ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأحد 09/01/2011


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

J

 

عيون وآذان ("يهود يكرهون أنفسهم")

السبت, 08 يناير 2011

جهاد الخازن

الحياة

قبل ثلاث سنوات وجدت أني موضوع مقال عنوانه "لا سامية جهاد (الخازن)" كتبه جوناثان شانزر، من المركز اليهودي للسياسة، وقال فيه ان وزير الداخلية البريطاني، في حينه، ديفيد بلانكت جعل التحريض على الكره الديني جريمة ومقالاتي قد تكون كذلك.

 

قلت في ردي المنشور في 10/12/2007 "حسناً، أنا أرمي قفاز التحدي، وأدعو المركز اليهودي أو أي مركز مماثل أن يأخذني الى محكمة في لندن، ونترك القضاء البريطاني يقرر هل أنا لا سامي أو مدافع عن اليهود. أقول للمتهمين مستعيراً من عبارة معروفة بالانكليزية: افعل أو اخرس".

 

هذه المرة يتهمني مركز سايمون فيزنتال بمعاداة اليهودية لأنني قلت ان اليهود اخترعوا ديناً ليسرقوا بلاداً من أهلها.

 

إذا كان أنصار اسرائيل لا يتحملون ما أكتب فالسبب قبل ثلاث سنوات واليوم انهم يرفضون ان يصدقوا انهم يؤيدون دولة قامت على أراضي الآخرين، ولا تزال تقتل وتدمر وتسرق البيوت، وهي في العقد المنتهي وحده قتلت 1500 قاصر فلسطيني، أي دون الخامسة عشرة، في مقابل 135 قاصراً اسرائيلياً، أي نسبة تزيد على عشرة الى واحد، وهي نسبة نازية بامتياز.

 

هناك كل يوم شيء يدين اسرائيل ولا أحتاج أن أعود الى أي جريمة قديمة ففي الأيام الأخيرة ما يكفي.

 

- الدجال بنيامين نتانياهو قال ان الأميركيين هم الذين أوقفوا تجميد المستوطنات.

 

- "معاريف" كتبت تحقيقاً عنوانه "جبهة الرفض"، وهذه ليست سورية أو أي فصيل مقاومة فلسطيني، وانما حكومة اسرائيل المتطرفة التي رفضت مرتين ان تتسلم أو تقرأ وثيقة فلسطينية توضح مطالب الفلسطينيين في عملية السلام، حسب قول "معاريف" لا "الحياة".

 

- الصحيفة نفسها قالت ان حزب العمل سيترك الحكومة لتعثّر الجهود الديبلوماسية.

 

- حارس المواخير أفيغدور ليبرمان يريد تعيين سفير لشؤون المحرقة، ليبعد الأنظار بجريمة ارتكبت قبل 65 سنة عن جرائم اسرائيل اليوم. وحزبه طلب من الكنيست قمع منظمات انسانية يهودية تراقب عمل الجيش.

 

- "يديعوت اخرونوت" كتبت عن الحاخام اسحق غينزبرغ الذي ألف كتاباً يمتدح باروخ غولدستين منفذ مجرزة الحرم الإبراهيمي، وعن الحاخامين اسحق شابيرا ويوسف اليتزور اللذين ألفا كتاباً بعنوان "توراة هامليش" يقول ان قتل نساء وأطفالٍ أبرياء من غير اليهود مسموح به في زمن الحرب حسب قانون الهلاشا الديني.

 

- الصحيفة نفسها قالت ان مجرم الحرب ارييل شارون عين مائير داغان رئيساً للموساد وقال له انه يريد الاستخبارات ان تعمل و "سكين بين أسنانها"، وهي عملت كقرصان واغتالت حول العالم، وزورت جوازات دول حليفة. وعلى سبيل التذكير، داغان كان مساعد شارون في الجنوب (غزة) في السبعينات، واشتهر بقتل الفلسطينيين شخصياً بسيف ياباني.

