ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الخميس 24/11/2011


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

سوريا ومصر... إلى أين؟

عبدالله عبيد حسن

تاريخ النشر: الأربعاء 23 نوفمبر 2011

الاتحاد

صرح وزير الدفاع الكندي عقب انتهاء اجتماع لحلف الأطلسي (الناتو)، استمر لثلاثة أيام في مدينة هلفاكس الكندية، بأن "الحكومة الكندية مستعدة للمساعدة في أي عمليات يقررها مجلس الأمن لحماية المدنيين السوريين الذين يواجهون العنف والقتل والإرهاب من سلطة الرئيس الأسد بشكل غير إنساني". وأعلن الوزير الكندي أن بلاده أبلغت حلفاءها بأنها "جاهزة ومستعدة للانضمام للتحالف الدولي لحماية المدنيين السوريين". ثم استطرد الوزير معلناً "أن الحكومة الكندية قررت تمديد فترة بقاء السفن الحربية الكندية التي ساهمت في عملية ليبيا، إلى العام 2012، لأنه من المهم أن يكون هناك وجود كندي قوي وفعّال فيما تؤكد التقارير الاستخبارية والتحليلات السياسية أن المنطقة مقبلة على مرحلة حرجة ستهدد السلم والاستقرار الدوليين". وعندما سئل عما إذا كانت كندا ستقوم بعملية حظر للطيران السوري كما فعلت مع نظام القذافي السابق، أجاب أن لكل عملية ظروفها وأدواتها، وأن ذلك القرار متروك للقادة العسكريين.

لكن الجنرال شارلس بوشارد، قائد عملية الناتو في ليبيا، كان قد صرح بأن "وضع سوريا مغاير للوضع الليبي سابقاً، فسوريا في الشرق الأوسط لها تأييد إقليمي". وأفادت التسريبات الإخبارية عن اجتماع هلفاكس الأمني، بأن الموضوع الرئيسي في أجندة الاجتماع كان الشرق الأوسط ككل، وفي صدارته سوريا، وأن الموضوع السوري كان الشغل الشاغل لقادة الحلف، انطلاقاً من الإحساس بأن الأسد لن يتنازل للضغط الأجنبي ولن يتنحى، كما صرح هو نفسه لجريدة "الصن تايمز" يوم السبت الماضي.

ويبقى السؤال: إلى أين تسير سوريا؟ في رأي وزير خارجية روسيا، بعد حادثة هجوم المعارضة على مقرين للاستخبارات والحزب الحاكم، وما عقب ذلك من عمليات للقوات الحكومية، فإن سوريا "قد ستنزلق إلى حرب أهلية، وعلى المسؤولين السوريين إعادة النظر في سياساتهم، لتفادي الحرب الداخلية". والخطر الأكبر هو الانقسام الذي يهدد القوات المسلحة السورية، إذ ثمة مؤشرات على "تمرد عدد من الضباط والجنود" الذين يبدو أنهم شكلوا جيشاً أصبح له قيادة ومركز عمليات، ويجد دعماً خفياً من بعض الدول المجاورة. والتاريخ الحديث يعلمنا أن انقسام القوات المسلحة في أي بلد هو بداية سيئة تقود إلى نتائج أسوأ.

وفيما نحن مشغولون بالموضوع السوري، جاءت أخبار من مصر تزيد هموم ومخاوف الأمة... فما جرى في القاهرة ومدن مصرية أخرى، وكانت محصلته عشرات القتلى ومئات الجرحى، أمر يثير الخشية من تحول الربيع المصري إلى صراع دموي بين المجلس العسكري الحاكم والقوى السياسية المدنية. فكثير من هذه القوى أعربت عن فقدانها الثقة في المجلس، وطالبته بتسليم السلطة إلى حكومة إجماع وطني مدنية لإجراء الانتخابات المقررة هذا الأسبوع.

وعودة الجماهير إلى الميادين والمواجهات الدامية مع السلطة، عملية لا تبشر بخير، حيث يبدو الرأي السائد وسط المواطنين المصريين أن "العسكر يلعبون لعبة غير نظيفة" وهدفهم بقاء الجيش في الحكم استمراراً لنظام الرئيس المخلوع مبارك.

إن الموقفين في سوريا ومصر غير مطمئنين أبداً، والحلم بالربيع وبتغيير سلمي يقود إلى الديموقراطية والعدل والوحدة الوطنية... أصبح في نظر الكثيرين مهدداً بردة لا يعلم نتائجها سوى الله. والشامتون في العرب وقدرتهم على إحداث التغيير السلمي المطلوب وبناء أنظمة ديموقراطية حديثة تواجه متطلبات العصر، كثرون هذه الأيام.

=================

"الجامعة" وسوريا في عصر الربيع العربي

د. عبد الحميد الأنصاري

تاريخ النشر: الأربعاء 23 نوفمبر 2011

الاتحاد

قرار الجامعة العربية بتعليق عضوية سوريا إلى حين قيامها بالتنفيذ الكامل للمبادرة العربية، وصف بأنه قرار تاريخي وشجاع، وأن الجامعة بهذا القرار المؤيد من 18 دولة عربية، وهي أغلبية غير معتادة في قرارات المجلس، وضد عضو مؤسس يعد نفسه (قلب العروبة) ودولتها المركزية، ترد الاعتبار لمكانتها الإقليمية ولدورها الفاعل، كما تثبت قدرتها على مواجهة الأحداث التي تعصف بالمنطقة وتغير صورة العرب أمام العالم كله تقريباً.

ولطالما نظرنا إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة رسمية للنظم العربية، تعبر عن إرادة هذه النظم، وبغض النظر عن تطلعات الشعوب العربية، ولطالما وصفناها بالعجز والجمود، كما انتقدنا أمناءها العامين كونهم غير قادرين على تفعيل العمل العربي المشترك. وقد نال الأمين العام الجديد الدكتور العربي جانباً من ذلك النقد أو اللوم بعد زيارته الأولى لدمشق قبل فترة من الآن، حيث وُصف موقفه بالسلبية وخذلان الثورة السورية.

ظلت الجامعة العربية أسيرة نشأتها التاريخية وميثاقها وإملاءات بعض النظم التسلطية فيها، مما كان له الأثر الأبرز في تعويق دور الجامعة وتحجيم فعاليتها وشل قدرتها على القيام بمسؤولياتها على الوجه الذي آملته وتأمله الجماهير العربية منها.

واليوم، وبهذا القرار المفصلي، ترتقي الجامعة لتتجاوب مع تطلعات الشعوب العربية في الحرية والكرامة والعدل. لم يكن الكثيرون يتوقعون مثل هذا القرار الحاسم ولا هذا السلوك الجديد من الجامعة، والتي يبدو أنها أخيراً "شربت من حليب السباع" كما يقول الرميحي. نعم الجامعة العربية اليوم في عصر الربيع العربي، غير جامعة الأمس عندما سكتت على المذابح في حماة وحلبجة. لقد تغيرت الجامعة وبدأت بتفعيل دورها لمواكبة المستجدات والاستجابة لمطالب الرأي العام العربي وطموحاته في تجاوز أوضاع التخلف والتردي والاستبداد، وهي بذلك تثور على ماضيها وتتحرر من قيودها. وما كان للجامعة أن تتغير إلا بفعل ثلاثة عوامل: أولها تضحيات شعوب بلاد الربيع العربي في مواجهة أجهزة القمع بعد أن سقط حاجز الخوف، وثانيها قوة الدفع التي تمثله دول مجلس التعاون والتي تقوم بدور تاريخي وبنّاء لملء الفراغ السياسي بعد انحسار أدوار الدول العربية المركزية. أما العامل الثالث والأخير فهو روح العصر المتعطشة إلى الحرية ممثلة في جهود وتحركات المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والمساندة لحق الشعوب العربية في صنع مستقبلها.

