ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 17/07/2011


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

السفير الأميركي... هل يبقى في دمشق؟

دان مرفي

محرر في "كريستيان ساينس مونيتور"

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

تاريخ النشر: السبت 16 يوليو 2011

الاتحاد

أن يُسمح لنحو عشرة متظاهرين بتسلق الجدران المحيطة بالسفارة الأميركية في دمشق، أمر يبعث على القلق، لاسيما أن الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري معروفة بفعاليتها. ثم إن بضعة مئات فقط من المحتجين كانوا خارج بوابة السفارة، وقد كان ثمة ما يكفي من التحذيرات، حيث كانت مجموعات صغيرة قد بدأت خلال الأيام القليلة الأخيرة تتجمع في الخارج وترمي السفارة بالبيض والطماطم.

وإذا كان أي أحد من أفراد السفارة الأميركية لم يصب بأذى، فإن ثلاثة حراس فرنسيين جرحوا في سفارتهم خلال مظاهرة احتجاجية مماثلة. لكن الحوادث سرعان ما تم وضع حد لها بعد أن تدخلت، في الحالة الأميركية، وحدة من القوات البحرية التي تتولى حراسة مقر السفارة. غير أن ذلك لن يزيد الطين إلا بلة على الأرجح في واشنطن، ويدعم حجج وموقف أولئك الذين كانوا يجادلون بأن على الرئيس أوباما أن يقوم باستدعاء السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد كرد على الانتفاضة السورية التي قُتل فيها حتى الآن ما يربو عن 1500 شخص لأنهم تحدوا حكم الرئيس بشار الأسد.

والجدير بالذكر في هذا السياق أن السفير فورد يوجد في هذا المنصب منذ ستة أشهر تقريباً، وقد كان أول شخص يتولى هذا المنصب منذ أن أقدمت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش على سحب السفيرة مارجريت سكوبي في عام 2005 رداً على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، والذي كانت الولايات المتحدة قد حمّلت مسؤوليته لسوريا.

وكان أوباما قد واجه معارضة شديدة في الكونجرس أثناء سعيه إلى الحصول على موافقة المشرعين الأميركيين على تعيين فورد سفيراً للولايات المتحدة في سوريا، مجادلاً بأن من شأن وجود صوت دبلوماسي قوي ومسموع في دمشق أن يدفع سوريا نحو مفاوضات سلام مع إسرائيل ويعمل على تأمين مصالح الولايات المتحدة. غير أن عدداً من منتقدي أوباما في الكونجرس يجادلون بأن استراتيجية الانخراط التي يتبعها الرئيس تجاه سوريا قد بدأت تفشل.

هذا، وترجع فصول الخلاف بين الكونجرس وإدارة أوباما حول تسمية سفير جديد في دمشق من عدمه إلى حادثة اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق رفيق الحريري، في العام 2005 وما تلا ذلك من سحب إدارة بوش للسفير الأميركي بعد توجيه أصابع الاتهام إلى دمشق، علما أن الانفتاح الغربي على سوريا دشنته أولاً فرنسا التي سعى رئيسها، نيكولا ساركوزي، إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع القيادة السورية على أمل كسر التحالف بين سوريا وإيران و"حزب الله" وحركة "حماس". غير أن التساؤلات المثارة داخل الولايات المتحدة حول الجدوى من هذا الانفتاح عادت بقوة لتفرض نفسها على النقاش العام بعد الهجوم الأخير على السفارة الأميركية يوم الأربعاء الماضي.

فبعد الزيارة التي قام بها السفير فورد لمدينة حماة السورية خلال الأسبوع الماضي، والتي كانت متزامنة مع زيارة أخرى مشابهة قام بها نظيره الفرنسي إيريك شوفالييه، وما شكله ذلك من تطور مفاجئ للسلطات السورية، تصاعدت مرة أخرى حدة الأصوات الداعية إلى سحب السفير الأميركي، كنوع من الاحتجاج على الهجوم الذي استهدف السفارة في دمشق، هذا الاستهداف الذي رأى فيه العديد من المعلقين الأميركيين ضرباً للقواعد الدبلوماسية.

واللافت أن الحجة نفسها تقريباً ساقها الجانب السوري الذي برر الاحتجاجات على السفارة بأنها ردة فعل شعبية وتلقائية على خرق الأعراف الدبلوماسية والتي تقتضي إبلاغ السفير لسلطات البلد بتحركاته قبل الإقدام على خطوة من هذا النوع. ويشار هنا إلى أن السفارات الأميركية في البلدان العربية التي اجتاحتها المظاهرات والاحتجاجات الشعبية منذ مطلع العام الجاري، ظلت بمنأى عن الأوضاع المتقلبة في تلك البلدان، وحافظت على مسافة بينها وبين الأحداث الجارية هناك، خلافاً لتصريحات المسؤولين الأميركيين في واشنطن. فعلى سبيل المثال ظلت السفارة الأميركية في القاهرة بعيدة عن حتجاجات الشعب المصري التي أدت في النهاية إلى تنحّي الرئيس حسني مبارك عن السلطة في وقت سابق من هذا العام، رغم أن مكانها في ميدان التحرير لا يبعد سوى بضع مئات اليردات عن مقر السفارة الأميركية. ومما لا شك فيه أيضاً أن موقف المحتجين الذين يرون أن الولايات المتحدة كانت تعمل على تقديم الدعم لحليفها الرئيس السابق، كان سيجعل من زيارة للسفير مجازفة حقيقية.

غير أنه خلال الأسبوع الماضي، استُقبل السفيران، الأميركي والفرنسي، بحرارة في مدنية حماة السورية، وفي ذلك اليوم على الأقل لم يتعرض المحتجون لأي هجوم. وهو أمر يشير إليه المؤيدون لخيار الإبقاء على سفير أميركي في دمشق، باعتبار أن وجوده والدور الذي لعبته زيارته المذكورة إلى حماة، أمور تمثل كلها حجة قوية تثبت صحة وجهة نظرهم. فالنظام السوري قد يكون بصدد قتل المحتجين وتعذيبهم من أجل البقاء في السلطة، كما يقولون، لكن توافر وجود دبلوماسي قوي في دمشق يمكن أن يأتي بفوائد وإيجابيات كثيرة، كما يرون، سواء أكان ذلك من خلال لعب دور قوة معنوية في كبح العنف، أو كوسيلة مباشرة ومهمة للتواصل مع النظام نفسه.

وكان مراسل صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور"، نيك بلانفورد، قد أفاد بأن دبلوماسيين أميركيين أخبروه بأن سفارة الولايات المتحدة في دمشق تعرضت ل"أضرار بالغة" في الهجوم الذي شنه عليها بعض الأفراد خلال الأسبوع الماضي، لكن المراسل يعتقد أيضاً أن فورد سيظل في منصبه لبعض الوقت. وفي هذا السياق، كتب "بلافورد" يقول: "إن منتقدي إدارة أوباما في الكونجرس، والذين كانوا يعارضون إرسال السفير إلى دمشق أصلًا، سيتمسكون باستدعائه". ثم يضيف المراسل قائلا: "وعلاوة على ذلك، فإن إدارة أوباما سبق لها أن شددت مراراً على ضرورة توافر سفير في دمشق من أجل نقل آراء واشنطن إلى القيادة السورية".

