكل الحياة السياسية الجديدة في سوريا ، فكلما طال عمر الثورة، تمظهر مزيد ومزيد من تلك العناصر التي لا غنى عنها في بناء مستقبل البلاد، لا بل إن ذلك يشكل ضمانة لعدم تسلل شخصيات وقوى سياسية طفيلية إلى هذا البناء، خاصة وأن هذه لديها من الامكانيات والدعم اللوجستي ما يفوق بكثير ما تتلقاها قوى التغيير الحقيقية الفاعلة على الأرض والملتصقة بصورة تلقائية بمصالح الناس العاديين، ما يعني أنه على الرغم من توق السوريين إلى لحظة الحسم المتمثلة في التخلص من نظام جثم على صدورهم طويلا، إلى أن تلك اللحظة، على أهميتها، ليست هي نهاية المطاف في البنيان السياسي السوري الجديد وليست هي الأخيرة ولا الوحيدة في حياتهم السياسية.

ثمة الكثير من الملفات العالقة على كافة المستويات وفي مختلف الميادين، التي لا تشكل قضية التخلص من الأمراض المستفحلة التي زرعها النظام في صميم النسيج الاجتماعي وعلى رأسها الفساد والتسلط والتشبيح وغياب الحياة الديمقراطية وتواري العدالة الاجتماعية بما فيها القضاء النزيه سوى نقطة في بحر مستنقع نتن ليس من السهل التخلص من تبعاته ورائحته النتنة، كما تتطلب عملية بناء سوريا الجديدة ، قبل هذا وذاك، التحضير الجيد لعملية المصالح الوطنية الشاملة، التي تعد من أهم وأخطر تلك الملفات العالقة، لأنها لا يمكن أن ترى النور إلا إذا أستبعدت عقلية الانتقام التي زرعها النظام في عضد النسيج الاجتماعي السوري أيضا، الأمر الذي يجعل هذا الملف يتقدم بإمتياز على سواه.

=================

الكل يريد قسما من سوريا

صحف عبرية

2012-07-30

القدس العربي 

ما كانت تحتاج ايران لزيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم كي تعيد تأكيد دعمها لنظام الاسد. وما كان المعلم بحاجة الى أن يكلف نفسه العناء للذهاب الى ايران كي 'يكتشف' بان تحالفا مغرضا، تشارك فيه اسرائيل والغرب، هو الذي يسعى الى تصفية النظام السوري. فقد كان للزيارة هدف هام آخر: عرض خطة عسكرية كفيلة، برأي النظام، بوضع حد للمعركة، ضمان استمرار حكم الاسد وتهدئة روع ايران بالنسبة لمكانة الدولة الآخذة في التحطم.

ايران هي الدولة الوحيدة التي تقدم المساعدة الى سورية الواهنة. ومع أن روسيا تعطي ظهرا سياسيا واسعا، وحتى الان نجحت في منع فرض مزيد من العقوبات أو التدخل العسكري. الا انه خلافا لموسكو، التي ستكون بحاجة لكل نظام يأتي في المستقبل، فان طهران قلقة من ضياع قبضتها في سورية، والتي قد تفقد معها أيضا قبضتها في لبنان. ايران لا يمكنها أن تعتمد على أن يرغب النظام الجديد في سورية في اقامة علاقة معها. كما أن هذا هو السبب في أن وزير الخارجية الايراني، علي أكبر صالحي شدد أمس على ان 'فكرة الحكومة الانتقالية في سورية هي وهم'.

ويؤيد الغرب، بعض الدول العربية وتركيا اقامة حكومة مؤقتة. وحتى الناطقون الروس أوضحوا بان هذه هي الفكرة العملية الوحيدة. وتكشف هذه المسألة الفجوة في المواقف بين ايران وروسيا التي بدت حتى الان منسقة بين الدولتين. وشددت موسكو مؤخرا بانها غير مكبلة بالتزامها بالاسد، رغم أنها تعارض التدخل الخارجي لاسقاطه. اما ايران بالمقابل، فمتمسكة بالنظام الحالي.

ويأمل مؤيدو الحكومة المؤقتة في أن يحدث الخلاف في المواقف واستمرار الضغط في الامم المتحدة حيث تعتبر روسيا كمن تسمح بالمذبحة في سورية التغيير المنشود. على هذه الخلفية تأتي المبادرة حديثة العهد للجامعة العربية بتفعيل المادة السابعة من ميثاق الامم المتحدة والذي يسمح باستخدام القوة لاحلال الهدوء، رغم أنه من المعقول ان تستخدم روسيا حق النقض الفيتو. والهدف هو مواصلة العمل في الامم المتحدة لدفع روسيا نحو الزاوية ودفعها تصريحيا على الاقل للابتعاد عن نظام الاسد.

