ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الاثنين 14/03/2011


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

J

 

أحداث ليبيا وجهود بريطانيا

تاريخ النشر: الأحد 13 مارس 2011

الاتحاد

منذ اندلاع الأحداث المروعة في ليبيا، عملت المملكة المتحدة على إدانة الأعمال المرتكبة من قبل نظام القذافي، وقد تعاظمت مخاوفنا في الأيام الماضية في ظل تزايد الضغط الدولي الممارس على القذافي ومن حوله.

إن نظام القذافي يعمل على شن هجمات عسكرية ضد قوات المعارضة. وهناك تقارير ذات مصداقية تؤكد قصف المدنيين باستخدام طائرات مروحية تابعة للقوات الحكومية، إضافة إلى شن اعتداءات خطيرة ضد مدينتي الزاوية ومصراته في الغرب، والكثير ممن نقلوا إلى مستشفى المدينة كانوا مصابين في مناطق الرأس والعنق والصدر، كما أن إمدادات الغذاء والوقود والأدوية باتت شبه منقطعة. أما في طرابلس فهناك أنباء مقلقة حول اختطاف رهائن... إلا أن سلطة القذافي تواجه تحدياً كبيراً في مناطق واسعة من ليبيا حيث تراجعت القبائل المحلية عن دعمها له.

إن موقفنا واضح ويتمثل بضرورة وضع العقيد القذافي نهاية فورية لاستخدام القوة المسلحة ضد المدنيين، وتسليم السلطة دون أي تأخير لحكومة تحترم تطلعات الشعب الليبي وتكون ممثلة لمختلف أطرافه وتخضع للمحاسبة والمساءلة.

وتتعاون المملكة المتحدة مع دول أخرى لعزل النظام الليبي وضمان أن يعلم كل مسؤول فيه عن أي انتهاكات، بأنه سيحاسب يوماً عن أعماله. والعمل الذي يقوم به المجتمع الدولي في هذا الخصوص لا سابق له.

لقد أعلن مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية الأسبوع الماضي عن مضيه في التحقيق بجرائم يعتقد أنها ارتكبت أو ترتكب في ليبيا، وذلك بعد أن أحال مجلس الأمن الدولي الأمر إلى المحكمة. إننا نرحب بهذا الإجراء السريع، ولسوف نبذل كل ما بوسعنا لتقديم المساعدة. كما نرحب بالقرار المهم الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد إحالة مجلس حقوق الإنسان الأمر إليها، بتعليق عضوية ليبيا في المجلس.

وقد دخلت العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي ضد ليبيا حيز النفاذ يوم الخميس الماضي. وكان ذلك أسرع تنفيذ لحزمة عقوبات يفرضها الاتحاد، وهي تتجاوز العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، وتتضمن حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا، وتجميد أصول وحسابات القذافي و25 من مقربيه، ومنع إصدار تأشيرات لهم، وهذه أسس قوية يمكننا البناء عليها.

إننا بصدد وضع خطط طوارئ لمواجهة كافة الاحتمالات في ليبيا، فقد جرى تكليف حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالنظر في عدد من الخيارات، بما فيها تشكيل منطقة حظر جوي، وإخلاء المدنيين، وتقديم مساعدات إنسانية دولية، ومساندة الحظر الدولي على تصدير الأسلحة لليبيا. وسيعقد "الناتو" مزيداً من الاجتماعات خلال الأسبوع الجاري. أما على مستوى مجلس الأمن الدولي فالتعاون وثيق مع الشركاء لصياغة عناصر قرار يقضي بفرض منطقة حظر جوي، مع العلم بأهمية دعم واضح من المنطقة ووجود سبب معلن وأساس قانوني مناسب لاتخاذ القرار المذكور.

وفي النهاية من الضروري مواصلة معالجتنا لتطورات الوضع الإنساني، حيث أرسلت المملكة المتحدة بطانيات تكفي 38,000 شخص وخيما لإيواء أكثر من 10,000 شخص، إضافة إلى ذلك إرسالنا طائرات لإخلاء 6 آلاف مواطن مصري و500 مواطن بنغالي انقطعت بهم السبل على الحدود. وما زالت هذه حالة لوجستية طارئة، لكن من الضروري السماح للهيئات الدولية بالدخول من دون عراقيل للمساعدة في الحد من تدهور الأوضاع كي لا تصل إلى كارثة إنسانية. لقد دعت البارونة آموس، بدعم منا، إلى عقد جلسة خاصة في جنيف للمطالبة بالسماح لهيئات الإغاثة الإنسانية بدخول ليبيا دون عراقيل.

ومن الضروري أن يدفع الاتحاد الأوروبي -ليس فقط للضغط باتجاه اتخاذ مزيد من الإجراءات رداً على الأوضاع في ليبيا- بل أيضاً تغيير الاتحاد الأوروبي تفكيره بشكل جذري تجاه الدول المجاورة. لقد آن الأوان للدول الأوروبية أن تكون أكثر وضوحاً وطموحاً، وأن تبين بأننا لا نسعى كي نملي على هذه الدول كيفية إدارة شؤونها الداخلية، بل سنبقى صديقاً دائماً للدول التي تضع لبنات بناء مجتمعات مدنية، وتحقيق الانفتاح الاقتصادي، وتوفير الحريات السياسية. وعلينا تقديم كل حافز ممكن لدول المنطقة لاتخاذ قراراتها الرامية إلى تعزيز الحرية وتحقيق الازدهار. وسنطالب خلال اجتماع المجلس الأوروبي بأن تضع أوروبا برنامجاً يزيل العوائق أمام التجارة، وتحدد شروطاً أكثر وضوحاً في مقابل المساعدات التي تقدمها، وأن تعمل على حشد مواردها لتكون بمثابة عامل جاذب للتغيير الإيجابي في المنطقة.

إن الأحداث التي شهدتها مصر وتونس كانت تاريخية، وعلينا الترحيب بالتطور الذي حصل فيهما، بما في ذلك الإعلان عن إجراء استفتاء عام على إصلاح دستوري في مصر، وإعلان موعد الانتخابات في تونس. إلا أن استقالة رئيسي الحكومتين في كل من مصر وتونس يظهر أن تحديات كبيرة ما زالت تكمن على الطريق.

إن المملكة المتحدة ستستمر في مطالبة كافة الحكومات في أرجاء المنطقة كلها باحترام حقوق الإنسان، ومنها الحق في الاحتجاج السلمي، وتجنب استعمال القوة، والاستجابة للتطلعات المشروعة نحو مزيد من الانفتاح السياسي والإصلاح الاقتصادي.

وإذا أمكن تحقيق التغيير والتنمية في الشرق الأوسط بشكل سلمي، فسيكون هذا أعظم تقدم في الشؤون العالمية منذ التغير الجذري الذي عرفه وسط وشرق أوروبا قبل عشرين عاماً، حيث دخل الكثير من دول المنطقتين في عضوية الاتحاد الأوروبي. وفي حال لم تتحقق المطالبة المذكورة فمن شأن ذلك أن يؤذن ببداية مرحلة أكبر من عدم الاستقرار في المنطقة. ومن الحيوي لشعوب هذه الدول ودول سائر العالم أن تلعب الأسرة الدولية دوراً منسقاً وطموحاً في دعم تطلعاتها.

==================

أوروبا ومتغيرات جنوب المتوسّط

تاريخ النشر: الأحد 13 مارس 2011

الاتحاد

كان الرئيس الفرنسي منهمكاً طوال الأُسبوع الماضي في مسألتين داخليتين تتعلقان بصورته خلال الحملة الرئاسية القادمة. المسألة الأولى: الفزع من صعود نجم ماري لوبان الزعيمة الجديدة لليمين الفرنسي المتطرّف، إلى حدّ اعتبارها الأُولى في استطلاعٍ للرأي أُجري عن المرشحين المحتملين للرئاسة الفرنسية بعد سنةٍ ونصف من الآن. والمسألة الثانية الاستثمار المتكرّر في مسألة الهوية الوطنية، والتي لا تعني عنده غير التمايُز عن المسلمين على الخصوص، وقد أضاف إليهم أخيراً الغَجَر!

ما أُريدُ الوصول إليه أنّ الرئيس الفرنسي التفت فجأةً إلى أمرٍ جادٍّ وخطيرٍ بالفعل هو ما يجري في ليبيا، وجنوب المتوسط عموماً فاستقبل مبعوثين من "المجلس الوطني الانتقالي" للثوار الليبيين، معترفاً به كممثِّل شرعيَّ ووحيد لليبيا. وقد اختلفت الآراء والتحليلات حول خلفيات القرار الفرنسي، فهناك من قال إنّ فرنسا أرادت أن تسبق الأميركيين والبريطانيين بعد أن تأخرت عنهم في تونس ومصر. والمعروف أنه كانت لفرنسا أيام ساركوزي علاقاتٌ جيدةٌ بالقذافي ونظامه، لكنّ علاقات "الجماهيرية العظمى" تطورت أكثر في السنوات الخمس الأخيرة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، ومن الناحية الاقتصادية مع ألمانيا وإيطاليا. وينبغي أن نأخذ هذا العامل بالحسبان إذا أردْنا فهم التردُّد الذي يحيط بتصرفات الطرفين الأوروبي والأميركي في المسألة الليبية. فقد أرادا من جهة التأكد من أنّ القذافي فقد السيطرة بالفعل. ثم إنه كان هناك تحدٍ خاصّ في الوضع الليبي، ما عرفوه في الوضعين التونسي والمصري، وهو أنه قد يكونُ عليهم التدخل عسكرياً لإعانة الثوار على كتائب القذافي، التي تبدو أقوى منهم بكثيرٍ رغم انضمام بعض قطعات الجيش إلى ثورتهم. لذلك قضوا أكثر من أُسبوع وهم يناقشون مسألة الحظر الجويّ، وانتهوا إلى أن يطلبوا من الجامعة العربية تحديد موقف من نظام القذافي، وكيف يمكن مساعدة الشعب الليبي على الخروج من سفك الدم، بعد أن ذهب مجلس التعاوُن الخليجي في اجتماع وزراء خارجيته إلى أنّ النظام بليبيا فقد شرعيته. وتجيء الخطوة الفرنسيةُ لتشكّل ضغطاً على الاتحاد الأوروبي بالدرجة الأولى، وعلى الدول العربية بالدرجة الثانية. فالواضح أنّ الأميركيين والبريطانيين (وبعد احتلال العراق وما نجم عنه!) لا يريدون الدخول في عملٍ عسكريٍّ يستلزم استخدام وحدات أرضية تبقى لفترة. والواضح ُ أيضاً أنّ الطليان، وهم الأقرب جغرافياً والدولة الاستعمارية السابقة للبلاد، مُحرجون بصداقة بيرلوسكوني مع القذافي، وبالصفقات الهائلة مع نظامه. لكنّ فراتيني وزير خارجيته اعتبر أنه أخرج البلاد من المأزق عندما قال: موقفُنا سيكون مثل الموقف الذي تتخذه دول الاتحاد الأوروبي! وما فكّر ساركوزي بالعمل السياسي وحسب (الاعتراف الدبلوماسي)، بل فكر أيضاً بضرباتٍ سريعةٍ بالطيران للمطارات والتجمعات الرئيسية لعساكر العقيد. إنما الذي يملكون القيام بذلك في الواقع هم الأميركيون. ولذا فالأرجح أن تتجه الأمور إلى قرارٍ من الجامعة العربية بإزالة الشرعية عن النظام، مما يفتح المجال لتشاوُرٍ مع دول الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، بشأن كيفية مساعدة الشعب الليبي على الخلاص من النظام، بطرائق تمكّن من احتواء أعمال سفك الدم والتخريب والتفكك والنزاعات الأهلية، وتُعينُ الليبيين على إعادة تكوين سلطتهم، وتعيدُ الإنتاج البترولي لسابق عهده.