غير أنه في حال استمرت الاحتجاجات وظلت تقابل بإطلاق النار من قبل قوات الأمن الحكومية، وباعتقال مزيد من المحتجين المطالبين بالإصلاح، فمما لا شك فيه أن العلاقات السورية الأميركية ستسير نحو مزيد من الفتور والتدهور.

هذا ويرى البعض أن ثمة نفحة من التحريض الحكومي في الاحتجاجات التي نُظمت أمام السفارتين الأميركية والفرنسية الأسبوع الماضي، وإن كانت لا توجد أدلة على ذلك، على اعتبار أن النظام السوري كان غاضباً جداً بشأن زيارة السفيرين الغربيين إلى حماة، وهي المدينة التي شهدت مجزرة مشهورة نفذتها القوات السورية في عهد حافظ الأسد عام 1982.

وعلاوة على ذلك، فإن التلفزيون الحكومي عمل خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي على تخصيص حيز زمني كبير للتنديد بالزيارة التي قام بها السفير الأميركي، وبالولايات المتحدة بشكل عام. وفي هذا الأثناء، حمَّلت وزارة الخارجية الأميركية الحكومةَ السورية مسؤولية الهجوم الذي تعرضت له سفارتها في دمشق. وجاء في بيان صادر عن الخارجية الأميركية أن "محطة تلفزيونية متأثرة تأثراً قوياً بالسلطات السورية شجعت على هذه المظاهرة العنيفة".

والجدير بالذكر في هذا الإطار أيضاً أن السفارة الأميركية سبق أن تعرضت لهجمات خطيرة في دمشق من قبل. ففي عام 1998، اضطرت زوجة السفير الأميركي وقتئذ، ريان كروكر، إلى اللجوء إلى غرفة محمية بالسفارة عندما قامت مجموعات من الغوغاء باجتياح المكان. وحينئذ، كانت الجموع غاضبة من حملة القصف الجوي الأميركية المعروفة باسم"ثعلب الصحراء" ضد العراق، إلا أن الأمور لم تصل إلى حد استدعاء كروكر إلى واشنطن. وفي 2006، أقدم محتجون غاضبون في دمشق على إحراق سفارات الدانمارك والشيلي والنرويج بسبب رسوم كارتونية مسيئة نشرتها إحدى الصحف الدنماركية.

==============

السياسة الأميركية والنظام السوري

حسين العودات

التاريخ: 16 يوليو 2011

البيان

في النصف الثاني من مايو الماضي كانت الاحتجاجات والمظاهرات في سورية قد اتسعت وشملت معظم المدن والبلدات والقرى، وأربكت النظام الذي كان يعتبر ما يجري مجرد عمل متمردين ومتآمرين وعصابات. وبدا طريق التهدئة وكأنه مسدود، في هذا الوقت ألقى الرئيس أوباما كلمة شرح فيها سياسته الشرق أوسطية، وقال فيها (إن أمام الرئيس الأسد إما قيادة آلة التحول في سورية أو الابتعاد عن الطريق)، أي (إما أن يقود عملية الإصلاح أو يتنحى) .

ومن الواضح أن هذا يعني أن السياسة الأميركية لم تكن معادية للنظام السوري بالمطلق، لأنها طلبت من الرئيس أن يقود عملية الإصلاح بنفسه، فإذا قادها سيكون الأمر مقبولاً لديها، وكان هذا الموقف في حينه يخالف الموقف الأوروبي الأكثر شدة وتصلباً وعداء، إلا أن ذلك لم يمنع الإدارة الأميركية من اتخاذ عقوبات اقتصادية بحق بعض المسؤولين السوريين وبعض رجال الأعمال وعدد من الشركات، ثم اتخذت الدول الأوروبية قرارات مماثلة. ومع ذلك استمر المراقبون يعتقدون أن الإدارة الأميركية أبقت الباب موارباً تجاه موقفها من النظام السوري وأنها لم تضع في اعتبارها وفي ممارساتها إسقاط هذا النظام، أو نزع الشرعية عنه .

يوم الاثنين الماضي صرحت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية فقالت (إن الرئيس الأسد فقد الشرعية وإن ليس للولايات المتحدة مصلحة في استمراره وإن ذهابه لن يكون أمراً لا يمكن الاستغناء عنه)، ومن الواضح هنا أن الإدارة الأميركية صعدت موقفها المعادي للنظام السوري تصعيداً نوعياً. مستغلة محاولة اقتحام السفارة الأميركية في دمشق من قبل محتجين، بعد زيارة السفير الأميركي لمدينة حماة وتواصله مع قادة المظاهرات فيها الذين اتهمهم الإعلام السوري بالعمالة وبأخذ التعليمات من السفير وأنه يتدخل في الشؤون الداخلية السورية.

كان قد أشيع في بعض الأوساط السياسية والإعلامية السورية قبل أسابيع عن وجود اتفاق سري بين الرئيس الأسد والإدارة الأميركية، يقضي بأن يتولى الرئيس بنفسه عملية الإصلاح، ويحول النظام السياسي السوري إلى نظام ديمقراطي تعددي يحترم معايير الدولة الحديثة كلها، على أن يتم هذا على التوازي مع الاستغناء عن الرؤوس الحامية والمتطرفة في نظامه سواء كانت في قيادات الأجهزة الأمنية أم في قيادات الجيش، مقابل تأييد أميركي للرئيس، وسعي أميركي مع التكتلات الدولية لدعم هذه الإصلاحات الموعودة، وعزز هذا الافتراض عدم تعرض وزير الخارجية السوري وليد المعلم في مؤتمره الصحفي الذي عقده في الشهر الماضي للإدارة الأميركية بأي نقد.

في الوقت الذي هاجم فيه دول أوروبا وقال أنه سيعتبرها (غير موجودة على الخارطة) وأن سورية تسير و(الكلاب تنبح)، وكان ملفتاً امتناعه الكلي هذا عن نقد الإدارة الأميركية . ولذلك بدا غريباً تفجر الخلافات في الأيام الماضية بين الطرفين بشكل مفاجئ وتصعيدها تصعيداً كبيراً، مما أثار التساؤل حول صحة الاتفاق المشار إليه، وفي حال صحته هل تراجعت الإدارة الأميركية عنه، وما هي خطوات سياستها المقبلة تجاه النظام السوري ؟.

يقول أنصار الاعتقاد بوجود اتفاق تحت الطاولة بين الرئيس الأسد والإدارة الأميركية، إن التيار المتطرف في النظام يحاول تخريب هذا الاتفاق بمختلف السبل، وهذا يفسر الهجوم الإعلامي العنيف على زيارة السفير لمدينة حماة واقتحام السفارة الأميركية وبيت السفير، وبالتالي فإن هذا الموقف الأميركي المستجد، حسب رأيهم، هو رد على أعمال هؤلاء المتطرفين من جهة، وتحريض للرئيس ليكون أكثر جدية وسرعة في تنفيذ الإصلاحات من جهة أخرى، مما يساعد الإدارة الأميركية على تنفيذ التزاماتها تجاه النظام. ويرون أن هذه الخلافات بمجملها هي خلافات عابرة لابد أن تنتهي بتسويات جديدة، خاصة أن الطريق الوحيدة أمام النظام السوري هي القيام بالإصلاحات المطلوبة وتنحية المتطرفين عن موقع السلطة.

