ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 10/07/2006


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

إصدارات

 

 

    ـ القضية الكردية

 

 

   ـ أبحاث    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


حرب الأيام الستة

من الأسطورة إلى الواقع (1 – 2 – 3)

-الحلقة الاولى -

البيت الأبيض يعطي الضوء الأخضر لإسرائيل ولندن تتحمّس

تأليف :بيير رازو 

انتهت حرب يونيو 1967 منذ حوالي أربعين سنة، لكن نتائجها لا تزال تؤثر على مجرى الأحداث في الشرق الأوسط. ولا تزال أيضا تنطوي على الكثير من الأسرار، وليس أقلها شأناً أسرار الهجوم على سفينة التنصت الإلكتروني الأميركية «ليبرتي» عندما كانت على مقربة من شواطئ سيناء. هذا الكتاب يكشف عن الكثير من مناطق الظل التي شهدتها تلك الحرب، وربما كان الكتاب الأول الذي يتعرّض بالتفصيل لسير المعارك والعمليات العسكرية.

وما شهدته الجبهات العربية من مقاومة لا يستهان بها. كما يتعرض مؤلفه بيير رازو لمواقف القوتين العظميين والقوى الكبرى الأخرى من ذلك النزاع، وأدوارها فيه.لم تعترف إسرائيل أبدا بشكل رسمي أنها تمتلك السلاح النووي. وذلك مع إدراك المجموعة الدولية كلها أنها إحدى القوى النووية بعد الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين.

لكن هذه الدول الكبرى كلها وقعت اتفاقية عدم الانتشار النووي، وتقدّر الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومحللو أجهزة الاستخبارات أن إسرائيل تملك اليوم أكثر من مئتي رأس نووي.كان ديفيد بن غوريون وراء قرار الشروع ببرنامج نووي منذ عام 1949 في إطار معهد وايزمان واستقدم من أجل ذلك العلماء اليهود الذين شاركوا في مشروع مانهاتن في الولايات المتحدة الأميركية وكندا.

وكان أحد أعمدة ذلك البرنامج ارنست ديفيد بيرجمان الذي كان قد عمل في نهاية عقد الأربعينات مع العلماء الفرنسيين وتولّى بناءً على التوصية الصريحة لألبرت انشتاين الإدارة العلمية للبرنامج. وفي عام 1952 ترك بيرجمان معهد وايزمان ليصبح مسؤولاً عن اللجنة الإسرائيلية للطاقة الذرية. كان هناك منذ البداية تحالف ملموس بين فرنسا وإسرائيل في الميدان النووي. وكان التحالف الفرنسي ـ الإسرائيلي قد تعزز منذ عام 1954 إثر قيام ثورة التحرير الجزائرية إذ رغبت باريس قلب نظام جمال عبدالناصر في مصر بسبب دعمه للثوار الجزائريين.

قامت فرنسا بتسليم إسرائيل أول مفاعل نووي بقوة 24 ميجاواط في شهر سبتمبر من عام 1956، قبل عدة أسابيع فقط من العدوان الثلاثي على السويس. ووصل المفاعل النووي الفرنسي الثاني الأكثر قوة إلى إسرائيل عام 1957. واكتملت المرحلتان الأولى والثانية من البرنامج النووي الإسرائيلي الذي كان شيمون بيريز يشرف عليه سياسياً في أواسط عام 1963، حيث كانت إسرائيل قد بنت قبل عدة سنوات في إطار السرية الكاملة مفاعلا نوويا في ديمونة بصحراء النقب.

كان الجنرال ديغول بعد عودته إلى السلطة عام 1958 وتأسيسه الجمهورية الخامسة قد رفض تسليم إسرائيل مصنعا لا بد منه لاستكمال البرنامج النووي الإسرائيلي، لكن شيمون بيريز أقنع مسؤولي شركة «سان غوبان» التي تقوم بتصنيعه بتسليمه مباشرة لإسرائيل من دون المرور بلجنة الرقابة الوزارية على صادرات الأعتدة الحساسة،

وبالاعتماد على شبكة الضغط اليهودية في فرنسا أيضا، قبل مارسيل داسو، صاحب مصانع طائرات الميراج والأسلحة، تسليم إسرائيل قبل نهاية عام 1967 صواريخ أرض ـ أرض تحمل عبوة وزنها 750 كيلوغراما على مدى 500 كيلومتر، أي تقع كل من القاهرة ودمشق في مرماها؛ وحيث كانت التجارب الأولية لصاروخ أرض ـ أرض الإسرائيلي «شافيت» قد فشلت فشلا ذريعا.

وفي شهر ديسمبر 1962 نشرت مجلة مختصة بالتحليلات الاستراتيجية حول الشرق الأوسط مقالا للإسرائيلي جون كمشي تحت عنوان «نحو سياسة ردع نووية إسرائيلية مستقلة». كانت إسرائيل لا تزال تحتاج مع ذلك للمادة القابلة للانشطار النووي والتي ركّزت على إمكانية الحصول عليها كل جهودها منذ عام 1963.

 

أصل الحكاية

يؤكد بيير رازو مؤلف هذا الكتاب أن الولايات المتحدة حاولت آنذاك أن تكبح البرنامج النووي الإسرائيلي. حيث كانت تريد من موقعها كقوة نووية منع الانتشار النووي الذي يعقّد معادلة الردع. وعلى هذا الأساس أيضا كانت قد عارضت البرامج النووية الفرنسية والصينية والهندية، بينما لم تكن قادرة على كبح برامج الاتحاد السوفييتي السابق وبريطانيا.

هكذا طالبت واشنطن بمراقبة موقع ديمونة وقامت طائرات التجسس الأميركية «يو ـ 2» بالتحليق فوق النقب. وبالطبع، كانت معادية بشدة لامتلاك أية دولة عربية للسلاح النووي. وكان الرئيس جون كيندي قد وجّه مذكرة إلى مجلس الأمن القومي كي تعمل الإدارة الأميركية على «تطوير خطط لمنع انتشار الأسلحة المتقدمة في الشرق الأوسط».

كما كان الرئيس كيندي من أنصار التعريف الصريح بالدول التي تملك السلاح النووي وفرض نظام للأمن لصالح الدول الموقعة على معاهدة الحد من الانتشار النووي ولمنع تصنيع «القنبلة» من جميع الدول غير المعترف بها كقوة نووية في تلك المعاهدة. ويتم التأكيد في هذا السياق أن مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي أعدّوا استراتيجية دبلوماسية ترمي إلى «مبادلة» مفاعل ديمونة مقابل البرنامج النووي المصري، أي توقيف النشاط النووي على الجانبين.

لاسيما وأن مصر كانت قد شرعت بمساعدة العلماء السوفييت وبعض العلماء الألمان ببرنامج نووي طموح كان الغرض منه أن يكون ورقة مهمة في المفاوضات الثنائية مع الولايات المتحدة. وكان موقع مصر المركزي في الشرق الأوسط قد دفع الإدارة الأميركية للاعتقاد أن مد جسور معها قد يشكل أفضل وسيلة لصد تقدم الشيوعية في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم.

 كان الضغط الرامي إلى وضع حد نهائي للنشاط النووي الإسرائيلي والمصري كبيرا عام 1963 كبيرا إلى حد تقديم ديفيد بن غوريون استقالته، وهو المتحمس الكبير ل«القنبلة» النووية الإسرائيلية مع نائب وزير دفاعه شيمون بيريز، ووصل في تلك الأثناء إلى علم «ايسير هاريل» رئيس جهاز الموساد، أن وزير الخارجية السوفييتي أندريه غروميكو يتردد كثيرا على واشنطن بغية محاولة إقناع الإدارة الأميركية القيام بعمل مشترك من قبل القوتين العظميين من أجل إرغام إسرائيل على إنهاء برنامجها النووي مقابل تقديم مظلّة الردع النووي لها.

ويبدو أن رئيس جهاز الموساد ايسير هاريل وغولدا مائير، التي كانت آنذاك وزيرة للخارجية، لم يكونا يعترضان على مثل ذلك الخيار بينما عارضه بن غوريون بشدة. بالمقابل أصرّ الرئيس الأميركي جون كيندي على ضرورة وقف البرنامج الإسرائيلي وفرض تفتيش على مفاعل ديمونة.

وتمّ الاتفاق أخيرا على أن يقوم وفد من الخبراء الأميركيين بزيارته ولكن بعد أن كان الإسرائيليون قد بنوا جدارا خبأ الجزء الحساس من المفاعل وتبنّت إسرائيل بعدها موقفا «غامضا» عبّر عنه شيمون بيريز بالقول: «إن إسرائيل لن تكون أول بلد يُدخل السلاح النووي إلى الشرق الأوسط».

بعد مقتل جون كيندي انحازت الولايات المتحدة بوضوح إلى إسرائيل ودعمتها باستمرار. واعتبارا من نوفمبر 1963 قامت واشنطن بتزويد إسرائيل بصواريخ أرض ـ جو من طراز «هوك»، حيث كان بن غوريون يريد في الواقع حماية مفاعل ديمونة بواسطة منظومة قوية للدفاع الجوي.

وفي مطلع 1964 بعث السفير الأميركي في القاهرة مذكرة إلى الرئيس الأميركي ليندون جونسون قال فيها إنه لا يرى أي خطر لقيام حرب بين إسرائيل ومصر على المدى المتوسط، باستثناء الخطر الذي يمثله المفاعل الإسرائيلي. وقد جاء في تلك المذكرة: «إذا توفر لدى عبدالناصر البرهان والاقتناع أن إسرائيل قد بدأت بإنتاج الأسلحة النووية فإنه قد يفكر بالهجوم على إسرائيل في محاولة لتدمير مصنع الإنتاج الذري».

وفي الإطار نفسه يشير مؤلف الكتاب إلى وثيقة تحمل تاريخ 12 ديسمبر 1964 وصادرة من دون شك عن البيت الأبيض كانت موجودة في أرشيف مكتبة ليندون جونسون تقول: «في نهاية هذه السنة 1964، يبدو أن البرنامج النووي الإسرائيلي موجّه نحو البحث في الطاقة السلمية غير أنه تمكن من إعادة توجيهه بسهولة نحو برنامج عسكري.

وقد قال لنا ليفي اشكول، رئيس الوزراء شفهياً إن النشاط النووي الإسرائيلي هو سلمي. مع ذلك، لم يستبعدوا، لا هو ولا بن غوريون قبله، إمكانية تطوير السلاح النووي». وقد جاء في الصفحة 17 من الوثيقة نفسها ما نصّه: «قد يمكن لإسرائيل من دون أية مساعدة خارجية، القيام بأول تجربة نووية بعد عامين أو ثلاثة فقط إذا جرى اتخاذ تطوير القدرة النووية العسكرية».