لقد رحب المجتمع الدولي بالقرار العربي وأشاد به ووصفه بالقرار الشجاع. وكانت لتركيا جهود مقدرة في تنسيق الإجراءات الرامية إلى حماية المدنيين الأبرياء الذين يواجهون بصدورهم العارية قوى البطش في العديد من المدن السورية حيث يتساقط العشرات منهم يومياً! يا لشجاعة هذا الشعب الذي يقدم أعظم نماذج البطولة والتضحية في سبيل الحرية والكرامة!

كان وقع القرار على النظام شديداً، وقد أفقد وزير الخارجية السوري ومندوبه في الجامعة اتزانهما فتهورا وخرجا عن حدود اللباقة وهاجما الجامعة واللجنة الوزارية ورئيسها بعبارات منافية للأعراف والآداب. وما كان من رئيس الاجتماع، إلا أن يرد بكل تهذيب: "سامحه الله، إن هدفنا مساعدة سوريا وتجنيبها المخاطر".

لقد أمسكت الجامعة بزمام المبادرة، حرصاً على سوريا ومنعاً للتدويل، وذلك من منطلق "بيدي لا بيد عمرو".

لذا فثمة الآن تساؤلات كثيرة ترد على الذهن: لماذا تتسم ردود فعل ممثلي النظام السوري بعدم الاتزان تجاه المخالفين؟! وما سر هذه العصبية الملازمة لهذا النظام ضد أي نقد داخلي أو خارجي؟! أتصور أنها أيديولوجية "البعث" القائمة على النظرة الاستعلائية من جهة، وعقدة الشك والارتياب في الآخر من جهة أخرى، وهما عقدتان تحكمان النظام السياسي في دمشق منذ انقلاب "البعث" عام 1963 واستيلائه على السلطة. فلدى هذه السلطة إيمان يصل إلى درجة اليقين، بأن سوريا "هي قلب العروبة النابض" و "حصن العرب الحصين"، لتاريخها وموقعها، وبأن سوريا دائماً مستهدفة من قبل الأعداء المتآمرين، وبأن قدر سوريا أن تكون "قلعة الصمود والمقاومة"، وبأن رسالتها أن تكون "قائدة للنضال". وقد عبر عن هذه المضامين الرئيس بشار في خطابه بمناسبة الذكرى ال66 لبناء الجيش السوري، وذلك بقوله: "إذا كان قدر سوريا أن تكون في موقع القلب لهذه المنطقة الجيوستراتيجية، فإن إرادة أبنائها تأبى إلا أن تكون قلب الأمة النابض. إن تمسكنا بثوابتنا يزيد حقد الأعداء علينا، لكننا قادرون على أن نسقط هذا الفصل الجديد من المؤامرة بهدف تفتيت سوريا تمهيداً لتفتيت المنطقة برمتها". كما عبر وزير خارجيته عن المضمون نفسه تقريباً، وذلك في معرض هجومه على قرار الجامعة العربية حين قال: "إن سوريا تهب عليها عواصف تآمرية من جهات عدة، وهي تدفع ثمن صلابة مواقفها وصدق عروبتها".

النظام السوري يعتقد أنه ضحية مخططات تآمرية تستهدف سوريا، لمواقفها ودورها القومي والنضالي، ولذلك لا يستغرب موقف مندوبه حين يقول: "طظ في الجامعة"، متهماً إياها هو أيضاً بالتآمر تنفيذاً لإملاءات الخارج. بل وصل بهم الأمر إلى شن حملة سباب على دول مجلس التعاون الخليجي، وقد خص قطر واستصغرها قائلاً إنها تلعب دوراً أكبر منها!

إن هذا المزيج من الاستعلاء على الآخرين والارتياب في مواقفهم وتخوينها، هو أمر معهود وصفة ملازمة لكافة ممثلي ورموز وحراس النظام، فقد رسخت التنشئة السياسية ومناهج التعليم ومنابر التوجيه والتثقيف هذه العقد في نفسياتهم، كما رسخت في عقولهم صورة سوريا باعتبارها دولة العروبة الكبرى، فكيف تتجرأ دول الأطراف والهوامش على أن تقود حركة تعليق عضوية سوريا، وهي حجر الزاوية في النظام العربي؟!

تغير العالم ولم يتغير النظام السوري، لا زال ممثلوه يعيشون أوهام الدول الكبرى والصغرى في عصر تُقيم فيه الدول بفعاليتها وإسهاماتها وعطاءاتها في ميادين السلام والتنمية والاستقرار وحقوق الإنسان... لا بشعاراتها وتاريخها وموقعها. إنها هواجس التآمر وأوهام الارتياب التي تصور للنظام أن العروبة حق حصري له يمنحه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء، فمن خالفه وانتقده أسقط عروبته وأصبح عميلاً متآمراً! لن يفيد النظام استعلاؤه على شعبه وعلى الآخرين، ولن يصدقه أحد في ترويجه مخططات التآمر التي تحاك ضده، لن يفيده ويغنيه إلا الاستماع لمطالب شعبه.

=================

لماذا سورية ونسيان اليمن؟!

الرياض السعودية

التاريخ: 23 نوفمبر 2011

لماذا كان موقف الجامعة العربية حازماً مع سورية، وسلبياً مع اليمن؟ السؤال مطروح على المستويات الشعبية والسياسية، وعلى كلّ من يهتم بالأحداث العربية المتسارعة، وفي غياب التحليل الموضوعي تجاه البلدين تغيب الحقيقة، وتُستبدل بالشكوك، ويصبح الموقف برمته عائماً..

أعتقد أن هناك فوارق موضوعية، ففي اليمن لدى الرئيس مثل المعارضة قاعدة شعبية يستطيع تحريكها أمام خصومه، وأن العمق القبلي موجود في قلب الصراع وربما رأت الجامعة العربية الاكتفاء بالمبادرة الخليجية كإطار للحل باعتبار الطرفين اليمنيين متفقين عليها، إضافة إلى أن الحكم أقل دموية من النظام السوري الذي يعتمد في قوته على الجيش الطائفي، ومنظومة الأمن التابعة له والمرتبطة معه، عضوياً، بسبب الخوف من المساءلة في حال زوال الحكم، وكذلك الروابط المصلحية بين الجبهتين، وحتى عدم خروج الشارع في المدينتين الرئيسيتين، دمشق وحلب، هناك يُفسر بأنه زواج (كاثوليكي) بين السلطة والطبقة المتنفذة تجارياً واقتصادياً..

الجانب الآخر أن الحل اليمني أسهل وأقرب، والدليل أن الموقف الدولي لم يتخذ قرارات المقاطعة، والضغط السياسي، والاقتصادي مع اليمن، كما هو حادث مع سورية، وموقف الجامعة العربية ظل شجاعاً، إذ لأول مرة يكون لقادة هذه الأمة دور فاعل ومميز تجاه حمام دم يحدث في بلد عربي مهم، وتحترمه كل القوى الدولية..

ومع أنه لا يجوز توزيع الأدوار بين موقف وآخر، والتفريق بين بلدين وشعبين طالما الغاية والهدف واحد، فإن الجامعة أيضاً صمتت على تجاوزات في أكثر من بلد بما في ذلك ما جرى في العراق ويجري الآن، وكذلك الصومال، وقبلهما لبنان، لكن يبدو أن الظروف اختلفت وتميزت المرحلة الراهنة بأن المتاهات السابقة والتشرذم بين الدول، جاء الخيار الجاد بضرورة أن يكون الصوت العربي فوق الصوت الدولي، وإلا أصبحنا جمهوريات موز هلامية في أدوارها وضعف عمقها الاستراتيجي..

هناك من يعطي تحليلات متغايرة، ويريد دق الأسافين في الدور العربي عندما يصف البعض انتقال الثقل السياسي لدول الخليج العربي بدلاً من دول أخرى، وهذا ليس صحيحاً لأن مواجهة الحكم السوري جاءت بأغلبية الدول ذات الثقل المميز، والمسألة لا تقاس بالثروة فقط، رغم أهميتها، ولكن بصدق النوايا، والحزم الذي احتجنا إليه بعد معركة حظر النفط بعد حرب ١٩٧٣م..