في الوقت الذي تخشى الإدارة الأميركية فيه من تغيير النظام بشكل عنيف وجلوس نظام محله لا تعرف أبعاد سياساته، مما يفتح الأبواب أمام المفاجآت بما قد يؤدي إلى فتن وعدم استقرار في سورية . وتصبح بؤرة للتوتر في منطقة متوترة أصلاً. وهذا ما لا ترغبه لا الإدارة الأميركية ولا الدول الأوروبية ولا الدول الإقليمية أيضاً، فضلاً عن أن تنفيذ الاتفاق المزعوم بينها وبين الرئيس الأسد سوف يحقق لها بعض المكاسب منها تحويل سورية إلى ديمقراطية على الطريقة الأميركية لها مواقف مختلفة عن مواقفها الحالية تجاه قضايا الشرق الأوسط بما فيها إيران وإسرائيل.

بقي القول إن مثل هذه السياسة الأميركية، إذا صدقت احتمالات الاتفاق الضمني بين الطرفين، ليست سهلة التحقيق، بل ربما كان تحقيقها صعباً جداً بسبب وجود شكوك في قدرة الرئيس النظام على تنحية المتطرفين والرؤوس الحامية في نظامه واستبدالهم بآخرين معتدلين، وفي الوقت نفسه من الصعب الرهان على أن النظام أصبح مؤمناً كلياً بالديمقراطية والحرية والتعددية وتداول السلطة والاستعداد للتخلي عن صلاحيات الرئيس المطلقة التي منحه إياها الدستور السوري الحالي.

مع كل هذا، يشكك بعض المراقبين في أن الإدارة الأميركية سوف تتابع عداءها للنظام السوري وصولاً إلى القطيعة بينهما، ويعتقدون أن هذا التصعيد الأميركي ما هو إلا ضغوط هدفها امتثال الرئيس لرغباتها، وتنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها.

==============

أبعد من استقبال حماة للسفيرين الأميركي والفرنسي

خيرالله خيرالله

الرأي العام

16-7-2011

بدل مهاجمة السفارتين الأميركية والفرنسية في دمشق، يفترض في النظام السوري أن ينظر إلى أبعد من ذلك وأن يسأل نفسه لماذا استقبلت حماة السفيرين الأميركي والفرنسي بالورود؟ ربما كان السؤال الأسهل كيف يمكن أن يتحوّل السفير الفرنسي، الذي كان يمتلك من الغباء السياسي ما جعله من مناصري النظام ومن المدافعين عنه بحماسة ليس بعدها حماسة، إلى منتقد شرس له؟

عندما يتجرأ النظام على طرح مثل هذا النوع من الأسئلة بدل الرد بالاعتداء على مقري السفارتين، يصبح هناك بعض الأمل بالتفكير في إصلاحات جدية تؤدي إلى انتقال سورية إلى بلد طبيعي يتصرف في إطار القانون ويحترم مواطنيه وجيرانه قبل احترامه لمقرات البعثات الديبلوماسية في دمشق.

رغم التصرف غير اللائق في حق السفارتين، يشكّل اللقاء التشاوري الذي دعا إليه النظام، وشاركت فيه شخصيات عدة، خطوة إلى الامام، خصوصاً أن عدداً لا بأس به من الذين اتيحت لهم فرصة إلقاء كلمات في اللقاء تحدث صراحة عن ضرورة الانتهاء من الدولة الأمنية والقمع، بما في ذلك التوقف عن إطلاق النار على المتظاهرين، وإقامة نظام جديد مختلف يقوم على الديموقراطية وتبادل السلطة سلمياً. بكلام أوضح، لا مفرّ من تغيير النظام عاجلاً أم آجلاً بدل الجدل البيزنطي في شأن إصلاحات غير قابلة للتحقيق. هذا ما أراد قوله الذين قاطعوا اللقاء التشاوري. هؤلاء تجاوزوا مرحلة الرهان على الإصلاحات وباتوا في معظمهم على قناعة بأن سورية مقبلة على مرحلة انتقالية. من سيتولى نقل البلد إلى الديموقراطية في ظل دستور جديد يقر بحق المواطن بممارسة حرياته والتمتع بحقوقه؟

من يقرأ جيداً الخطاب الذي القاه نائب رئيس الجمهورية السيد فاروق الشرع في افتتاح مؤتمر الحوار الوطني يكتشف أن كل ما يحاول النظام عمله هو الاكتفاء بكلام عن الشكليات تفادياً للبحث في الأزمة العميقة التي يعاني منها النظام. يبدو من كلام الشرع، ابن درعا التي ترفض أي حوار معه، أن هناك رهاناً لدى قادة النظام على أن ما يجري حالياً في سورية مرحلة عابرة. من الواضح أن هناك رهاناً على تجاوز المرحلة عبر توفير بعض الحريات والتظاهر بأن النظام تغيّر في انتظار اليوم الذي تتوفر فيه الفرصة للانقضاض مجدداً على كل الهيئات والشخصيات التي توّلت تعبئة المواطنين خلال الثورة الشعبية التي تشهدها سورية حالياً.

لذلك، يتحدث كل من له علاقة ما بالنظام عن أهمية المحافظة على الوضع الراهن من جهة، وتأكيد قدرة الرئيس السوري الدكتور بشّار الأسد على قيادة المرحلة الانتقالية من جهة أخرى. هناك تجاهل تام لواقع يتمثل في أن مطالب الشعب السوري تجاوزت هذه المرحلة وأنّ المطلوب أكثر من أي وقت أخذ العلم بذلك وايجاد ترتيبات تمهد للانتقال إلى مرحلة جديدة مختلفة جذرياً. إنها مرحلة مختلفة عن كل ما هو قائم في البلد منذ العام 1963 تاريخ تولي «حزب البعث» السلطة اثر انقلاب عسكري، ثم انقلاب الرئيس الراحل حافظ الأسد على الذين شاركوه في السلطة حتى العام 1970 حين نفّذ انقلابه على رفاق الدرب، وكانوا في معظمهم من السذّج مقارنة به.

ما تبدو سورية في حاجة إليه في هذه المرحلة يتجاوز الشكليات، خصوصاً أن معظم المنتمين إلى النظام ما زالوا يتحدثون عن «مقاومة» و«ممانعة» و«مؤامرة خارجية» لتبرير القمع الذي استخدم في مواجهة الشعب السوري. لقد استقبل أهل حماة السفير الأميركي في دمشق بالورود، كذلك السفير الفرنسي. هل يمتلك النظام ما يكفي من الشجاعة لمواجهة هذه الحقيقة وطرح الأسئلة المترتبة على مثل هذا الحدث؟ الأكيد أن أهل حماة ليسوا معجبين بالسياسة الأميركية أو مغرمين بها إلاّ أنهم على استعداد لعمل اي شيء من أجل التخلص من النظام الحالي...

ما شهدته حماة دليل على مدى الوعي الذي يمتلكه السوريون لطبيعة النظام والشعارات الفارغة التي يرفعها. ف«المقاومة» و«الممانعة» ليستا سوى مقاومة وممانعة بالكلام. في واقع الحال انهما رمز لسياسة تقوم على الابتزاز والتخريب في كل المنطقة العربية. انه وهم الدور الاقليمي الذي لا وجود له سوى لأنّ إسرائيل لا تمانع في أن يبقى النظام السوري قادراً على ممارسة دوره الحالي على كل صعيد في المنطقة بدءا بمتابعة تسهيل وصول الأسلحة إلى لبنان!