وفي 3 مارس 1965، بعث الملحق العسكري الأميركي في تل أبيب برقية إلى إدارة استخبارات القوى الجوية الأميركية أكّد فيها أن تجارب صواريخ أرض ـ أرض فرنسية مكرّسة لإسرائيل قد بدأت. وبتاريخ 19 أبريل 1965 وجهت الحكومة الإسرائيلية للبيت الأبيض قائمة مشتريات أعتدة حربية تضم 210 دبابة من نوع «باتون إن ـ 48» و60 مدفعاً من عيار 155 ملليمترا و75 طائرة مقاتلة من طراز سكاي هوك.

طلب الرئيس الأميركي جونسون بالمقابل إخضاع مفاعل ديمونة لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فرد ليفي اشكول برفع طلبية الأسلحة إلى 400 دبابة باتون و125 طائرة سكاي هوك مع الإشارة إلى «التصرف بطريقة مسؤولة». لكن بالوقت نفسه طلبت إسرائيل من فرنسا 12 طرّاداً بحرياً سريعاً، واستمرت «باللعب على الحبلين» والتقرب بالتالي من الطرفين، هكذا وقعت في شهر مارس 1966 اتفاقا مع الولايات المتحدة، وحصلت بعد أسابيع فقط من ذلك على 50 طائرة «ميراج ـ 5» مقاتلة من فرنسا.

وبكل الحالات احتلّت إسرائيل المرتبة الأولى في قائمة المساعدات الأميركية الخارجية بالنسبة لعدد السكان في نهاية عام 1966. كما أنها امتلكت الكمية الكافية من البلوتونيوم لصناعة عدد من القنابل الذرية. كان من الواضح أن السلطات الإسرائيلية كانت مصممة على متابعة برنامجها النووي بل وتسريعه.

 

تصريح مبدئي

ينقل المؤلف عن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تصريحه لصحافيين أميركيين بتاريخ 23 ديسمبر 1960: «إن تطوير إسرائيل للأسلحة النووية سوف يرغم العرب على القيام بهجوم وقائي حاسم ضدها». لقد بدا هذا التصريح في حينه بمثابة «تصريح مبدئي» أكثر مما هو تهديد مباشر بالحرب. ذلك أن إسرائيل لم تصبح تهديدا نوويا حقيقيا إلا بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ، إذ أشارت أجهزة الاستخبارات البريطانية والسوفييتية في نهاية عام 1964 إلى أن إسرائيل قد سارت أشواطا متقدمة في الميدان النووي.

لكن هذا لم يمنع السفير الأميركي في القاهرة من طمأنة الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتاريخ 18 مارس 1965 عندما قال له بوضوح «لا تزال هناك مشكلات قائمة بين إسرائيل ومصر، وقد تشكل مصدرا كامنا لنشوب حرب. لكن حكومة الولايات المتحدة الأميركية سوف تتابع الضغط كي لا تصبح إسرائيل قوة نووية».

وفي 16 أكتوبر 1965 قال المشير عبد الحكيم عامر أثناء زيارة له الى باريس للرئيس الفرنسي جورج بومبيدو ولرئيس الحكومة موريس كوف دو مورفيل إنه إذا قامت إسرائيل بمبادرة إنتاج الأسلحة الذرية، فإن مصر لا يمكنها أبدا أن تبقى مكتوفة اليدين. واستحوذ التهديد النووي الإسرائيلي على اهتمام كبير لدى الصحافة والمسؤولين المصريين طيلة عام 1966.

هكذا كتب محمد حسنين هيكل أنه «إذا وجد الشعب المصري نفسه في مواجهة التهديد النووي، فينبغي عليه أن لا ينتظر اللحظة الأخيرة من أجل مواجهة هذا التهديد». وصرّح الرئيس جمال عبد الناصر يوم 21 فبراير 1966 لصحافيين من «نيويورك تايمز» أن «مصر قد تشن حربا وقائية إذا شرعت إسرائيل بتصنيع السلاح النووي».

وفي 12 مارس من السنة نفسها اختارت صحيفة «الجمهورية» القاهرية عنوانا رئيسيا لها جاء فيه «إن حربا وقائية هي الطريقة الوحيدة لمنع إسرائيل من أن تصبح قوة نووية». وبعد عدة أيام كتب السفير الأميركي في القاهرة تحليلا موجها لوزارة الخارجية في واشنطن جاء فيه «إن الرئيس عبد الناصر يظن أن إسرائيل تريد إنتاج الأسلحة النووية، وذلك نظرا لواقع امتلاكها ثمانية كليوغرامات على الأقل من البلوتونويوم المخصّب».

وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن الرئيس عبد الناصر فكّر جديا منذ ربيع عام 1966 بمشروع القيام بهجوم عسكري ذي هدف محدد هو مفاعل ديمونة. بل أعطى الأوامر لقيادة أركان الجيش لإعداد خطط عسكرية في هذا الاتجاه. لم يكن المقصود هو إزالة إسرائيل من الخارطة وإنما بالأحرى استهداف بعض المواقع الاستراتيجية الإسرائيلية، على قاعدة الإدراك بأن الولايات المتحدة وفرنسا، العضوين الدائمين في مجلس الأمن والقوتين النوويتين، لن تسمحا بذلك لاسيما في ظل وجود النفوذ القوي لمجموعات الضغط اليهودية فيهما.

على الصعيد العسكري، لم يكن وجود إسرائيل مهددا، وهذا ما كان يدركه الاستراتيجيون الإسرائيليون جيدا، ولكنهم ساهموا في نشر تلك المقولة حول إمكانية تدمير الدولة العبرية لاستخدامها كذريعة في شن الحرب. وقد صرّح مردخاي منتوف، الوزير في الحكومة الائتلافية أثناء الحرب قوله: «كل تلك القصة حول خط إبادة إسرائيل قبيل حرب الأيام الستة لم تكن سوى مجرد دعاية ترمي إلى تبرير لضم الأراضي المحتلة لاحقا».

وهذا ما أكده فيما بعد الجنرال ماتياهو بيليد، مسؤول الإمداد اللوجيستي أثناء الحرب، عندما قال في مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات الأميركية، أن «إسرائيل لم تكن تواجه خطر التدمير وإنما كل ما قيل كان بقصد الدفع إلى الاعتقاد أن القوات المصرية المحتشدة بالقرب من الحدود الإسرائيلية قد تهدد بقاء الدولة العبرية إنما كان بمثابة استخفاف بعقل أي إنسان قادر على التحليل الجدي لموازين القوى القائمة». مثل هذه الأطروحة تكررت أيضا لدى أولئك الذين جرت تسميتهم ب«المؤرخين الجدد» في إسرائيل.

 

التصعيد المقصود

بكل الحالات كانت الحكومة الإسرائيلية تقوم بالتخطيط لعمليات عسكرية ضد جيرانها العرب وفي مقدمتهم مصر. وفي نهاية عام 1966 ومطلع عام 1967 تصاعد التوتر على الحدود بين سوريا وإسرائيل، وتعاظم عدد المناوشات على خط وقف إطلاق النار. وبتاريخ 13 نوفمبر 1966 قامت إسرائيل بعملية عسكرية كبيرة في الضفة الغربية وقتلت 18 فلسطينيا وجرحت أكثر من خمسين ودمّرت أكثر من مئة منزل. وعرفت الجبهة السورية 270 مناوشة عسكرية مع إسرائيل خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 1967، كان أهمها يوم 7 أبريل حيث جرت معركة استخدمت فيها الدبابات والطائرات خسرت فيها سوريا ست طائرات ميج ـ 21.

وقد اعترف موشي دايان لاحقا بأن تلك الأحداث قد «أثارتها إسرائيل بشكل مقصود وعن سابق إصرار وتصميم من أجل فرض السيادة الإسرائيلية» على بعض المناطق. ويشير المؤلف هنا إلى أن الاستراتيجيين الإسرائيليين كانوا قد خططوا للمعارك الجوية بهدف زيادة التوتر في المنطقة.

وينقل عن البروفيسور الإسرائيلي «مارتن فان كريفلد»، أستاذ الجامعة العبرية في القدس، والذي لا يرقى الشك أبدا إلى أنه قد يدافع عن الأطروحات المناوئة لإسرائيل، اعترافه أن الجيش الإسرائيلي كان يسعى إلى «إثارة الحريق في المنطقة، وأن الإسرائيليين لم يكونوا يخفون إمكانية قيامهم بهجوم كبير ضد سوريا».

بعد تلك المواجهة اتصل رئيس الجمهورية السوري آنذلك نور الدين الأتاسي بالرئيس جمال عبد الناصر وطلب منه المساعدة عملا باتفاقية الدفاع التي تربط بين البلدين. أما العاهل الأردني الشاب الملك حسين فقد انتقد صراحة «جمود» موقف الرئيس المصري. فرفع الأخير من حدّة لهجته حيال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، بينما كان الإسرائيليون في الواقع يحضّرون للحرب.

وبتاريخ 12 مايو 1967 كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه «حسب مصدر إسرائيلي رفيع، فإن الدولة العبرية هي بصدد التحضير لعمل عسكري ضد جيش دمشق، إذا تابع المسلحون السوريون غارات التخريب في إسرائيل». وفي تلك الأثناء أرسلت موسكو برقية «دبلوماسية» إلى العديد من العواصم العربية أشارت فيها إلى الحشود العسكرية الإسرائيلية على الحدود الشمالية بقصد شن هجوم مفاجئ ضد سوريا.

ولم يتأخر الرئيس عبد الناصر في إصدار قرار يقضي بالتعبئة العامة للقوات المسلحة المصرية. وصدرت في هذا الإطار الأوامر لأربع فرق عسكرية مصرية هي الثانية والخامسة والسادسة والسابعة لاجتياز قناة السويس وأخذ مواقع دفاعية في مواجهة إسرائيل. كانت تلك هي المرّة الأولى منذ حملة السويس على مصر عام 1956، التي تتم فيها تعبئة مثل تلك القوات شرق القناة.

واعتبارا من 15 مايو 1967 استدعت القيادة العسكرية الإسرائيلية أعدادا كبيرة من الاحتياطي، خاصة أولئك الذين كانوا قد عملوا في سلاح الطيران أو في وحدات الدفاع الجوي. لكن رغم هذه الحشود كلها صرح الناطق الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية للصحافة الدولية قوله: «إن الحشود الوحيدة الحالية الموجودة في إسرائيل هي حشود السائحين».