إنّ هذا الاستعراض لتفاصيل مواقف الأطراف، لا ينبغي أن يُلْهَينا عن التقدير العالي والمختلف للأَوضاع في "جنوب المتوسط" من جانب سائر الأوروبيين، والفرنسيين على الخصوص. فمنذ عام 2008 يقود ساركوزي مبادرةً لاستيعاب دول المتوسط الغربية والجنوبية والشرقية في "الاتحاد المتوسطي". وقد أثار هذا الإطار الجديد تحفظاتٍ تركيةً في البداية، إذ اعتبر الأتراك دعوتهم إليه تهرباً من إدخالهم في الاتحاد الأوروبي. ثم رأوا أنه لا تناقُضَ بين الأمرين بغضّ النظر عن نوايا ساركوزي. وحتى عام 1995 كان يُرادُ العملُ على هذه الدائرة وقضاياها ومشكلاتها من خلال آلية برشلونة، وتشمل مسائل الهجرة والتنمية والأمن والسلام والبيئة والحكم الصالح. بيد أنّ تلك الآلية المتفرعة عن مؤتمر مدريد، والمتعاونة مع وكالات الأمم المتحدة المتخصّصة والاتحاد الأوروبي، ما دخلت في حيّز التنفيذ، لتعطُّل المسارات الأُخرى للتسوية والتنمية والسلام بالمنطقة، ولأنّ الأميركيين مضوا باتجاهٍ آخَرَ أُحادي ما لبث أن انتهى عندما غادر كلينتون البيت الأبيض، ولأنّ شيراك ما استطاع إقناع الإسبان والإيطاليين بالمشاركة في تحمُّل الأعباء. وعلى أيّ حالٍ؛ فإنّ مبادرة ساركوزي، التي بدت متسرّعةً في البداية، ما لبث الجميع أن رأَوا مصلحةً لهم فيها. ولا شكَّ أنّ الهجرة وطرائق ضبطها وتنظيمها بعد أن صارت مشكلةً حقيقيةً لأوروبا؛ موضوعٌ مهمٌّ من موضوعات متوسطية ساركوزي. بيد أنّ السلام والأمن والاستقرار والتنمية، هي قضايا مهمةٌ أيضاً، إذ تؤثّر في تفاقُم الهجرة وفي ضبطها. فالتنميةُ في تونس والمغرب والجزائر وليبيا ومصر، والازدهار الاقتصادي في تركيا؛ كلُّ ذلك يحول دون تدفُّق المهاجرين على أوروبا. وإلى ذلك تتسبب التسوية المعطَّلة في حالةٍ من عدم الاستقرار، والاحتمالات الدائمة للحرب، لذلك يجد الأوروبيون المتوسطيون، ومتوسطيو الجنوب والشرق، مصالح مشتركةً في الاستقرار وحلّ النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. بيد أنّه لا الأوروبيون ولا بقية القوى الدولية استطاعت التقدم في تعاونيات التنمية والسلام والحكامة، لأنّ العرب المتوسطيين ما اهتموا باستغلال هذا المنفذ للتطور والتطوير، بينما تردد الأتراك في البداية، وشكّك الأوروبيون المتوسطيون في جدية ساركوزي.

لقد وقعت الواقعةُ الآن. فنظام الحكم يتغير بمصر وتونس وليبيا. وتجري تعديلاتٌ دستوريةٌ أساسيةٌ بالمغرب والجزائر. والمطلب الرئيس للجمهور من وراء هذا التغيير: الحكم الصالح. وقد شبَّه الأميركيون ما يجري في المشرق والمغرب العربيين بما جرى في شرق أوروبا بعد عام 1990. لكنّ الأوروبيين أصابوا أكثر في التشبيه عندما شبّهوا الحدث العربي بانهيار جدار برلين عام 1989. لقد كان ذلك الجدار لا يقسم مدينة برلين إلى قسمين وحسْب؛ بل يفصلُ العالم إلى معسكرين شرقي وغربي. ونحن نعلمُ أنّ نظام العجز والانكفاء العربي، الذي يسقط الآن، كان له نظامُ حمايةٍ من جانب الأميركيين والأوروبيين قائم على المصالح والمخاوف. المصالح المتجلية في الثروات والأسواق، والمخاوف من أنّ هذه الأنظمة إن زالت فسيحلُّ محلَّها التطرف الإسلامي أو الفوضى. أما الجانب الآخر فكان التخوف من أنّ زوال تلك الأنظمة يُهدِّدُ أمن إسرائيل. وقد أَوضح القذافي في تصريحه الأخير أنّ ذهاب نظامه يعني حلول "القاعدة" محلَّه، وتحول ليبيا إلى صومال لأوروبا، وتهدُّد أمن إسرائيل بصعود الأُصوليات المتطرفة.

إنّ التغييرات الجارية في بعض بلدان العالم العربي تؤثر في تغيير الكثير من أوضاع العالم العربي عامة، وتتسبّب أيضاً لدى الغربيين بالبحث عن استراتيجيات جديدة للتعامل مع ديمقراطياتٍ، سيكون التعامُلُ معها أصعب من التعاملات مع السابقين. إننا نسمع الآن عن رؤيةٍ فرنسيةٍ جديدة لمتغيرات جنوب المتوسط. إنما الآتي بالفعل رؤى غربية جديدة للعالم العربي وللإسلام، ولعلاقات العرب والمسلمين بالعالم.

==================

ثورة مصر: حذارِ من الفتنة  

آخر تحديث:الأحد ,13/03/2011

عدنان السيد

الخليج

يعرف كل مراقب لتطورات الثورة المصرية الرائدة كيف أنها تعبّر عن رأي الشعب بطريقة حضارية بعيداً من التهديد والتنكيل وإثارة الفتن الطائفية .

المسلمون والأقباط كانوا جنباً إلى جنب في ميدان التحرير .لا فرق بين مسلم ومسيحي، كلهم مصريون وطنيون يريدون تطوير نظامهم السياسي وحياتهم الاجتماعية .

المصريون ثاروا على الفساد المالي والإداري، وعلى القهر والظلم فرفعوا شعار الحرية والعدالة . إنه أهم شعار فكري وسياسي منذ فجر التاريخ .

تحت هذا الشعار تجمعوا، ولا يزالون، ولا خوف عليهم طالما هم ينبذون الفئوية من أي نوع كانت .

عجباً للذين يصنعون الفتنة هذه الأيام . يدمرون الكنيسة، ويتناولون الأقباط بالسباب والتحقير . من هم هؤلاء الفاعلون؟

إنهم (البلطجية) أنفسهم الذيم هاجموا الثوار في ميدان التحرير، إنهم المرتزقة الذين عاشوا على فتات النظام، وامتهنوا الحقد والجهل معاً .

في هذه الحال، من هم المستفيدون من إثارة التمرد في وجه الثورة المصرية، وتشويه صورتها وأهدافها السامية؟

“إسرائيل” أولاً . نعم، هناك اضطراب حكومي في “إسرائيل” غير مسبوق . هناك خشية على المعاهدة المصرية “الإسرائيلية”، وفتح صفحة جديدة من العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط . وهناك حذر من أن تعود غزة إلى قدرتها على مواجهة العدوان “الإسرائلي”، ومن تفاهم آتٍ مع الضفة الغربية لإسقاط الاحتلال .

القوى المضادة للثورة في الداخل تتجمّع، وتخطّط للانقلاب على الثورة تحت زيف (الثورة المضادة).إنها تتحيّن الفرصة في هذه المرحلة الانتقالية، والفراغ الدستوري والسياسي في بعض المؤسسات الرسمية، لتنقلب على أهداف الثورة وتعيد المصريين إلى عصر الفساد والإفساد، وعصر القمع والبلطجة .

ربما هناك قوى دولية وعالمية متوجّسة من الريادة المصرية الجديدة في العالم العربي والإسلامي وإفريقيا .قوى لا ترغب في انطلاقة مصرية جديدة، تكون امتداداً لنهضة محمد علي، وثورات أحمد عرابي وسعد زغلول وجمال عبدالناصر .قوى لا يهمها من مصر والدول العربية سوى حماية أمن “إسرائيل” أولاً، وعلى العرب الآخرين أن يسيروا بانضباط وطواعية خلف هذا الشعار الزائف .

بابا الأقباط في مصر يخاطب رعيته كما الشعب المصري بلغة العقل والتعقل .وشيخ الأزهر يعتبر أن الفتنة الجديدة مفتعلة، وهي فاقعة في أهدافها . إنها تريد العودة بشعب مصر إلى الوراء، قاتل الله الفتنة .

يبقى أن تتحد قوى الثورة المصرية، وخاصة جيل الشباب، في موقف واحد وحازم .موقف وطني جامع في ميدان التحرير، وبعد صلاة الجمعة . موقف مصري واحد للمصريين من دون تصنيف طائفي أو فئوي .

من المتوقع أن تتكالب قوى (الثورة المضادة) لتعيد الاعتبار إلى وضعها القديم، أو أن تغرق مصر في فتنة مدمرة .تريد السيطرة المالية والسياسية في ظل الفساد، كي تثرى على حساب بؤس المصريين وفقرهم .إنها من خارج منطق دولة القانون والمؤسسات، لذا فإنها أخذت تتحرك لإجهاض المرحلة الانتقالية بما تحمل من إصلاحات وتعديلات دستورية وسياسية .

المصريون، كما العرب الآخرون، مطالبون بالعودة إلى فكرتي العدالة والحرية . لقد تخطت مصر ومعها عرب آخرون عامل الخوف، وعبرت حزنها نحو الأمل الجديد .الأمل بقيام دولة مدنية لا طائفية . دولة الحداثة لا دويلة التخلف والجهل .دولة المواطنة لا دولة الأزلام والمحاسيب.دولة عصرية لا دولة متخلفة .