في النهاية، لا معنى لأيّ كلام عن إصلاحات في سورية يتولاها النظام في حال لم يتخلّ عن شعاراته المضحكة- المبكية من نوع «المقاومة» و«الممانعة» و«الصمود». تبين بعد الذي حصل في حماة لدى زيارة السفيرين الأميركي والفرنسي للمدينة أن النظام في واد والشعب في واد آخر. لا هدف لهذه الشعارات سوى تمكين النظام من متابعة ممارسته لعملية الهروب إلى أمام واللعب في الوقت ذاته على التناقضات العربية- العربية كما حصل في الأعوام القليلة الماضية عندما دخل على خطّ التنافس بين السعودية وقطر. استفاد من ذلك لبعض الوقت، إلى أن جاء اليوم الذي ارتدت تلك الألاعيب عليه بعدما تبين أنها دليل على قصر نظر لا أكثر. هل يمكن لنظام يسعى بالفعل إلى إصلاحات في سورية نفسها أن يدعم عملية تخريب منظمة في لبنان تعتمد على السلاح الفلسطيني في قواعد عسكرية سورية داخل الاراضي اللبنانية وتشجيع ميليشيا مذهبية إيرانية على فرض حكومة من لون معيّن على الشعب اللبناني؟ كيف يمكن لنظام يشكو من إثارة الغرائز المذهبية في سورية أن يتصرف بالطريقة التي يتصرف بها خارج حدوده حيث لا همّ له سوى دعم المجموعات الميليشيات المذهبية المسلّحة أكانت شيعية او سنّية؟

هذه ليست الطريق إلى الإصلاحات في سورية. انها الطريق الأقصر لتأكيد أن النظام السوري غير قابل للإصلاح، وأنه عاجز عن أخذ العلم بأن العملية الإصلاحية كلّ لا يتجزّأ. لا يمكن على سبيل المثال وليس الحصر القبول بتعددية حزبية في سورية والعمل على نسف كل ما له علاقة من قريب أو بعيد بما بقي من حياة ديموقراطية في لبنان والاصرار على ممارسة لعبة عفا عنها الزمن تعود بالضرر على السوريين واللبنانيين في آن.

من يزرع الريح يحصد العاصفة. لا يمكن للنظام السوري الشكوى من البضاعة التي يصدرها إلى خارج أراضيه. هذه البضاعة لم تعد صالحة، خصوصاً أنها باتت مرشحة للعودة إلى المكان الذي انطلقت منه. يفترض بالقيمين على النظام إدراك ذلك قبل اي شيء آخر، في حال أرادوا اقناع العالم أن في استطاعتهم اجراء إصلاحات من أي نوع كان. كلّ ما تبقى كلام بكلام، وشعارات لا علاقة لها بالواقع من قريب أو بعيد بمقدار ما أنها تظهر للمرة الألف أن شعار «المقاومة» الذي يتحدث عنه المسؤولون السوريون ليس سوى دليل على أن هذا النظام مصمّم على مقاومة الإصلاحات من أي نوع كان، وامتلاكه مناعة ليست بعدها مناعة حيالها.

==============

الثورة السورية وعودة الابن إلى أحضان دولة الأب

المستقبل - السبت 16 تموز 2011

العدد 4057 - رأي و فكر - صفحة 19

بشرى سعيد

ألقى رئيسان عربيان في 17 من تموز عام 2000 خطابين رئاسيين تميزا بإختلافهما الشديد من حيث مقاربة كل خطاب للواقع المجتمعي والسياسي والرؤية إليه. أحد الخطابين ألقاه بشار الأسد، الرئيس الشاب الجديد الذي لم يكن يتعدى عمره آنذاك منتصف العقد الثلاثيني، محرضاً أمل التغيير وربيع دمشق عند الكثير من السوريين، بينما ألقى الخطاب الآخر دكتاتور ممل في لغته وظهوره المتكرر، صدام حسين، كان قد أمضى أكثر من عقدين في سلطة اتسمت بالقمع وقسوة الحروب والقتل وصولاً إلى شن عمليات إبادة جماعية لأبناء شعبه.

الآن وبعد مرور أكثر من عقد على ذلك الخطاب الذي ألقاه الأسد، والذي حاول تجنب النموذج الصدامي لغةً ومنطقاً، يحاول بشار العودة الى الوراء واللجوء الى ذات المنطق واللغة في مواجهة أزمة الاحتجاجات التي تعصف ببلاده. فبعد انتظار دام اسبوعين داميين من تظاهرات واحتجاجات طالبت بالحريات وصولاً الى رفع شعار اسقاط النظام خرج الرئيس السوري في 30 من آذار الماضي مبتسماً بل وضاحكاً ليلقي خطابه الذي يمكن إختزاله بخطاب المؤامرة. وهكذا ظهر خطاب المؤامرة على كافة المستويات، وفي زمن المؤامرات لا يمكن للأنظمة الأمنية إلا اللجوء الى الحل الأكثر سهولة والأكثر إتقاناً من قبلها وهو الحل العسكري الذي يقول بوأد المؤامرة. وهكذا بدأت الأجهزة الرسمية التابعة للدولة ورجالاتها بدءاً من الرئيس ذاته وصولاً الى محللين سياسيين بازياء وعقول رسمية، وبينهما رجالات من مجلس الشعب ومذيعين ومثقفين وكتبة سلطويين، تحاول إشاعة رواية وجود مؤامرة إنتشار عصابات مسلحة تستهدف إشعال فتنة طائفية في البلاد. وبحسب ذهنية الدولة الشمولية كدولة البعث السورية، كلما كانت المؤامرة أكثر شمولية ومتعددة الأطراف بكل تناقضاتهم الآيديولوجية- مثل مشاركة أميركا وإسرائيل جنباً الى جنب الحركات السلفية الجهادية ومنظمة القاعدة لتقويض الاستقرار وبناء امارة سلفية- وكلما كانت المؤامرة أكثر غموضاً وأكثر رعباً، كلما كانت أكثر استدعاءا لاستخدام حل العنف العسكري الحاسم وتبريرياً لهذا النوع المن الحل. وهذا ما تفعله سوريا بالضبط. ففي البدء تحدث الخطاب الرسمي عن مندسين ومخربين، لكن سرعان ما تحولت وجهة الخطاب نحو الكلام عن جماعات مسلحة لكن من دون أي تحديد لهوية او وجه لهذه "العصابات"، وبعد ذلك دخل لبنان والسعودية والعراق والأميركان في لغة الخطاب المؤامرة، ثم أخيرا استقر الأمر على جماعات سلفية مسلحة تجاهد وتقاتل، هكذا بين ليلة وضحاها وفي دولة عُرفت بأجهزتها الأمنية الشديدة والتعدد المرعب لفروعها وأسمائها، لبناء امارة سلفية في المحافظة الجنوبية درعا ومدن أخرى.