 

 

بل دعا مراقبي الأمم المتحدة كي يتحققوا هم أنفسهم من «عدم صحة» التصريحات السوفييتية المنذرة بالخطر. قال هؤلاء المراقبون بأنه لم تكن هناك أية حشود. بل وينقل المؤلف عن الفريق محمد فوزي، رئيس أركان القوات المسلحة المصرية آنذاك قوله بعد زيارة سريعة إلى الجبهة السورية: «لا شك أن السوفييت قد أصيبوا ببعض الهلوسات كي تصدر عنهم مثل تلك التصريحات».

مع ذلك يؤكد المؤلف أن الكرملين قد أفهم البيت الأبيض آنذاك أنه في حال قيام إسرائيل بهجوم على جيرانها العرب فإن الاتحاد السوفييتي سوف يضعهم تحت «مظلته» النووية. وينقل في هذا السياق عن مهاجر يهودي روسي قوله بعد سنوات انه كان يعمل في يونيو 1967 على متن غواصة نووية سوفييتية في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وأن تلك الغواصة كانت جاهزة للقيام بضربة نووية لإسرائيل إذا تعرّض بقاء مصر أو سوريا للتهديد الجدّي.

وفي 16 مايو 1967 كتبت صحيفة «الأهرام» القاهرية في افتتاحيتها أن مصر «ستدخل في الحرب إذا تعرضت سوريا لعدوان يهدد أرضها أو أمنها». وفي اليوم نفسه استدعى الفريق محمد فوزي، رئيس أركان الجيش المصري، الجنرال الهندي اندار جيت ريكي، قائد ال3378 جندي من القوات الدولية المنتشرين على الحدود مع إسرائيل، وأخبره أن الجيش المصري سيشن هجوما عبر مواقع هؤلاء الجنود، إذا قامت إسرائيل بعمل عسكري.

وأشار عليه حفاظا على سلامتهم سحبهم جزئيا إلى العريش أو إلى قطاع غزة أو إلى شرم الشيخ حيث لا يعيقون الهجوم المصري المضاد المحتمل. أبرق الجنرال الهندي مباشرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في نيويورك السيد «اوثانت» الذي أنذر مصر بالتخلي عن طلبها أو أنه سيأمر بسحب القوات الدولية بشكل كامل. لم يقبل الرئيس عبد الناصر ما رأى به تهديدا وطلب رسميا سحب قوات الأمم المتحدة. ولم تقبل إسرائيل أن يرابطوا على جانبها، كما طلب منها الأمين العام لأنها كانت تعد خططها.

وفي 18 مايو غادرت القوات الدولية مقر قيادتها في العريش وأخذت القوات المسلحة المصرية مواقعها. وسيطرت الكتيبة 25 للمظليين المصريين على الموقع الإستراتيجي لشرم الشيخ وأغلقت بذلك المدخل البحري لخليج العقبة ومنعت الوصول إلى ميناء ايلات. وكانت طائرتان مصريتان من طراز ميج ـ 21 قد حلّقتا على ارتفاع عالٍ فوق ديمونة دون أن تستطيع وسائل الدفاع الجوي الإسرائيلي التحرك على الفور.

ويشير المؤلف إلى أن إسحق رابين، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك، كان يرى أن مخاطر القيام بهجوم عام على إسرائيل هو احتمال ضعيف جدا. وأن التهديد الحقيقي القائم هو هجوم جوي أو برّي على مفاعل ديمونة. بكل الأحوال كانت خطط الهجوم الجوي على مصر معدّة منذ فترة طويلة، بالمقابل أكد الرئيس جمال عبد الناصر في خطاب له بتاريخ 23 مايو قوله: «إذا كان القادة الإسرائيليون والجنرال رابين يريدون الحرب، فأهلا وسهلا بهم، فإننا ننتظرهم».

ومنذ الإعلان عن إغلاق مضائق تيران، أعلنت كل من واشنطن ولندن إدانتهما الشديدة لذلك لكنهما حذرتا إسرائيل من الشروع بأي عمل عسكري لاسيما وأن النقل البحري عبر ميناء ايلات ليس ذا أهمية ولا يمثل أكثر من 5 بالمئة من النشاط البحري إلى إسرائيل. وأعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا أنهما تضمنان حرية النقل البحري في المنطقة، واقترحتا بعد أن أرسلتا قوات بحرية إلى البحر الأحمر، البدء بمفاوضات مباشرة داخل إطار الأمم المتحدة.

 

قرار الحرب

كان قرار الحرب قد جرى اتخاذه في إسرائيل رغم تحفظات بعض القيادات المدنية خوفا من الثمن الكبير الذي قد يترتب عليها، فضلا عن التحذيرات الدولية ضد الشروع بالحرب. وهكذا قال الجنرال شارل ديغول لوزير خارجية إسرائيل ابا ايبان بتاريخ 24 مايو أثناء مروره في باريس: «إذا بدأتم بالحرب، فإنكم سوف تفوزون فيها بالتأكيد سريعا لكن هذا ستترتب عليه ثلاث نتائج خطيرة هي: تعزز الوجود السوفييتي في الشرق الأوسط وإفريقيا،

وسقوط الأنظمة العربية المعتدلة مع تهديد تزويد الغرب بالنفط وأخيرا زيادة خطورة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. لا تقوموا بالحرب، هذه نصيحة صديق ورجل يعرف نتائج الأمور. وعليكم خاصة أن لا تكونوا البادئين، وإذا فعلتم فإنكم ستتحملون نتائج ذلك وستفقدون دعم فرنسا». وفي اليوم التالي كرر الجنرال ديغول الشيء نفسه للسفير المصري في باريس: «خاصة لا تبادروا بالحرب».

وفي 31 مايو وصل مدير الموساد إلى واشنطن حيث التقى بريتشارد هيلمز، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وروبرت مكمنارا وزير الدفاع الأميركي. أخبر مائير اميت محدثيه أن إسرائيل تريد القيام بهجوم على مصر. ولم يخفِ هؤلاء أنهم سينظرون بعين الرضا إلى الإطاحة بنظام عبد الناصر. وبدا أن لندن تؤيد التوجه نفسه.

وقد صرّح هارولد ويلسون رئيس الوزراء البريطاني آنذاك قوله: «لقد ذهب عبذ الناصر بعيدا هذه المرة ومن المناسب كبحه من أجل مصلحته». بكل الحالات أعطى مكنمارا ضمنا الضوء الأخضر لمدير الموساد. ولم يكن مهما ما يمكن لدين راسك، وزير الخارجية، أن يقوله باعتباره مهندس سياسة خارجية مؤيدة للدول العربية، ذلك أن تحالفا ملموسا كان يوحّد بقوة بين وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

وتشير عدة روايات إلى أن مائير اميت قد أكّد لمحدثيه أن إسرائيل قد أصبحت قوة نووية، وأنها كانت تمتلك قنبلتين ذريتين عشية حرب 5 يونيو 1967. وفي المحصلة جرى تفاهم سري بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وعندما سئل مائير اميت عمّا تطلبه إسرائيل من الولايات المتحدة بشكل محدد وملموس أجاب أن يعطي البيت الأبيض الضوء الأخضر لشن الحرب وممارسة ما يكفي من الضغط لردع الاتحاد السوفييتي عن التدخل.

ثم أشار إلى ضعف إسرائيل في ميدان الاستطلاع الجوي والتنصّت الإلكتروني. فالتزم ريشارد هولمز، رئيس الوكالة المركزية للاستخبارات، وروبرت مكنمارا وزير الدفاع، بنشر عدة طائرات للاستطلاع حديثة جدا سرّا في إسرائيل. ويشير المؤلف إلى عدة شهادات ل«خبراء تقنيين» فرنسيين أكّدوا فيها وجود طائرات «فانتوم» أميركية في إسرائيل أثناء حرب يونيو 1967 بينما لم يتم تسليم مثل هذه الطائرات رسميا إلى الدولة العبرية إلا في شهر سبتمبر من عام 1969.

ويؤكّد المؤلف أنه في ليلة 2 إلى 3 يونيو 1967، أقلعت ست طائرات فانتوم على الأقل للاستطلاع من قاعدة رامشتاين في ألمانيا متجهة إلى قاعدة «مورون» في إسبانيا بحجة المشاركة في تدريبات سرية للحلف الأطلسي. وعندما وصلت إليها سلّم طياروها أمتعتهم وأوراقهم الخاصة وأقلعوا بطائراتهم إلى وجهتهم الحقيقية أي قاعدة «هاتزيريم» الإسرائيلية في صحراء النقب.

وحطّت الطائرات فيها بليلة 2/3 يونيو 1967، وهناك انضمت إليها طائرتان أميركيتان إضافيتان إحداهما للصيانة وكان في الأخرى مختبر لتحميض الصور.ضمن هذه الشروط قامت إسرائيل بحربها في صباح الخامس من شهر يونيو 1967. تلك الحرب التي حدد موشي دايان هدفها صراحة عندما قال: «إن نجاحنا لن يتم الحكم عليه من خلال عدد الدبابات أو الطائرات التي سنحطمها وإنما من اتساع رقعة الأراضي التي سوف نحتلها».

تأليف: بيير رازو

عرض ومناقشة د. محمد مخلوف

-----------------------

كتاب ـ حرب الأيام الستة من الأسطورة إلى الواقع (2)

(الحلقة الثانية)

إسرائيل بدأت الإعداد لحرب يونيو منذ عام 1963

تأليف :بيير رازو 

 يلقي المؤلف بيير رازو الضوء هنا على موازين القوى عشية 5 يونيو 1967، حيث يفاجئنا بالعديد من العناصر التي تبدو لنا مثيرة للدهشة، فهو يؤكد أنه خلافاً لما نتوقع فإن موازين القوى العددية لم تكن في صالح العرب، وأن قسماً محدوداً من القوات العربية هو الذي كان جاهزاً لخوض المعارك فضلاً عن النقص الكبير في التجهيزات والأعتدة، من دون أن ننسى وجود خمسين ألف جندي مصري في اليمن.

وهو لا ينسى أن يوضح لنا أن طاقم الفنيين الإسرائيليين لم يكن يحتاج إلا إلى عشر دقائق لتجهيز الطائرة للإقلاع على حين أن الطاقم العربي المناظر كان يحتاج إلى ساعتين لإنجاز المهمة نفسها. دخلت إسرائيل حرب 5 يونيو 1967 وهي على يقين كامل بأنها تحظى بتفوق تقني عسكري واضح. وكانت قد حضّرت لتلك الحرب طويلا وبسرّية كاملة، كي تستفيد من عنصر المفاجأة. وفي معرض توصيف القوى العسكرية وبنية الجيوش يحدد المؤلف أن العقيدة العسكرية السوفييتية فرضت نفسها تدريجيا في مصر وسوريا. كانت مصر تتبنى قبل ذلك العقيدة العسكرية البريطانية حتى أواخر عقد الخمسينات الماضي وتبعت سوريا خطاها، بينما بقي الأردن «مخلصا» للنموذج البريطاني. اعتمد النموذج السوفييتي أساسا على الهجوم المعاكس وعلى إستراتيجية الحشود البشرية الكبيرة والمدفعية القوية والجيش المحمول آليا. وتأسست الخطة القتالية على مبدأ السيف والدرع، وذلك بمعنى أن يقوم «الدرع» في المرحلة الأولى من القتال بواسطة مدفعية جيدة التحصين في مواجهة العدو المهاجم.