=================

التغيرات العربية . . قراءات روسية متناقضة     

آخر تحديث:الأحد ,13/03/2011

هاشم عبدالعزيز

الخليج

هذا لا يحتمل التجاهل أو اعتباره أيضاً من بضاعة “خالف تعرف”حسب المثل العربي الشائع، وهو في الوقت نفسه غير قابل أن يؤخذ على غرار “سيد الأحكام”، هي قراءات روسية لما يجري في المنطقة العربية هذه الأيام قد تبدو مخالفة لما هو شائع من تداولات وسائط الإعلام ومختلفة ومتناقضة مع بعضها تجاه ما يجري في المنطقة العربية من تغيرات هائلة ومتسارعة، قلبت الوضع العربي من حال الجمود المتصلب إلى حركة زلزالية شعبية وجماهيرية تتصدرها حركة التغيير الشبابية التي فتحت المنطقة العربية بكاملها لحركة التاريخ للخروج من كهوف الإقطاع الظلامية والخلاص من أنظمة القمع والاستبداد ومواجهة جرائم الصهيونية والاستعمار التي استباحت العرب الأرض والإنسان .

القراءة الروسية قد لا تعجب الكثير، لكنها تعني الجميع لأنها في التعدد قد لا تكون استيفاء الأوجه الحقيقية، بل إلى طبيعة النظرة للأمور أو مستوى الاستيعاب، والأهم أن هذا التعدد في القراءة بخلافه واختلافه لا يقدم إجابات بل يطرح تساؤلات ومن ذلك:هل القراءة تأتي من خلال “رؤية” روسية؟ أم أنها تمثل رأياً عن روسيا؟ للاستدلال هذه عينة للقراءات الروسية لما يجري في المنطقة العربية لأن عرضها يحتاج إلى صفحات عديدة .

“مخطط أمريكي لتقسيم العالم”، هذا عنوان موضوع مطول للمحلل السياسي الروسي “سيرغي كورغيتيان” نشرته صحيفة “كومومولسكايابرافدا” منذ أيام، ومما جاء في المقال: “يقود الرئيس أوباما مخططاً يهدف إلى تقسيم العالم، وما حدث في تونس ومصر ليس إلا جزءاً من لعبة كبيرة بدأت مراحلها الأولى بتفكيك الاتحاد السوفييتي ومن خلال سياسة إعادة البناء”بروسترويكا “التي قادها غورباتشوف وفتحت الباب لإعادة رسم خارطة أوروبا وكان عنوانها الأبرز إسقاط جدار برلين” .

الكاتب وبعد إشارته إلى وصف أوباما التغيير الذي حدث في مصر بما يوازي في أهميته سقوط جدار برلين يؤكد “أننا نعيش اليوم المرحلة الثانية من اللعبة الكونية”يشير إلى المفارقة بين الترويج لمشاريع العدالة وحقوق الإنسان وحق كافة الشعوب في التقدم وبين الخطة “التي تنفذها الولايات المتحدة هذه الأيام”وهي مختلفة “لأنها تجعل الأمور تبدو وكأن البشرية المعاصرة منقسمة إلى قسمين:الأول دخل عصر الحضارة والحداثة والتقدم ثم أوصد الباب خلفه في وجه بقية الشعوب تاركاً إياها تتخبط في مستنقع الفقر والتخلف” .

سيرغي كور غيتيان يقول:“إنني على ثقة بأن الولايات المتحدة تستعين بعناصر تابعة لها لتأجيج الشوارع في مصر وتونس وغيرها من بلدان الشرق الأوسط، وهذه العناصر على صلة وثيقة بما يسمى “الخلايا الإسلامية النائمة”، وهو يشير، وكما لو أنه على علم، إلى أن النائب السابق لمدير “سي آي أيه” جون بريان الذي يعمل حالياً مستشاراً للرئيس لشؤون الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب يسهر “على تأجيج نيران الاضطرابات في المنطقة، إضافة إلى برينان ثمة مجموعات مختلفة كبيرة ومؤثرة تقف خلفه وتدعم جهوده من أهمها جماعات متعددة الجنسية تمتهن تجارة السلاح والمخدرات”، ويشير إلى أفغانستان التي “تضاعف إنتاج الهيروين فيها منذ دخول القوات الأمريكية بنحو ثلاثين ضعفاً” .

الكاتب وبعد أن يستعرض ما كان عليه الوضع أبان الحرب الباردة بما كان يمثله الاتحاد السوفييتي للعرب وما تمثله “إسرائيل”لأمريكا بمنزلة حاملة الطائرات في الشرق الأوسط تستطيع تحريكها عند الحاجة يقول:“بعد الحرب الباردة باتت”عبئاً ثقيلاً عليها “وإن”مصلحتها في المرحلة الراهنة تقتضي توطيد علاقاتها بالإسلاميين للسير في تنفيذ مخططاتها الكونية”.ومما هو لافت ومثير للتساؤل والتوجب ما ذهب إليه الكاتب حين قال: “يقول ساسة أمريكيون في جلسات مغلقة صراحة إن ما يدعيه يهود أمريكا من تعلقهم بما يسمونها أرض الميعاد مبالغ فيه ويرى كثير منهم وجود “إسرائيل”بات يعيق إحكام سيطرة أمريكا على العالم، لذلك يخضع أوباما حالياً لضغوط كبيرة من قبل راسمي السياسيات الاستراتيجية في واشنطن ليمارس مزيداً من الضغوط على “إسرائيل”إرضاء للعرب”، والمثير للدهشة ما ذهب إليه الكاتب حين قال:“وليس مستبعداً أن تقدم واشنطن لاحقاً على التضحية ب”إسرائيل” خدمة لأهدافها بعيدة المدى” .

إلى هذا وفي صحيفة “ناشافيرسيا” الروسية وتحت عنوان “من يزرع الريح يحصد العاصفة”قال المحلل السياسي الروسي يفغيني ساشانوفكي “إن السلطات الألمانية خاصة الأركان العامة للقوات المسلحة شعرت بفرحة عارمة عندما أطاح الثوار البلاشفة بالنظام القيصري في روسيا سنة ،1917 لكنها لم تدم طويلاً لأن موجة من الفوضى والنزاعات الإقليمية عمت أرجاء أوروبا بعد الثورة الروسية، ومن الواضح أن منطق الأمور يقول إن الوضع في جزء من منطقة ما عندما يصل إلى نهاية منطقة فإن الأوضاع في كافة أجزاء تلك المنقطة تتخذ نفس المسار، الأمر الذي يحدث حالياً في منطقة الشرق الأوسط، ولذلك فإن المنطقة المذكورة دخلت في مرحلة من الفوضى قد تستمر لعقود على غرار ما حدث في أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، وقد تجتاح المنطقة موجة عارمة من الثورات والحروب الأهلية .

الكاتب بعد أن يتناول التركة الاستعمارية البريطانية والفرنسية في هذه المنطقة بآثارها التدميرية وتداعياتها الكارثية، كما جرى في جنوب السودان وما حدث في غير بلد من هذه المنطقة التي تعمها الفوضى “والممتدة من المغرب غرباً ومروراً بباكستان حتى حدود الهند شرقاً ومن الصومال جنوباً إلى الحدود الروسية شمالاً”، يشير إلى ما جرى في مصر بالقول:“لا يزال من غير المفهوم لماذا أقدمت الولايات المتحدة على الإسهام في إطاحة نظام حليف وتقديم بلاده على طبق من ذهب للإسلاميين؟” .

ويقول: “لعل التفسير الوحيد لما حدث يكمن في أن الساسة الأمريكيين مصابون بمرض غبي اسمه دعم أي ثورة كانت، وفي مواجهة هذا المرض لا يستطيع المرء إلا أن يستسلم لأنه مرض مزمن حقاً” .

وعلى خلاف لتلك القراءات وفي قراءة روسية أيضاً لما يجري في المنطقة العربية قال رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الشيوخ الروسي ميخائيل مارغيلون في رد على سؤال عن مستقبل ما يجري بثته قناة روسية اليوم ووكالة نوفيستي في سياق مقابلة مطولة “في البداية نحن نرى الجيل الجديد في البلدان العربية يعبر عن رفضه للأنظمة الحاكمة التي لم ينتخبها أصلاً، فأغلب الحكام في تلك الدول وصلوا إلى السلطة منذ أكثر من عشرين عاماً واستمرارهم في الحكم جعل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 2030سنة يتساءلون عن أسباب بقائهم لهذه الفترة الطويلة فلهؤلاء الشباب فلسفتهم وهويتهم الاجتماعية وفهمهم الخاص وهذه جميعاً تشكل مكونات المجتمعات العربية، فضلاً عن صعوبة فرض أي ايديولوجية عليهم، لا ديمقراطية بقيم عربية، لا حكم شيعي مشابه للنموذج الإيراني ولا حتى النموذج التركي، واعتقد أن النقاش حول مستقبل العالم العربي داخل العالم العربي قد بدأ للتو، وبصفتي مؤرخ سابق يمكنني القول إن ما يحدث الآن في العالم العربي مشابه للأحداث التي اندلعت في القرن التاسع عشر الذي شهد انتفاضات جماهيرية كبرى مناهضة للإمبراطورية العثمانية، الآن يمكننا أن نشهد ثورة عربية كبرى أيضاً” .

=================

الثوريات العربيات

المصدر: عن صحيفة (الباييس) الاسبانية

التاريخ: 13 مارس 2011

البيان

يناضلن كتفاً إلى كتف بجانب رفاقهن من الرجال لتحرير بلدانهم من القمع والاستبداد، لكنهن يخشين في الوقت الحالي من أن يبقى موضوع تحررهن نفسه طي النسيان. ملايين النساء العربيات كن قد عشن أو يعشن الانتفاضات المدنية في بلدانهن وأمل مزدوج يحذوهن يتمثل في تحقيق الديمقراطية، وفي الوقت نفسه يتطلعن إلى تحرير أنفسهن من الاضطهاد الذي يتعرضن ليس لسبب آخر سوى كونهن من الجنس اللطيف.

وذلك من خلال مطالباتهن بتغيير اجتماعي. بيد أن تطور الأحداث وتصاعدها يفتح، مع ذلك، الباب لخيبة الأمل، ذلك أن المعطيات والمعلومات المتواترة لا تدعو على الأمل، فبمجرد أن تم إقصاء الرئيسين المخلوعين التونسي والمصري عن السلطة، عاد الرجال ليسيطروا على هيئات السلطات الجديدة التي ستقود المرحلة الانتقالية في كلا البلدين، إلا أن حضور المرأة في تلك الهيئات الناشئة معدوم أو رمزي في أحسن الأحوال، بينما يحدث الأمر نفسه في مناطق تم تحريرها على يد الثوار الليبيين.

يعد العالم العربي الأسوأ في معاملة المرأة، فكل المؤشرات (توفير فرص للعمل، المشاركة السياسية، الفجوة في الأجور) تضع هذا الجزء من العالم في ذيل القائمة، لا بل حتى خلف بلدان افريقيا جنوب الصحراء. وفي بعض البلدان المنتفضة بالكفاح المسلح ضد طغاتها، لا تتمتع النساء حتى المحجبات منهن إلا بإمكانية محدودة للتحرك.