 

اسرائيل دولة مجرمة قامت على خرافات توراتية، وكل من يدافع عنها شريك في جرائمها. وهي لا تمثل يهود العالم فغالبية هؤلاء طلاب سلام لا يريدون أي علاقة مع دولة تقودها حكومة فاشستية، لذلك نجد ان معظم حملات مقاطعة اسرائيل أكاديمياً وتجارياً وسياسياً قادها يهود من طلاب السلام، بعضهم في الجامعات الإسرائيلية نفسها. وبما ان هؤلاء يتهمون بأنهم "يهود يكرهون أنفسهم" فإنني لا أستغرب أن أُتَّهم رغم انني هاجمت المؤرخ ديفيد ارفنغ لإنكاره المحرقة، وانتقدت محمود أحمدي نجاد بحدّة مرة بعد مرة للسبب نفسه، وأيدتُ عملية السلام، وهاجمت أبو عمار عندما فشلت وطالبتُه بالاستقالة، وعملتُ مع رئيس الوزراء في حينه أبو مازن والأخ خالد مشعل حتى أعلنت الهدنة في صيف 2003، وحميتُ بذلك أرواح اسرائيليين مع فلسطينيين خلال الانتفاضة الثانية، ولا أزال أقبل حتى اليوم أي سلام وأعارض كل حرب.

 

تهمة اللاسامية تضعني في رفقة كريمة فالاعتذاري الإسرائيلي الكريه الآن ديرشوفيتز يتهم باللاسامية القس دزموند توتو لأنه يقول ان اسرائيل دولة ابارتهيد، أو تفرقة عنصرية، ورئيسة ايرلندا السابقة ماري روبنسون التي هاجمت السياسات الإسرائيلية وهي ترأس اللجنة العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

 

ووجدت نفسي في صحبة طيبة أيضاً مع بعض الشخصيات في قائمة لمركز سايمون فيزنتال عن أول، أي أسوأ، عشرة تصريحات لا سامية فقد ترأست القائمة الصحافية هيلين توماس ان على اليهود أن يتركوا فلسطين ويعودوا الى بلادهم في بولندا والمانيا وأميركا وغيرها. وأنا أؤيد كلامها كما أؤيد قول المتوكل طه، وهو مسؤول اعلامي في السلطة الفلسطينية، ان لا علاقة لليهود بالحرم الشريف ولا أثر لهيكل سليمان فيه، وهذا صحيح. كذلك أقبل نصف كلام المخرج أوليفر ستون عن "اللوبي اليهودي" ونفوذه الهائل في واشنطن، ولكن أرفض كلامه عن هتلر والروس واليهود، وأجد العبارات المنسوبة الى السبعة الآخرين من القائمة لاسامية فعلاً.

 

وأقول مرة أخرى اسرائيل دولة عنصرية من دون شرعية تقتل النساء والأطفال وكل من يدافع عنها مثلها.

========================

الاستقلال أو الحرب

آخر تحديث:السبت ,08/01/2011

تشارلز تانوك

الخليج

في تسعينيات القرن العشرين حول العالم أنظاره بعيداً عن الإبادة الجماعية في رواندا، وعن “حرب البحيرات العظمى” في شرق الكونغو، والتي حصدت أرواح قرابة الخمسة ملايين إنسان، وهو أعظم عدد من القتلى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية . ولكن هل تكون الغَلَبة لمثل هذا الصمت والإهمال مرة أخرى إذا تجددت الحرب الأهلية في السودان؟

 

إن اتفاق السلام الذي أبرم في نيفاشا بكينيا في عام 2005 بين الحكومة السودانية والمتمردين التابعين للحركة الشعبية لتحرير السودان ألزم الجانبين، اللذين دامت الحرب بينهما طيلة القسم الأعظم من نصف القرن الماضي، على العمل من أجل الوحدة . ولكن مع بلوغ اتفاقية السلام الشاملة المزعومة ذروتها، تخلت الحركة الشعبية لتحرير السودان فجأة وبلا مقدمات عن كافة ادعاءاتها السابقة بأن الوحدة مع الشمال والحكومة في الخرطوم ممكنة أو مرغوبة .