وبعد أن يتم التوصل إلى جعل حركة الدبابات العدوّة بطيئة أو حتى توقيفها تماما، تقوم المدفعية عندها بقذف وابل من النيران خلفها من أجل منع وصول أية إمدادات لوجستية. وعندما تضعف قوى العدو تبدأ المرحلة الثانية بحيث تقوم الدبابات التي بقيت حتى تلك اللحظة بعيدة عن المعركة بهجوم مضاد قوي. هكذا بعد «الدرع» الواقي ها هو «السيف» يدخل في المعركة.

وبهذا المعنى اعتمدت العقيدة العسكرية السوفييتية على مبدأ التكامل بين مختلف أدوات المعركة الحديثة، أي إعطاء أهمية كبيرة للمدرعات وللمدفعية المتحركة ولوسائل الدفاع الجوي ومضادات الدروع. وبقي دور الطيران ثانويا في تلك الرؤية العسكرية السوفييتية.

 

رؤيتان للمعركة

يشير مؤلف الكتاب إلى أنه عشية حرب يونيو 1967 كانت مصر وحدها هي التي تمتلك عددا كبيراً من الوحدات المنظّمة إلى هذه الدرجة أو تلك على أساس النموذج السوفييتي. أما القوات البرّية السورية والأردنية فكانت أقل عددا بكثير لكنها كانت تمتلك قدرا كبيراً من المرونة.

على الجانب الإسرائيلي، يقوم الجيش على أساس وجود أعداد كبيرة من الاحتياطيين المدرّبين. وقد تمّ منذ البداية تبنّي إستراتيجية هجومية تعتمد خاصة على مبدأ نقل المعركة إلى الخارج واعتماد مبدأ الهجوم السريع بحثا عن الاستفادة من عنصر المفاجأة؛ مع التأكيد على ضرورة امتلاك التفوق الجوي.

وفي يونيو 1967 تلخّصت الرؤية الإسرائيلية للمعركة، كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب، بأن يقوم سلاح الطيران في المرحلة الأولى بتأمين التفوق الجوّي بكل الوسائل قبل القيام بأي تحرك برّي، وخاصة بواسطة الدبابات التي يعتمد عليها الإسرائيليون كثيرا في عمليات الهجوم.

وعشية بداية الحرب كان قوام الجيش المصري 000 500 جندي، كان نصفهم تقريبا يعملون في إطار الإدارة، بينما كان المقاتلون الميدانيون يبلغون 000 250 رجل تدعمهم 1300 دبابة، و1200 عربة مصفّحة وألف مدفع. ومنذ بداية الأزمة مع إسرائيل أصدر المشير عبد الحكيم عامر الأوامر بتطبيق الخطة الدفاعية «القاهرة» والتي كانت قد أُعدّت في السنة المنصرمة وتقضي باللجوء إلى دفاع متحرك في أعماق سيناء.

هكذا جرى على جناح السرعة إرسال 000 140 جندي تدعمهم 950 دبابة و1000 عربة مصفحة و840 مدفعا ثقيلا. وكان اللواء عبد الغني الجمصي رئيس العمليات قد نشر في سيناء 38 كتيبة منها 20 كتيبة مشاة وعشرة كتائب مدفعية وخمس كتائب مدرعات وكتيبتان آليتان وكتيبة مظليين.

لقد جرى تطبيق تكتيك الدرع والسيف. وكانت الأوامر التي أصدرها القادة المصريون واضحة وبسيطة وهي الاستعداد المستمر للتحرك إذا قام العدو بأي هجوم. وكان الخبراء الإستراتيجيون العسكريون المصريون على ثقة كبيرة أن قواتهم قادرة على صد أي هجوم يقوم به الإسرائيليون.

وكانوا على اقتناع أيضا بأنهم يستطيعون جذب طليعة الجيش الإسرائيلي إلى منطقة يمكن عند وصوله إليها القيام بهجوم مضاد فعال، لاسيما وأن موازين القوى أفضل بالنسبة لهم مما كان الأمر عام 1948 وعام 1956.

فهذه المرّة يمتلكون تفوّقا عدديا يميل كثيرا لصالحهم وبالتالي لم تكن تخطر لهم فكرة إمكانية الهزيمة. كانت هي أيضا الفكرة الثابتة لدى الضباط الصغار في سلاح البر المصري الذين كانت قد جرت ترقيتهم في الأسابيع الأخيرة من شهر مايو وجرى إرسالهم مباشرة للالتحاق بوحداتهم في سيناء. وكانت الخطط تقضي أن يقوم الطيران المصري بضرب الطائرات والمراكز الحساسة للقيادة الإسرائيلية.

وكان الجيش الملكي الأردني الذي قام على ما تبقى من القوات التي أسسها غلوب باشا، تحت قيادة حابس المجالي يساعده الشريف ناصر بن جميل.

كان عدد القوات المسلحة الأردنية 000 55 عسكري تمتلك 288 دبابة و210 عربات مصفّحة و263 مدفعا ثقيلا.

وكانت تلك القوات موزعة بين 9 كتائب مشاة وكتيبتين مدرعتين ولواء مستقل مكلّف بحماية العاصمة الأردنية. وفي مطلع يونيو 1967 كانت توجد ثماني كتائب أردنية في الضفة الغربية بمواجهة الجيش الإسرائيلي، حيث لم تكن تفصل بينهما في بعض الأحيان إلا عدة مئات من الأمتار.

وكانت إحدى المهمّات الأساسية الملقاة على عاتق الجيش الأردني الدفاع عن القدس القديمة بأي ثمن، كانت أفضل الوحدات موجودة فيها. وكان قسم مهم من المدفعية الأردنية قد وُضع في منطقة اللطرون.

احتفظ الملك حسين بثلاث كتائب و28 دبابة على الضفة الشرقية لنهر الأردن. وجرى تعزيز ال000 40 جندي أردني الموجودين في الضفة الغربية بعدد من قوات الكوماندوس المصرية بعد توقيع اتفاقية للدفاع المشترك بين الملك حسين والرئيس المصري عبد الناصر. بالإضافة إلى الكتيبة الثامنة العراقية المحمولة آليا. جرى تكليف الفريق عبد المنعم رياض رسميا بالقيادة العربية العسكرية الموحّدة، أي التنسيق بين مختلف الجيوش.

كان الجيش السوري بجنوده البالغ عددهم 000 80 رجل تحت قيادة الفريق حافظ الأسد الذي كان وزيرا للدفاع آنذاك. وكان رئيس الأركان هو اللواء أحمد سويداني. كانت القوات البرية تعد 550 دبابة و585 عربة مصفحة و460 مدفعا ثقيلا موزعة بين 15 كتيبة منها 11 كتيبة مشاة، حيث كان أكثر من نصف القوات المسلحة في هضبة الجولان بشكل مستمر.

وكانت سوريا قد أقامت شبكة دفاعية مهمة على أعالي الجولان شملت 265 مدفعا وأكثر من مئة دبابة موجودة في خنادق من بينها عدة عشرات من دبابات «بنزير-4» التي كانت فرنسا قد سلمتها لسوريا في مطلع سنوات الخمسينات.

وكانت فرنسا في تلك الفترة تريد تقوية نفوذها في المنطقة على الرغم من جلائها عنها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كانت سوريا آنذاك قريبة من المعسكر الغربي وبالتالي كان تزويدها بالأسلحة يندرج في منطق الكتل الذي كان يترسخ ويقسم العالم إلى معسكرين. لكن وجدت فرنسا نفسها أمام مشكلة أنها من جهة تريد تزويد سوريا بأسلحة تعطي أثرا له مصداقيته.

ولكن بحيث لا تصل إلى حد يعتبره الإسرائيليون انقلابا في التحالفات، ذلك أن الدولة العبرية كانت قد أقامت شراكة إستراتيجية مع الحكومة الاشتراكية الفرنسية.

وكانت أعداد كبيرة من القوات السورية قد تمركزت في مدينة القنيطرة والمناطق القريبة منها. وهذه المدينة معروفة تقليديا بأنها «عاصمة» الجولان. وتشير التقديرات المقدّمة في تحليلات المؤلف إلى أن بنية الجيش السوري كانت ذات طبيعة دفاعية، وأنها كانت تتبنّى النموذج السوفييتي كخطة لمواجهة أي هجوم إسرائيلي محتمل.

أمّا الجيش اللبناني فقد كانت قواته تعد 000 14 جندي ويمتلك 60 دبابة و70 مدفعا. ولم يكن في الواقع قادرا على صد هجوم إسرائيلي كبير.

 

على الجانب الإسرائيلي

في المعسكر الآخر، الإسرائيلي، كان عدد القوات يصل إلى 000 225 جندي وكان رئيس الأركان هو الجنرال إسحق رابين ونائبه الجنرال حاييم بارليف. وبلغ عدد الدبابات 1000 دبابة و680 مدفعا ثقيلا و1500 عربة مصفحة.

وكان الإسرائيليون قد حشدوا نصف قواتهم البرية على الحدود المصرية بقصد القيام بعمل عسكري كبير ضد الجيش المصري. وكانت تلك القوات موزعة بين ثلاثة فرق من أصل الفرق الإسرائيلية الستة بقيادة كل من الجنرالات إسرائيل طال وأبراهام يوفي وأرييل شارون. وفي الوقت نفسه شكّل الإسرائيليون قوة ضاربة من المظليين ومن القوات البحرية في أفق القيام بهجوم على شرم الشيخ.

ونشر الإسرائيليون أيضا فرقة في شمال منطقة الضفة الغربية فرقة بقيادة الجنرال «ايلاد بيليد»، وكان وجودها في ذلك الموقع من أجل القيام بعمل سريع ضد الأردن أو ضد سوريا. وبنفس الوقت نشروا عدة كتائب على الساحل، وكتيبة من المشاة عند مشارف القدس.