يتعين على روسيا أن تقرر قريبا جدا كيف ترى مستقبل سورية. فالتراجع السريع عن التأييد للاسد لا يزال يمكنه أن يحافظ على مكانتها في أوساط محافل المعارضة التي ستقود الدولة بعد سقوط الاسد. اما استمرار تأييدها للنظام الحالي فمن شأنه أن يؤدي، على الاقل، في المدى القصير، الى سياسة انتقامية من جانب القيادة الجديدة.

وينضم الان الى ساحة لعبة القوى في سورية، بين روسيا والولايات المتحدة وبين السعودية وايران محافل محلية قوية من شأنها أن تقرر وجهة المنظومة الاستراتيجية ما بعد الاسد.

وضمن قوى اخرى تصعد قوة الاكراد في سورية والاكراد في العراق، كمن يمكنهم أن يؤثروا على سير الامور في المستقبل. كما أن خلايا القاعدة وشركائها، الفرع السوري من الاخوان المسلمين او على سبيل البديل دول صغيرة وغنية كقطر والكويت تمول الجيش السوري الحر، بدأت منذ الان تدير صراعات داخلية للسيطرة على معاقل قوة في العهد القادم.

سورية، الدولة عديمة الاهمية الاستراتيجية، الدولة التي ليس فيها نفط او مقدرات مغرية اخرى، والتي كانت حتى الثورة شريكا في خطوات استراتيجية اقليمية، تصبح ساحة مناوشة دولية يكون فيها عدد القتلى 'ضرر هامشي' عديم الاهمية أمام المسعى لبناء خريطة شرق أوسطية جديدة من خلالها.

تسفي بارئيل

هآرتس 30/7/2012

=================

اللاجئون السوريون في العراق

رأي القدس

2012-07-30

القدس العربي 

موقف الحكومة العراقية من اللاجئين السوريين الفارين بارواحهم من الموت يثير الاحباط والقلق في الوقت نفسه، ويكشف عن قسوة لا مبرر لها على الاطلاق، خاصة ان رئيس هذه الحكومة السيد نوري المالكي كان لاجئا في دمشق عندما كان معارضا لنظام الرئيس العراقي صدام حسين.

الحكومة العراقية اغلقت ابوابها في وجه اللاجئين السوريين، ثم تراجعت عن هذا الموقف المخجل بفضل الضغوط المحلية والدولية، ولكن هذا التراجع المفروض كان ظاهريا، لان المعاملة الرسمية لهؤلاء اللاجئين اتسمت بالقسوة والشكوك في الوقت نفسه.

السوريون، شعبا وحكومة، فتحوا ابواب بيوتهم وقلوبهم لاكثر من مليون ونصف المليون عراقي لجأوا الى بلادهم هربا من السيارات المفخخة واعمال القتل الطائفي عندما بلغت ذروتها في عامي 2006 و2007 واقتسموا معهم لقمة العيش، ولذلك فان موقف الحكومة العراقية من اللاجئين السوريين وهم بالآلاف فقط يعكس نكران الجميل، وتقديم الاعتبارات السياسية والمذهبية على الاعتبارات الانسانية.

بعض الصحافيين الذين زاروا العراق واطلعوا على احوال اللاجئين السوريين قدموا صورة مخيبة للآمال، فمراسل صحيفة 'النيويورك تايمز' الامريكية قال ان هؤلاء يوضعون في معسكرات وسط اجراءات امنية مشددة، حتى ان احدى الاسر تعرضت للمنع من العودة الى سورية فضلت مواجهة الموت على تحمل المعاملة القاسية بمعسكرات الاعتقال التي وضعت فيها.

العشائر العراقية في الانبار التي تعتبر اللاجئين السوريين المقيمين في مناطق محاذية للحدود العراقية مثل دير الزور امتدادا لها، تظاهرت وسط درجات حرارة مرتفعة في صيف قائظ احتجاجا على المعاملة السيئة التي يلقاها اللاجئون. فقد فوجئ شيوخ هذه العشائر لمنعهم من زيارة هؤلاء اللاجئين والترحيب بهم في بيوتهم.

صحيح ان الحكومة العراقية تخشى من وجود جماعات او عناصر متطرفة في اوساط اللاجئين، يمكن ان تنفذ اعمال عنف وتفجيرات، ولكن هذا لا يعني تحميل الغالبية الساحقة من هؤلاء مسؤولية هذا الانطباع المسبق الذي لا توجد له اي دلائل عملية مثبتة على ارض الواقع.

ثمانية آلاف سوري وصلوا الى العراق هربا من المعارك الغالبية الساحقة منهم عائلات باطفالها، وهذا رقم صغير بالمقارنة مع اربعين الفا لجأوا الى تركيا، واكثر من ضعف هذا الرقم الى كل من الاردن ولبنان.