 

والاستفتاء المقرر أجراؤه في التاسع من يناير/كانون الثاني من شأنه أن يمنح الناخبين في الجنوب الفرصة لإنشاء دولة مستقلة ذات سيادة . وسوف يشهد إقليم أبيي الغني بالنفط تصويتاً مستقلاً ولكنه متزامن مع الاستفتاء، وبموجب هذا التصويت يختار الناخبون هناك ما إذا كانوا يريدون الانضمام إلى الشمال أو الجنوب .

 

الواقع أن الاندماج المصطنع بين شمال السودان ذي الأغلبية العربية المسلمة وبين الجنوب الإفريقي، حيث المسيحية والمعتقدات الوثنية التقليدية هي الغالبة، كان فاشلاً بشكل واضح . فمنذ حصول السودان على استقلاله عن المملكة المتحدة في عام ،1956 اجتاحت البلاد حرب أهلية شبه مستمرة تتغذى على الانقسامات الثقافية والدينية بين الشمال والجنوب . ثم تعقدت الأمور في وقت لاحق بسبب صراع منفصل هذه المرة بين المسلمين على الموارد في منطقة دارفور الغربية .

 

وإذا كان الجنوب غير المسلم قد نال عند استقلال البلاد درجة كبيرة من الاستقلال الذاتي على الصعد الدينية والثقافية والإدارية في إطار هيكل اتحادي فيدرالي انتقالي، لكان من المتصور الآن أن تظل البلاد في سلام . ولكن الجنوب لم يكتسب هذه الحريات إلا في عام ،2005 مع اتفاقية السلام الشاملة، وبعد صراع دموي . الواقع أن أماكن قليلة على الأرض يعيش عليها أناس أشد فقراً وعوزاً من أهل جنوب السودان . ففي أغلب الأماكن هناك لا وجود على الإطلاق للبنية الأساسية، والملايين من الألغام الأرضية التي لم تنفجر لا تزال متناثرة في التربة . ولكن الجنوب لم يُحتَل قط، بل إن الجيش الشعبي لتحرير السودان حارب الشمال مرتين ولم يتمكن الشمال من قهره .

 

إن الحجة المؤيدة لاستقلال جنوب السودان ترتكز إلى حقيقة مفادها أن الجنوب سوف يكون قادراً على إدارة اقتصاد ناجح مستدام . ذلك أن ما يقرب من 80% من النفط السوداني يوجد في الجنوب، هذا فضلاً عن الخير الذي تبشر به المساحات الشاسعة من الأراضي الخصبة المروية طبيعياً في مجال الزراعة التجارية . وقد تحتوي أرض الجنوب أيضاً على ثروات معدنية هائلة، ولو أن لا أحد يستطيع أن يجزم بذلك نظراً لاستحالة التنقيب في أراضي الجنوب لمدة طويلة .

 