كانت موازين القوى العددية تبدو للوهلة الأولى أنها تميل كثيرا لصالح الجيوش العربية، لكن مؤلف هذا الكتاب يرى أن الأمر لم يكن كذلك في الواقع. ذلك أن قسما فقط من القوات العربية كان جاهزا بالفعل لخوض المعارك. هذا بالإضافة إلى نقص التجهيزات، وعدم الجاهزية الكاملة لقسم من هذه الأعتدة. ثم كان هناك حوالي 000 50 جندي مصري يتواجدون في اليمن.

على العكس كانت جميع الأعتدة في إسرائيل بحالة جاهزية كاملة. لكن كان هناك حوالي 000 100 شخص ليسوا جاهزين للمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية إذ كانوا يشغلون مناصب إدارية في مختلف القطاعات.

وفي المحصلة تشير الأرقام المقدّمة إلى أن عدد القوات البرّية الحقيقية الجاهزة للانخراط في المعارك هو 000 140 بالنسبة لمصر و000 32 بالنسبة لسوريا و000 40 بالنسبة للأردن و3000 من العراق، أي ما يبلغ مجموعه 000 215 مقاتل مقابل 000 125 في إسرائيل.

وكان عدد الكتائب العربية كلها 55 كتيبة مقابل 21 بالنسبة لإسرائيل؛ ومن الدبابات كان مجمل ما تمتلكه الجيوش العربية 1520 دبابة مقابل 1050 في إسرائيل و1230 عربة مصفحة مختلفة على الجانب العربي مقابل 1450 لدى إسرائيل، وبالنسبة للمدافع كان هناك 1410 لدى الجيوش العربية و650 على الجانب الإسرائيلي.

هذا يعني أن الفارق العددي «الفعلي» رغم الفارق السكاني الهائل، لم يكن مثلما كان يقال، هذا فضلا عن أن القيادة العربية لم تكن موحّدة بالفعل على عكس الواقع الإسرائيلي.

 

ماذا عن الطيران؟

كانت القوات الجوية الإسرائيلية عشية حرب يونيو 1967 تحت إمرة الجنرال مردخاي هود الذي كان قد خلف منذ فترة قصيرة الجنرال عزرا وايزمان. كان سلاح الجو ذاك يضم 000 20 عنصر، بعد دعوة الاحتياط، ويمتلك 237 طائرة مقاتلة من بينها 70 طائرة ميراج-3 و45 طائرة ميستير و39 سوبرميستير و36 اوراجان و25 فوتور و22 فوجا.

والباقي طائرات نقل وتموين. كانت أغلبية الطائرات المقاتلة من صنع فرنسي وكذلك تسليحها، وبلغ عدد الطيارين 300 طيار نصفهم من الاحتياط. وامتلك الإسرائيليون عشية حرب يونيو 1967 ست محطات رادار.

وكانت الجيوش العربية مزوّدة بشكل خاص بطائرات وأعتدة سوفييتية الصنع، وكانت قادرة على التدخل مباشرة في حالة نشوب حرب مع إسرائيل. كان سلاح الجو المصري تحت إمرة اللواء محمد صدقي محمود.

وكان ذلك السلاح يمتلك 420 طائرة من بينها 120 ميج-21 و60 ميج-19 و100 ميج-17 و40 ميج-15 و30 سوخوي-7 و40 اليوشن-28 و30 طائرة تي. يو-16. وكانت بعض الطائرات من طراز تي. يو-16 مزوّدة بصواريخ جو-أرض، بينما كانت بعض الطائرات المعدّلة تستطيع القيام بعمليات الاستطلاع من ارتفاع شاهق.

بالإضافة إلى الطائرات المقاتلة كان سلاح الجو المصري يتصرف ب350 طائرة للدعم من بينها 98 طائرة نقل و42 طائرة عمودية (هليكوبتر). وكانت هذه الطائرات كلها موزعة بين 40 سربا مجموعة في تسع كتائب جوية تنتشر على 20 مطارا حربيا. وكانت كل كتيبة تمتلك ثلاثة أسراب كمعدّل يضم كل منها حوالي 15 طائرة. وبلغ مجموع عدد الطيارين المصريين عشية حرب يونيو 1967 حوالي 700 طيار. وكانت شبكة الكشف عن الطائرات تضم 50 محطة رادار.

وكان سلاح الدفاع الجوي يمتلك 1000 مدفع مضاد للطيران و30 محطة صاروخية أرض-جو مزوّدة ب200 صاروخ من طراز سام-2.

بدا سلاح الجو المصري قويا ومتوازنا، ولكنه كان يعاني من بعض مواطن الضعف، وينقل المؤلف عن العقيد تحسين زكي -نقلا عن كتاب «تاريخ سلاح الجو المصري» لديفيد نيكول الصادر في واشنطن عام 1996- قوله: «قبل حرب يونيو 1967 بقليل، كان طيراننا يقوم بمناورات جوية لاختبار فعالية نظام دفاعاتنا الجوية ضد الطائرات التي تحلق على ارتفاع منخفض.

ولم تتوصل محطات الكشف الجوي أبدا إلى رصد الطائرات التي كانت تطير على ارتفاع أقل من 400 متر، ذلك أن الرادارات السوفييتية التي كنّا نستخدمها آنذاك كانت من طراز قديم نسبيا، وعاجزة عن كشف الطائرات التي تحلق على ارتفاع منخفض.

وأمام النتائج غير المرضية الحاصلة نظّمت قيادة القوات الجوية اجتماعا في معهد دراسات الدفاع في ألماظة قرب القاهرة. وجرت دعوة عدد من الخبراء السوفييت لحضوره. انتهى ذلك الاجتماع فجأة بعد أن اعتبر أحد أولئك الخبراء أن منظومة الرادار ليست مسؤولة عن ذلك، ولو أنه قبل بفائدة إجراء بعض التعديلات الطفيفة على الرادارات وعلى مواقع صواريخ سام الواقعة شمال منطقة قناة السويس لاختلف الموقف كثيراً».

وينقل المؤلف أيضا اعتمادا على المرجع نفسه ما قاله اللواء قدري الحميد وجاء فيه: «كنا نعرف أننا نمتلك ميزة بالقياس إلى الإسرائيليين ذلك أننا كنا مجهّزين بعدد كبير من طائرات الميج-21 والميج-19 والسوخوي-7 التي كانت متفوقة على ما تمتلكه القوات الجوية الإسرائيلية، باستثناء طائراتهم الممتازة من طراز ميراج.

مع ذلك لم نكن نعرف سوى القليل جدا عن نظرية المعركة الجوية، فالروس زودونا بالعتاد الجيد، لكنهم لم يعلمونا التكتيكات الجيدة. لقد درّبونا على الطيران على مستوى عال والطيران الليلي، أي على عكس ما واجهناه تماما أثناء حرب يونيو 1967».

من جانب آخر دلّت عدة شهادات على أن التقنيين الجويين المصريين كانوا يحتاجون إلى ساعتين آنذاك من أجل تجهيز طائرة مقاتلة للقيام بمهمة بينما لم يكن يستغرق ذلك إلا عشر دقائق بالنسبة للتقنيين الإسرائيليين.

وتتم الإشارة هنا أيضا إلى الإعاقات التي كانت تترتب على آلية عمل القيادة والتراتيبة المفرطة بحيث كان هناك نقص كبير في عملية التواصل بين مسؤولي القوى الجوية ومسؤولي القوات المسلّحة الآخرين. بل لم تكن هناك خطط محددة لتنسيق عمل الطيران مع عمل سلاح الدفاع الجوي. باستثناء الإيعاز للطيارين بالابتعاد عن مناطق انتشار بطاريات إطلاق الصواريخ المضادة للطيران تجنبا لوقوع أي خطأ.

لكن رغم هذا كله، يؤكد المؤلف على أن عناصر القوات الجوية المصرية كانوا على درجة جيدة من الحماس وكان مستوى تدريب الطيارين جيدا؛ وعلى مستوى طياري حلف وارسو آنذاك.

وكان سلاح الجو السوري بقيادة الفريق حافظ الأسد يضم 12 سربا لما مجموعه 116 طائرة مقاتلة، من بينها 36 طائرة ميج-21 و60 ميج- 17 و12 ميج -15 والباقي طائرات دعم من نقل وتموين. بالإضافة إلى 50 طائرة للتدريب كان يمكن استخدامها في عمليات «دعم النار» عن قرب. وكانت سوريا تمتلك عشر محطات رادار على مجمل ترابها الوطني مع 1000 مدفع مضاد للطيران.

أما القوات الجوية الأردنية المتواضعة بقيادة اللواء صالح الكردي، فلم تكن تمتلك سوى 29 طائرة مقاتلة مؤلفة من 21 طائرة هنتر و9 طائرات فامبير موزعة بين سربين أحدهما في مطار عمان والآخر في المفرق. وكان هناك سرب ثالث «قيد الإنشاء» حيث جرى تزويده بعدة طائرات فانتوم-18 أميركية الصنع.

لكن هذا السرب جرى تحويله إلى قاعدة أمريكية في تركيا قبل يومين من اندلاع الحرب. وكان سلاح الطيران الأردني يمتلك 10 طائرات نقل و12 طائرة عمودية.

لكنه لم يكن يمتلك سوى محطة رادار واحدة منصوبة على جبل عجلون في شمال الأردن. لكن تلك المحطة، ومن خلال وجودها على ارتفاع 1350 مترا عن سطح البحر، كانت قادرة على كشف مجمل النشاطات الجوية الإسرائيلية تقريبا.

ولم تكن وسائل الدفاع الجوي الأردنية تشكل تهديدا كبيرا بالنسبة للطيارين الإسرائيليين إذ لم يكن يوجد فوق التراب الأردني سوى 143 مدفعا مضادا للطيران. لكن الطيارين الأردنيين كانوا مصدر تهديد حقيقي إذ كانوا على درجة عالية من التدريب، لاسيما أن المدرّبين الإنكليز قد استمروا في وجودهم بالأردن.

وكان سلاح الطيران العراقي يمتلك 120 طائرة مقاتلة من بينها 32 طائرة ميج-21 و12 ميج-19 و24 ميج-17 و30 طائرة هنتر و12 تي. يو-16 و10 اليوشن-28 و20 طائرة نقل و18 طائرة عمودية. وكانت الطائرات العراقية المكرّسة لإمكانية التدخل في الحرب موجودة في قاعدة بقلب الصحراء بموقع غير بعيد عن الحدود الأردنية.

وأخيرا لم يكن سلاح الجو اللبناني يمتلك أكثر من 12 طائرة مقاتلة من طراز «هنتر»، أي سرب وحيد، بالإضافة إلى أربع طائرات للنقل و9 طائرات عمودية. وكان لبنان قد طلب شراء 12 طيارة ميراج-3 من فرنسا ولكن لم يكن من المرتقب تسليمها قبل مطلع عام 1968.