اللاجئون السوريون يتساءلون بحرقة حول اسباب هذه المعاملة السيئة، والقيود التي تفرض عليهم وتحول دون مغادرتهم مراكز اقامتهم الا في حالات استثنائية نادرة بينما كان نظراؤهم العراقيون وهم بمئات الآلاف يتحركون بحرية دون اي قيود في سورية، بالاضافة الى استخدام المرافق العامة والخدمات التعليمية والصحية مثلهم مثل المواطنين السوريين دون اي تفرقة رغم موارد سورية المحدودة للغاية.

نستغرب بشدة هذا الموقف من الحكومة العراقية التي تحكم بلدا كان مصدرا للاجئين الى مختلف انحاء العالم، ودول الجوار والاردن وسورية على وجه التحديد، فمعظم اعضاء الحكومة العراقية الحالية، ومعظم النواب وقادة المعارضة كانوا في الاساس من اللاجئين، فهل نسي هؤلاء المعاملة الطيبة التي قوبلوا بها في المنافي، وما زال يقابل بها اكثر من اربعة ملايين عراقي مصنفين في خانة اللاجئين؟

=================

سورية ومسألة الكينونة السياسية

مرزوق الحلبي

الثلاثاء ٣١ يوليو ٢٠١٢

الحياة

تتسع الهوة بين سورية في المخيّلة وسورية التي على الأرض. فمنهم من يختزلها بـ «الشام» وما تثيره من تداعيات التاريخ و «قاسيون» وما تعنيه من عروبة مُقاومة، و «عرين الأسد» وما تعنيه من نظام أبوي طوطمي. ومنهم مَن يُسقط عليها أمانيه مثل «الدولة العربية العلمانية الوحيدة» أو «المناهضة الوحيدة للمشاريع الأمريكو ـ صهيونية»! إسقاط للحنين الفجّ على دولة وفق المقاسات العقائدية والإيديولوجية وتطلّع إلى دولة مثالية. وجهان لتعامل قطاعات واسعة من العُرب مع المسألة السورية. وكلها بلغة سوسيولوجيا الدولة الإقليمية الخارجة للتو من أتون الاستعمار والحكم العثماني الذي دام نحو أربعة قرون. سوسيولوجيا مشتركة للأيديولوجيات ذات الجذور الماركسية أو الدينية أو الليبرالية أو القومية. كلها تتحدث عن سورية من خلال حنينها إلى شيء لم يكن وأمانيها حيال شيء لن يكون، متشابهة علماً أن سورية منذ الاستقلال لم تكن هذا ولم تستطع أن تقترب من ذاك، اللهم إلا في معيار احتكار السيادة والعنف كأبرز مقومات الدولة الحديثة. توقفت سورية هناك ولم تتقدم خطى تُذكر. والمشهد المرتسم الآن في ربوعها حجتنا الدامغة.

لقد كشف تحرك الشعب السوري كذبة الدولة السورية و «عروبتها» التي لا يرقى إليها شك و «علمانيتها الوحيدة» و «ممانعة النظام». إلا إن الأمور تجاوزت هذا الحد من كشف بؤس الدولة السورية ودمويتها إلى مرحلة بدأت تتكشف فيها ملامح تطهير عرقي استعداداً لتقسيم البلد إلى ثلاثة كيانات. فقد التقط الأكراد في الشمال الإشارات و «حرّروا» مدنهم من مبعوثي النظام السوري المتضعضع. وهم الذين عانوا الأمرّين عبر عقود من «عروبة» نظام دمشق و «ممانعته». أما النظام المحشور في زاويته فيحاول جاهداً ترتيب أمره في المنطقة التي قد تشكّل جغرافيا الكيان العلوي. وبينما قام الأكراد بحركتهم استناداً إلى ضعفهم وضحويتهم يُقدم النظام على حركته مدججاً بكل أسلحة الدمار والتقتيل ومن خلال تطهير عرقي في محيط البلدات العلوية. ومن هنا يُمكننا أن نفهم كثافة حربه وتدميره في مناطق وعزوفه التام عن الوصول إلى أخرى، هول الدمار في أحياء من حمص وسلامة أحياء أخرى منها. خريطة معاركه تتطابق الآن مع خريطة كيانه العلوي المأمول المتخيّل. هذا، فيما سينعم السنّة في سورية بما تبقى من أرض مع إمكانية نشوء نزعات جديدة لدى الدروز في جبلهم تستهدف ضمان مصالحهم وتحسين مواقعهم.

ما سقناه ليس سيناريو ممكناً بقدر ما هو التطور الحاصل على الأرض في الأسابيع الأخيرة. فهو يشكل مخرجاً «مُريحاً» لكل الأطراف بخاصة للجهات المعنية من خارج سورية. ولكل منها حساباتها التي يضمنها مثل هذا التطور. وهو، أيضاً، محصلة لتوازن القوى الحالي على الأرض داخل سورية. وهو أيضاً تحرك «طبيعي» للأطراف كلها لإعادة تموضعها في الجغرافيا السورية في الزمن الآتي. بمعنى إنه استعداد للمرحلة المقبلة التي تلي سقوط الدولة وسيادتها بشكله الذي عهدناه.