وهنا لا تكمن مفارقة رئيس سوريا، وورائه أجهزة الدولة برمتها، في شن هذه الحملات العنيفة لاخماد وقمع ما يحاول الشعب السوري انجازه، والذي يتمثل بكل بساطة، في أحد أبعاده، في تنفيذ أهم محورين وعد بهما الرئيس نفسه في خطابه عام 2000 وهما الإصلاح والتغيير، لكنه عجز أو تراجع عنهما فيما بعد، بل المفارقة الكبرى تكمن في عودة الرئيس التراجيدية لغةً وخطاباً وبشكل في غاية التضخم الى لغة الخطابة السياسية العربية التقليدية التي كان يمثلها الجنرلات الأوائل من قبيل صدام حسين والقذافي وحافظ الاسد وغيرهم من "الثوريين القدامى"، هذه اللغة التي حاول الابن هجرها وإحداث قطيعة معها في خطابه الأول. انها محاولة العودة الى دولة الاب الثمانينية واستعارة نظرية المؤامرة وخطابها القولي بهدف قمع وإلغاء كل الأقوال المعارضة الأخرى. ف"المؤامرة" تحولت عبر استغلال السياسة العربية الدائم لها في سياق تاريخ يمتد لأكثر من نصف قرن الى لغة بحد ذاتها داخل ذهنية الجماهير العربية وشارعها السياسي. تحولت من مجرد مفهوم في حقل السياسة الى سردية متينة تمتلك إحالاتها التاريخية الفعالة ونظامها الرمزي المؤثر في تفسير وتحليل ما يصيب المنطقة من حروب وهزائم واضطرابات داخلية بل وفي بعض الاحيان حتى في تفسير الكوارث والنكبات الطبيعية، بإعتبارها، أي المؤامرة، تقف وراء كل ما يحدث في المنطقة العربية. ومن لا يتقن لغة المؤامرة ولا يفهمها ومن ثم لا يصدقها فهو خائن مشارك فيها. ومن خلال استخدام هذا الخطاب ينتكس الأبن 11 عاماً الى الوراء لكي يعود الى أحضان دولة الأب وسلوكاتها السياسية، انه الحنين بكل ما تعنيه هذه الكلمة، حنين السلوك السياسي الى مرحلة الثمانينيات والبحث عن بعض الارشادات والنصائح لمواجهة "المؤامرة".

يصدق الرئيس الأسد حين يقول ان سوريا لا تشبه أي دولة أخرى، فهي ليست تونس أو مصر او حتى اليمن أو ليبيا، ولكن اذا ما حاولنا ان نجبر أنفسنا على تصديق المؤامرة التي تقول بوجود جماعات جهادية سلفية تسعى لبناء امارة سلفية في درعا او بانياس أو تل كلخ، فعلينا ان نصدق أيضاً بان سبب الثورة الليبية ضد القذافي ليس انفراد عسكري معتوه وابنائه بحكم البلاد لأكثر من اربعة عقود بل سببها هو حبوب الهلوسة التي وزعها تنظيم القاعدة على شباب مدينة بنغازي زنقة زنقة وفرداً فرداً. كما وعلينا ان نصدق علي عبدالله صالح حين قال في الأول من آذار الماضي ان ما يجري الآن في العالم العربي يدار إعلامياً في غرفة بتل أبيب ويشرف عليها البيت الأبيض، طبعاً بمساعدة من تنظيم القاعدة. انها نظرية المؤامرة التي تغيب العقل وتستحضر الهذاء.

==============

سوريا: سقوط النظام لا إصلاحه؟

علي حماده  

النهار

16-7-2011

… وتمر ايام "الجمعة" الواحدة تلو الاخرى، وتتعاظم حركة الثورة في سوريا. انها ثورة حقيقية يغذيها القمع الدموي. ثورة حقيقية تدفع ثمن الحرية والكرامة دما غاليا، وتقدم الشهداء يوما بعد يوم في مشهد من اروع مشاهد النضال الانساني ضد الظلم والقهر والاستعباد. انها مكاسرة وجودية بين الخير الذي يمثله حلم ملايين السوريين بالعيش احرارا في وطنهم، وشر احدى آخر الستالينيات على وجه الارض. انها مكاسرة بين ارادة الشعب في بناء وطن الشعب لا وطن العائلة والقلة المتنفذة. مكاسرة بين من يريدون ارساء نظام ديموقراطي تعددي حديث ومن يريدون تأبيد جمهورية حافظ الاسد. وقد كان مشهد يوم امس معبرا عندما تحدى ملايين السوريين الرصاص الحي، والدبابات، والاعتقالات، وخرجوا يعلنون موقفهم الرافض للبقاء اسرى في "السجن الكبير" ليسقط منهم العشرات معبّدين بذلك الطريق نحو الحرية. وسيأتي يوم تقام فيه في كل مدينة من مدن سوريا، وكل قرية نصب يحمل اسماء شهداء الحرية الذين رووا بدمائهم شجرة الحرية.

وبالعودة الى واقع الحال، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

1 - بدأت الثورة على شكل حركة اعتراضية على الاعتقالات والتعذيب. ثم تطورت الى حركة مطلبية لاصلاحات في النظام ولا تمس التركيبة الحاكمة ولا سيما الرئيس. والآن تحولت الحركة الاعتراضية المطلبية ثورة عارمة.

2 - في الاسابيع الاولى اقتصرت التظاهرات على ايام الجمعة، وكانت البؤرة الاولى في درعا وقراها وبعض مدن ريف دمشق. اليوم صارت حماة اشبه بمدينة محررة، والتظاهرات صباحية ومسائية في اكثر من 160 مدينة وقرية من اقصى البلاد الى اقصاها، وحجم التظاهرات يكبر بشكل مطرد: في حماه ودير الزور وحدهما خرج يوم امس ما يقارب المليون.

3 - قتل اكثر من 1500 مدني وجرح الآلاف، واعتقل ما يقارب 12000، وانتشر الامن والمخابرات في كل مكان، واستخدمت قطعات مضمونة الولاء من الجيش، ولم يمنع ذلك توسع الثورة.

4 - فشل النظام في تشتيت مثقفي الثورة. ففشلت المؤتمرات التي نظمها اما مباشرة وإما مداورة، وبدت خارج سياق المسار الثوري. وشكل اعتقال المثقفين في حي الميدان بدمشق يوم الخميس الفائت نهاية لاستمرار غالبية المثقفين في الموقف الرمادي.

5 - حتى الآن لم تنجح كل المحاولات لتطييف الثورة، وإخافة ما يسمى الاقليات. وبالتالي سوف تنضم تلك الاقليات في مرحلة قريبة الى الموجة.

6 - الاقتصاد الى انهيار مع استمرار النظام والثورة ضده. وسوف تنفضّ طبقة كبار التجار عن النظام سريعاً.

7 - ان الموقف الدولي والاقليمي ولا سيما التقاطع الاسرائيلي – الايراني - الروسي الحامي للنظام سيتلاشى مع اثبات الثورة انها الى تعاظم لا الى ضمور.