فالقوة العربية الجديدة، إن صح التوصيف، هي إطار عملي رادع، أي أن تفعيل دور الجامعة العربية، وبشكل جاد بعيداً عن السلبيات القديمة، سوف يكون مميزاً، وحتى سورية التي رأت فيه تبعية للغرب، فهذا ليس صحيحاً، وإلا فهي تقع في حزام الشرق، الصين وروسيا..

ولعل التفاعل الشعبي العربي الذي أيد، ولأول مرة يهتم بحدث عربي دليل على أن سورية ليست بمعزل عن الرأي العام القومي، ومن غير المنطقي رؤية شعبها يقتل مع سبق الإصرار، وبذرائع لا قيمة لها ويمنح الحكم ميزة الجلاد على شعبه، ويتم الصمت عن تجاوزاته اللاإنسانية..

الجامعة العربية تقدمت خطوة رائدة، والعمل العربي لو حدث وتضامَنَ، فستكون للعرب هيبتهم وثقلهم السياسي في المحافل الدولية كلها..

=================

أجندات ثلاث تصطرع في سوريا وعليها

عريب الرنتاوي

الدستور

23-11-2011

ثلاث أجندات تصطرع في سوريا وعليها.. الأجندة الاصلاحية- التغييريّة التي يرفع لواءها مُحقاً، الشعب السوري بقواه وفصائله وتنسيقياته وحراكاته الشبابية والشعبية والاجتماعية.. أجندة الثورة المضادة لربيع العرب، والتي تقودها دول وأنظمة، لطالما ناصبت جميع ثورات العرب وحراكاتهم خلال الستين عاماً الفائتة، أشد أنواع العداء، وهي “تختطف” اليوم الجامعة العربية، وتحيلها الى حصان طروادة لتمرير مشاريعها.. وأجندة ثالثة، هي الأجندة الاسرائيلية المحكومة بهواجس “نظرية الأمن الاسرائيلية”، والمتحكمة الى حد كبير بمواقف بعض مراكز القرار الدولي.

ان مستقبل سوريا، شعباً وثورة وكياناً.. ان مصير سوريا والسوريين بأسره، رهن بنجاح قوى الثورة والمعارضة فيها، في التمييز بين هذه الأجندات، وتمييز أجندتها الوطنية الديمقراطية عن بقية الأجندات، حتى وهي تعمل بوحي من التكتيك القائل: “السير منفردين والضرب في نفس الاتجاه”.. فأية “اختلاطات” و”تشريكات” و”تشبيكات” لن يترتب عليها سوى أوخم العواقب على مستقبل سوريا ومصائر أبنائها.

ندرك صعوبة رسم تخوم قاطعة في وضوحها بين هذه الأجندات الثلاث.. فهي تلتقي حيناً وتفترق أحياناً.. وندرك أيضاً أن القوى الرافعة للواء كل واحدة منها، قد تأتلف وتتحالف، وقد تختلف وتتنافر، حد الصراع والاصطدام.. ولكننا ندرك كذلك عظم المخاطر المترتبة على اختلاط الأجندات والأولويات، وحجم الضرر المترتب على محاولات “امتطاء صهوة الثورة” للوصول بها الى أهداف الثورة المضادة.

من الأمثلة العديدة الدالّة على ما نقول، نشير فقط، الى محاولات فرض التماهي بين أجندة الاصلاح والتغيير وأجندة المعسكر المضاد للثورة وربيع العرب.. والا كيف يمكن تفسير هذا التناغم بين طروحات بعض المعارضة السورية من جهة وأجندة الثورة المضادة – عربياً – التي تعبر عنها دول بعينها، أو الجامعة بعينها من جهة ثانية؟.. كيف يمكن تفسير كل هذا الاحتضان والكرم الحاتمي الذي تبديه عواصم بعينها للمعارضة السورية، وهي التي تكره المعارضة لديها، حتى وان كانت من صنف “الأم تيريزا”.. كيف يمكن تفسير هذه “الصحوة” غير المسبوقة للجامعة العربية التي حوّلت وزراء الخارجية العرب، الى ما يشبه “هيئة الأركان” لجيش في حالة حرب ضروس؟.. كيف يمكن تفسير كل هذه الغيرة على الاصلاح في سوريا، من لدن أطراف هي أحوج للاصلاح والتغيير من حاجة سوريا اليه؟.. هذا ضرب من التقاء الأجندات، نأمل أن يكون عارضاً وتكتيكياً، حتى لا تُختطف الثورة السورية كما اختُطِف العمل العربي المشترك.

ومن الأمثلة الدالة على ما نقول: أن معسكر الثورة في الحالة السورية، كما هو معسكر الثورة المضادة، منقسم على نفسه حد الاشتباك بكل الطرق والأدوات، وفي مختلف الميادين والساحات.. فكيف يمكن قبول الاتهامات واللكمات التي وجهها “شبيحة المعارضة” لمناضلين سوريين قضوا السنوات الأجمل من حيواتهم في أقبية سجون التظام وزنازينه، وقبل أن يتعلم هؤلاء “الشبيحة” ومحركيهم، الدرس الأول في مساق المعارضة.. وفي المقابل، كيف يمكن تفسير هذا الصراع المحتدم بين نظام الأسد الذي هو موضوعياً في قلب “الثورة المضادة” من جهة، وقوى الثورة المضادة على الساحة العربية من جهة ثانية.. أنها حالة غير مسبوقة في تونس ومصر على سبيل المثال، ولها ما يشبهها تماماً في الحالة الليبية وجزئياً في الحالة اليمنية.

نربأ بأجندة الاصلاح والتغيير من التماهي أو التوحد مع الأجندة الاسرائيلية، التي قد تتخذ بعض التجليات “الأطلسية” أو أشكال “التدخل الأجنبي الضار”.. ونراهن على وعي واخلاص القوى الرافعة للوائها، نراهن على وطنيتها وعروبتها وصدق التزامها...وندرك تمام الادارك أن الشعب السوري الشقيق حينما يستعيد حريته وكرامته وقراره المستقل، لن يكون الا في الجانب الصحيح من “المعادلة” و”التاريخ”.

بيد أننا لا ننزه أبداً أجندة الثورة المضادة والقوى الرافعة للوائها عن التواطؤ والتواضع مع أجندات اسرائيلية أو “أطلسية” حيال سوريا.. فلهؤلاء سوابق طويلة وعريضة في التآلفات والتحالفات غير البريئة، ولطالما اندرجوا في سياق مخططات واستراتيجيات مثقلة بالالتباسات.. وهم اليوم، في ذروة الانتشاء، بتصفية حسابات قديمة- جديدة مع معسكر كامل، لطالما تمنوا لو أن الأرض تنشق فتبتلع مختلف أركانه ومكوناته.

وعلى الذين يتغنون بصحوة الجامعة العربية، و”تفوقها على ذاتها”.. أن لا يسارعوا الى اطلاق أحكام وتقييمات سيندمون عليها قريباً، عندما تمتد شرارات الربيع العربي، لتحرق بعض الأصابع التي ما زالت تداعب حبات الماء والبرد والنفط...عندها وعندها فقط، سيكتشف كل ذي بصر وبصيرة، أن ما يجري في أروقة الجامعة ليس “صحوة” أبدا،ً بل “كبوة” قد لا يرتجى منها شفاء.

واذا كان “عمى الألوان السياسية” قد أصاب الجامعة العربية ومنعها من رؤية الدم المراق في اليمن وغيره من أقطار الربيع العربي...فان المؤسف حقاً أن لا يكون الدرس اليمني كافياً لاقناع بعض الأصوات والأقلام، بالتأمل جدياً في أكذوبة “صحوة الجامعة”...مؤسفٌ أن بعضنا مفكرينا المنوّرين والمتنورين...بعض شيوخ الصحوة ودعاتها وعلمائها، قد ارتضوا تحت ضغط حسابات صغيرة، أن يكونوا بيادق في يد “الثورة المضادة” تحت ستار كثيف من دخان الأحاديث والتصريحات والشعارات الاصلاحية الخادع والمخادع... مؤسف أن هؤلاء تحوّلوا الى أدوات مطواعة للسياسة الخارجية لبعض دول الثورة المضادة وأركانها.