وبشكل إجمالي كان مجموع الطائرات المقاتلة التي تمتلكها الجيوش العربية 697 طائرة مقابل 237 طائرة لدى إسرائيل و144 طائرة نقل لدى العرب مقابل 45 لدى إسرائيل و96 طائرة عمودية (هليكوبتر) عربية مقابل 44 إسرائيلية، أي ما يشكل إجمالا 937 طائرة مختلفة لدى المعسكر العربي مقابل 326 لدى إسرائيل.

هذا يعني أن ميزان القوى الجوي كان يميل عدديا لصالح العرب بواقع ثلاث طائرات مقابل طائرة واحدة إسرائيلية. لكن مؤلف هذا الكتاب يشير إلى أن ثلث القوات الجوية العربية لم يكن جاهزا للدخول في المعارك، بسبب نقص الطيارين المؤهلين أحيانا ونقص الصيانة أحيانا أخرى وبحيث كان ميزان القوى الجوي الحقيقي هو ثلاث طائرات عربية مقابل طائرتين إسرائيليتين.

 

استعداد منذ عام 1963

كان الجنرال إسحق رابين قد أصبح رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي عام 1963 ومنذ ذلك الحين أعدّ خطة للمعركة تقوم على أساس عناصر ثلاثة هي: المفاجأة والتفوق الجوي والمواجهة الحاسمة مع الجيش المصري. ورأى الإستراتيجيون العسكريون الإسرائيليون فيما يخص هذا العنصر الأخير، أي المواجهة مع الجيش المصري، أنه ينبغي أن تكون في أبعد نقطة ممكنة داخل شبه جزيرة سيناء.

بالنسبة لعنصر المفاجأة رأى الإسرائيليون أن جوهره يكمن في الهجوم على المصريين قبل أن يستكملوا تحضيراتهم، والتفوق الجوي حددوه في القيام بهجوم جوي يؤدي إلى تعطيل سريع للطيران المصري ثم الطيران العربي كله إذا بدا ذلك ضروريا. وكان الإسرائيليون قد قاموا بتنشيط كبير لأجهزتهم الاستخبارية خلال الفترة التي سبقت حرب يونيو 1967.

وذلك بقصد الحصول على مختلف المعلومات المفيدة حول مواقع تمركز الوحدات العسكرية العربية الأساسية. وخلال الأيام التي سبقت اندلاع الحرب قام الجنرالات الإسرائيليون بتحريك وحداتهم العسكرية بأكبر قدر ممكن من السرّية كي لا يجذبوا اهتمام المصريين.

أمّا على الجبهتين السورية والأردنية فقد كانت خطط الحرب الإسرائيلية ذات طابع دفاعي بالدرجة الأولى، ذلك أن الجهد الأساسي كان موجها ضد الجيش المصري. وكان الجنرال موشي دايان يريد بكل السبل تجنب خوض معركة على عدة جبهات في الوقت نفسه. وكان يتأمل، على غرار ما جرى أثناء العدوان الثلاثي مصر عام 1956، أن يبقى الملك الأردني حسين بعيدا عن المعركة في المرحلة الأولى من حملة كان هدفها الأكبر هو هزيمة الجيش المصري.

وهكذا حرص الإسرائيليون على أن تبدو حربهم ليست موجهة ضد الأردن. من هنا كانت مهمة الجنرال «أوزي ناركيس» قائد جبهة الوسط، و«دافيد اليعازر» قائد جبهة الشمال هي ذات طابع دفاعي بحت بواسطة أعداد معدّات قليلة جدا.

وضمن إطار إستراتيجية الانفراد بكل جبهة عربية على حدة، ما كان للجنرال اليعازر أن يتحرك مهما كان الموقف الذي يتخذه الجيش السوري. ذلك أن مثل ذلك التحرك والقيام بهجوم يستهدف هضبة الجولان السورية، كان مرتبطا بتلقي تعزيزات كبيرة من الجبهتين الأخريين.

أما الجنرال ناركيس فقد كانت المهمات الملقاة عليه تتمثل في القيام بعمليات محدودة جدا تستهدف السيطرة على القدس القديمة والرقابة على الجسور الواقعة على نهر الأردن.

وما يؤكده مؤلف الكتاب هو أن التحضيرات لحرب 1967 قد جرت منذ فترة طويلة من قبل الجنرالات الإسرائيليين، وأن تلك الحرب كانت تلوح في الأفق بوضوح، وأن إسرائيل كانت تسعى إلى كسب أراضٍ عربية جديدة.

وذلك مهما استخدمت من حجج، مثل القول إن المدافع الأردنية تطال تل أبيب والمدفعية السورية لا تكف عن دك المستعمرات الإسرائيلية عند شواطئ بحيرة طبرية والمدن الإسرائيلية على أقل من 10 دقائق من المطارات المصرية في سيناء وعلى أقل من 4 دقائق من القواعد الأردنية.

وصبيحة الخامس من يونيو 1967، انطلقت آلة الحرب الإسرائيلية للقيام بتنفيذ خططها المبيّتة.

عرض ومناقشة د. محمد مخلوف

 -----------------------

حرب الأيام الستة من الأسطورة إلى الواقع (3)

- الحلقة الثالثة -

أربع دوائر لعملية تصفية سلاح الطيران المصري

تأليف :بيير رازو 

يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع أهم ملامح حرب يونيو 1967، وهي المتعلقة بالضربة التي وجهتها إسرائيل بهدف إنهاء دور الطيران العربي في الحرب، حيث نتبين سريعاً أن هذه الضربة تم التخطيط لها في واقع الأمر منذ أوائل الستينات، وأنها استمدت إلهامها من العمليات المناظرة التي جرت خلال الحرب العالمية الثانية والعدوان الثلاثي على مصر، ورغم دخان الحرب وضبابها فإنه تتبدى لنا بطولات الطيارين العرب، رغم الظروف الموضوعية المستحيلة التي وجدوا أنفسهم فيها.

 

كان الإستراتيجيون الإسرائيليون، وعلى رأسهم مردخاي هود، قد خططوا للقيام بهجوم جوي واسع يرمي إلى إنهاء الطيران العربي الأقوى «نظريا» مما تمتلكه القوات الجوية الإسرائيلية. وكان قد جرى تدريب الطيارين الإسرائيليين على تلك الخطط بكل تفاصيلها لفترة طويلة من الزمن قبل الخامس من يونيو 1967،

وإذا كان الإسرائيليون قد نجحوا في تنفيذ خططهم، فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد قوله: «أظهر الطيارون العرب من جهتهم شجاعة وتصميما كبيرا، إذ حاولوا أن يزيلوا بالاعتماد على صفاتهم الشخصية أشكال الفاقة التي أوجدتها مؤسسة ثقيلة ومصابة بالتصلب غالبا».

بدأت الملامح الأولى لفرضية القيام بهجوم جوي إسرائيلي يستهدف أولا بأول الطيران المصري ترتسم منذ مطلع سنوات الستينات. ذلك أن هذا الطيران بقاذفاته الثقيلة وطائراته المطاردة الحديثة كان يشكل في الواقع التهديد الأكبر بالنسبة للدولة العبرية. ومنذ البداية أيضا لم يكن مرتقبا القيام بهجوم على الطيران السوري والعراقي إلا في مرحلة ثانية، أي بعد أن يكون قد جرى إخراج الطيران المصري من المعركة.

من الواضح أن الإستراتيجيين العسكريين الإسرائيليين قد استلهموا في عمليتهم الجوية من الهجومات الكبرى التي شهدتها الحرب العالمية الثانية. ثم كانت هناك العمليات التي جرت أثناء حرب السويس 1956 عندما قامت القوات الجوية الفرنسية والبريطانية بهجوم جوي كبير استهدف إنهاء دور الطيران المصري،

وهذا ما تمّ التوصل إليه عمليا خلال ثلاثة أيام. ويشير المؤلف إلى أنه منذ حملة السويس انكبّ العديد من المتدربين الإسرائيليين على الدراسة في المدارس العسكرية ولدى قيادات الأركان في فرنسا وإنجلترا لاستخلاص أقصى كمية ممكنة من دروس حملة السويس.

ويشير المؤلف إلى أن الإستراتيجيين العسكريين الإسرائيليين قد حددوا أربع دوائر لعمليتهم انطلاقا من إسرائيل باتجاه مصر. شملت الدائرة الأولى القواعد الجوية المصرية الموجودة في شبه جزيرة سيناء وضمّت الثانية القواعد الموجودة في منطقة قناة السويس والثالثة خصّت منطقة الدلتا وشكّلت منطقة مصر العليا موضوع الدائرة الرابعة.

كان مفترضا أن يتم الهجوم على كل قاعدة جوية مصرية بواسطة أربع طائرات بفوارق زمنية منتظمة بحيث يبقى الضغط على أكبر مستوى على الطيران المصري. وجرى تصميم الخطة بحيث تقوم الطائرات الإسرائيلية أولا بضرب المدارج لمنع إقلاع الطائرات المصرية ثم محاولة تدمير أكبر عدد ممكن من طائرات الميج-21، باعتبارها الطائرة المعترضة الوحيدة التي يمكن أن تنافس طائرة ميراج-3 الإسرائيلية. وقد استثني من تلك الخطة مطار العريش من أجل إمكانية استخدامه من قبل الطائرات الإسرائيلية نفسها بعد السيطرة على مدرّجه. بل كان الإسرائيليون قد أقاموا مطارا على شاكلة المطارات المصرية في صحراء النقب «من أجل التدرب على الشروط الأكثر واقعية ممكنة».

 

ملامح الخطة

كانت الضربة الإسرائيلية الجوية الأولى مدروسة بأدق التفاصيل، ثم جرت الضربات التالية بناء على درجة التدمير الذي حققته الأولى. هكذا جرى تكليف طائرات «الميراج» و«فوتور» ذات المدى الأكبر بضرب الأهداف المصرية الأكثر بعدا. وكان الإسرائيليون قد زجّوا بجميع طائراتهم تقريبا في الضربة الأولى، وكانت القيادات العسكرية الإسرائيلية تتوقع إمكانية أن تصل خسائرها فيها إلى حوالي 30 بالمئة.

كانت قيادة سلاح الطيران الإسرائيلي قد أكثرت خلال الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب من مهمات الاستطلاع على ارتفاع منخفض فوق سيناء ومنطقة دلتا النيل من أجل اختبار ردود أفعال السلاح المصري المضاد للطيران. وقد سمحت تلك المهمات للإسرائيليين بتحديد مناطق التحليق الأقل اكتظاظا بالسكان والمحاور الأكثر أمانا، مما كان يعني التقليل من خطر الكشف من قبل أجهزة الرادار.