فهل يصير المطروح نهائيا، هو سقوط النظام لا اصلاحه؟

==============

كيف تصبح بوقاً؟

أديب حسن محمد

القدس العربي

16-7-2011

ليس المعني بهذه الكلمة بالطبع تلك الآلات النافخة التي يستعملها العازفون في الفرق الموسيقية، ولا تلك الكتل المعدنية الموضوعة في مقدمة السيارة لتنبيه الناس الساهين اللاهين الشاردين في شؤون حياتهم الممتلئة بالمنغصات، والمستعملة أحياناً أخرى في التلطيش العصري على طريقة الشباب 'الشفيطة'

وإنما نقصد بهذه الكلمة فئة من الناس توجد في كل زمان ومكان، وبتسميات مختلفة، وتقع على عاتق هؤلاء 'النفيخة' مهمة النفخ في بعض الأسماء المحنّطة، ولغايات مختلفة حسب تسلسل قيمة 'المنفوخ' وحسب وضاعة ووصولية ونفاق 'النافخ'..!!

فقد يتخذ 'النافخ' لنفسه خطة منهجية لتلميع وتكبير صورة بعض أقاربه الذين أدركتهم حرفة الأدب ممن لا يزيدون في ميزان القيمة الأدبية عن مستوى حمل أقلام ركيكة لا تمل من رصف الكلام كيفما اتفق،هذا النوع من 'النفيخة' يحشرون أقاربهم الجهابذة في كل موضوع ينشرونه، حتى لو كان الموضوع عن ثقب الأوزون، أو انتحار الأدباء، أو الحيوانات المهددة بالانقراض...!

والصنف الثاني من 'النفيخة' هم الأكثر شيوعاً في كل زمان ومكان، وهم الذين ينفخون في قرب مصالحهم المقطوعة، ويستعملون النفخ كوسيلة لتمتين روابطهم الشخصية مع 'المنفوخ' رغبة في نيل الحظوة التي تفتح أمامه بعض البوابات المغلقة التي تشبه أبواب مغارة علي بابا التي لا تفتح إلا بتعاويذ سرية لا يعرفها إلا القلة القليلة من الشطار.

وثمة صنف ثالث من 'النفيخة' تمشي على مبدأ..أنفخني.. أنفخك..!

هؤلاء يتمتعون بمواقف مبدئية نسبياً،وتقوم مواقفهم على رد الجميل 'النفخيّ ' واحدة بواحدة، وهم كثر يظهرون فجأة على الفضائيات، ويغدون نجوماً بين أزمة وضحاها، بل ربما يشكلون الغالبية العظمى من الناعقين على الفضائيات.

أما إذا حدث لا سمح الله وخرج كاتب ما عن سياسة النافخ والمنفوخ هذه، كأن يخلص لصوت الضمير والعقل ويتناول مزايا وعيوب العمل الأدبي بعقلية نقدية محايدة، فالويل...ثم الويل له..!

وما على هذا المتلفسف إلا التوبة، وإعلان الوقوع في المناطق المحظورة، وطلب الصفح والمغفرة، وتقديم طلب رسمي إلى إحدى الجهات المنظمة لدورات محو الأميّة الأدبية.

وفي مثل هذا المناخ 'التنفيخي' نستغرب الآراء التي نطالعها في دورياتنا وصفحاتنا الثقافية، والتي لا تمل من الشكوى من غياب النقد الجاد، واضمحلال المشاريع النقدية، ولو قدر لهؤلاء المشتكين الاطلاع على حياة أحد النقاد المحايدين... لعرفوا السبب.. ولبطل العجب..!

أما عن التبويق السياسي فحدث عنه ولا حرج، ويكفي أن تلقي نظرة على إحدى جلسات مجالس (الشعب) العربية حتى تجد التعريف الأمثل لكلمة الأبواق، التي لا تنفخ إلا على مزاج المنفوخ له، وهذه المجالس الكاريكاتورية لها علاقة بكل شيء إلا بالشعب، ولكن الحق يقال انها أصبحت من الأكاديميات المرموقة في تخريج الأبواق، بحيث صارت تضاهي أكبر جامعات العالم، أحد الخبثاء اقترح مرة لتوفير الهدر في المال العام ولتوفير السيارات والبيوت والبذات الأنيقة التي تعطى لأعضاء تلك المجالس الكاريكاتورية، أن يُستورد عدد من الببغاوات لملء المجلس، وبهذا لا نحتاج إلى مصروف ولا من يحزنون، ونحافظ في نفس الوقت على التقاليد الجوراسية لمجالس المستحاثات.

وكل بوق وأنتم بخير

==============

لئلا تتحوّل الثورات إلى فوضى غير خلّاقة!

السبت, 16 يوليو 2011

عادل مالك *

الحياة

تموز (يوليو) في العادة هو شهر الثّورات والانتفاضات. وهذا التوصيف كان صحيحاً لفترة زمنيّة خلت، لكن سيذهب العام الحالي 2011 في التاريخ على أنه عام الثورات والانتفاضات في العالم العربي بلا منازع.

لكن كيف حال هذه الثورات وحال الثوّار، وفي كل ما يتخطى نشوة الانتصار أو خيبات الأمل يجب إجراء مراجعة دقيقة وموضوعية لما يحدث نظراً إلى خطورة ما يواجه هذه الانتفاضات الشعبيّة؟

والبداية في سورية: ما طرأ في الأيام الأخيرة لافت. فالتظاهرات الثوّرية تواصلت في مدن عدة سورية وانضم إليها السفيران الأميركي والفرنسي بتوجههما الى حماه، الأمر الذي أصاب العلاقات السورية – الأميركية بتوتر عالٍ. تبع ذلك مهاجمة متظاهرين مبنيي السفارتين الأميركية والفرنسية في دمشق. واستغلّت واشنطن هذا التصعيد لاتهام السلطات السورية بأنها «عجزت عن حماية سفارتها في دمشق». وردّت دمشق على لسان وزير الخارجية وليد المعلّم رداً اتصف بالهدوء وبالقول: إن السلطات السورية تتحمل مسؤولية حماية السفارات وذلك ردّاً على البيان الذي أصدره مجلس الأمن الدولي في هذا الشأن.

وفيما كانت مشاركة السفير الأميركي روبرت فورد مستغربة بالتوجه الى حماه حيث قوبل بالورود والرز، ردت واشنطن بالقول عبر وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون «إن الرئيس بشار الأسد فقد شرعيته»، وهو ما أفسح في المجال للأمين العام الجديد للجامعة العربية نبيل العربي وخلال زيارته الأولى الى دمشق أن يقول بنبرة عالية: «ليس باستطاعة أحد أن ينزع الشرعية عن أي رئيس عربي، فهذه مسؤولية الشعب». وهذا ما طرح من جديد دور الولايات المتحدة في «تسريح» الرؤساء العرب وتجريدهم من الشرعية إذا لم يتجاوبوا مع رغباتها.