كما أنهن يتعرضن لعمليات الختان ( ممارسة لا تزال قائمة في المناطق الريفية المصرية) ويجبرن على الزواج بالرجل الذي تختاره العائلة لهن والكثير منهن محكوم عليهن بالأمية. في مصر، على سبيل المثال، 83 من النساء تعرضن لمعاملة جنسية سيئة ذات مرة في حياتهن.

مثلث شيطاني مكون من نقص عام في الحريات، وتصاعد التطرف الديني في مواجهة الشعور المناهض للغرب والثقافة، مثلث قد طحن العربيات على مر عقود من الزمن وشكل لهن النير للعبودية الخانق أمام لامبالاة مواطنيهن وبقية العالم. في ذلك السياق، الذي تشغل فيه المرأة ربع المليون من المتظاهرين الذين كانوا يسيطرون كل يوم على ميدان التحرير في القاهرة- في ذلك السياق ثمة تحد تاريخي يتمثل في أن الديمقراطيات المتفتحة ليس بوسعها ترك هذا الموضوع طي النسيان.

كما أنه لا يتعين على الديمقراطيات الغربية إدارة الظهر لحرية العربيات، لا سيما في هذه اللحظة التاريخية التي تجرأن فيها على رفع الصوت والمطالبة بتلك الحرية بشكل جماهيري. ومثلما حصل في حالة الانتفاضات التي اندلعت في جزء لا بأس به من البلدان العربية، قضت على سياسات التعاون مع الطغاة الذين لا يترددون في قتل شعوبهم، فإن التمييز الذي تتعرض له النساء يجب أن يرسم خطاً أحمر غير موارب في العلاقات الدولية على غرار ما طالبت به غير مرة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون.

ولا تستطيع سوى سياسة دولية ملتزمة بحقوق الإنسان، تشمل المساواة في الفرص، أن تنفخ شيئا من الأمل في صدور العربيات خائبات الرجاء، اللواتي ترافقت مظاهراتهن مؤخرا مع نظيرات لها قد تمت الدعوة لها في جميع أنحاء المعمورة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وهو تاريخ يذكر بأن جميع ديمقراطياتنا لا تزال ترزح تحت عجز لا بد من تصحيحه.

=================

الحالة السورية

زين الشامي

الرأي العام

13-3-2011

تحفل كتابات عشرات من المعلقين الغربيين والمراقبين للتطورات الأخيرة في المنطقة العربية، بالكثير من التساؤلات عن الحالة السورية ومدى استعداد السوريين للقيام بتظاهرات وانتفاضة شعبية أو ثورة على غرار تلك التي حدثت في تونس ومصر وليبيا، وغيرها من البلدان العربية كالبحرين واليمن.

أسباب الاهتمام بسورية كثيرة لعل أبرزها أن السوريين مثلهم مثل غيرهم من الشعوب العربية يعانون من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية متشابهة، وأهم من ذلك أن السوريين بشكل عام هم شعب مسيس وعرف عنه تأثره بمحيطه وتأثيره فيه، ولعل تاريخ سورية منذ الاستقلال والاحداث التي تلت ذلك تثبت أن السوريين لم يكونوا يوماً بعيدين عما يحصل حولهم، إن لم نقل أنهم أثروا في محيطهم أكثر من أي شعب آخر، فمن سورية بدأت سلسلة الانقلابات العسكرية على خلفية حرب 1948 وتأسيس إسرائيل، ومن سورية توجه الآلاف إلى فلسطين لمقارعة الدولة الصهيونية الناشئة، كان أبرزهم الشيخ عز الدين القسام ابن منطقة جبلة التابعة لمحافظة اللاذقية على الساحل السوري الذي قاد ثورة 1936 ضد الانكليز والمستوطنين اليهود. وفي سورية تأسست وانتشرت أهم الأحزاب السياسية العربية، مثل «حزب البعث» الذي تأسس على أيادي كل من ميشيل عفلق وصلاح البيطار، و«الحزب الشيوعي السوري اللبناني»، و«الحزب السوري القومي الاجتماعي»، وهي أحزاب بمجملها أحزاب علمانية ويسارية. ومعروف أن هذه الأحزاب نشطت بفعالية في محيطها الإقليمي والعربي حتى أن «حزب البعث» استطاع أن يحكم دولة مجاورة هي العراق، كما أن «البعثيين» كانوا ناشطين في كل من السودان واليمن والأردن وبعض دول شمال افريقيا.

كذلك فإن السوريين هم من دعوا جمال عبد الناصر واقنعوه بفكرة الوحدة بين البلدين، وسورية هي من اوائل الدول العربية، إن لم يكن وحدها، التي سمح تطور الحياة السياسية وارتقاء فكرة المواطنة فيها بتعيين رجل مسيحي هو فارس الخوري كرئيس للوزراء منذ منتصف الأربعينات، كما أنها الدولة التي كان فيها الشيوعيون و«الإخوان المسلمين» في الخمسينات يخوضون الانتخابات البرلمانية على قائمة واحدة. ولا نبالغ إذا قلنا ان «السياسة» موغلة في القدم في «الشام» حتى ان بعضهم يقول ان الخليفة معاوية ابن أبي سفيان تعلم فنون السياسة ودهاء الحكم حين كان في دمشق، وأن الدولة الاسلامية وعاصمتها دمشق مع معاوية، هي غيرها ما قبل دمشق ودون معاوية.

لكن رغم كل ذلك، لما تبدو الحالة السورية «متأخرة» عما حولها حيث يعيش العالم العربي مرحلة من الثورات والانتفاضات ضد الفساد والقهر والفقر والقمع وغياب تدوال السلطة، هل تختلف سورية عن محيطها لناحية الأسباب الدافعة للاحتجاج، هل النظام في سورية أفضل من غيره، هل هذا النظام منسجم مع تطلعات مواطنيه وهم منسجمون معه؟

اسئلة كثيرة تشغل بال المراقبين للحالة السورية، وكلها أسئلة محقة ومشروعة في اللحظة التاريخية والمصيرية التي تعيشها المنطقة العربية من شمال افريقيا وصولاً إلى الخليج العربي.

أولاً، لا بد من اأن سورية تشترك مع كل من مصر وتونس وليبيا وأغلبية الدول العربية لناحية انتشار الفساد وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء واضمحلال الطبقة الوسطى وتدهورها وغياب تدوال الحكم. كما انها مثل بقية الدول يحكم حزب شمولي يهيمن على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية منذ نحو نصف قرن، أيضاً تشترك سورية مع بقية الدول لناحية وجود نسبة كبيرة من الشباب العاطلين عن العمل، ولناحية كونهم، أي الشباب، يشكلون الفئة العمرية الأكثر عدداً بين السكان.

سورية أقرب للنموذج الذي كان سائداً في اوروبا الشرقية في مرحلة السبعينات والثمانينات، نقصد نموذج الدولة الأمنية وحكم الفرد وانعدام الحياة السياسية وقمع الأصوات المعارضة واحتجاجات المثقفين. وعربياً هي الأقرب للنموذج الناصري، لكن دون انجازات الناصرية على مستوى البنية التحتية والاقتصادية والتنموية، ودون شعبية وجماهيرية عبد الناصر. نظامها في الحقيقة هو أقرب إلى «هيكل وشكل» الحكم الناصري القائم على سيطرة حزب واحد على الحياة السياسة مع الغاء جميع المختلفين والمعارضين.

فوق ذلك، سورية تعاني من «تكسر اجتماعي» كون مجتمعها متعدد الطوائف والاثنيات، وهنا تختلف عن النموذج المصري والتونسي والليبي.

سوء الفهم هذا كان من شأنه أن ساعد في تأخير وانضاج الحالة السورية وتوحدها حول الموقف من النظام، فالموقف اليوم من النظام السياسي متصدع شعبياً تبعاً لتصدع المجتمع نفسه بين مجموعات كلها حذرة ومتوجسة وتخاف بعضها البعض.

لا ننسى أن السوريين يعيشون منذ دولة الوحدة مع مصر، تحت ظل دولة أمنية وعانوا كثيراً من بطش الأجهزة، كما أن أحداث الثمانينات الدموية والمعارك بين «الإخوان المسلمين» والنظام، وما تبعها من عسكرة الحياة العامة وقمع أي اتجاهات معارضة مهما كان نوعها، كان من شأنه أن يجعل السوريين أكثر الشعوب العربية خوفاً. لكن رغم كل ذلك فلا احد يعرف ماذا يخبئ لنا الغد. الشعوب العربية في تونس ومصر وليبيا، فاجأت أعتى وأهم الأجهزة الاستخبارية في العالم وكل المحللين والاستراتيجيين.

==================

الثورات العربية ونظريات التنبؤ الكلاسيكية

المستقبل - الاحد 13 آذار 2011

العدد 3938 - نوافذ - صفحة 10

غازي دحمان

من هو النظام التالي ؟، لعل هذا أكثر الأسئلة تداولاً في هذه اللحظة العربية المتفجرة والسائلة، والمفتوحة على إحتمالات فاجأ بعضها، حتى اللحظة، جهات الإختصاص التي تثبت مجاهرها الدقيقة على المشهد العربي لرصد حراكاته وسكناته .

وربما هي مصادفة أن الثورات التي حصلت في العالم العربي طالت ثلاثة أنظمة، تشكل، في الواقع ، عينة للأنماط الموجودة على الساحة العربية، الأمر الذي يشكل عاملاً مساعداً لعملية التنبؤ السياسي، وإمكانية إستشراف ما قد يحصل في المشهد العربي .

لا شك ان المعاينة الدقيقة للحالات للبلدان الثلاثة التي أنجزت فيها الثورة، من شأنه تفكيك المقولات التي أطرت الثورات ضمن إشتراطات معينة، وجعلت حصولها دون تحقيق تلك الإشتراطات أمراً غير ممكن، إن لم يكن مستحيلاً .

لقد دأبت النظريات (الكلاسيكية) للثورة، التركيز على شروط بعينها كمقدمة لأي حراك ثوري في مجتمع ما، كالمدنية، وبالتبعية الحداثة، أو التحديث، وبالعطف على ذلك، توفر بيئة سياسية تسمح بوجود كيانات حزبية وتنظيمات مدنية، وقيادات فاعلة، ثم في مرحلة لاحقة، إشتراط تفاعل كل هذه المكونات لإنضاج الفعل الثوري القادر على التغيير .

والواضح انه بإستثناء الحالة المصرية، التي قاربت بعض الشيء تلك الإشتراطات، فإن الحالتين التونسية والليبية، بدتا بعيدتين عن التصور الكلاسيكي للثورات. صحيح أن المدنية في الحالة التونسية تحققت بشكل كبير، وخاصة في العاصمة والشمال ( بنزرت وصفاقس )، لكن الحقيقة الأكيدة أن الهوامش التونسية، التي تفتقر بشكل لا لبس فيه للتحديث والمدنية، هي التي شكلت الرافعة الأساسية للثورة، وسيتضح مستقبلاً أنها الأيام الأصعب وكذا المؤسسة للثورات العربية المنجزة والقادمة، لأنها هي التي يقع عليها عبء الدم ومهمة تحطيم حواجز الخوف وإجبار البقية المترددة، او دفعها، على الإنخراط بالثورة .