وكان العديد من المهمات يرمي إلى إقناع المصريين بأنه في حالة الهجوم سيقوم الإسرائيليون به عبر البحر الأحمر، بينما كانوا قد خططوا في الواقع للقيام به عبر المتوسط. وأخيرا، سمحت تلك المهمات الاستطلاعية للإسرائيليين بتحديد مواقع انتشار الوحدات المصرية والمواقع التي سيستهدفونها في المطارات المصرية.

جرت حسابات دقيقة ساعة إقلاع الطائرات الإسرائيلية المشاركة في الضربة الأولى عند الساعة الثامنة و45 دقيقة من صباح الخامس من يونيو. وكانت تلك الساعة هي التي تسمح بأفضل مجال للرؤية بالنسبة للطيارين فقبلها قد يكون هناك بعض الغبار وبعدها تكون انعكاسات أشعة الشمس قوية جدا. ثم إن اختيار مثل هذه الساعة، غير المعتادة بالنسبة لهجوم مباغت، عاد إلى أن الطائرات المصرية تكون قد حطّت بعد أول دورية لها في النهار، وبالتالي تكون مسمّرة في الأرض من أجل الرقابة التقنية وإعادة تزويدها بالوقود. وتتناظر الساعة المختارة مع ساعة افتتاح المكاتب، وهي ساعة الازدحام الكبير في القاهرة والذي لا بد أن يعيق ضباط القيادة المتوجهين إلى مقرّات عملهم. وبالتالي لن يكون بإمكانهم التحرك بسرعة.

تركز الهجوم الجوي الإسرائيلي على القواعد الجوية ثم منشآت الرادار المصرية ومواقع الصواريخ أرض ـ جو ثم منشآت الاتصال التابعة للقيادات. وكانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قد جمعت معلومات عن الهوية الدقيقة للعديد من الطيارين المصريين بحيث إنه يوم اندلاع الحرب قامت أجهزة الدعاية الإسرائيلية ببث رسائل لهم على تردد الموجة المعتادة للعمل، وزودتهم بمعلومات خاطئة، وثبطت من عزيمتهم، وحاولت إقناعهم أنه لا جدوى من المقاومة.

بل ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى أن طيارا مصريا تلقى الأوامر المضللة بقطع مهمته وإلقاء قنابله في البحر الأبيض المتوسط. وكان الإسرائيليون قد حصلوا بعملية استخباراتية على طائرة ميج-21، أي رأس حربة الطيران العربي، بواسطة طيار عراقي فرّ بها إلى إسرائيل بتاريخ 16 أغسطس 1966، أي قبل عدة أشهر من اندلاع حرب 1967.

في فجر الخامس من يونيو 1967 قامت عدة أسراب من الطائرات المصرية بدورياتها المعتادة بالقرب من الحدود، كما كانت تفعل كل يوم منذ بداية الأزمة العسكرية والدبلوماسية مع إسرائيل. كان الوضع متوترا جدا وكانت السلطات العسكرية المصرية تأخذ إجراءات وقائية ضد أي تحرش جوي إسرائيلي،

إذ من المعروف أن الهجومات الجوية تقوم غالبا عند الفجر. وعندما حطّ الطيارون المصريون بطائراتهم عند ساعة الإفطار، لم يكن يخطر لهم أبدا أن أحداثا ستجري في الدقائق التالية ستحطم قوتهم الجوية المهمة. ولم تتم أبدا ملاحظة أي نشاط جوي خاص من قبل الإسرائيليين.

وبعد الساعة الثامنة من صباح يوم 5 يونيو شاءت الصدف أن تنطلق ثلاث طائرات نقل على متن الأولى وزير الحربية المصري ورئيس الأركان وعدد من كبار الضباط؛ وكانت الطائرتان الأخريان تقلاّن نائب الرئيس المصري ورئيس الوزراء العراقي برفقة عدد من الصحافيين. وكان من المفروض أن يقوم هؤلاء المسؤولون الكبار بزيارة تفتيشية في منطقة قناة السويس.

ولذلك كانت وسائل الدفاع الجوي المصرية قد تلقّت الأوامر بعد إطلاق النيران بين الساعة الثامنة والساعة التاسعة صباحا خشية إصابة إحدى تلك الطائرات الثلاث عن طريق الخطأ. وعندما حطّت تلك في مطار فايد، كانت الطائرات الإسرائيلية بدأت قصفها للقواعد والمطارات المصرية.

 

بداية الهجوم الجوي

مع اللحظات الأولى من صبيحة 5 يونيو 1967، تعاقبت عدة تشكيلات مؤلفة من أربع طائرات بالانطلاق لضرب أهداف مصرية، كان قد جرى تحديدها بدقة سابقا. وكان الطيارون الإسرائيليون قد تلقوا أوامر بعدم تعطيل إمكانية الإقلاع، وإذا صادف أية صعوبات في الإقلاع فعليه أن يفعل كل ما يكفل عدم إعاقة إقلاع الطيارين الآخرين.

وكانت الأوامر هي أن تطير الطائرات الإسرائيلية المتجهة نحو أهدافها على ارتفاع منخفض جدا قد يقل أحيانا عن 15 مترا فوق سطح الأرض. كان الإسرائيليون يخشون كثيرا أن تكشفهم الرادارات السوفييتية الموجودة في البحر الأبيض المتوسط، إذ كان على الطائرات المكلفة بالضربة الأولى أن تطير فوق المتوسط قبل أن تغير وجهتها جنوبا كي تفاجئ المصريين، الذين لم يكونوا ينتظرون أبدا أن يأتي الإسرائيليون من هذه الوجهة.

عند الساعة الثامنة و50 دقيقة من صباح 5 يونيو 1967 كانت أول طائرة إسرائيلية مهاجمة فوق هدفها، أي المطار الدولي غرب القاهرة الذي كان يضم عددا من الطائرات المقاتلة المعترضة والقاذفات الثقيلة من طراز تي يو-16 التابعة للكتيبة الجوية المصرية الخامسة والستين.

 

 

كانت تلك القاذفات بمثابة التهديد الأكثر أهمية على إسرائيل وقد قامت ثلاث تشكيلات من السرب المهاجم بضرب أهدافها بفارق 15 دقيقة بين كل ضربة والتي تليها. كان الهدف الأول هو مدارج إقلاع الطائرات التي قصفها الإسرائيليون بقنابل زنتها 500 كيلوغرام وبقذائف خاصة معدة للمدرجات ثم قصفوا الطائرات الجاثمة ودمّروا منها في الضربة الأولى 13 طائرة من طراز تي يو-16 وثلاث طائرات ميج-21 وطائرة اليوشن-28.

وهاجمت الطائرات الإسرائيلية أيضا في الضربة الأولى مطار بني سويف حيث كانت توجد كذلك طائرات تي. يو-16 ومطار بير تمادة حيث كانت توجد طائرات ميج-17 وطائرات سوخوي-7 التابعة للسرب 55 من الكتيبة الأولى، والتي كانت الوحدة الوحيدة التي تملك مثل تلك الطائرات الجديدة. وقد تمّ تدمير جميع تلك الطائرات حيث كانت على الأرض، بينما لم يخسر الإسرائيليون أية طائرة.

وتعرّضت أيضا جميع القواعد والمطارات المصرية، وخاصة القريبة من القاهرة وفي دلتا النيل للضرب وجرى تدمير 13 طائرة ميج-21 في قاعدة انشاص الجوية وحدها، وسبع طائرات من الطراز نفسه في قاعدة كبريت و17 طائرة ميج مطار فايد. وينقل المؤلف في هذا السياق عن المقدّم المصري سمير عزيز ميخائيل قوله: «كنّا قد عدنا للتو من دوريتنا النهارية الأولى. وكنت أغتسل عندما سمعت أصوات الانفجارات. ولم أكن أستطيع تصور إن الإسرائيليين يهاجموننا.

عندما خرجنا رأينا طائرات الاستطلاع الأربع تحترق، بينما كانت طائرة مهاجمة إسرائيلية تتابع الهجوم عليها. ارتدينا بسرعة زي الطيران ووضعنا خوذنا على رؤوسنا ثم حاولنا الانطلاق إلى حيث توجد طائرات أخرى في الطرف الآخر للمدرج، لكن قبل أن نصل إليها كان الإسرائيليون قد دمروها أيضا.

فاتجهنا بسرعة صوب طائرة ميج-15 ذات مقعدين للتدريب ومزودة بمدفع، لكن محركها لم يدر. رأيت عندها طائرة ميستير تنقض نحونا على ارتفاع منخفض. فأخرجت مسدسي من نوع بريتا 9 مللميتر وأفرغت ما فيه صوبها، من دون نتيجة. أمرنا رؤساؤنا عند ذلك باللجوء إلى القرية المجاورة».

وعلى الرغم من قسوة الضربة الأولى وما ألحقته من خسائر فادحة، دخلت وسائل الدفاع الجوي المصرية في المعركة بسرعة، وأسقطت عدة طائرات إسرائيلية وسقط عدد من الطيارين الإسرائيليين بين قتيل وأسير. وأظهر بعض الطيارين المصريين شجاعة كبيرة، هكذا استطاعت طائرات ميج-21 تابعة لدورية الإقلاع أثناء المعارك من مطار ابوصوير واشتبكت بمعركة جوية مع طائرات ميستير الإسرائيلية.

وينقل المؤلف عن المقدّم عواد حمدي رئيس الدورية المصرية قوله: «عندما أصبحت في الجو رأيت أربع طائرات إسرائيلية تترك تشكيلها من أجل الانتقال إلى الهجوم. سددت على إحداها وقلت لنفسي إنني لن أخطئها. لكن طيارا آخر من دوريتي أطلق قبلي صاروخ اتول عليها، ولكن بما أننا كنا نطير على ارتفاع منخفض ارتطم الصاروخ بالأرض.

ولم تكن طائرة الميج-21 التي أقودها مزودة بمدافع وإنما فقط بصاروخين جو-جو فقمت بالتسديد من جديد وأطلقت صاروخ اتول انفجر بالقرب من طائرة الميستير الإسرائيلية. وعندما كنت أستعد لإطلاق الصاروخ الثاني تركت الطائرات الإسرائيلية ساحة المعركة وعادت باتجاه قاعدتها».

 

الموجة الثانية

أثارت الموجة الأولى من الضربات الجوية الإسرائيلية حالة من الهلع والتشوش لدى مسؤولي القوات الجوية المصرية فيما ينبغي عمله. فهل كان ينبغي تنظيم عملية الرد بما بقي من إمكانيات أم كان من الأفضل محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتوزيع الطائرات المصرية السليمة على مواقع ثانوية أو على مطارات مصر العليا كما حدث في شهر نوفمبر من عام 1956 أثناء الهجوم الثلاثي على السويس؟

لكن لم يكن هناك الكثير من الوقت لطرح العديد من الأسئلة إذ أن الإسرائيليين أطلقوا موجة ثانية من الضربات الجوية وقصفوا مطار القاهرة الدولي ثم القواعد الجوية في بلبيس وحلوان والمنيا ومطار غرب القاهرة من جديد. هنا أيضا أبدى الطيارون المصريون شجاعة كبيرة.