والوضع في سورية، حتى كتابة هذه السطور، استمرار التظاهرات في أكثر من مدينة، مقابل استمرار السلطة في قمع هذه التظاهرات، والعامل الجديد الذي طرأ على المشهدية السورية ما أُطلق عليه جلسات الحوار بين مجموعة كبيرة من قادة الرأي في سورية، مع غياب واضح لبعض رموز المعارضة. لكن في تقدير بعض المراقبين أن البيان الذي صدر عن هذه الاجتماعات وشهد الكثير من خلافات الرأي يعتبر «إنجازاً» بمقياس النظام السوري حيث ورد فيه عبارات لم تستخدم خلال سنوات طويلة من حكم النظام. فيما اعتبرت أنه بداية يمكن البناء عليها. وفي سياق المواجهات المتواصلة يجرى العمل بهدوء على إعلان نوع من «هدنة رمضانية» تتزامن مع حلول الشهر المبارك خلال آب (أغسطس) المقبل. ولكن على أي أساس؟

وبالانتقال من سورية إلى مصر فالأحداث التي شهدتها الأيام القليلة الماضية أكثر دراماتيكية. فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة ضاق ذرعاً بتجدد التظاهرات في ميدان التحرير، وفي المقابل عاد الثوّار إلى الميدان للتعبير عن عدم رضاهم على ما أنجزه حتى الآن. وكان الإعلان الذي صدر بعد ظهر الأربعاء والذي قضى بإنهاء خدمات أعداد كبيرة من الضباط في قوى الأمن والشرطة، ومنهم الكثير من أصحاب الرتب العالية. وكان السبب الذي أعطي لهذا التدبير التخلّص من الضباط الذين أمروا بإطلاق النار على متظاهري ثورة «25 يناير» والتسبب بمقتل عدد كبير منهم. وظهرت في ميدان التحرير بعض اللافتات ومنها... «اللي يسرق مروحة يُحاكم عسكرياً، واللي يسرق بلد يروح شرم الشيخ... هذا تباطؤ... هذا تواطؤ». وطبعاً في هذا الشعار إشارة الى وجود الرئيس السابق حسني مبارك في أحد مستشفيات شرم الشيخ.

وفي المقابل يجد رئيس الوزراء المصري الدكتور عصام شرف وهو «خريج» ميدان التحرير ومتعاطف جداً مع الثوّار، يجد نفسه بين مطرقة العسكر الممثل بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة وسندان الثوّار الذين عبّر بعضهم في التجمعات الأخيرة بنزع الثقة منه، وطالبوه بالعودة الى صفوفهم إذا لم يتمكن من إحداث التغييرات المطلوبة. أما المجلس العسكري الذي يحكم مصر فعلياً فوجد نفسه في حالة الدفاع عن النفس بعد التظاهرات الحاشدة التي انطلقت أخيراً وكانت تهتف هذه المرة بسقوط المشير محمّد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوّات المسلحة. كذلك أطلق الثوّار مجموعة مطالب ومنها الاستغناء عن خدمات بعض الوزراء الذين يمثلون رموزاً «للعهد البائد»، وعلى هذا الأساس على شرف إجراء تعديل حكومي خلال الأيام القليلة المقبلة.

إن مجمل هذه التطورات يفرض حتمياً مواجهة الثوّار بالحقائق الآتية:

إنّ عودة الثوّار إلى ميدان التحرير أعادت الشللية إلى الحركة التجارية العادية في قلب مدينة القاهرة خاصة بعد انقضاء هذا الوقت الطويل. ثم إن الاختلاف الناشئ بين الثوّار على اختلاف انتماءاتهم يهدّد حركتهم بالخضوع إلى عملية إجهاض من جانب الفريق الذي يشعر بالضرر نتيجة التغييرات التي تشهدها مصر.

على أن الأهم من كل هذا وذاك: على الثوّار ألّا يكتفوا بتحطيم رموز النظام السابق فحسب وإغراق مصر بالفوضى، من دون التأكد من السلطة البديلة التي ستحكم. فأهداف الثورة لا تتحقق بإسقاط النظام القائم، أو الذي كان قائماً، بل بإيجاد توجه مشترك بين الثوّار المتعددي التوجهات والطروحات القوميّة والسياسيّة، وتفاهم على النظام البديل.

نقول هذا الكلام من قبيل الحرص على مكاسب الثوّار من أجل حقيقة أساسية راسخة: كي لا تتحوّل هذه الثورات الى فوضى غير خلّاقة! وتضيع مكاسب الانتفاضة في متاهات لا طائل منها، وتعمل على إجهاض كل هذه الإنجازات. وإذا ما تابعنا الجولة على مواقع التوتر العالي في المنطقة فلا بد من التوقف عند بعض المناطق التي شهدت ولا تزال تطوّرات تتصل مباشرةً برسم معالم الخريطة الجديدة في ما يُطلق عليه من تسمية حركيّة: الشرق الأوسط الجديد.

ففي ليبيا سبق لنا أن توقّعنا أن رحيل معمّر القذافي سيكون عملية باهظة التكاليف، وهذا ما حدث. فبعد أن عجزت طائرات حلف شمال الأطلسي على إنهاء حكم القذافي والاتجاه نحو البحث في الحلول السلميّة، ها هو معمّر ليبيا صامداً في طرابلس الغرب وضواحيها وما زال يمتلك أوراقاً يساوم عليها بما في ذلك الاتجاه نحو «تقسيم الجماهيرية».

أما في اليمن فيبدو الوضع قاتماً كما ظهرت ملامحه على وجه الرئيس علي عبدالله صالح، وبلغ من فرط التشويه الذي لحق به نتيجة المحاولة الانقلابية التي استهدفته، صعوبة التعرّف إليه. وما زال الرئيس اليمني يحتفظ بورقة «الحلّ الدستوري» باعتبار أنه لم يُقدم على استقالته حتى كتابة هذه السطور. الأمر الذي يُبقي الجماهير اليمنية، المعارض منها والمؤيد، في حال إقامة دائمة في الشوارع والساحات من صنعاء الى تعز، وصولاً الى مدينة زنجبار في محافظة أبين.

وعندما نعلم الوجود الكثيف والواضح ل «خريجي» تنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات الإرهابية، واعتبار الولايات المتحدة الأميركيّة أن اليمن هي خط متقدّم للأمن القوميّ الأميركي ندرك جيّداً التطوّرات التي سيشهدها اليمن والمزيد من الصراعات على غير صعيد.

وبعد... في الأسبوع الذي شهد عملية تكريس وتطويب انفصال جنوب السودان عن شماله بمباركة من قوى كثيرة وفي طليعتها إسرائيل، ندرك أن ما نشهده في المنطقة من محيطها إلى خليجها يُقحم هذه المنطقة في «لعبة أمم جهنمية».

وعلى الزعماء العرب، أو بعضهم على الأقل، أن يجتازوا الامتحان الاختباري أمام «الهيئة الفاحصة الأميركية»! فإمّا أن ينجحوا أو يخفقوا وفق توجهات الغرب الأميركي منه والأوروبي. لذا، يظهر جليّاً مدى انهماك الإدارة الأميركية الحالية في إجراء حركة تنقلات وتعيينات في بعض صفوف المسؤولين العرب. وهذا أمر مشين.

ولا تكتمل الثورات في العالم العربي إلّا بالتخطيط لبدائل تدمير «الأنظمة البائدة»، وما لم يحدث هذا الأمر فإن خيبات الأمل تكبر وتزداد وتقلب هذه الانتفاضات من نعمة التحرّر إلى نقمة الصراعات على النفوذ وعلى السلطة. وإذا أردنا أن نكون إيجابيين وسط هذا البحر الهائج من الاضطرابات نقول: يا فقراء العرب أبشروا، فقد جاءكم الفرج، كيف؟ بالعمل على توزيع الثروات الطائلة التي صودرت من بعض الحكام العرب (حتى الآن) وفق آلية معيّنة لإفادة هؤلاء الفقراء وما أكثرهم...