أما الحالة الليبية، فلا شك أنها إنطوت على مفاجأة كبيرة لم يكن بإمكان أي تقدير للمواقف، يتصف بالواقعية، إمكان رصدها. فالتصميمات التي تضعها غالبية نظريات الثورات، لايمكن أن تنطبق على الحالة الليبية ولا بشكل من الأشكال. ذلك أن ليبيا في التصنيفات السياسية بقيت عند توصيف المستشرق جاك بيرك في خمسينيات القرن الماضي "مجتمع قبلي، متناثر على مساحة واسعة، تشبه جلد النمر".

ما لم تلحظه أي من التقديرات والتنبؤات السياسية المهتمة بالواقع العربي، هو ذلك المتغير المهم الحاصل على مستوى المنظومة القيمية العربية، وخاصة لدى الأجيال الطالعة، التي نشأت على قيم العولمة والأنماط الفكرية والسياسية والمعيشية التي طرحتها،وشكلت بدورها المعول الذي هدم المنظومة القيمية التي عملت المرجعيات السياسية والمجتمعية والدينية العربية على بنائها زمناً طويلاً .

ولعل الفترة الفاصلة بين ظهور العولمة، وقيام الثورات العربية، هي المجال الذي يتوجب دراسته وتحليله ، لأنه في هذه المرحلة تحديداً تشكلت جذور التغيير وبذوره، وهي الفترة التي هضمت فيها الأجيال الجديدة هذا المتغير، وخلالها عاينت كل المقولات والأيديولوجيات المطروحة في الواقع العربي، وكشفت حجم الوهن الذي يكتنفها، والتنازع الفاضح في مركبها، وإكتشفت أيضاً كاريكاتورية النخب والزعامات التي تتسيد المشهد العربي، وعدم صلاحيتها وقدرتها على تحقيق طموحات هذه الأجيال التي تجاوزت أليات السلطات وقدراتها، والأهم، إكتشاف هذه الأجيال بأن منظومة القيم السائدة ومجموعات النخب المتسيدة، تشكل وصفة أكيدة لموت مستقبلي وسريري أيضاً .

صحيح أن الأجيال لم تطور قيمها الجديدة ضمن أطر محددة، وبالتالي لم تمتلك تصوراً واحداً عن المستقبل، إلا أن الحاصل، أن الفضاء العولمي قد سمح لكل فرد بتكوين تصورات سياسية عن الحرية والرخاء وأنماط المعيشة، تتلاقى جميعها في الحدود الدنيا عن هذه المفاهيم والقيم، الأمر الذي جعل صدى التغيير والثورة يتردد في الوجدان العام في لحظة واحدة .

الثورات العربية باتت واقعاً، ولا بد من إعادة قراءة الواقع العربي وتحليله بناءً على معطيات جديدة. ثمة هدير في العالم العربي بات يهز ويحطم كل المقولات والأيديولوجيات السائدة، وبات يسائل ما كان يبدو أنه ثوابت أبدية .

==================

نعم للديمقراطية ولكن من أين نبدأ وكيف؟

المستقبل - الاحد 13 آذار 2011

العدد 3938 - نوافذ - صفحة 14

كرم الحلو

هل سيبقى العالم العربي مستعصيا على الديمقراطية؟ وهل ثمّة في تاريخه وفي بنيته السياسيّة والاجتماعية والاقتصادية ما حال ويحول دون اندراجه في التحول الديمقراطي الذي يشهده العالم منذ نهايات القرن الماضي إلى الآن؟ وهل من سبيل إلى دمقرطته وكيف؟

أسئلة اشكالية توجه المنهج التحليلي لكتاب العربي صدّيقي حيث عمد المؤلف إلى اعادة نظر شاملة في الدمقرطة في بلدان العالم العربي في ضوء سؤالين مركزيين: أي طريق يجب أن تنتهجه الدمقرطة في المنطقة العربية؟ وهل المفاهيم التي تنتمي إلى مجموعة مصطلحات الديموقراطية الغربية تنطبق على البلدان العربية؟

في رأي المؤلف أن ما يميز حركة الدمقرطة العربية عودتها باستمرار إلى الأطر والمفاهيم النظرية الغربية، وأن التقليد الأكاديمي الغربي بخصوص الدمقرطة في العالم العربي ما يزال يتجاهل التطورات المحلية للمسألة، وقد يكون من السابق لأوانه الحديث عن مدرسة عربية في الدمقرطة التي ما تزال في بدايتها. فضلا عن ذلك لا نزال مستهلكين للنظريات والأيديولوجيات الغربية. وحدها "الاسلاموية" تمتلك رواية محلية أصلية، ومع أن ثمة قاسما مشتركا بين الديموقراطية والمفاهيم الاسلامية بخصوص الشورى والاجماع، ما زال يرى إلى الديموقراطية كأمر لا ينسجم والسياق العربي، وهي لا تزال عربية في المخاض وقيد الولادة وبحاجة إلى أرض صلبة تقف عليها.

ان قياس الديموقراطية بالاختبارالانتخابي وحده، أمر مشكوك في صدقيته، اذ لم تنجح الانتخابات في العالم العربي في زحزحة التفرد والاستئثار بالسلطة، وظلت سمة الاصلاحات السياسية العربية "انتخابات من دون ديموقراطية"، وهي وضعت في السلطة الأوتوقراطيين والمتعصبين ايديولوجيا والإثنيين.

ونظرا إلى انتفاء "وصفة" عالمية لتوسيع المشاركة وتقلص السلطوية، ذهب المؤلف إلى أن الانتقال التدريجي الميثاقي في مقابل التغيير الدرامي للنظام يبدو من حيث المبدأ أحد أفضل أشكال الانتقال المتاحة أمام العرب، ويمكن أن يقدم إلى الدول والمجتمعات العربية الوعد والأمل. أما محاولات لبرلة العالم العربي من فوق إلى تحت، ومن الخارج، فلم تؤد سوى إلى عمليات تجميلية متعثرة.

وتوقف المؤلف أمام ظاهرة الانتخابوية العربية 1998-2008. ففي حدود العام 2007 كانت ثلاثة بلدان خليجية قد أجرت انتخاباتها أول مرة في تاريخها، واستأنف بلد خليجي رابع انتخاباته بعد انقطاع ثلاثين سنة، وجرت انتخابات في كل من الجزائر والأردن والمغرب وسورية وانتخابات رئاسية في موريتانيا، وكذلك أخذت المبادرة الانتخابية طريقها إلى الوحدات السياسية الواقعة تحت الاحتلال في فلسطين وفي العراق. لكنها انتخابات لا تنتج ديموقراطية، ولا تشكل طريقا لتداول السلطة، وما هي الا "استبداد ملبرل" وأداة اضافية في عدة الحكام، أو قشرة ديموقراطية لمضمون غير ديموقراطي، بالاضافة إلى أن التطور الديموقراطي العربي ليس خطيا وهو يخضع للتقدم والتراجع حتى الانهيار في ما يمكن أن يفسّر بالفكرة الخلدونية في "الكر والفر".

أما عملية الدمقرطة بواسطة الغزو على ما حصل في العراق، فقد كانت الأكثر لا شرعية وتكلفة وعنفا في التاريخ فضلا عن أنها هددت مستقبل البلد في الصميم.

ويدرس المؤلف محفزات الدمقرطة العربية في ضوء البنية التحتية للمجتمعات العربية المشكلة من "الخبزيين" اللاهثين وراء الرغيف و"الحيطيين" العاطلين عن العمل. فالأفكار التي يتضمنها هذان المصطلحان تقدم اطارا جديدا لفهم عملية اللبرلة تحت - فوق الجارية في الوطن العربي. فمن الملاحظ الدور المحفز الذي بات انحلال ديموقراطية الخبز يؤديه في معظم المخاض الديموقراطي العربي، فقد كانت المبادرات الديموقراطية الناتجة عن انتفاضتي الجزائر والأردن في الثمانينيات العامل الأكثر أهمية في اجبار نظامي البلدين على الدمقرطة. وسيظل التغيير السياسي في الوطن العربي على المدى القصير يتغذى من ظاهرة انتفاضات الخبز. كما أن ثورة الفضائيات والانترنت تقدم اليوم مواقع جديدة للنضالات المنطلقة من القاعدة، تحت - فوق، في مقابل الدمقرطة الموجهة، فوق تحت. فهذه الوسائل العصرية توسّع الامكانيات المتاحة لاضعاف الأوتوقراطيات العربية.

يخلص العربي صدّيقي أخيرا إلى أن ثمة ممارسات ديموقراطية عربية مضيئة في غير قطر عربي، لكن الأحزاب العربية مدعوة إلى المشاركة الانتخابية كما أن الأنظمة بدورها مطالبة بمواصلة اصلاح الممارسات الانتخابية. وفي هذا الاطار يجب انشاء بنك للبيانات والمعارف والمهارات بصدد الدمقرطة، كما يجب تأسيس مواثيق شرف ملزم لجميع الأطراف بالتقيد بنزاهة الأداء الانتخابي، وارساء قواعد لعبة ديموقراطية مبنية على تبادل الثقة بين الحكومات والمجتمعات.

في رؤية اجمالية نرى أن الكتاب يسهم في تسليط الضوء على اشكالية الدمقرطة العربية منذ الربع الأخير من القرن الماضي وبصورة شبه شاملة، طارحا تصورا واقعيا ومعقولا لامكانات التحول الديموقراطي في العالم العربي، الا أننا في المقابل نأخذ على المؤلف:

أ- طوباوية طرحه لجهة "مناشدة الأنظمة والمعارضة تليين مواقفهما والتناظر والتحاور مع مروجي الديموقراطية في الغرب، وتأسيس مواثيق شرف للممارسة الانتخابية تلزم الجميع، حكومات ومجتمعات بنزاهة الأداء الانتخابي. كأنما التحول الديموقراطي منوط بالتمنيات والنوايا الطيبة وليس مسألة صراع قوى ومصالح وتطور تاريخي في البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يمهد لهذا التحول.

ب-       ضآلة الخلفية الايديولوجية للمؤلف وخياراته المحدودة في الرؤية إلى مأزق الدمقرطة العربية التي لم تأخذ في الحسبان عوامل ايديولوجية اساسية وفاعلة في المجتمعات العربية، كالبنية الاجتماعية الابوية والاثنية والعقل العربي وشكل تعامله مع المجتمع والانسان والكون.

ج ان الانتفاضات الجماهيرية التي يراهن عليها المؤلف، وان كانت ترغم الحكام على الاذعان للمطالب الشعبية، قد لا تؤول إلى دمقرطة فعلية للمجتمعات العربية، اذ هي في الغالب ذات خلفية اصولية رافضة للمبادئ المؤسسة للديمقراطية الحرية بكل اشكالها، المساواة، قبول الآخر فانتصار هذه الانتفاضات لا يؤدي حكماً إلى الدمقرطة، بل ربما قاد إلى تسلطية أشد قسوةً من الانظمة الراهنة.