وينقل المؤلف عن الطيّار نبيل شكري الذي أسقط بطائرته الميج-21 طائرة ميراج إسرائيلية قوله: «كان قد جرى تدمير أغلبية طائراتنا المعترضة منذ سلسلة الضربات الأولى. واستطعنا مع ذلك الاحتفاظ ببعض طائرات الميج-21. لقد أقلعنا عند الساعة الحادية عشرة صباحا من قاعدتنا في انشاص من مدرج يبلغ طوله 900 متر فقط. كنت متأكدا أن ذلك كان طوله إذ كنت قد قمت أنا نفسي بقياسه في السيارة قبل عدة دقائق من الإقلاع».

«وعندما وصلنا إلى ارتفاع 5000 متر أخبرنا المراقبون الأرضيون بأن الإسرائيليين يهاجمون قاعدتنا فاتجهنا نحو انشاص. وقد شاهدت طائرتي ميراج تتقاطعان معنا من جهة اليسار وقد كنّا قريبين من بعضنا إلى درجة أنني لمحت طرف خوذة الطيار الإسرائيلي. قمت بالمناورة مباشرة كي أضع طائرته أمام طائرتي. وكنت قريبا جدا إلى درجة أنني لم أستطع استخدام الصواريخ، وطائرة الميج-21 ليست مزودة للأسف بمدافع.

حاولت طائرات الميراج الإسرائيلية المناورة على المستوى الأفقي من دون نجاح ثم على المستوى الشاقولي مما أعطاني فرصة. كانت طائرتنا الميج-21 تمتلك محركا أقوى من طائرة العدو مما أعطانا ميزة حقيقية في الطيران الشاقولي. وهكذا استطعت أن أضع طائرتي بسرعة خلف الطائرة الإسرائيلية وبمسافة تسمح بالرمي.

أطلقت صاروخاً تول الأول الذي انفجر بالقرب من الطائرة المعادية وانبثق منها دخان أسود كثيف. اقتربت أكثر ثم أطلقت الصاروخ الثاني. فانفجرت طائرة الميراج بينما استطاع قائدها أن يقذف نفسه بالمظلة». كان اسم طيارها الكابتن نيومان، وعندما وصل إلى الأرض أجهز عليه الأهالي المحليون.

بعد موجتين من الضربات الجوية في الفترة الصباحية من 5 يونيو 1967، بدأت موجة ثالثة ثم رابعة منذ مطلع بعد ظهر ذلك اليوم نفسه وحتى حلول الظلام، ولكن بإيقاع أقل من الصباح. وكانت القواعد الجوية والمطارات المصرية هي المستهدفة أيضا

ولكن هوجمت أيضا، القوى الجوية العربية الأخرى، وخاصة قواعد عمّان في الأردن و«ت-4» في سوريا. كما قصفت الطائرات الإسرائيلية محطة رادار جبل عجلون في الأردن. كما هوجمت قواعد أخرى من بينها مطار الضمير والمزّة العسكريين السوريين.

وفي ليلة 5 إلى 6 يونيو 1967 قام المصريون بجهود هائلة بعد يوم من الغارات المتواصلة. وقد تركّزت جهودهم على إعادة ترميم مدارج المطارات المدمرة. وقد فقد العشرات منهم حياتهم ذلك أن القنابل التي استخدمها الإسرائيليون كانت مزودة بجهاز لتفجيرها بوقت لاحق مما أدّى إلى انفجارات خلال الليل حيث كانت فرق الترميم تقوم بعملها.

 

المحصلة

في محصلة اليوم الأول لحرب 5 يونيو كانت الخسائر من الجانبين، كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب، بالنسبة للطيران هي خسارة 272 طائرة مقاتلة عربية وهي على الأرض، من بينها 122 طائرة ميج-21 و86 طائرة ميج-17 و21 هنتر و12 ميج-19 و12 سوخوي-7 و2 فامبير.

وكان عدد الطائرة القاذفة المدمّرة هو 59 قاذفة عربية من بينها 30 من طراز تو-16 و29 من طراز اليوشن-28. هذا بالإضافة إلى 35 طائرة نقل و19 طائرة عمودية (هيلوكبتر). أما أثناء المعارك فقد خسر العرب 29 طائرة مقاتلة من بينها 12 طائرة ميراج-21 و7 ميج-17 و7 هنتر و3 ميج-19 وطائرة قاذفة اليوشن-28 وطائرتي نقل.

أما على الجانب الإسرائيلي فقد كانت الخسائر هي إسقاط 5 طائرات ميراج-3 و5 طائرات ميستير-4 و5 طائرات أوراغان و4 طائرات اس.ام.بي-2 و3 طائرات فوتور و3 طائرات ماجستر، أي ما مجموعه 25 طائرة. هذا بالإضافة إلى إصابات كبيرة لحقت ب4 طائرات ميراج-3 وأربع طائرات ميستير 4 و3 طائرات أوراغان وطائرتين اس.ام.بي-2 وطائرتين من طراز فوتور واثنتين ماجستر.

وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أنه على الرغم من التفوق الجوي الكبير للإسرائيليين أثبت العشرات من الطيارين العرب كفاءة وجسارة عاليتين ولم يترددوا في التحليق فوق أرض المعركة بحثا عن أهداف معادية. وفي فجر يوم 6 يونيو رصدت القوات المصرية موقعا متقدما لقيادة الجنرال الإسرائيلي جافيتش، قائد الجبهة الجنوبية، فأرسلت أربع طائرات ميج-17 لقصفه وجرى تدميره بعد أن كان الإسرائيليون قد خرجوا منه في اللحظة الأخيرة. وفي صبيحة ذلك اليوم استطاعت قاذفتان عراقيتان من طراز تو-16 التغلغل داخل المجال الجوي الإسرائيلي وقصف منطقة ناتانيا ثم قصف قاعدة رامات دافيد. وفعلت طائرتا سوخوي-7 مصريتان نفس الشيء وقصفتا مواقع إسرائيلية. وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى الشجاعة والمهارة اللتين أظهرهما الطيار المصري فتحي سليم في سماء سيناء.

ووصلت في اليوم نفسه ست طائرات ميج-21 جزائرية إلى قاعدة العريش المصرية. لكن أغلبية هذه الطائرات استحوذ عليها الإسرائيليون سليمة إذ كانوا قد استولوا على ذلك المطار قبل فترة وجيزة. وفي صبيحة 7 يونيو قام تشكيل إسرائيلي من 4 طائرات «فوتور» قاذفة ترافقها 4 طائرات ميراج-3 مقاتلة بهجوم على قاعدة «ه-3» العراقية.

كان ذلك هو الهجوم الجوي الثالث على تلك القاعدة. رصدت القوات العراقية الطائرات المهاجمة وأسقطوا طائرة ميراج وطائرتين فوتور وأسرت أحد الطيارين بينما قُتل طياران إسرائيليان آخران. وينقل المؤلف عن طيار إحدى طائرات الميراج الإسرائيلية «جدعون درور» شهادته عن تلك العملية الفاشلة

وجاء فيها: «لقد خسرنا في الواقع امتيازنا، وعند اقترابنا من الهدف ارتفعنا بطائراتنا أكثر وأيقظنا بذلك كل رادارات المنطقة.هكذا فقدنا عنصر المفاجأة. لقد كانوا بانتظارنا وفتحت وسائل الدفاع الجوي النار علينا؛ كما كانت هناك طائرات مقاتلة في الجو (...). لقد أصيبت طائرتي وقذفت نفسي بالمظلة لتتحطم بعد أربع ثواني عند اصطدامها بالأرض».

 

قبل سكوت المدافع

خلال الأيام الثلاثة الأخيرة قامت الطائرات الإسرائيلية بتكثيف هجماتها ضد القوات المصرية المتراجعة في شبه جزيرة سيناء. وركزت تلك الهجومات على ممري الجدي ومتلا، أي نقطتي المرور الرئيستين للوصول إلى مشارف قناة السويس. كانت الصور التي تم توزيعها لهياكل العربات المحترقة رهيبة.

ورغم كل شيء قام الطيران المصري في تلك الليلة بأربعين مهمة ضد القوات الإسرائيلية التي كانت تتقدم. وينقل المؤلف عن العقيد تحسين زكي الذي شارك في إحدى تلك المهمات قوله: «عندما كنت أحضّر مهمتي أخبرني رئيسي بالهاتف أن جميع القوات المصرية قد أصبحت موجودة غرب ممر متلا وأن الوحدات شرقه هي إذن إسرائيلية. أقلعت عند الفجر بطائرتي الميج-21 مع طيار آخر باتجاه مضيق المتلا.

وهناك لاحظنا أنه لا تزال توجد قوات مصرية شرقه كانت مهددة أيضا من قبل رتل من دبابات السنتوريون الإسرائيلية فأفرغنا عليها كل صواريخنا جو-أرض من عيار 57 ملمترا، بدا أن بعضها قد أصابت الهدف ولكن لم تتحطم أية دبابة إسرائيلية مما وضّح بجلاء ضعف فعالية الذخائر التي زودنا السوفييت بها».

في يوم 9 يونيو 1967 كان ثقل المعارك قد انتقل إلى الجبهة الشمالية حيث أراد الإسرائيليون تحطيم معنويات القوات السورية المتمركزة في أعالي هضبة الجولان. في الوقت نفسه كان النشاط الجوي للقوات العربية قد تضاءل كثيرا وأصبح من النادر وجود طائرة مقاتلة سورية أو عراقية في أجواء المعركة. لكن وسائل الدفاع الجوي السورية نجحت يومذاك في إسقاط طائرة ميراج إسرائيلية، قذف قائدها بالمظلة واسترجعه الإسرائيليون بواسطة طائرة هيلوكبتر.

لقد تابعت الطائرات الإسرائيلية قصفها للقوات السورية، خاصة في هضبة الجولان، ويوم 10 يونيو، اليوم الأخير من العمليات، دعم الطيران الإسرائيلي أيضا تقدم القوات الإسرائيلية وبقي موجوداً باستمرار في الأجواء. وفي ذلك اليوم أسقطت المدفعية السورية طائرة «أوراغان» إسرائيلية، قبل أن تتوقف المعارك.

عرض ومناقشة د. محمد مخلوف

البيان 7/7/2006

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