ما يحصل على الأرض تغيير جذري لنظام سيادي ورثته المنطقة عن اتفاقية سايكس ـ بيكو. وللمفارقة نقول إنه على رغم النقد العربي المكثف من مختلف المذاهب لهذه الاتفاقية على مدار عقود منذ إعلانها إلا أن جميع العرب بمن فيهم المنتقدون حرصوا على بقاء تطبيقات الاتفاقية بحذافيرها ودافعوا عن «النظام» الذي أرسته ولم يجرؤ أحد على تغييره! وللمفارقة أيضاً، أن الأصوات ذاتها أو الجيل الثاني والثالث منها تطلق أصوات النفير من إمكانية تفكك سورية إلى كيانات أصغر، كفك ارتباط مع «نظام» سايكس ـ بيكو وتلك الحدود الاصطناعية التي رسمها بين العراق والسعودية والأردن وسورية وتركيا ولبنان وفلسطين!

قد نقول إن ما يحدث في سورية شأن سوري. لكننا يُمكن أن ندرجه ضمن سيرورة عالمية تجسدت في مضاعفة عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة جراء نشوء كيانات جديدة فرزها تفكك الكيانات التي قامت بقوة اتفاقيات أعقبت الحرب الكونية الثانية وثبتها صراع العقائد وموزاين القوى في فترة الحرب الباردة. وما إن زال تأثير مفاعيل هذه الاتفاقيات بخاصة مع انتهاء «الحرب الباردة» ودخول دوامة العولمة على خط العلوم السياسية ولغتها ومفرداتها حتى تشظت منظومات ودول إلى كيانات عديدة لا تزال تقدم طلبات الانضمام إلى الأمم المتحدة! وتندرج الحالة السورية في هذا الباب من تحول عالمي ذي نزعتين متضادتين متكاملتين، تفكك كيانات سياسية ومنظومات قد تكون اصطناعية إلى كيانات أصغر (الاتحاد السوفياتي، يوغوسلافيا) ونشوء كيانات كبيرة كالاتحاد الأوروبي المرشح للاتساع.

هذه هي الوقائع على الأرض شاء مَن شاء وأبى مَن أبى. والوقائع في حاجة إلى العربي الواقعي للتعامل معها لا للعربي الحالم والمتخيّل والغارق في وهمه وأمانيه. لكن هناك من يُصرّ على ألا يرى فيتحفنا ببكائيات على سورية التي لم تكن وبتفجّع على سورية التي لن تكون. وهي نسق عربي بامتياز يقضي بألا يُرى التاريخ إلا بعد أن يترك لنا رماده ويمضي.

=================

مسلسل الصور السورية

الثلاثاء ٣١ يوليو ٢٠١٢

غسان شربل

الحياة

شاهدت صورة وليد المعلم مع علي اكبر صالحي في طهران. شاهدت قبلها صور المقعد السوري الشاغر في اجتماعات الجامعة العربية. الصور ابلغ من الكلام في التعبير عن المراحل. اليوم صارت مستحيلة تلك الصور السابقة التي كانت ممكنة وواعدة يوم التقاطها. الصور التي كانت تكرس سورية لاعباً لا ملعباً. مراجعة صور الماضي القريب قد تساهم في تفسير الحاضر الكئيب.

كانت العلاقات التركية-السورية قوية ودافئة وحميمة. يقود الرئيس بشار الاسد بنفسه السيارة وإلى جانبه اردوغان ويجوبان احياء دمشق ويجريان خلال الجولة نقاشاً في الشؤون الثنائية والعربية والدولية لا شاهد عليه الا المترجم.

ذهبت العلاقة السياسية والشخصية بعيداً. في صيف 2008 يذهب الاسد مع عائلته لقضاء عطلة عائلية مع اردوغان وزوجته في مدينة بودروم التركية الساحلية. بعد عام ستكون الحروف الاولى لاتفاق التعاون الاستراتيجي، مع إفطار رمضاني في اسطنبول. وبعد شهرين سيرفع وليد المعلم ونظيره التركي احمد داود اوغلو الحواجز الحدودية، بعد اتفاق على إلغاء التأشيرات بين البلدين.

في 23 كانون الاول (ديسمبر) كاد اردوغان يحدث انقلاباً في المنطقة. استقبل رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت بحضور داود اوغلو. لم يكن الهدف من اللقاء اقل من اتفاق سوري-اسرائيلي. خلال الجلسة التي امتدت ست ساعات، كان اردوغان يخرج الى المكتب المجاور ويتصل بالاسد ويعود لتذليل الخلاف على «كلمتين». وعد اولمرت بالحصول على موافقة حكومته، لكنه حين عاد الى بلاده أطلق حرب غزة فانهار المشروع برمته.