د ان اي تحول ديموقراطي حقيقي لا يمكن الا أن يستلهم مبادئ ديموقراطية الغرب العلمانية، ما ليس متاحاً الآن في ظل الاصوليات المتيقظة والتهديد الصهيوني المتواصل للأمة العربية وبؤس الشريحة الاكبر من العرب.

=================

الوصفة المغربية للاصلاح : للفهم لا للنسخ!

حسين الرواشدة

الدستور

13-3-2011

لا ادري اذا كان بوسعنا ان نقرأ "الوصفة" المغربية للاصلاح وان نستفيد منها؟ اعرف - تماما - ان لبلدنا خصوصيته وظروفه وبالتالي حاجته الى وصفة خاصة به تنسجم مع حالته وتجربته ، واعرف - ايضا - ان لدينا بروفة للاصلاح بدأت قبل اكثر من عشرين سنة "دعك من تجاربنا السابقة" وانه كان بمقدورنا ان نبني عليها ونطورها ، وان نحولها الى نموذج ، يتقدم على كثير من النماذج التي نحاول الان ان نستلهم منها او نستفيد ، لكنها للاسف تراجعت وتعطلت حتى وجدنا انفسنا امام استحقاقات عاجلة لا ينفع معها التعطيل او التأجيل.

ومع ذلك فان تجربة اخواننا في المغرب لا تختلف كثيرا عن تجربتنا ، واذا كان ثمة اختلاف فهو اختلاف في الدرجة لا في النوع ، بمعنى ان لدينا مشتركات يمكن ان نعتمدها للخروج باصلاحات.. حقيقية تستوعب مطالب الناس ، وتحقق التحول الديمقراطي المطلوب ، وتحافظ ايضاعلى طبيعة النظام السياسي واستقراره وتمايزه وتوافق المجتمع عليه.

تتضمن الوصفة المغربية محورين اساسيين احداهما يتعلق بتعديل دستوري شامل يستند على سبعة مرتكزات اساسية: اولها"التكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة" وثانيها "ترسيخ دولة الحق والمؤسسات وتوسيع مجالات الحريات الفردية والجماعية وضمان ممارستها وتعزيز منظومة حقوق الانسان بكل ابعادها" وثالثها "الارتقاء بالقضاء الى سلطة مستقلة ، وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري" ، اما المرتكز الرابع فيتعلق "بتوطيد مبدأ فصل السلطات وتوازنها" من خلال برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة ، وحكومة منتخبة ، على ان يتم تعيين الوزير الاول "رئيس الحكومة" من الحزب الفائز باغلبية النواب ، والمرتكز الخامس هو "تعزيز الاليات الدستورية" من خلال تقوية دور الاحزاب السياسية وتكريس مكانة المعارضة البرلمانية والمجتمع المدني ، ويتضمن المرتكز السادس تقوية اليات تخليق الحياة العامة وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العامة بالمراقبة والمحاسبة ، ويبقى المرتكز السابع الذي يقوم على "دسترة هيئات الحكم الجيد وحقوق الانسان وحماية الحريات"..

المحور الثاني للوصفة يتعلق بالاصلاح المؤسسي الشامل ، حيث اعتمد على تطوير نماذج ديمقراطية تخدم التنمية المحلية ، من خلال تكريس دستوري للجهوية "المراكز والمحافظات او الولايات" ويتضمن "انتخاب المجالس الجهوية بالاقتراع العام المباشر وتخويل هذه المجالس سلطة تنفيذ مقرراتها بدل العمال والولاة ، وهي بالطبع وصفة كانت قد طرحت في بلدنا في سياق مشروع اللامركزية الذي اجهض قبل ان يرى النور.

لا يخطر في بالي ان ادعو الى تقليد او نسخ هذه الوصفة كما انني ادرك تماما ان لدينا في دستور عام م1952 نصوص متقدمة تعالج معظم ما تضمنه هذا المشروع وبمقدورنا ان نعود اليه او ان نعالج بعض التعديلات التي اقحمت عليه ، ولكنني اعتقد ان افضل ما يمكن ان نستفيد منه هنا هو الدخول مباشرة الى عناوين الاصلاح الحقيقي الذي يطالب به الناس ، وعدم اضاعة الوقت في طرح السيناريوهات والبدائل ، او مناقشة الاقتراحات ووجهات النظر المختلفة التي سبق ان تساهلنا حولها طويلا ، فالوصفة المطلوبة اردنيا ، وتحظى بما يشبه التوافق العام هي التحول ديمقراطيا نحو مرحلة جديدة تتطلب اصلاحات دستورية وقانونية ، وتحتاج الى رؤية واضحة ومرتكزات محددة ، وهذه الرؤية وتلك المرتكزات ليست بعيدة ابدا عن تلك التي اشتملت عليها الوصفة المغربية.

اعرف ان نماذج الاصلاح ووصفاته تتزاحم في بلادنا العربية مع هبوب رياح التغيير وضغوط استحقاقاته ، واعرف ايضا ان كل دولة تجهد في خياراتها ومقارباتها واستجاباتها لهذا الوافد المفاجئ ، لكن هذا لا يمنع ابدا من ان نتعلم ونستلهم مما حدث ويحدث ، ومن ان نفهم ما يريده الناس وما يمكن ان يجيب على اسئلتهم ومطالباتهم ، ويطمئنهم على مستقبلهم ، لا بل وان نقدم لهم وصفة تتجاوز ذلك وتتشرف ما يفكرون به حتى بعد عشرين سنة او اكثر ، والمهم دائما ان ندخل كما فعل اخواننا المغاربة الى جوهر الموضوع وان لا نضيع مزيدا من الوقت في الحديث عنه او الجدل حوله او الهروب منه،

=================

الثورة المصرية ومخاوف إسرائيل

ابراهيم العبسي

Ibrahim.absi@yahoo.com

الرأي الاردنية

13-3-2011

ليس سهلا الآن، ان نضع تصورا دقيقيا وموضوعيا لتأثير رياح الثورات العربية

التي تعصف بالمنطقة، على اسرائيل، لا سيما الثورة المصرية التي اطاحت بنظام

الرئيس حسني مبارك، ذلك النظام الذي ظل حليفا لها منذ معاهدة كامب ديفيد حتى انفجار الثورة في الخامس والعشرين من يناير الماضي هذا العام، والذي اشاع الفساد والرشوة وثقافة النهب والبلطجة في اوساط الشعب المصري الذي جرى ابعاده وتغييبه قسرا وبالعصا البوليسية عن المشاركة في الحياة العامة المصرية

واسقط مصر العظيمة من دائرة الصراع مع الكيان الصهيوني واوصلها الى الحضيض سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بما يخدم مصالح اسرائيل واستمرار تغولها على الامة العربية، اذ كان يقف بكل قوته ضد كل مشاريع الممانعة والمقاومة للاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية، وتواطأ مع اسرائيل ضد مصالح الشعوب العربية، وشاركها في حصارها المجرم للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، املا في تركيع هذا الشعب وارغامه على الاستسلام والاذعان للمطالب والشروط الاسرائيلية التي لم تقبل بها حتى اميركا الحليف الاستراتيجي لاسرائيل.

اما وقد خلعت الثورة المصرية هذا النظام، وبدأت بمطاردة وملاحقة فلوله المتغلغلة في النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر، فمن المؤكد ان اسرائيل لم تعد تحلم بالبيئة الاستراتيجية التي يمكن ان توفر لها الامن وتراعي مصالحها على حساب مصالح الشعب المصري ومصالح الشعب الفلسطيني والامة العربية خصوصا بعد ان اوغلت الدولة العبرية في تقطيع النسيج العربي والفلسطيني وادارت ظهرها للحقوق العربية والفلسطينية عن طريق مصادرة الاراضي الفلسطينية واستمرار اقامة المستوطنات في الضفة وتهويد القدس غير آبهة بما يمكن ان يفعله العرب ما دامت مصرمبارك قد خرجت من معادلة الصراع مع اسرائيل وقلبت ميزان القوى لصالح هذه الدولة المتوحشة.

ولذلك ، فان اسرائيل الان تشعر بقلق عميق مما يمكن ان تصل اليه هذه الثورة التي قلبت الطاولة على رأس حليفها وعلى رأسها، كما عبر عن ذلك بنيامين بن اليعازر وزير الصناعة الاسرائيلي السابق والصديق الحميم للرئيس المخلوع حسني مبارك.

ويتساءل بن اليعازر وهو يتابع تطورات الاحداث بعد نجاح الثورة: ما الذي يمكن فعله بعد سقوط مبارك لكي لا تتضرر اسرائيل من الواقع الثوري الجديد في مصر

في حال سيطرة العناصر المتطرفة على السلطة؟ ويقصد بن اليعازر بالعناصر المتطرفة، القوميين العرب الذين يكنون لاسرائيل بالغ الكراهية والذين ظلوا يتحينون الفرص لاعادة مصر الى هويتها القومية العربية. وهاهي الفرصة قد جاءت ونجحت الثورة المصرية التي لم يكن ثمة من يتوقع نجاحها، وهي بالتأكيد اي الثورة المصرية سوف تسعى للقطع مع اسرائيل ، والعودة الى قيادة الامة العربية من جديد وتغيير شروط لعبة الصراع مع اسرائيل التي اذلت مصر واذلت الامة العربية وصادرت كل حقوق الشعب الفلسطيني، فالمقدمات التي صدرت عن هذه الثورة وما فرضته من متغيرات جذرية في اوساط الشعب المصري والامة العربية تشير الى ان هذه الثورة لن تغفر لاسرائيل ما فعلته بمصر من خراب على كافة المستويات .

لا نقول ان الثورة المصرية ستمزق اتفاقية كامب ديفيد التي اذلت الشعب المصري والشعوب العربية كافة، في الوقت الحاضر ولكنها ستسعى حتما الى اضعاف هذه الاتفاقية حتى يحين الظرف المناسب لالغائها.

=================

الإعلام العربي والثورة.!

د. عمر الحضرمي

الرأي الاردنية

13-3-2011

في حديث موسّع، جرى تناول دور وسائل الإعلام في قيادة الحراك السياسي الذي يملأ الشارع العربي هذه الأيام. كما جرى التطرق إلى مدى قدرة الإعلام بصورة عامة على بناء قناعات جماهيرية تقود التوجه العام للناس. ثم تركّز النقاش حول بعض الفضائيات العربية، وكان السؤال الأساسي، هو هل تستطيع آلة الإعلام أن ترسم السياسات وتلّون الأوضاع، وبالتالي تحدد مواقع الاقدام؟ وهل فعلاً استطاعت هذه الأدوات أن تخلق من السكون حركة؟ أم أن كل ما فعلته هو أنها نقلت صورة ما يجري، وتحدثت عن أحداث صنعتها جهات وقوى أخرى؟ وعليه يقتصر دور هذه الوسائل على تتبع الحركة و»بروزتها»، ثم كررت القول أكثر من مرة حتى بدا وكأنها هي التي تصنع ما يجري.