إن الحرب لا تصب في مصلحة أي من الأطراف، وقد يؤدي تجدد الصراع إلى جر الولايات المتحدة (التي تدعم الجنوب) والصين (السند الدولي الرئيس للبشير) إلى صراع خطير ومتصاعد بالوكالة من ذلك النوع الذي كان شائعاً في إفريقيا أثناء سنوات الحرب الباردة . والواقع أن الصين كانت تستثمر بكثافة في الآونة الأخيرة في إثيوبيا المجاورة على أمل شراء الحياد من رئيس الوزراء ملس زيناوي في حالة نشوب الحرب، وذلك على الرغم من أن الحكومة في أديس أبابا من الأرجح أن تساند أتباع الديانة المسيحية في الجنوب . والواقع أن احتمالات نشوب حرب بالوكالة هي التي تجعل كافة القضايا المعلقة قابلة للانفجار تقسيم عائدات النفط، وترسيم الحدود، وتحديد مصير جبال النوبة المتاخمة ومنطقة النيل الأزرق . ولكن سواء نشبت حرب بالوكالة أو لم تنشب، فإن إعادة رسم الحدود الاستعمارية لإفريقيا على هذا النحو غير المسبوق (كان انفصال إريتريا قبل عقدين من الزمان بمثابة المثال الأخير) قد تؤدي إلى عواقب وخيمة في ما يتصل بمستقبل القارة بالكامل . إن حصول جنوب السودان على الاستقلال من شأنه أن يرغم الغرب على مواجهة المعتقدات التقليدية الراسخة بشأن إفريقيا، وبخاصة معتقد مفاده أن دولاً مثل الصومال ونيجيريا أكثر استقراراً ككل واحد مقارنة بحالها إذا تم تقسيمها إلى قسمين أو أكثر . والواقع أن حصول جنوب السودان على الاستقلال من المتوقع أن يمهد الطريق أمام الاعتراف الدبلوماسي بأرض الصومال، تلك المنطقة المستقرة التي كانت محمية بريطانية سابقاً والتي تتمتع بالاستقلال بحكم الأمر الواقع عن بقية الصومال منذ عام 1991 . إن العالم يحبس أنفاسه مع اقتراب موعد عقد الاستفتاء في السودان . ولا شك في أن جنوب السودان سوف يواجه تحديات هائلة باعتباره دولة ذات سيادة، ولكن البديل العودة الحتمية إلى الحرب خطير إلى حد لا يمكن تصوره، سواء بالنسبة للسودان أو إفريقيا . والآن يحظى شعب جنوب السودان أخيراً بالفرصة لتقرير مصيره . وبالنسبة لأهل جنوب السودان، وقضية السلام الدائم في المنطقة، فقد يشكل هذا بداية عظيمة القيمة للعام الجديد .

 

المنسق الممثل للمحافظين والإصلاحيين الأوروبيين في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي . والمقال ينشر بترتيب مع “بروجيكت سنديكيت”

========================

ازدواجية أمريكا والمراجعة العربية الاستدراكية  

آخر تحديث:السبت ,08/01/2011

سليمان تقي الدين

الخليج

في خطوة لافتة قرر الرئيس الأمريكي تعيين سفير بلاده في دمشق، تجاوز رغبة الكونغرس واستبق انعقاده بأرجحية الجمهوريين الذين ينتقدون سياسته الموصوفة بالمهادنة . لكن الإدارة الأمريكية خفضت من أهمية الخطوة بذريعة الحاجة إلى التواصل وتوجيه الرسائل التي تؤكد سياسة الولايات المتحدة الخارجية الثابتة تجاه معظم ملفات المنطقة .

 

في الواقع، الرئيس أوباما لا يهادن برغبة طيّبة، والجمهوريون يتطلعون إلى العالم بالنظّارات السوداء . كلفة الحرب على أمريكا كانت أكبر بكثير من جدواها . الحرب التي أرادها جورج بوش الابن استباقية لوضع اليد على مصادر الطاقة والضغط على السياسات الدولية الأخرى، أسهمت في الأزمة المالية الأمريكية بدلاً من معالجتها .

 

وحدها سياسة الفوضى وتعميق الصراعات والنزاعات الإقليمية وفّرت لأمريكا عشرات مليارات الدولارات من سوق بيع الأسلحة لأصدقائها، وهذا بحد ذاته وسيلة ناجعة في الوقت الحاضر . في يد أمريكا ما هو أكبر من القوة العسكرية تأثيراً في مسار الأمور . حصلت “إسرائيل” على الدعم الكافي من القوة، والعقوبات على إيران تتفاعل، والمحكمة الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي عناصر مهمة للضغط على أكثر من دولة، والحروب السرية مفتوحة لإشغال العرب بأمنهم الداخلي واستقرارهم .