صور اخرى لا تزال حاضرة في الذاكرة. صورة الاسد وأحمدي نجاد وحسن نصر الله في دمشق في شباط (فبراير) 2010. استدعت تلك الصورة صورة اخرى: الاسد واردوغان وامير قطر حمد بن خليفة آل ثاني يطلّون معاً من اسطنبول في ايار (مايو). المشترك بين الصورتين هو الاسد. هل كان ما يجري سباقاً بين صورتين يعكس التجاذب على سورية؟ أم أن دمشق كانت تريد تغطية صورة بالتقاط اخرى مختلفة لتقول ان سياستها ليست اسيرة الصورة السابقة؟

شهر العسل السوري-القطري كان طويلاً هو الآخر. لعبت قطر بمساعدة تركيا دوراً في إعادة تأهيل سورية دولياً. ثمة صورة مهمة في هذا السياق. رأى العالم الاسد ضيفاً على الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في احتفالات 14 تموز (يوليو). طوت تلك الصورة صفحة العزلة التي اصابت دمشق بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

كانت العلاقات القطرية-السورية قوية ودافئة. جولات بالسيارة الرئاسية في دمشق واجازات عائلية في الساحل. استثمارات ووساطات. وهنا ايضاً لا بد من صورة. السياسيون اللبنانيون يتحلقون حول امير قطر يوم انتخاب العماد ميشال سليمان، تماماً كما تحلقوا في الطائف حول الملك فهد بن عبد العزيز. في السياسة يصعب اتهام بعض الصور بالبراءة.

كانت السنوات السورية الماضية حافلة بالصور. لا يمكن تناسي مبادرة المصالحة التي اطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت في 2009، والقمة السعودية-الكويتية-السورية المصرية التي انعقدت بعد شهرين في الرياض وتبعتها في ايلول (سبتمبر) مشاركة الاسد في افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في الرياض.

ثمة صورة اكثر وقعاً. في تموز 2010، زار الملك عبد الله دمشق واصطحب الاسد الى قصر الرئاسة اللبنانية في بعبدا، وعلى الغداء كان مقعد رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الى جانب الرئيس السوري. كان الحريري دخل قبل ذلك مسلسل الصور السورية بعد وساطات وضغوط. في 19 كانون الاول(ديسمبر) 2009 استقبل الاسد رئيس الوزراء اللبناني، وكان اسمه سعد رفيق الحريري. بذل الرجلان جهداً استثنائياً للإيحاء بأن المصافحة تعني المصالحة.

كشفت الشهور اللاحقة ان الود لم يشارك في المحادثات والزيارات.

في تشرين الاول (اكتوبر) 2010، قاد الاسد في طهران سيارة من صنع إيراني وقام بجولة مع أحمدي نجاد.

كان سباق الصور طويلاً وصعباً. بعض من ظهروا في الصور كانوا يرغبون في ان تبتعد سورية ولو قليلاً «عن البرنامج الايراني» في المنطقة. البعض الآخر كان يريد تعميق موقع سورية في محور الممانعة. مع اندلاع الاحتجاجات في سورية بات معظم الصور السابقة مستحيلاً. دخلت سورية مرحلة صورة المقعد الشاغر وصورة المعلم في طهران.

=================

مؤشرات معركة حلب!

عماد الدين اديب

الشرق الاوسط

31-7-2012

معركة حلب - أو بالأصح مجزرة حلب - التي يقودها نظام الحكم في سوريا، من الممكن أن تعطي مؤشرات واتجاهات لنوايا وخطط نظام الدكتور بشار الأسد بالنسبة للمستقبل القريب.

حلب هي كبرى المدن السورية من ناحية التعداد وإحدى أقدم المدن التجارية في التاريخ، وتستحوذ على أكبر مراكز صناعات النسيج والملابس والصناعات الغذائية وتجميع المعدات الكهربائية.

ويعتبر «تجار حلب» أو ما يعرف باسم «بازار حلب» من القوى النشطة للغاية في حركة الاقتصاد والتجارة في البلاد، كما أن قطاعا كبيرا من المهاجرين السوريين في أميركا اللاتينية يعود مسقط رأسهم إلى تلك المدينة التاريخية.

وكان رهان الحكم في دمشق دائما على أن «حلب» هي دائما مدينة طيعة مستقرة سياسيا بالنسبة لموقفها من النظام الحاكم عملا بمنطق أن «أصحاب المال والمصالح يسعون دائما إلى عدم تهديد استثماراتهم، وأنك إذا كان لديك ما تخاف عليه فإنك دائما سيكون لديك ما تخاف منه». الآن، سقط هذا المنطق وتحرك الشارع الحلبي، وأصبح جزءا من الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد.