=================

تهديد الأردن من مروجي النظام السوري

د . لؤي منور الريماوي

2011-11-22

القدس العربي

إستغربنا التصريحات التي أصدرتها بعض 'النخب' العربية 'المثقفة' نيابةً عن النظام السوري والتي تهدد الأردن وأهله 'بصورخة' جيش النظام وكذلك تحذيرهم من الخلايا النائمة في الأردن والتي تنتظر أمرها الحركي مما يسمى بنظام 'الأسد'.

ولعل في مثل هذه التصريحات يكمن مقتل النظام السوري الدموي وأنصاره والذين عند إنكشاف الأوراق يلجأون إلى الارهاب والتهديد في إسلوب مخابراتي سقي الدهر عليه وشرب ضد الأردن وأهله الصامدين، متناسين بأن القضية الأولى هي قضية الشعب السوري الأعزل والذي لا يزال يفقد أعز ما يملك من الأهل والرجال في ظل حملات القتل والتشريد التي يمارسها النظام السوري.

يرفض كل أردني أبيّ أن ينزل إلى مستوى هذا التهديد. فأخلاقنا الوطنية وانتماؤنا الكامل إلى أمة واحدة بكل تعدداتها وأقلياتها والتي نعتز بها تفرض علينا في الأردن أن نتحلى بأعلى درجات المسؤولية والانضباط.

لسنا بحاجة أن نقول بأن الأردن وأهله الاشاوس لن ترهبهم هذه التلفظات وأن جذور أهلنا في البوادي والمدن والقرى هي أكبر من هذا التجبر من هذه الفئة الضالة. بل سنقول بأن التاريخ العربي الحديث سيشهد لنا في الأردن وبأحرف من نور بأننا وقفنا وقفة رجل واحد مع أهلنا وأشقائنا في سوريا البطولة نصرة لحقهم المطلق في اختيار النظام السياسي الذي يريدون واننا نقولها وعلى الملأ بأن ما يؤلم ويؤذي هذا الشعب العربي الأبيّ الذي قدم لأمته دائماً صادق العطاء يؤلمنا وأننا معهم ضد الطغيان والارهاب والاستهتار بعقيدة هذه الأمة ومقدراتها وتاريخها المجيد.

ونعيد الحديث للنظام السوري لنقول له ولكل مروجيه بأنه كما نقول بالعامية الأردنية بأنها 'لم تخلق بعد' تلك العائلة المتسلطة والتي ترى في نفسها المُرهبة والمطوعة لهذا الشعب العربي السوري الأبيّ. فالشعب السوري بعطائه ونبله وتضحياته البطولية هو أكبر وأعظم من تلك الأقلية الضالة والتي إختبأت زوراً وكذباً في عباءة عروبية مزعومة والأمة العربية براء من نفاقهم ومراوغتهم تراهم يهربون خلف الكلام الكبير بدلاً من المعالجة الموضوعية لمشاكل سوريا والنهوض بها وبأهلها إلى المستوى الحضاري الدولي المشهود.

ونحن نقولها وبكل الوضوح لإيران ولحزب الله أن المراهنة على النظام السوري هو رهان خاسر. بدلا من ذلك ينبغي أن تكون المراهنة على إخوانهم وأخواتهم الذين تمردوا على نظام 'الأسد' الفاسد والمسيء لجميع قيمنا العربية الأصيلة. وبدلا من إثارة الحرب ينبغي عليهم إعادة النظر في قيمهم وأن يدركوا ان العالم العربي لن يقبل سفك دماء الشعب السورى على هذا النحو المثير للاشمئزاز.

و تعريجاً على ما سبق نقول لكل الموالين لهذا النظام الدموي بأن سرَّ قوتنا في المملكة الأردنية الهاشمية يكمن في شجاعتنا في اعترافنا بالاخطاء التي ارتكبناها في العديد من الامور المفصليّة وأننا جادون ومصممون على أن يستعيد المواطن في الأردن كل حقوقه وأوّلها في رؤية الفاسدين في الأردن ومن أعلى المسؤولين خلف القضبان في مراجعة شاملة لمسيرتنا الوطنية والأمنية حيث حققت أجهزتنا الأمنية مستويات مرضية من محاسبة النفس في محاولات جادة للنهوض بالتعامل مع المواطن الأردني وحقه المطلق في التعبير عن طموحه السياسي بلا سقف إلا ما حدده القانون وحتى حمايته عند ممارسته لهذا الحق في ظل مسيرة المصارحة والمكاشفة والتي نعيشها جميعاً في الاردن يداً واحدة وقلباً واحداً بخطوات واثقة وأكيدة.

فنحن في الأردن جزء لا يتجزأ من هذا الوطن العربي الكبير ونحن 'عزوة' لكل أهلنا العرب والذي بالرغم من شحّ مواردنا إلا أننا لا ولن تنثني عزائمنا. ففي زمن الفرقة والتشتت نحن مصممون في الاردن على أن نبني وحدة وطنية تكون مرجعية للمنطقة كلها بحيث يتساوى فيها الكل ويكون الجميع سياجاً لهذا الرقعة العزيزة والغالية من هذا الوطن العربي الكبير والذي حجم الانتماء له يكون من خلال إسهاماتنا الايجابية والفعلية من حيث تحقيق رفعة وسؤدد مواطنه البسيط.

فمن قال بأن المنهج الإرهابي أو الاستخباراتي المتجاوز لكل حدود القانون والادب المهني هو الطريق للحكم الرشيد؟ فبغض النظر عن الأخطاء الجسيمة التي وقعت مؤخرا في هذا المجال، فقد شاركت شخصيات المعارضة الاردنية في نقد شخصي عميق وموجع والذي تجاوز حتى خط اللياقة دون انتقام حقيقي على الإطلاق من قبل الدولة. فقد تركنا محكمة الرأي العام للبت في قبول حدود ولياقة هذه الحرية. فنحن في الأردن واثقون للغاية من مسيرتنا الديمقراطية وأهدافها النهائية، والتي تكمن في تمكين المواطنين الأردنيين من ممارسة حقوقهم السياسية الكاملة بموجب الدستور، من دون ترهيب أو خوف، لأنه ليس هناك مساهمة للكرامة العربية أفضل من تمكين المواطنين العرب أن يكونوا أقوياء في هويتهم العربية الشاملة عند مواجهة المستقبل.

بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من حقيقة تعرض السفارة الاردنية في سوريا للهجوم، وأنه قد داست الأقدام على العلم الأردني الماجد، فقد وردت لقوات الامن الاردنية أوامر مشددة بحماية سفارة نظام 'الأسد' تحت أي ثمن. علاوة على ذلك، لا تزال الصحف الاردنية الموالية 'للأسد' تنشر بحرية في عمان، محمية تماما من قبل القانون الأردني من دون ترهيب أو خوف حتى عندما تنشر صور ضخمة موالية 'للأسد' في صفحاتها الداخلية. فهذه هي قيمنا الاردنية العربية النبيلة، والتي لن تتخلى عنها.

ونقول لكل مروجي النظام السوري أنه على المستوى الشخصي الضيق فقد قدمت عائلتنا الشخصية عشرات الشهداء في مقاومتهم الشرسة ضد الاحتلال الانكليزي والاحتلال الصهيوني لأراضينا العربية الإسلامية، فماذا قدمت عصابة 'الأسد' غير التجارة بقضايانا العربية والمصيرية من أجل الاستيلاء على الشركات ومقدرات الشعب السوري من خلال القمع والإرهاب والفساد بحجة 'القومية العربية' و'محاربة' إسرائيل و'الإمبريالية'؟

ففي هذا الصدد، فإننا نؤكد وبشكل قاطع أن كرامة المواطن ينبغي تكون العامل الأكثر أهمية في أي معادلة سياسية في العالم العربي وأن كل شيء يتعارض مع هذا هو مجرد تمثيلية رخيصة تستحق كل الادانة، وبأنه عند ساعة المفصل سيكون كل الجيش السوري جيشاً حراً، جيشٌ لنا جميعاً يقف صفاً واحداً مع أمته وأهله نصرة لمواطنه المستضعف الذي عانى سنين التسلط والقهر والألم، لا مع حفنة القتلة والمأجورين فيما يسمى بنظام 'الأسد'. فهذه الارض سوف تُطهر من كل هذه الانظمة الموبوءة والتي اعتقدت ضلالاً بأن الشعوب العربية هي مزارعها الخاصة وأن أهلها ما هم أكثر من خدم على موائدها، موائد الدم والاحتكار والاستثناء.