ولا يمكن استثناء لبنان من كل ما يجرى وخصوصاً بعد صدور القرار الاتهامي عن المحكمة الدولية الخاصة بالكشف عن قتلة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. ومع نيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ثقة مجلس النواب يتابع لبنان خوض معركة تجاذب كبيرة وحادة بين مختلف شرائح الواقع اللبناني، حيث يطرح الوضع القائم تحت الشعار الآتي: إمّا المحكمة الدوليّة وإما الاستقرار!

وفي خضم الأزمات الداخليّة وقيام المزيد من حالات الاحتقان والاصطفاف، يستعدّ لبنان لخوض «حرب مائيّة» مع إسرائيل التي عملت على قضم بعض الأراضي اللبنانية في المجال الاقتصادي المائي ووسط الأحاديث والصفقات عن كيفيّة المحافظة على حق لبنان في هذه الثروات الطبيعية، والمحزن في الأمر أن هذا الموضوع طُرح منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، ووقع المشروع بكامله في خانة الإهمال كما هي الحال على أكثر من جبهة في لبنان.

إنّ حرارة شمس تموز (يوليو) على حلاوة التمتّع بها فإن البقاء تحت «سيطرتها» تصيب المستظلين بها بألف إشكال وإشكال...

وهذه هي حال الأمّة هذه الأيام. وحذار مجدّداً من الفوضى غير الخلاّقة!

==============

السوريون الجدد...

السبت, 16 يوليو 2011

فايز سارة *

الحياة

لا شك أن تعبير «السوريون الجدد»، يرتبط بما شهدته سورية في الأشهر الأربعة الماضية من حراك شعبي تواصل وتنامى في حجمه وانتشاره، وبما واجه هذا الحراك الشعبي من تحديات المعالجة الأمنية لتحرك في أساسه تعبير سلمي عن أزمة سياسية اقتصادية اجتماعية وثقافية، أصابت سورية والسوريين واستفحلت، وباتت معالجتها ضرورية على أن تتم المعالجة بطريقة سياسية لا أمنية على نحو ما غلب طابع المعالجة التي تقوم بها السلطات باستخدام القوة العارية بمواجهة الحراك الشعبي.

والسوريون الجدد، هم أبناء الحراك الشعبي، وغالبيتهم من الشباب، وقسم كبير منهم من المتعلمين الموزعين على سلم قاعدته الأساسية التعليم الأساسي ثم المتوسط الى التعليم العالي، وعلى رغم أن أكثرهم من الرجال، فإن قسماً مهماً منهم من النساء، ويتركز وجود هؤلاء جغرافياً بصورة أساسية في الأرياف وفي المدن المتوسطة وعلى حواف المدن الكبرى، ولهذا الانتشار الجغرافي ما يبرره. ففي غالبية هذه المناطق كان السكان مهملين أو على هامش الحياة العامة بمناحيها وأنشطتها، حيث لا أنشطة ولا مشاركة سياسية، وإن حضرت فإنها أنشطة ومشاركات للتسبيح بحمد وشكران السلطة وحزبها، في وقت لا تتوافر فيه الفرصة لأنشطة من ألوان سياسية وأيديولوجية أخرى، كما لا تتوافر الفرصة لأنشطة عامة في إطار المجتمع المحلي أو منظمات المجتمع المدني ومنها الجمعيات التي تهتم بالبيئة أو التنمية وحقوق الإنسان وغيرها.

ويترافق التهميش السياسي في الحيز الجغرافي للسوريين الجدد، مع سوء في الواقع الاقتصادي، وغالبية هذه المناطق شهدت تهميشاً من خلال تدمير أو تحجيم غالبية بناها التقليدية، وهو ما ترافق مع غياب المشاريع التنموية والاستثمارات الجدية، وبالتالي عدم وجود أية مجالات عمل منظمة وحديثة، وإن توافرت فرص العمل فهي تقليدية أو خدمية وشخصية، تعيش حالات من المنافسة الحادة، بحيث يصعب عليها، أن تصير فرصة عمل توفر حياة كريمة ومناسبة للأفراد وللأسر، الأمر الذي جعل الفقر شائعاً في تلك المناطق، والبطالة صارت طارداً للشباب نحو المدن، وتحويلهم الى فئات هامشية وهشة هناك، وهو تحول اجتماعي خطير أساسه الفارق بين ما كان عليه، وما صار إليه المهاجرون باتجاه المراكز الأكثر نمواً وتحضراً.

وبطبيعة الحال، فإن الوقائع السياسية والاقتصادية، التي عاشها الحيز الجغرافي للسوريين الجدد، اشتدت، وزادت قسوتها بما رافقها من وقائع طبيعية اجتاحت عموم سورية في السنوات العشر الأخيرة، والتي غلب عليها الجفاف وقلة الأمطار في بلد تعتمد فيه الزراعة على الأمطار، ويعيش نحو نصف السوريين على الزراعة وملحقاتها، وهذا كله لم يؤدِّ الى الفقر والبطالة والهجرة الداخلية والخارجية فحسب، بل الى أمراض وظواهر اجتماعية سلبية الطابع، فرضت مع سابقاتها تبدلاً في العادات والتقاليد وفي المفاهيم، التي تحكم سلوكيات وحياة الناس.

إن تأثير الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الحيز الجغرافي للسوريين الجدد، فرض ملامح خاصة لثقافة هذه المنطقة. إذ دفع بأكثرية السكان للابتعاد عن الثقافة بمعناها العميق، وهو سلوك يقارب المسار العام للثقافة الذي ترسخ في سورية في ظل نمط الاستهلاك والاستسهال الشائع والمعتمد بصورة رسمية، ما جعل الثقافة هشة وسطحية، بل إن بعض الأوساط صار يجاهر باحتقار الثقافة والمثقفين.

لقد خلفت تلك البيئة بكل تردياتها حالة من رفض الواقع في أوساط بعض سكان المناطق الريفية والمدن المتوسطة وعلى حواف المدن الكبرى، وترافق رفض الواقع مع نمو في الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي، وهو ما جعل هؤلاء أقدر على القيام بالدور الذي نراه، ليس من خلال ما يقومون به في إطار الحراك الشعبي وعبر حركة التظاهر والاحتجاج وغيرهما، بل من خلال ما رفعوه من شعارات، أكدت سلمية حركة التظاهر والاحتجاج، وتحديدها مطالب أساسية وضرورية، جعلت النظام يقرّ بأحقيتها وضرورة الاستجابة لها، وفي تركيز المتظاهرين على وحدة السوريين من دون تمييز عرقي أو ديني أو طائفي.

لقد عكست تلك الوقائع روحاً وشخصية جديدة للسوريين، تتجاوز ما هو شائع من صورة نمطية شاعت في السنوات الأخيرة للسوريين. وعلى رغم أن تلك الشخصية والروح، كانتا واضحتين في حيز جغرافي معين بين تعبيراته درعا وريفها، وفي أرياف كل من دمشق وإدلب والحسكة واللاذقية، وفي مدن حمص وحماه وإدلب، فإن ذلك لم يمنع ظهور روح السوريين الجديدة في مدن ومناطق، ما زالت خارج إطار حركة الاحتجاج الشعبي كما هو حال مدن من بينها طرطوس والرقة وحلب ودمشق بصورة جزئية، وبالتالي خارج حدود التعبير عن السوريين الجدد الذين يمكن القول، إن صورتهم فاجأت العالم من حولهم.

* كاتب سوري

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