معركة حلب شرسة للغاية، استخدمت فيها الدبابات والمجنزرات ومدفعية الميدان والمدافع المتوسطة والمروحيات مقابل قوى شعبية مسلحة لا تمتلك سوى مدافع رشاشة أو بنادق نصف آلية وذخيرة محدودة. وتعلن محطات النظام السوري ليل نهار عن الانتصارات الكبرى التي قامت بها قوات «الجيش النظامي» بتحقيقها تجاه حفنة من «المخربين العملاء»، على حد وصفهم.

ما تؤشر إليه معركة حلب، أن هذا النظام لن يقف أمامه أي عنصر إنساني أو بشري في كبح جماح عملياته العسكرية، ولن تقف أي كتلة بشرية مزدحمة، مثل حلب، ضد سياسات المجازر والتطهير السياسي والعرقي ضد المعارضين.

لن يوجد سقف ما لعدد الضحايا في ردع صانع القرار في دمشق ولا أنصاره في طهران وموسكو وبكين.

المخيف في السلوك السوري الرسمي، وفي تناوله لمعركة حلب، أنه يحاول تسويق الموضوع على أنه استجابة لنداءات واستغاثات من أهل حلب! نحن أمام نظام قرر أن المعركة طويلة ولديه الإمكانات والعتاد لذلك، ونحن أمام معارضة تسليحها بدائي، ودول جوار مشاكلها تمنعها من التدخل الحاسم، ومجتمع دولي مأزوم، والقوى الكبرى في مجلس الأمن معطلة، والجامعة العربية صائمة في رمضان وإلى الأبد!

لكم الله يا أهل سوريا!

=================

«المعلم» غير الحر

طارق الحميد

الشرق الاوسط

31-7-2012

يا لها من مفارقة مهمة، ولها دلالات، إذ نجد أن معظم بيانات الجيش السوري الحر باتت تصدر من داخل الأراضي السورية، وخصوصا حلب الصامدة بوجه قوات الطاغية الأسد، بينما نجد وزير خارجية النظام الأسدي يتحدث من العاصمة الإيرانية طهران!

الجيش الحر بات يصدر بياناته من الداخل متعهدا بمواصلة الثورة، وتحرير الأراضي السورية من براثن النظام الأسدي، بينما نجد وليد المعلم يهدد السوريين من إيران، ويتعهد بسحقهم وهو يقف بجوار وزير الخارجية الإيراني! فالغريب أن النظام الأسدي - ومعه محاولات خارجية - يريد تصوير الثوار السوريين على أنهم مجموعة من «المقاتلين العرب»، كما يحاول النظام الأسدي القول للغرب، وبعض الشرائح السورية، إن الثورة ما هي إلا تحرك طائفي ضد نظامه، بينما نجد المعلم نفسه يهدد السوريين، ويتوعدهم – من إيران - دون أن يتحدث أحد عن طائفية النظام الأسدي المقيتة. وليد المعلم لم يعلن من طهران حلولا عملية للازمة، ولم يقل ما هو مفيد عدا التهديد والوعيد، بينما وزير الخارجية الإيراني يقول إن تشكيل حكومة انتقالية في سوريا «وهم»، بدلا من أن يطالب النظام الأسدي بوقف آلة القتل الإجرامية بحق السوريين، مما يظهر النفاق الإيراني في منطقتنا!

وبالطبع، فإن دلالات هذا الأمر، أي تحدث المعلم من إيران، وصدور بيانات الجيش الحر من سوريا، تعني أن الأمور على الأرض باتت تسير بشكل متسارع ضد رغبات نظام الأسد الذي أصبح يواجه صعوبات حقيقية على الأرض، خصوصا أن صمود حلب، وصمود الجيش السوري الحر، بدآ يعززان تضعضع قوات الأسد وضعف سيطرتها. ولو كان هناك تحرك دولي حقيقي، أو على الأقل من الدول الراغبة، لفرض المناطق الآمنة في الحدود السورية لتهاوى النظام الأسدي، وتحديدا بشقه الأمني، بشكل أسرع مما يتخيل البعض، خصوصا مع تزايد وتيرة الانشقاقات العسكرية، ومثلها الانشقاقات الدبلوماسية، وحتى على مستوى النواب السوريين، بل وقيادات الشرطة في المدن السورية الكبيرة، وآخرهم نائب مدير شرطة اللاذقية.

لذا، فإن حديث المعلم من طهران يظهر قناعة النظام الأسدي بأن آخر من تبقى له الآن هو إيران. وعلى الرغم من كل المواقف الروسية المدافعة عن الأسد، فإن الفارق هنا بين إيران وروسيا هو أن موسكو باتت تتحدث عن الأسد بلغة لا تظهر الاحترام، خصوصا عندما تحدث مؤخرا وزير الخارجية الروسي متهكما على فكرة منح اللجوء السياسي للأسد في موسكو، حيث قال لافروف إن بلاده لا يمكن أن تفكر في ذلك، وعلى الآخرين أن يأخذوه عندهم. وهذه اللغة لم تتحدث بها طهران، أو غيرها، بل إن إيران ما زالت تدافع عن الأسد، وتهدد من يؤيد رحيله عن السلطة في منطقتنا!