وإذ يمد الاردن (بأهله وبنظامه السياسي) يده إلى إخوته في سوريا ويقول لهم أنه معهم حتى نهاية هذا الكابوس المزعج من التسلط والتكبر، فإنه ينظر وبكل تحد وشموخ إلى تاريخنا القادم. وليسّجل لنا تاريخنا العربي الحديث أننا في الأردن وقفنا مع أهلنا في سوريا وقفة رجل واحد، يداً واحدة ضد هذه العصابة اللئيمة والتي لا ولن تنفعها الشعارات الكبيرة أو التظاهرات الشوارعية الزائفة أو التغني المصطنع بقضايا الأمة. فيوم العدالة لكل شهدائنا وجرحانا وامهاتنا الثكلى هو أقرب لنا من حبل الوريد في كل اعناق التسلط والتجبر والاستكبار.

' محاضر أردني زائر في جامعة كامبريدج و رئيس برنامج الماجستير في القانون المالي الإسلامي

=================

اللبنانيون وسورية

محمد كريشان

2011-11-22

القدس العربي

تحولت الاحتجاجات الشعبية في سورية إلى قضية داخلية لبنانية بامتياز. لا بلد عربيا على الإطلاق تابع ما يجري في سورية بأدق تفاصيله، وبأعصاب مشدودة كما يحدث منذ أشهر في بلد الأرز، حكومة وأحزابا وقوى سياسية واجتماعية ودينية بمختلف تلويناتها. الواقفون بقوة لشد أزر النظام وكذلك الموالون للمنتفضين ضده، كلاهما يعتبر المعركة الجارية على تراب الجار معركته الخاصة. من يقف من اللبنانيين اليوم مع نظام الرئيس بشار الأسد لا يفعل ذلك انتصارا لحليف في محنة فقط إنما أيضا دفاعا عن نفسه ومستقبله السياسي وحتى الشخصي. أما أولئك الذين اختاروا الضفة الأخرى فهم يرون في إزاحة نظام دمشق فرصة لهم لتنفس الصعداء بعد عقود طويلة ومريرة من الوصاية السورية. الأوائل يعتبرون سقوط النظام في دمشق شهادة وفاة لهم فيما يعتبرها الآخرون شهادة ميلادهم.

طبعا بمنطق التصنيفات اللبنانية السائدة، هناك الآن معسكران يريان في ما يجري في سورية معركة حياة أو موت، فإما أن ينتصر معسكر سورية- إيران- حزب الله ومن والاه أو أن تكون الكلمة لمن يعاديهم جميعا من عرب وعجم، ولو أن الدقة في تحديد مواقع 'المع والضد' ليست دائما بصفاء الرؤية أو التبسيط الذي يلجأ إليه البعض استسهالا أو تشويها. كأن ما يجري حاليا في دمشق وحمص وحماة يجري في واقع الأمر في بيروت وطرابلس وصيدا، والراصد لتصريحات المسؤولين في الحكومة أو المعارضة أو ضيوف القنوات التلفزيونية المتخندقة في هذه الاتجاه أو ذاك يلمس كم ازدادت حمى هذه المعركة وكم اقتربت ساعة الحسم والحقيقة التي يخشاها الفريق الأول ويتلهف لها الفريق الثاني.

الحكومة اللبنانية، التي يحلو لبعض اللبنانيين أن يسميها حكومة حزب الله، أعادت عقارب الساعة إلى زمن لم يكن فيه لبنان يملك من أمره شيئا فلا يرى إلا ما تراه دمشق. دولتان بقيادة واحدة تقريبا ومواقف هذه وتلك تبدو واحدة على الصعيدين العربي والدولي. كثر هم من استهجن ذلك ورآه مسيئا لسمعة بلد مستقل بتاريخ وثقافة لبنان، وكثر كذلك من رأى أن لبنان لم يصل بعد إلى ترف شق عصا الطاعة عن سورية. للموالين للحكم السوري نغمة ثابتة لا تحبذ الحديث إلا عن المؤامرة العربية والدولية ضد دمشق لضرب ما يصفونه بقوى المقاومة والممانعة متجاهلين بالكامل تقريبا مستوى القمع والقتل ضد المدنيين السوريين الغاضبين. هؤلاء تراهم باستمرار يفضلون التحليق في فضاء التحليلات الاستعراضية عن مؤامرات مفترضة ولا يرون غضاضة في تجاهل سقوط عشرات المدنيين يوميا وكأن هؤلاء الضحايا لا قيمة لهم على الإطلاق. إن الوقوف بهذا الشكل القوي مع نظام يقتل أبناء شعبه لن يمر بسهولة.

بطبيعة الحال، إذا خرج نظام الأسد من محنته، كما يعتقد ويكرر هؤلاء، فسيلقون منه كل تكريم وعرفان بالجميل. أما إذا تهاوى هذا النظام بشكل أو بآخر، كما يقول معارضوه في ما يشبه اليقين، فإن القوى الجديدة في سورية لن تغفر لهؤلاء أنهم اختاروا الموقع الخطأ في أحلك فترات التاريخ السوري الحديث واستهانوا بتضحيات الآلاف ممن أرادوا حياة أخرى مختلفة. حياة، تقترب على الأقل مما يتمتع به اللبنانيون من حرية تعبير وصحافة وانتخابات تعددية استكثروها على إخوانهم السوريين. لقد ارتضوا لهؤلاء أن يبقوا إلى الأبد تحت ذل الأجهزة ونهش الفساد فيما يتواصل الصخب الكبير عن مقاومة وممانعة لا مكان لهما إلا في أذهانهم.

هؤلاء اللبنانيين لم يكونوا وحدهم في منطقهم هذا، يوجد من هذا الصنف بعض العرب الآخرين في الأردن وفلسطين وغيرهما من بقايا القوميين واليساريين الذين لا يرون التصدي المزعوم للمشاريع الأمريكية والإسرائيلية إلا إذا كان رواده أنظمة مستبدة فاسدة ووقوده من المواطنين المسحوقين الذليلين. لم يدرك هؤلاء، رغم كل تجاربنا المريرة السابقة، أن الوقوف في وجه مشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية لا يمكن أن تتم أبدا بأنظمة تقهر شعوبها وتستهين بكرامتهم. كم مرة علينا أن نمر بتجارب دموية كهذه حتى نفهم أخيرا ؟!!

=================

عن استرخاص روح المواطن في سورية!

الاربعاء, 23 نوفمبر 2011

منهل السراج *

الحياة

لم يستصعب القلم يوماً الكتابة، كما استصعبها في هذه الفترة السورية. ربما لأن الظرف في فترة الثمانينات في سورية، اكتفى بتعيين الإنسان شاهداً، ليكتب بعد ذلك عبر الرواية والقص، عن بعض ما عايشه.

أسباب الصعوبة لا تتعلق برؤية الكاتب سياسياً، إنما بالظرف الذي تزهق فيه الأرواح بهذه الفظاعة، وهو الذي يستدعي الحذر والحرص عند القول. مهمة الكتابة واقتراحاتها وحلولها على الأغلب غير آنية، ولا تعين عبر ظروف التهديد، حيث يحتاج الناس إلى من يسعفهم... ويلزم حينها أن يترك البشر كل ما يشغلهم ليهبّوا للذود عن الضحية، وليس عن الفكرة وما شابه مما يشغل عادة.