الجزيرة والعربية وغيرها من الفضائيات العربية وغير العربية، لا دخل لها من قريب أو بعيد في تفجير الثورة في تونس أو في مصر أو في ليبيا، وإنما كان دورها محصوراً في نقل الحدث بسهولة أحياناً وبصعوبة أحياناً أخرى. وكان الناس يتابعون الأخبار والتقارير لأنهم لا يملكون بأنفسهم وسائل اتصال، لذلك تراهم يتنقلون بين القنوات، ويتسمّرون أمام أجهزة التلفاز، الأمر الذي ربطهم به لعدة ساعات في اليوم.

وفي حركة التفافية بدأت هذه القنوات تصوّر نفسها وكأنها هي صانعة الحدث. فإن كان الأمر كذلك لماذا لم تستطع أي من هذه القنوات منفردة أو مجتمعة أن تنشئ حراكاً سياسياً، أو تفجر احتجاجاً أو تصنع ثورة. فكل ما رأيناه قد جرى ويجري في تونس ومصر وليبيا واليمن ما هو إلا من صياغة شباب قتلهم القهر والظلم، لذلك ذهبوا إلى أبعد حد في الرفض دون أن يستأذنوا هذه القنوات أو يستعينوا بها. فالحدث هم الذين صنعوه، وما كان لهذه القنوات إلا أن ركضت وراءهم لتتحدث عنهم وتنقل أخبارهم.

لقد رزح هؤلاء الشباب لعشرات السنين تحت الضغط النفسي والمادي والسياسي والفكري، وكانت القنوات تجول وتصول بكمراتها ومراسيلها، ولم تتحدث أبداً عن ضرورة الثورة وحتميتها. بل أن بعضها كان يبني جسورا بينه وبين الأنظمة التي اهتزت، ويحاول التقرب منها وتلميع صورة قادتها.

نحن لا نقول إن الإعلام العربي لا دور له في التثقيف والتشجيع والإعلان والمتابعة، ولكن نؤكد أنه لم يصل إلى الآن إلى حدّ الدخول في وجدان المواطن العربي وضميره، وبالتالي لم يستطع إلى يومنا هذا من لعب دور المبادرة وخلق الفرص وصنع الحركة، وإنما اكتفى بأن يكون أحد أمرين، إما مطلباً لهذه الجهة، لا لسبب أو تنفيذاً لأجندات الأسياد والأوصياء.

الإعلام العربي لم ولن يقدر على أن يكون صاحب مبادرة إن لم يفهم معنى الرسالة الإعلامية، وأن يضحي بكل المطامع والمطامح التي يسعى وراءها، والالتزام بالواجب المستند إلى حقوق الناس.

أنا أدري أن هناك من يرفض هذا الطرح، ولكني أقول ما هو الطرح البديل المخالف، وكيف يمكن أن نقنع الشارع العربي بأن من صنع ثورة تونس ومصر وليبيا هي الجزيرة أو العربية أو غيرهما.

==================

لماذا تتردد بعض الدول العربية في دعم الثورة الليبية؟

الأحد, 13 مارس 2011

خالد الدخيل *

الحياة

مستقبل موجة الثورات الشعبية في العالم العربي أصبح معلقاً على ما سوف تنتهي إليه في البحرين، واليمن، وليبيا. لكن تبرز الثورة الليبية، بخصوصيتها وبالموقف منها عربياً ودولياً، لتصبح هي المحك الحقيقي لهذه الموجة، وما إذا كانت لا تزال تكتنز في داخلها قوة الزخم والاندفاع؟ أم أنها وصلت إلى حدودها القصوى، وأنها بدأت في التراجع أمام شواطئ ليبيا الطويلة. تميزت الثورة الليبية عن غيرها من الثورات العربية بأنها تحولت، ومنذ لحظتها الأولى، إلى صراع عسكري غير قابل للحل الوسط. فمنذ بداية الثورة في 17 فبراير الماضي تحددت خطوط الصراع، وتحددت أهداف كل طرف بشكل واضح لا لبس فيه: الثوار يريدون إسقاط نظام القذافي، والأخير جعل هدفه القضاء على الثورة قضاء مبرماً. وعلى هذا الأساس تدور الحرب الحالية بين الطرفين، وهي حرب يرى البعض بأنها مرشحة لأن تتحول إلى حرب أهلية. لم تفقد الثورة بسبب ذلك طبيعتها، لكنها وجدت نفسها أسيرة للعبة التوازنات العسكرية بين الثوار ونظام القذافي.

نحن إذن أمام حالة ثورية مختلفة، تعتمد نتيجتها النهائية على الحسم العسكري في الميدان، وليس على الحسم السياسي في الشارع بناء على حجم الدعم الذي يتمتع به كل طرف بين الناس. المفارقة في هذا أن نظام القذافي لا يتمتع بقاعدة شعبية تسمح له بالاستناد إليها. السقوط السريع للمدن الليبية، خاصة في الشرق، في يد الثوار، رغم محدودية إمكانياتهم العسكرية، يشير بوضوح إلى هشاشة هذه القاعدة. كما أن النظام يعتمد بشكل أساسي، ليس على الجيش الذي يعاني من ضعف واضح، وإنما على مليشيات يثق القذافي بولائها أكثر من ثقته بولاء الجيش. هذا فضلاً عن أنه بعد 40 سنة من الحكم، ومراكمة الثروات النفطية، لم يأت نظام القذافي بالتنمية إلى ليبيا، وإنما أتى بالاستبداد، والكذب السياسي، والفوضى البيروقراطية في إطار ما يسميه بنظام «الجماهيرية».

من هذه الزاوية يبدو الموقفان العربي والغربي إزاء ما يحدث في ليبيا مثيراً للدهشة. فما يحصل في هذا البلد ثورة شعبية ضد نظام فاسد ومستبد حكمه بالحديد والنار، وبدد ثرواته في كل اتجاه. ومن واجب العالم، وخاصة العالم العربي أن يقف مع هذا الشعب، خاصة وأن ثورته تواجه الآن ما يبدو أنه اختلال في موازين القوى لصالح نظام القذافي. وهذا تطور إذا ما استمر سيؤدي إلى واحد من أمرين: إما إلى القضاء على الثورة، وهذا احتمال ضعيف جداً، وإما إلى حرب أهلية قد تستمر طويلاً. وهو ما يفرض من الناحيتين السياسية والأخلاقية عدم ترك الثوار يواجهون لوحدهم الآلة العسكرية للنظام. الدعم السياسي والعسكري للثوار سوف يسرع من إسقاط الديكتاتور ونظامه. والأهم من ذلك أنه يجنب ليبيا الانزلاق إلى حرب أهلية سيدفع ثمنها الجميع لاحقاً. موقف دول مجلس التعاون الخليجي بتأكيده على عدم شرعية النظام الليبي، ومطالبته الاتصال بالمجلس الوطني في وقته، يعتبر حتى الآن الموقف الوحيد الداعم للثوار.

ربما قيل بأن الثوار ارتكبوا خطأً استراتيجياً باختيارهم المواجهة العسكرية، بدلاً من التظاهر السلمي، والاعتصام المدني، كما حصل في الثورات العربية الأخرى. يعزز هذه الرؤية ما اتضح من أن الثوار يفتقدون للتنظيم، والتمويل، والخبرة العسكرية، ولخطوط الدعم اللوجستي، مقارنة مع قوات القذافي. ومع وجاهة هذا الرأي، إلا أنه يغفل حقيقة أن النظام السياسي الليبي يختلف في طبيعته عن مقابله في تونس، ومصر، وحتى في اليمن. فهو نظام أمني قضى على أسس الدولة والمؤسسات، ولا يحتمل الاحتجاج، بل يعتبره تعدياً على طبيعته الجماهيرية، وعلى قدسية مؤسسه «الأخ قائد الثورة». النقطة الثانية التي يتجاهلها الرأي المشار إليه أن انفجار الثورة بحد ذاته يعري «النظام السياسي» للعقيد، ويجعل منه الطرف الخاسر على المدى البعيد. كان هذا النظام يعتمد على صمت الجميع، وقبول كل ما يقوله القذافي عن نفسه وعن نظامه. بانفجار الثورة لم يسقط جدار الخوف وحسب، بل تلاشت غلالة الكذب المفروضة بقوة الاستبداد.

ما هو الموقف العربي، والموقف الغربي إزاء هذه الحالة الليبية الخاصة؟ لنبدأ بالموقف الغربي. هنا نجد كماً كبيراً من الدعم اللفظي الواضح لحق الشعب الليبي في نظام ديموقراطي بديل، ومطالبة العقيد بالتنحي عن السلطة، والتهديد بملاحقته قضائياً في حالة ارتكابه جرائم حرب ضد شعبه. وهو الموقف الذي أكدته القمة الأوروبية الجمعة الماضية. أيضا بادرت الدول الغربية إلى تجميد الأصول المالية للعقيد وعائلته، وإلى التهديد بفرض حظر جوي على ليبيا لمنع سلاح الطيران الليبي من ضرب المدن والثوار. لكن، ما عدا التجميد المالي، بقي كل ذلك مجرد تصريحات صحافية، لم تجد طريقها بعد للتحول إلى سياسات على الأرض. ومع أن الثوار يرفضون أي تدخل عسكري، إلا أن الغرب متردد بالنسبة لما هو أقل من ذلك. هناك انقسام في أوروبا، وفي الولايات المتحدة حول مسألتين: الاعتراف بالمجلس الوطني الذي شكله الثوار كبديل لنظام القذافي، وفرض الحظر الجوي. هذا الموقف الغربي المتردد مثير للدهشة، في ضوء أن الغرب ظل لعقود من الزمن يعتبر أن نظام القذافي أسوأ وأخطر الأنظمة السياسية في العالم العربي. لماذا التردد إذن في دعم الشعب الليبي وهو يحاول التخلص من هذا النظام؟ ويكبر السؤال أمام حقيقة أن الغرب، وخاصة واشنطن، كان أكثر حماسة لسقوط النظام المصري؟ قامت أمريكا في عهد جورج بوش الابن بمغامرة عسكرية كبيرة لإسقاط نظام صدام حسين في العراق، وكلفتها هذه المغامرة كثيراً عسكرياً، وبشرياً، ومالياً، فضلاً عن كلفة ذلك على الشعب العراقي. من ناحيتها، كانت إدارة أوباما الحالية نشطة جداً في العمل لإقناع الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، بالتنحي إذعاناً لمطالب الجماهير. وهذا رغم أن الجيش المصري امتنع عن توجيه قوته لقمع الجماهير. الآن تبدو هذه الإدارة مترددة في اتخاذ خطوة فرض الحظر الجوي لمنع القذافي من التمادي في استخدام القوة ضد شعبه؟ أخلاقياً لا يمكن تبرير هذا الموقف. فهو يفضح مرة أخرى دعاوي الغرب في دعم الديموقراطية. لكن كيف يمكن تفسير ذلك سياسياً؟