ملخص القول أن تصريحات المعلم من إيران، وتصريحات الجيش الحر من سوريا، تعكس واقع الأمور على الأرض، وتظهر أن الأسد لا يكترث برأي من هم في دمشق، أو حلب، بل إنه يريد التأكد من وقوف طهران معه في معركته ضد السوريين، وهذه هي مؤشرات النهاية، وليس الضعف وحسب، كما أنها دليل على الطائفية الإيرانية في منطقتنا.

=================

حلب تقرر مصير دمشق

غسان الامام

الشرق الاوسط

31-7-2012

في الوضع الميداني، يبدو واضحا أن تعديلا طرأ على استراتيجية النظام مراعاة لظروف القوات النظامية. فقد أصيبت بالإرهاق. وتعاني من الاستنزاف في اشتباكاتها مع تنظيمات المعارضة المسلحة.

الاستراتيجية الجديدة تعتمد التركيز على الاحتفاظ بحلب ودمشق فقط. والكف عن النشر الواسع للقوات، بعد إخفاق الهجوم المضاد لاسترداد المناطق الريفية «المحررة»، في الشمال. والشرق. والجنوب.

بعد التصفية الجسدية التي تعرضت لها القيادة العسكرية/ الأمنية (18 يوليو/ تموز)، أعاد ماهر وبشار تشكيل هذه القيادة، بما يسمح لها بإحكام قبضتها على الجيش والأجهزة الأمنية. فغدا اللواءان علي مملوك وعبد الفتاح قدسية، على رأس مكتب الأمن القومي، فيما أسندت رئاسة الأركان، إلى العماد علي أيوب الذي يقال إنه صاحب استراتيجية التخفيف من نشر القوات العسكرية، وتجميعها داخل دمشق وحلب وحولهما، لضمان بقاء النظام أطول مدة ممكنة. وللادعاء أمام العالم بأنه ما زال مسيطرا على العاصمتين السياسية والاقتصادية.

إذا كان تقليص وجود القوات النظامية صحيحا، فلماذا نسمع أن الاشتباكات ما زالت مستمرة في المدن المتوسطة، كدير الزور. درعا. حمص. حماه. إدلب...؟ عمليا، لم يعد النظام يملك احتياطا كافيا للزج به، في وقت واحد، في مختلف هذه المدن.

القوات البرية التي ما زالت موالية جرى تجميعها في القواعد العسكرية والجوية في مختلف أنحاء سوريا. ومنها يتم قصف المدن الثائرة بمدافع الهاون والصواريخ. والإغارة عليها بأسطول حديث ومتطور من طائرات الهجوم المروحية التي زودت بها روسيا نظام بشار. ولا تملك فصائل المعارضة المسلحة، بعد، السلاح الثقيل أو العدد الكافي من المقاتلين، ولا سيما المنشقين عن الجيش، لاقتحام هذه القواعد.

إحكام السيطرة على دمشق وحلب يقتضي إبقاء الطريق الدولي الرئيسي بينهما سالكا أمام حركة القوات النظامية. النظام يعاني من صعوبة بالغة في تأمين هذا الطريق (نحو 400 كيلومتر)، ولا سيما في مفصل حمص/ حماه. ولم تستطع قواته السيطرة تماما عليهما، على الرغم من «التطهير المذهبي» للقرى السنية في سهل الغاب المجاور، من خلال المجازر المروعة التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية، ورديفتها ميليشيا النظام (الشبيحة) المنطلقة من القرى العلوية هناك.

في دمشق، استعادت القوات النظامية السيطرة على الأحياء والضواحي الشمالية (برزة. القابون. حي الأكراد). والشرقية (جوبر. حرستا. دوما). وارتكبت الشبيحة مجازر متعددة ضد السكان المدنيين. في جنوب دمشق، عاد الهدوء النسبي إلى حي الميدان الضخم. لكن الاشتباكات ما زالت مستمرة في أحياء البؤس المجاورة (التضامن. القدم. نهر عيشة. الحجر الأسود. مخيم اليرموك أضخم المخيمات الفلسطينية في سوريا).

الاعتقاد السائد هو أن أغلبية المسلحين المتسللين إلى جنوب دمشق أتت من سهل حوران (درعا)، وبينهم مسلحون سلفيون أردنيون، بالإضافة إلى المسلحين المحليين. ولا تعني السيطرة على دمشق أن النظام حسم الوضع فيها. فالدمشقيون (الشوام) يتوقعون مسلسلا متواليا من التسلل لهز قبضة النظام على العاصمة. وهو يستخدم الصواريخ والمدفعية المنصوبة على أعلى جبل قاسيون لقصف الأحياء المتمردة.