 

بالفعل، لم يتوقف السعي الغربي لاحتواء سوريا بالضغوط حيناً وبالإغراءات حيناً آخر، أو بالتزامن بين الأمرين . السياسة المزدوجة مع إيران لا يمكن وصفها بالفشل . في العراق، أمريكا وإيران أخذتا كلتاهما من حصة العرب . رجحت حصة إيران لكن البيئة العربية الأوسع ازدادت حذراً استخدمته أمريكا وتستخدمه في لبنان وفلسطين . ما تقدمه أمريكا لسوريا لا يختلف نوعياً عما تقدمه للعرب الآخرين: خلق المتاعب والأزمات في محيطها وتهديدات الأمن إذا أمكن ذلك، وإغراؤها بدور أكثر نفوذاً وأقل أهمية في الصراع الدائر على تشكيل النظام الإقليمي . هذه السياسة القديمة الجديدة لا تجد حتى الآن صدى في دمشق، رغم الإيحاءات الغربية الكثيرة التي تختصر المسألة في ابتعاد دمشق عن طهران .

 

في أية قراءة استراتيجية نجد دمشق وقد اجتازت خطط التطويق وأقامت علاقات تعاون مستفيدة من نمو التناقضات بين المصالح الدولية .

 

تطوعت فرنسا أخيراً لحمل جزءٍ من العبء الأمريكي والدعوة الى تعاون آسيوي أوروبي يكون لروسيا فيه دور مؤثر باعتبارها الجهة التي تساعد إيران في التكنولوجيا النووية . هكذا تبدو السياسات الدولية كلها متجهة الى استقطاب سوريا بوصفها حجر الزاوية في دائرة المشرق العربي والقطب الذي تدور من حوله المشكلات والحلول في لبنان وفلسطين والعراق .

 

لكن الدور الإقليمي المتعاظم لسوريا من حيث أهميته في صياغة منظومة “الشرق الأوسط” البديل لا تقابله حيوية موازية على صعيد الداخل السوري . هناك فجوة واسعة بين القرار في قمة الهرم والإدارة السياسية . وهناك خلل بين العلاقات السياسية السورية وبين تجلياتها على المستوى الشعبي العربي . تبدو سوريا في كثير من الأحيان وكأنها تلعب مع قوى حليفة لها ولكنها غريبة عنها . هذا شأنها في لبنان وفلسطين والعراق . يتراجع الحضور السوري في هذه القضايا والملفات عن الواجهة لمصلحة ظهور الدور الإيراني .

 

ليس المطلوب فتح مواجهة أو منافسة على هذا الصعيد، لكن المطلوب هو تفعيل الدور السوري بوصفه العنصر العربي الأكثر أهمية في الجغرافيا السياسية بين أضلاع المثلث الذي يقوم عليه تعاون إقليمي يمنع الهيمنة الأمريكية الصهيونية، وهو المثلث السوري - الإيراني - التركي وامتداداته في دول المحيط .

 

يدرك المسؤولون السوريون هذا الواقع ولا يجدون له حلاً حتى الآن . لكن الفراغ ليس أمراً طبيعياً، وهناك المزيد من القوى والتيارات التي تملؤه على حد أن تركيا تخطف جزءاً من وهج السياسة على مسرح المنطقة منذ استدارت نحو الشرق واتخذت مواقف في صالح الحقوق العربية .

 