شوهد في أكثر من منبر، أنه كان يُتوقع إزهاق هذا العدد من الأرواح في الاحتجاجات السورية، بل المتوقع كان أن العدد سيكون أكثر. المرعب أنه كيف لأية غاية مهما ارتقت وأخلصت في نبلها أن تمضي في سبيل يُعلم مسبقاً أن التقتيل سيكون بهذه الصورة.

تأهيل الواقع، إلى واقع عيش كريم، لا يكون لشعب ككتلة واحدة، وبالتالي فإن التشريع بوجوب تضحية قسم من أجل قسم آخر، يعني أن يُقتسم من هذا الشعب عدد من البشر لكي يتحقق الرفاه للبقية! يكاد يكون الأمر مشابهاً لفعل الظلم الذي يمارسه الديكتاتور.

العدالة الإنسانية، أن يُنشَد العيش الكريم لكل فرد قاطن في المنطقة، من دون تمييز، ولا لضربة حظ لهذا عن ذاك، كيف يحق لشخص مهما كان أن يضحي بنفسه وبأناس من أهله وذويه وشعبه، أو يتهاون في هذا أو يمضي في الطريق بكامل وعيه ومعرفته واطلاعه. مؤسف التجريب في هذا المجال لعدة شهور، والقول هنا لكل المخلصين الذين مضوا في الطريق، بحزن وتسليم، القول لهم، وليس لمن يرتكب الجريمة، الأشخاص الذين يرتكبون الجريمة، لا توجد كتابة في شأنهم، يطلب لهؤلاء القيود والمحاكمات. كما لا تطلق عليهم صفات أدبية ككلمة مستبد أو ظالم، الاستبداد صفة تمنح شخص الحاكم تمايزاً عن أفراد الشعب. قديماً استخدمت هذه المفردات حين كان العالم في عصور الجهل والعبودية.

اعتاد ابن منطقتنا أن يستهتر بقيمة النفس الإنسانية، واعتاد على سماع خبر تساقط عشرات الضحايا في منطقته كل يوم، وأصبح الاعتقال والتعرّض للتعذيب والإهانة أمر مثل القضاء والقدر، والتسليم بوجود مستبد واستبداد أمر حياتي يومي، ومن هذا التسليم بمفهوم المستبد، ينطلق ابن المنطقة بمفهومه في المقاومة، وفي التضحية بالروح سبيلاً أمضى.

عديدون من المعلقين، من أهل منطقتنا ومن غيرها، يجاهرون بأن الحرية تستحق التضحية بالدم، وكأن هذا الديكتاتور إله أسطوري تقدم القرابين للتغلب عليه، والحرية إله أسطوري آخر تُقدّم القرابين من أجله، مع أن الأمر بواقعه أن من يرتكب الجريمة مجرم يتوجب القبض عليه وانتهى التعريف، وحين تُكتف أذرع المجرمين، يكون التحرر واقع حال.

هناك من يستشهد بتاريخ أوروبا، أن شعوبهم قدّموا الكثير من الضحايا في سبيل الديموقراطية والواقع الذهبي. يفهم، أن إنسان منطقتنا، بحقه وإنسانيته متأخر عن إنسانية ابن أوروبا، وأمامه أن يسجل موتاً واحتراباً لكي يستحق ما تستحقه شعوب الأرض. كأن العيش الكريم يبنى عبر قتلة وعلى أكداس من القتلى. تجريبنا في واقع القضية الفلسطينية، أسطع دليل على الفعل الكارثي على ذات المفهوم، وتر التضحية بالأرواح، حتى أصبح من المعتاد أن تزغرد الأم لمقتل ابنها. ليس أدعى على القهر الشخصي أكثر من كسر مشاعر الأم بفقدان ابنها، من أجل قضايا لا شرح ولا فهم لها إلا في رؤوس المتنفذين، وأنه لا بد أن من كرس هذا الإنكار أناس يكرهون شعوبهم وأنفسهم.

الأمر هنا هو موضوع إزهاق الأرواح الذي لا يمكن أن يدرج في خانة التنافس السياسي، ولا خانة الصراع السياسي، إزهاق الأرواح، لا يمكن أن يُقبل ونحن في القرن 21، وإن أية غاية مهما كانت ربيعية، لا تقبل علمياً لها هذه السبل، كما أن الإصرار على الشعارات، من قبيل «سلمية»، والخروج للموت وتعريض الشخص وذوي الشخص للتهديد، والتعرض للموت أو التعذيب، ليس حقاً شخصياً، ولا نضالاً واضح النتائج، ولا يمكن البناء عليه، إنه قتل نفس. ويبدو أن النهل مستمر من ذات التراث الذي أنهك عزيمتنا وكرس تأخرنا واستسلامنا للتضحية كالعبيد: صبراً آل ياسر...

مع شكل النبل أو الشجاعة في التضحية بالروح، إلا أنه ليس للكتابة أن تجاري هذا المضيّ، ولا للثقافة مطلب إلا الحق في العيش الكريم لكل فرد، مهما كان، صديق الشخص وعدوه. والقتل والاستقتال ليس حقاً للإنسان حتى على نفسه. لا يحق التشجيع على الموت ولا التشجيع على القتال، ولا على الشهادة ولا التشجيع على حياة عبر الموت ولا على تضحيات بالدم. وإذا لم يستطاع تحقيق الغاية عبر طرق حياتية طبيعية واقعية، كالجهد المخلص والعمل والأمانة والترفع عن المكاسب، فالواقع غير جاهز بعد.

قد تستدعي هذه الكتابة عند القارئ طلب منفذ لهذا الواقع الناري.

ولأن الكاتب لا يصافح وزيراً ولا رئيساً تحدث في عهودهم هذه الأحداث ويبقون في مناصبهم، فإن دوره أن يناقش ابن منطقته من يحرص على أمانه وحقه، إن كان يطلب الحسن لا البشاعة. هناك وقائع تحدث منذ عقود طويلة في سورية والمنطقة في شكل عام، وأول ما يمكن أن يطرحه المراقب، لماذا لم يفلح حتى الآن إيضاح هذا بشفافية؟ لماذا لا تمضي الشهادات والوثائق إلى طاولات القضاء؟ ولماذا يسلك سبيل التضحية بأرواح الأبرياء، بدلاً من ذلك؟

ليس لدى المختصين في الشأن أي أوراق ولا وثائق تدين هؤلاء؟ سيكون الجواب المنطقي أننا غير أهل للديموقراطية والرفاهية بعد، إذن.

أشخاص عديدون، وربما أكثر المسؤولين المتنفذين، وقع في عهودهم أفظع الجرائم، ومع ذلك، لم يحاكم أحد ولم يشهد أحد، اللهم إلا مقالات وشهادات على ورق تالف.

أن يعمل الناشط ضمن المتاح، هو الأكثر أذية على ابن المنطقة، لأنه يعطي جزءاً من الصورة، والنصف الآخر يترك فارغاً ليُبَعثر فيه مشاهد حسب المصلحة والغاية. والأمر يصيب الإنسان والأجيال حاضراً ومستقبلاً.

الانشغال بتفاصيل اليوم، عن أحداث البارحة ونتائجها والانشغال عن توقعات الغد التي لا بد ستكون مثل الحاضر والماضي، إن لم نسلك سبلاً أخرى، هو ما يتسبب بمزيد من الكوارث على إنسان منطقتنا.

* كاتبة سورية

=================

دمشق محاصرة من الغرب والشرق

الاربعاء, 23 نوفمبر 2011

يفغيني شيستاكوف *

الحياة

مشاركة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في اجتماع الجامعة العربيّة الأخير هو مؤشر بالغ الدلالة. وسبق أن فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات على سورية. ولا شكّ في أن الجامعة لن تقف عند خطوة تعليق عضويّة سورية. وخلاصة القول إن الرئيس السوري بشار الأسد محاصر من الشرق والغرب. والدواعي الطائفيّة هي وراء موقف الجامعة العربيّة. ويعود تشدد الغرب مع سورية إلى انتهاكات في مجال حقوق الإنسان.