انفرجت الأزمة التموينية في العاصمة. خف التزاحم على الأفران ومحطات البنزين. فرت قطاعات من البورجوازية الدمشقية إلى لبنان، وسبقتها إليه مدخراتها ورساميلها المالية، ظنا بأن لبنان أكثر أمنا وأمانا من سوريا. أما الأسر العلوية فقد فرت من «مستوطناتها» في أطراف العاصمة، إلى مسقط رأسها في الجبال المطلة على الساحل السوري، تاركة وراءها شبابها (الشبيحة)، وجنود الحرس الجمهوري، في قواعدها وثكناتها في قلب المدينة وضواحيها.

في إطار الاستراتيجية الجديدة، يحاول النظام استعادة مدينة حلب من التنظيمات المسلحة التي سيطرت على أطرافها وأحيائها الشعبية، وصولا إلى قلبها. ولأنه لم يعد يملك قوة احتياطية كافية في الشمال، فقد زج في معركة حلب، بآخر ما تبقى له من القوات المدرعة المنسحبة من الأرياف الشرقية والغربية.

كان الانسحاب من محافظة إدلب (غرب حلب) تاما، الأمر الذي مكن الجيش الحر هناك من الإيقاع بالمنسحبين. فدمرت دبابات. وأسر جنود. وضباط. وشبيحة. بل اتجهت فصائل مسلحة من إدلب إلى حلب، للمشاركة في معركتها الفاصلة.

معنويات الثوار في حلب عالية، على الرغم من النقص في الذخيرة والعتاد. يتراوح عدد الفصائل المقاتلة بين ثلاثة آلاف، إلى خمسة آلاف مقاتل. ويتوقع أن يرتفع العدد إلى عشرة آلاف مقاتل، إذا ما طالت المعركة أسابيع. ولعل قسوة المعركة تجبر هذه الفصائل على الالتحام والتنسيق بينها.

المعركة بدأت، عمليا، صباح السبت الماضي، بعد قصف جوي استمر نحو أسبوع بالمروحيات والطيران النفاث. لكن محاولة القوات النظامية، في هجمتها الأولى، استعادة حي صلاح الدين الثائر (غرب المدينة) أخفقت.

هذا هو مجمل الوضع الميداني. على المستوى السياسي، أكتفي بالقول، إن معركة حلب ستقرر مصير دمشق. فمعركتها محتمة، إذا تمكن الثوار من الاحتفاظ بحلب. إذا استعادت قوات النظام حلب، فآمل أن أكون مخطئا، في تحميل تركيا التي تدير المعركة من خلف الحدود، مسؤولية الخسارة الفادحة. فقد شجعت ودفعت إلى المدينة بأعداد غير كافية من الثوار، للصمود أسابيع طويلة في مدينة محاصرة.

تركيا، في الواقع، تخوض معركة سوريا بالكلام. لا بالسلاح. نعم، ساعدت في تحرير ريف حلب. لكنها مع قطر والولايات المتحدة ما زالت مترددة في تسليح الثوار. السبب التأخر في فرز فصائل الثورة، لتجنب خطر تسليح الفصائل الجهادية (القاعدة).

يخوض الثوار السوريون معركة حلب وحدهم. وهم يعلمون أن العالم قد تخلى عنهم. لا تركيا. ولا أميركا. ولا أوروبا، ستدخل في هذه المرحلة «الأولمبية». حتى أردوغان ذهب إلى لندن. واكتفى بالصلاة والدعاء هناك، لثوار حلب بالنصر.

موقف الجامعة العربية ليس بحال أحسن من تركيا. سحبت الجامعة التفويض العربي من المبعوث الدولي كوفي أنان. لكنها ما زالت تتفاهم معه بلغة بوتين الروسية! فقد دعت إلى تشكيل حكومة انتقالية من معارضة الداخل. والخارج. والجيش الحر... ومع من أيضا؟ آه. مع «نظام الأمر الواقع». مع نظام بشار!

مع ذلك، تحفظت الجزائر. العراق. لبنان، على قرارات الجامعة، بحجة أنها تتدخل في شؤون سوريا الداخلية. وتمس بكرامة الرئيس الجزار، بدعوته إلى التنحي. لا عتب على «ملا» العراق نوري المالكي. ولا على «الملا» عدنان منصور وزير خارجية «آية الله» نجيب ميقاتي. إنما العتب على بوتفليقة. ينسى الرئيس الجزائري أن ملايين السوريين الفقراء تبرعوا بنقودهم. بمدخراتهم. بحليهم، للثورة الجزائرية، لتعيش الجزائر عربية. حرة. مستقلة.

لا أطالب سي بوتفليقة بأن يتبرع لملايين السوريين الفقراء الثائرين. إنما، على الأقل، أن يرد الجميل للخليجيين المنتصرين لأشقائهم السوريين. فقد آواه الخليجيون وأكرموه، عندما تقطعت به السبل في صحراء السياسة.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