الموقف الأوروبي أكثر غرابة، لناحية أنها تشارك ليبيا شواطئ البحر المتوسط. الدولة الأوروبية الوحيدة التي اعترفت بالمجلس الوطني الليبي هي فرنسا. ولا يبدو في الأفق أن الموقف الغربي سيتغير كثيراً قبل أن تتضح أولاً وجهة العمليات العسكرية في ليبيا، وثانياً موقف العالم العربي من نظام القذافي، ومن الحظر الجوي. مرة أخرى، كيف يمكن تفسير الموقف الغربي؟ يقول توماس دانيلون، مستشار الأمن القومي للرئيس أوباما، بأنهم ينسقون مع الثوار حول كيفية مساعدتهم إنسانياً، وكيف ينظمون أنفسهم كحكومة معارضة. لكن الإدارة مترددة أمام فكرة الاعتراف بالمجلس الوطني كحكومة شرعية. يبدو أن واشنطن ترى في سرعة الأحداث والثورات في العالم العربي، ما قد يؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي في المنطقة، وتأثير ذلك على المصالح الأميركية. في السياق نفسه، فإن حدوث ثورات من المشرق إلى المغرب دفعة واحدة، وخلال فترات زمنية قصيرة، خلق حالة من الارتباك لدى أغلب الدول المعنية بأحوال المنطقة. والعامل الأهم وراء تردد الإدارة هو اختلاف المصالح الأميركية، حجماً ووزناً، من دولة عربية لأخرى. حيث تنقل صحيفة ال»نيويورك تايمز» الأميركية أن واشنطن وحلفاءها مترددون في الانجرار إلى حرب أهلية في ليبيا، وهي بلد لا يعتبره الغرب مهماً بدرجة كبيرة لاهتماماته الأمنية.

للموقف الغربي علاقة بالموقف العربي. ففي موضوع الحظر الجوي يريد الغرب غطاء عربياً لذلك. ودول مجلس التعاون الخليجي هي الوحيدة التي وافقت على الحظر، وتحاول توظيف موقفها الجماعي لتأمين الغطاء العربي في اجتماع الجامعة العربية (أمس). الجزائر وسوريا لا توافقان على فكرة الحظر. كلا الدولتين لا تعلن موقفاً مما يحدث في ليبيا. والأرجح أن المضمر في هذا الموقف الملتبس رفض التخلي عن القذافي بسرعة، بأمل أن يتوقف المد الثوري في ليبيا. أما الصمت المغربي والموريتاني فالأقرب أنه صمت الجوار الذي ينتظر إجماعاً عربياً، أو حسماً للموقف داخل ليبيا. أما بالنسبة لليمن الذي يواجه رئيسه حالة ثورية متصاعدة فموقفه معروف سلفاً. الأغرب في كل ذلك هو موقف الدولتين اللتين أشعلتا شرارة الثورة، تونس ومصر. فكلتاهما تلوذان بالصمت حيال الصراع بين الثوار والقذافي، ويقال بأنهما ليستا متحمستين لفكرة الحظر الجوي. ربما يمكن فهم هذا الموقف من تونس، الصغيرة، والمجاورة لليبيا. لكن ماذا عن مصر؟ لا يمكن أن يكون الانشغال بمقتضيات الحالة الثورية مبرراً لهكذا موقف. كان المتوقع أن تبادر مصر، التي تخلصت من الاستبداد، بالوقوف إلى جانب الشعب الليبي وهو يحاول التخلص من الاستبداد أيضاً. الموقف المصري من هذه القضية هو الأكثر غرابة من بين كل المواقف العربية. هل يختلف هذا الموقف بعد الاجتماع العربي في القاهرة (أمس)؟ في هذا الإطار العربي، هل تبقى رؤيتنا للموقف الغربي كما هي؟

* كاتب واكاديمي سعودي

==================

الشرق الأوسط أخذ يغير أميركا

جابر حبيب جابر

الشرق الاوسط

13-3-2011

قبل نحو عقد من الآن، كان العالم منشغلا بالسياسة الأميركية الجديدة بعد تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول)، حيث كان المزاج في واشنطن رافضا للأوضاع في المنطقة، وبوش دشن مبدأ الحرب الوقائية واعدا، ليس فقط بتدمير محور الشر، بل أيضا بنشر الديمقراطية في المنطقة التي ظلت عصية عليها. لكن بدلا من أن تغير أميركا المنطقة، يبدو أن المنطقة هي التي أخذت تغير أميركا. فوعد بوش سرعان ما تحول إلى كارثة عراقية لم تؤد فقط إلى تقوية «القاعدة» وإيران، الخصم الرئيسي لأميركا وأحد أطراف محور الشر البوشي، بل إن المنطقة أثبتت قدرة على تحويل العراق إلى درس لأميركا بقدر ما كانت هي تريده درسا للمنطقة. بدلا من الدمقرطة والاعتدال ونقل النموذج الغربي، غدا العراق ساحة صراع إقليمية ودولية وخط دفاع أماميا لكل من أراد أن يقاوم التغيير كما تخيله الرئيس بوش. الأهم من ذلك، لم يكن نموذج الدمقرطة عبر الاحتلال الخارجي جذابا لشعوب المنطقة، لأنه ينطوي على تناقض صارخ، بين تحرير الناس من الديكتاتورية، وفرض سيطرة أجنبية وإعادة كلمة الاحتلال الأجنبي لقاموس منطقة تعلمت طويلا أن الحرية والاحتلال لا يجتمعان.

لكن ما نراه اليوم هو أن المنطقة أخذت تشق طريقها نحو التغيير، ثورات واحتجاجات وانتفاضات أطلقتها حادثة الشاب التونسي الذي أحرق نفسه، ولكنها خلقت وعيا جديدا بإمكانية التغيير لمجتمعات يؤلف الشباب غالبية ساحقة من أفرادها، في مواجهة أنظمة بعقلية آبائهم وأجدادهم، عاجزة عن أن تستوعب مطالبهم المتصاعدة، كما أنها عاجزة عن قمع تحركهم بالوسائل التي اعتادتها.

في الوقت الذي قاد فيه الشباب هذه التحركات الشعبية، فإن عجز الأنظمة عكسه شيوخها الذين، عبثا، حاولوا أن يعطوا الانطباع بأنهم لا يشيخون.

التغيرات كانت خارج نطاق التوقعات، وكانت أسرع من الجميع، بما في ذلك القوة العظمى التي فكرت يوما بتغيير المنطقة على طريقتها. لقد كانت الحكمة السائدة منذ زمن الحرب الباردة هي أن الأميركيين والدول الغربية يفضلون بقاء الأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط، ويخشون من ديمقراطية قد تؤدي إلى تمكين الإسلاميين، وطالما كان يجري الحديث عن «الاستقرار» كأولوية أساسية للغرب في الشرق الأوسط. ولكن يبدو أن هذه الحكمة أخذت تُدفن تحت وقع التغييرات السريعة، ولم يعد من السهل الحديث عن الاستقرار بمعزل عن الحرية. لقد تأخرت الاستجابة الأميركية والأوروبية للتحرك الشعبي في تونس ومصر وليبيا، وقد كان واضحا أن الغرب لم يبلور استراتيجية واضحة، وأنه وضع قسرا أمام اختيار التعاطي مع مطالب المنتفضين، وكانت مصر خطا فاصلا، ليس فقط لأهميتها الاستراتيجية، بل أيضا لأن الثورة فيها هددت نظاما يرتبط بأميركا بتحالف وثيق.

عند النقطة التي قرر فيها الرئيس أوباما وإدارته الوقوف إلى جانب التغيير في مصر، يمكن القول إن الاستراتيجية الجديدة أخذت بالتشكل دون الادعاء أنها تبلورت تماما. إنها الآن استراتيجية تقوم على تجنب الوقوف إلى جانب الأنظمة عندما تصبح بمواجهة ثورة شعبية، وتجنب المراهنة عليها عندما يبدو أن التذمر الشعبي ينذر بالثورة. فالتحرك الشعبي إما أنه سوف ينتصر بأي حال عندما يكسر الناس حاجز الخوف، ويصبح خروجهم إلى الشارع أقل تكلفة من بقائهم في البيوت، وبالتالي تكون الولايات المتحدة قد خسرت فرصة الرهان على الحصان الرابح، أو أنه لن ينجح في إحداث تغيير جذري، وفي هذه الحالة تكون أميركا تجنبت الوقوع في التناقض بين دعمها الآيديولوجي للديمقراطية ووقوفها بالضد منها في بعض البلدان.

كما أن السياسة الخارجية الأميركية لا تصنع فقط عبر تأثير المصالح الخارجية، لا سيما في حالات من هذا النوع، حيث تكون الأحداث الخارجية قد جذبت الرأي العام الأميركي وخلقت نقاشا داخليا. ومع حقيقة أن وسائل الإعلام الأميركية في عصر الإنترنت والجزيرة الإنجليزية، لم تعد قادرة على احتكار نقل ما يجري في العالم الخارجي وفلترته بما ينسجم مع مصالح النخبة في واشنطن، فإن اهتمام الرأي العام يخلق ضغطا يفرض على أي إدارة أميركية أن تتجنب الوقوف موقف المتفرج، أو تتبنى سياسة تناقض مقولاتها الأخلاقية.

وبالطبع هنالك نقاش واسع اليوم في أميركا وأوروبا حول ما يجب فعله تجاه الأحداث المتسارعة في المنطقة، وإلى حد كبير تراجعت مسألة التخويف من الإسلاميين، ويبدو أن هنالك قنوات فتحت للحوار معهم في تونس ومصر وليبيا، وربما مناطق أخرى.

الإسلاميون أخذوا يتصرفون ببراغماتية أكبر، وهم يقدمون أنفسهم بنسخ جديدة تحترم الديمقراطية، على الأقل خطابيا، ولا تسعى للاصطدام بالمصالح الغربية. لذلك فإن العمود الثاني للسياسة الأميركية التقليدية أخذ بالتغير بدوره، دون القول إنه تغير تماما، فما زال الجميع في انتظار أول انتخابات حرة ستجري في تونس ومصر للحكم حول مدى شعبية الإسلاميين، وطبيعة أجندتهم.

المسألة الأخيرة التي يجب ذكرها هنا، أن هذا التعاطي الأميركي مع الحقائق الجديدة في المنطقة ليس نتاجا لإرادة ذاتية تعرف ما تريد، بقدر ما هو تعبير عن حقيقة أن العالم كله يتغير إلى الحد الذي لم تعد أميركا قادرة على فرض حدود للتغيير، أو التحكم بمجرياته. فالرهان بأن أي شيء في المنطقة لا بد أن يمر عبر واشنطن، بما في ذلك، بل وفي مقدمته، تغيير الأنظمة أو إصلاحها، بات رهانا خاطئا. التغيير يمكن أن يحصل بعيدا عن الإرادة الأميركية، والأكثر من ذلك، أنه قد يؤدي إلى تغيير أميركا نفسها.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