ودعت المعارضة السورية موسكو إلى عدم معارضة التدخل الخارجي في الأزمة السورية، أي الموافقة على إرسال «القبعات الزرق» إلى سورية. ويدرك معارضو النظام البعثي أن مرابطة جنود سلام أمميين في سورية تؤدي إلى صدامات مع الجيش السوري، وتسوّغ، تالياً، شن عمليّة عسكريّة ضد سورية.

وبرزت معلومات الأسبوع الماضي عن صدامات بين الجيش السوري والمنشقين عنه، لكن التأكد من صحة الخبر مستحيل. فالسلطات السورية تمنع الإعلاميين الأجانب من العمل على أراضيها، على رغم دعوة موسكو إلى رفع الحظر عن عمل الإعلاميين للتحقق من سلميّة التظاهرات. ولكن يبدو أن السلطات السورية لا ترغب في إماطة اللثام عن أوضاعها الداخليّة.

نبرة الخطاب التركي إزاء النظام السوري ارتفعت. ولوحت أنقرة بقطع إمداد سورية بالطاقة الكهربائيّة، والانسحاب من المشاريع الاقتصادية المشتركة. لكن التهديد لم يلق صدى لدى السلطات السورية. وفي حين يجمع الطرفان الروسي والتركي على ضرورة وقف إراقة الدماء، يخالف الموقف التركي موقف الجامعة العربيّة ويطالب الرئيس السوري بالتنحي.

ومبادرة الجامعة بقيت حبراً على ورق. فالمعارضة السورية ترفض رفضاً قاطعاً الحوار مع دمشق، متهمة النظام بعدم تنفيذ بنود المبادرة العربيّة، في وقت لا يستعجل الأسد التزام المبادرة. لذا، تدور المبادرة في حلقة مفرغة.

وطالبت المعارضة السورية بتأييد موسكو قرار مجلس الأمن ضد النظام السوري، لكن روسيا لم تستجب. ولم تيأس من الدعوة إلى حل سلمي للأزمة. فهو السبيل الوحيد إلى حماية الاستثمارات الروسية في سورية. والحق أن أوان عدول موسكو عن موقفها والتخلي عن الأسد، كما ينصح بعض المحللين الروس فات. فالمعارضة السورية لن تسامح موسكو على موقفها في مجلس الأمن. وإذا قررت روسيا اليوم تغيير موقفها من الأزمة السورية، خسرت نفوذها في المنطقة. وتقدر المصادر الغربيّة الاستثمارات الروسيّة في سورية بنحو 4 بلايين دولار في مقابل عقود تسلح، و20 بليون دولار استثمارات في قطاع الطاقة. ويفترض بروسيا أن تحمي استثماراتها.

وهي تولي الأولوية لإرساء الإصلاحات سلمياً بعيداً من الفوضى. وهذه تترتب على قرار الغرب التدخل عسكرياً. وإذا شن حملة عسكرية على دمشق، تورطت موسكو بالصراع. ومهما كانت نتائجه، تكبدت (روسيا) خسائر اقتصاديّة فادحة.

ويتعاظم عسر مهمة روسيا الديبلوماسيّة على وقع قمع دمشق التظاهرات المعارضة الطائفيّة. فموسكو مستعدّة لمساعدة الأسد على تنظيم الحوار. ولكن من المستبعد أن يحصل أي حوار في وقت تتفاقم الصدامات ويرتفع عدد الضحايا، وتؤجل الإصلاحات إلى أجل مجهول. وفي مثل هذه الأوضاع، يبدو أن لا مفر من التدخل العسكري في سورية، سواء توافر غطاء له في مجلس الأمن أم لا.

* صحافي عن صحيفة «روسيسكايا غازيتا» الروسية، 17/11/2011، إعداد علي شرف الدين

=================

الأسد هو من جلب التدخل الخارجي

طارق الحميد

الشرق الاوسط

23-11-2011

يفترض أن يجتمع الوزراء العرب الخميس القادم من أجل مناقشة الأوضاع في سوريا، ورفض النظام الأسدي لقرارات الجامعة العربية. ويأتي هذا الاجتماع في ظل دعاية كاذبة يروجها النظام الأسدي نفسه حول التدخل الأجنبي في سوريا، والتخويف من الحرب الأهلية.

ولذا، فإن على المسؤولين العرب، جميعا دون استثناء، التنبه للحقائق، وليس الدعاية الأسدية، والحقائق تقول إنه في الوقت الذي تمسك فيه الثوار السوريون بسلمية ثورتهم، وطوال قرابة الثمانية أشهر، فإن نظام الأسد هو من يستخدم السلاح ضدهم، وبكل وحشية، وبالطبع لم تتوقف آلة القتل الأسدية إلى اليوم، فكيف يلام الثوار بعد ذلك عن دفاعهم عن أنفسهم أمام نظام يريد حكمهم بالحديد والنار؟

والأمر الآخر الذي على الوزراء العرب تذكره أيضا، كحقائق وليس دعاية، أنه بينما يقول الثوار السوريون، وطوال عمر الثورة، إنهم يرفضون التدخل الأجنبي في أراضيهم، فإن نظام الأسد هو من استعان بالخارج لنصرته ضد مواطنيه، حيث استعان النظام الأسدي بإيران، وبعدة مجالات، منها المعدات الخاصة بالتجسس، والخبراء، هذا عدا عن الأسلحة، وأكثر بالطبع. كما أن النظام الأسدي هو من استعان بإمكانيات حزب الله، سواء في الداخل السوري، أو حتى في لبنان، حيث مطاردة المعارضين السوريين، وعملية إيقاف الشباب من اللاجئين السوريين بلبنان. والنظام الأسدي هو من يستعين كذلك بدعم الحكومة العراقية، والمقاتلين الصدريين الذين باتوا يتدفقون على سوريا، وهناك معلومات تؤكد ذلك، ومنها ما سمعته من أجهزة عربية بكل تأكيد أنها زودت وزراء خارجيتها بمزيد من تلك المعلومات.

وهذا ليس كل شيء بالطبع، فهناك السفن الروسية الراسية قبالة سوريا، وبالتأكيد أنها لم تكن لتحمل سياحا روسا. وقصة روسيا هنا أكبر من كل ذلك، فموسكو نفسها أصبحت بمثابة وزارة خارجية نظام الأسد، حيث باتت موسكو تحاضر السوريين بما يجب وما لا يجب فعله. وعدا عن كل ما سبق من الدعم الأجنبي لبشار الأسد، فهناك الدعم اللبناني الحكومي الصارخ، وهناك الدعم الإعلامي من قبل كل من إيران، والعراق، وإعلام حزب الله، وغيره بلبنان. فكيف يمكن بعد كل ما سبق أن تنطلي لعبة، أو دعاية، التدخل الأجنبي التي يروجها النظام الأسدي على أحد، طالما أن هذا النظام نفسه هو من دشن التدخل الأجنبي في سوريا من أجل نصرته ضد السوريين العزل، وهذه بحد ذاتها خيانة؟

وعليه، فإن المطلوب من الجامعة العربية الآن هو دفع الملف السوري إلى مجلس الأمن، ومطالبته بالتدخل العاجل لحماية المدنيين السوريين الذين يقتلون يوميا على يد النظام الأسدي، وأي شيء أقل من ذلك يعني أن العرب قد خذلوا السوريين العزل، ولم يسعوا لوقف آلة القتل الأسدية بشكل جدي، وحاسم، خصوصا أن النظام الأسدي لم يتوقف يوما عن قتل السوريين طوال فترة مفاوضاته مع الجامعة العربية. فلا بد من وقفة لحماية هؤلاء الأبرياء، فإذا كانت طهران حريصة فقط على الأسد، أفليس من باب أولى أن يكون العرب حريصين على كل السوريين؟

=================

المطالبة بطرد السفير السوري

الاربعاء, 23 نوفمبر 2011

عبدالرحمن الخطيب *

الحياة

تسعة أشهر مضت من عمر الثورة السورية، لم يتوقف خلالها النظام السوري يوماً واحداً عن قتل واعتقال الأبرياء المدنيين؛ فكان لا بد من أن يستنجد الشعب السوري الذبيح بجيرانه العرب، لعل عندهم حلاً عربياً يغيثهم من نظام دموي لا يعرف الرحمة. فتدخلت الجامعة العربية، متأخرة كثيراً، وعلى استحياء، لتعطي الفرصة تلو الفرصة للنظام السوري، كان خلالها النظام يزيد من معدل قتله اليومي.

قبل أشهر عدة كان من الواضح محاباة الأمين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، للنظام في الزيارتين اللتين قام بهما لسورية؛ ومع ذلك طغى تعنت وعنجهية النظام على تلك المحاباة. وحين طرحت مبادرة الجامعة العربية لحل الأزمة في سورية ظن الشعب السوري أنه ربما قرب موعد الفرج، ولكنه أصيب بخيبة أمل كبيرة بعد مشاهدته الدخان يتصاعد ليل نهار في مدينة حمص نتيجة قصفها بالمدفعية الثقيلة، وبعد رؤيته لجثث الشباب ملقية على الأرض بالعشرات، كما أظهرت أحداث الأسابيع الماضية بجلاء كذب ونفاق وتسويف النظام السوري بعد موافقته على مبادرة الجامعة العربية؛ ما حدا بوزير الخارجية القطري إلى التصريح بقوله: «نحن لا نحب اللف والدوران»، وبالفعل كشفت تلك المبادرة العربية عقيدة (اللف والدوران) عند النظام، إذا لم يطبق أي بند من بنود المبادرة التي وافق عليها، فلا هو سحب الجيش من المدن والقرى؛ بل على العكس دفع بكثافة بآلياته العسكرية إلى المدن السورية كافة، وأعلن إعلامه المسرحي الكاذب أنه أطلق سراح 553 معتقلاً، من أصل أكثر من 100 ألف معتقل، بينما هو في الحقيقة اعتقل خلال تلك المدة أضعاف هذا العدد. جاء رد النظام هذا صفعة قوية للديبلوماسية العربية؛ ما أعطى إحساساً للمواطن السوري بأن الجامعة العربية لن تقدم أو تؤخر في محنته. وفي الحقيقة كان ضعفها هذا مطية لاستمرار النظام في مجازره، ما جعل وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه يشتاط غضباً ويصرح إنه على اعتقاد بأن المبادرة التي تقدمت بها جامعة الدول العربية لحل الأزمة السورية قد ماتت.

يوم السبت الماضي تمكنت الجامعة العربية من إصدار قرارات شديدة اللهجة بحق النظام السوري، تتضمن تعليق مشاركة الوفود السورية في اجتماعاتها إلى حين تنفيذ المبادرة العربية الأخيرة، ودعوة الدول العربية لسحب سفرائها من دمشق، والتهديد بالاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي كبديل عن الوفد السوري في الجامعة العربية، كما فرضت عقوبات اقتصادية وسياسية على الحكومة السورية. ودعت الجيش إلى الامتناع عن المشاركة في قتل المدنيين. ولكنها في الوقت نفسه أعطت النظام السوري مهلة أربعة أيام أخرى لتنفيذ المبادرة العربية، يجتمع بعدها وفد من وزراء الجامعة العربية ووزير الخارجية التركي مع أطياف متعددة من المعارضة السورية في مدينة الرباط، للاتفاق على صيغة مرحلة انتقالية في سورية، منها إقامة منطقة عازلة على الحدود التركية السورية.

كشف النظام السوري عن حقيقته العدائية والإجرامية بعد صدور هذا القرار مباشرة، حين بدا وزراؤه وديبلوماسيوه ليسوا إلا شبيحة، لا يجيدون إلا الضرب والشتم، وتهديد الآخرين، إذ قام سفير سورية في القاهرة ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية، يوسف الأحمد، بتوجيه سباب نابٍ إلى الأمين العام للجامعة، نبيل العربي، وللوزراء المشاركين عقب إقرار تعليق العضوية. وشن هجوماً عنيفاً على الدول العربية، ووصف القرار بأنه لا يساوي الحبر الذي كُتب به على الورق، وهدد بأن الذين صاغوا هذا القرار سيحاسبون أشد حساب.

لم يكتفِ النظام بتصرفات مندوبه الهمجية تحت قبة مبنى الجامعة العربية، فشن إعلامه الرسمي هجوماً لاذعاً على حكام المملكة العربية السعودية وقطر، وأنزل رجال مخابراته وشبيحته ليتظاهروا، كالعادة، بشكل مسرحي، للتنديد بقرار الجامعة العربية، واتجه هؤلاء الشبيحة إلى مبنى سفارتي قطر والمملكة العربية السعودية، إذ قام أولئك الهمج الغوغاء برمي الحجارة عليهما؛ ما أدى إلى تحطيم زجاج النوافذ، ثم تمادوا في غيهم في غياب متعمد لحراس السفارة فحطموا باب سفارة المملكة، ودخلوا إلى مكاتبها، وعاثوا فيها تحطيماً وتكسيراً، وداسوا على علم المملكة المكتوب عليه (لا إله إلا الله).

وصلت الأمور في سورية إلى حد لا يمكن السكوت عنه. فقد ناهز عدد الشهداء 5000 شهيد، منهم 515 طفلاً تحت سن 16 عاماً، و311 شهيداً فوق سن ال70 عاماً، و172 امرأة. وناهز عدد المعتقلين 100 ألف معتقل، وبلغ عدد المفقودين أكثر من 25 ألفاً. لقد طغى وبغى جنود بشار وأعوانه وشبيحته في شعبهم، فدكوا المدن والقرى بالمدفعية الثقيلة، وقتلوا وجرحوا الآلاف المؤلفة، ومثلوا بالجثث، واغتصبوا الأعراض، وانتهكوا حرمات البيوت، واعتقلوا الشباب والنساء والأطفال، وقصفوا مآذن بيوت الله بالمدفعية، ودخلوا المساجد فقتلوا واعتقلوا المئات، ودنسوا المصاحف بالأرجل، وسرقوا البيوت والمحال التجارية، وأحرقوا الكثير من أراضي المزارعين، وأتلفوا المحاصيل الزراعية، وأبادوا الأغنام والأبقار في جسر الشغور وإدلب. بل وأعدموا الحمير التي تنقل المحاصيل الزراعية، وهجّروا الآلاف إلى الدول المجاورة.

منذ بداية الثورة كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يدرك بحنكته المعهودة أن الأنظمة زائلة، وأن الشعوب باقية، فكان لزاماً عليه وقفته الشريفة الشجاعة الحرة مع الشعب السوري المكلوم. فأمر، قبل أشهر عدة، بسحب سفيره من سورية، احتجاجاً على المجازر التي ارتكبها النظام السوري بحق الأبرياء العزل من النساء والأطفال. ولكن هذه الخطوة الحكيمة منه، لم يدرك معانيها هذا النظام الوحشي.

ومنذ بداية الثورة عانى، ويعاني الكثير من السوريين المقيمين في المملكة من تصرفات موظفي سفارتهم، بسبب مواقفهم المناوئة للنظام. منهم من اعتقل فور وصوله إلى مطار دمشق، لقضاء الإجازة الصيفية، بسبب تقارير السفارة عنهم، ومنهم من تعطلت معاملاته فيها، ومنهم من أرسل له تهديد عبر شبيحته المقيمين في المملكة والمتعاونين مع السفارة. لهذا كله من الضروري اتخاذ خطوة حازمة أخرى تجاه هذا النظام الدموي، وهي طرد السفير السوري من المملكة، لعل هذا النظام الدموي يرتدع ويتراجع عن غيه، ويتوقف عن إزهاق المزيد من أرواح الأبرياء؛ ويكون رداً حازماً على اقتحام شبيحته مبنى السفارة السعودية.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