في المدى المنظور تعيش المنطقة في أجواء الهدنات وصياغة التسويات الموضعية الجزئية والمؤقتة، هناك وقت يضيع من مستقبل العرب وهم في غياب أية مبادرة أساسها إعادة تكوين الرؤية والمصالح المشتركة . لقد اعتدنا بفعل الزمن على الدور الإيراني وهو يمارس شراكة متزايدة على قضايا العرب . قد نعتاد غداً على الدور التركي وسواه ونبحث عن دور أوروبي وندعوه للتدخل لملء فراغ لا يبرره حجم العرب على الخارطة الدولية لاسيما بما يملكون من رصيد للطاقة الحيوية لكل الحضارة المعاصرة، وما يملكون من أموال هي العنصر المهم في الأزمة المالية العالمية . وفوق هذا وذاك، هناك حراك عربي في أكثر من موقع لا يزال يقاوم سياسة الإخضاع والاعتداء على الحقوق . أقفلت السنة الماضية على كثير من الأزمات بعضها مزمن وبعضها مستجد، لا لزوم لتعدادها وقد شملت معظم الدول العربية . هناك ما هو مشترك في السلبية بعد تراجع منسوب المشتركات الإيجابية في الوضع العربي . يُختصر المشهد العربي اليوم في عنوان عريض، إما الإصلاح أو الفتنة، إما اتباع سياسة التعاون وإما الإغراق في الشرذمة . إما التصدي للتحديات وإما الانكفاء على المزيد منها . ما كان من قبل في موقع الذي يحيّد نفسه عن الصراعات انخرط فيها بشكل أو بآخر . المنطقة تتفاعل بمشكلاتها الداخلية وباستمرار الضغوط الخارجية عليها، لا مفر من مراجعة السياسات التي كانت حصيلتها وكأن العرب قد خرجوا من الفعل التاريخي وأسلموا أمورهم لمشروعات تشطير كياناتهم الحديثة وتفكيك لحمة اجتماعهم السياسي جهوياً وطائفياً وإثنياً وقبلياً . أمن العرب ووجودهم وتقدمّهم مرهون جميعه بمراجعة ومصارحة ومصالحة بين هذه المكونات الراغبة في الحفاظ على “عالم” عربي يتحدث لغة واحدة ويشترك في مرجع واحد لكرامة الأرض والإنسان .

========================

السودان واستبدال الأدنى بما هو أعلى

د. عمر عبد العزيز

التاريخ: 08 يناير 2011

البيان

ليس من المستغرب أن تتّسم المسألة السودانية بقدر كبير من التشعب والتعقيد، وذلك استناداً إلى طبيعة السودان وموقعه الجيوسياسي، ومجاورته لسلسلة من البلدان العربية والإفريقية، واعتقاد صُناع الفوضى الخلاقة أن السودان يمكنه أن يكون لقمة صائغة لمطامع غامضة، تقدم نفسها على طبق الديمقراطية وحقوق الإنسان. تلك الحقوق التي تنتهك بفداحة بالغة من لدن سدنة النظام الدولي الجديد.

 

ليس من الغريب أن تكون المعادلة السودانية في قلب أولويات المخططات الغامضة في الشأنين الإقليمي والدولي، ولا نسعى من هذا التعميم إلى تخليص أنفسنا كنخب سياسة عربية، من تحمل مسؤولية التخلي الطوعي عن أدوار كان ينبغي أن نُباشرها منذ وقت طويل، وخاصة تلك النخب العربية القابعة في سدة الحكم في غير بلد عربي. وفي المقابل، لا يمكن تبرئة ساحة دول الجوار الإقليمي بشقيها المتكاملين عربياً وإفريقيا، فالجميع تبارى على خط الفُرجة، والمراقبة السلبية لما يجري في أقاليم السودان مترامية الأطراف، وكأنهم بمنأى عن العواصف المحتملة.

 

ومن سخريات القدر أن ينخرط فرقاء الساحة المحلية في إدمان الاستقطابات غير الحميدة، على حساب القضية المركزية. وفي هذا الباب أُشير إلى الحركة الشعبية التي استمرأت التنازلات الإجرائية عن مقولات مؤسسها الراحل جون قرنق، وهو الذي كان يؤكد دوماً على السودان الكبير المُتعدد. تلك النخب الجنوبية استبدلت الأدنى بما هو أعلى، وتماهت سلبا مع النزعة الشعبوية غير الرائية لما وراء الآكام والهضاب.

 

أنصار الحل بالانفصال، ينسون أو يتناسون أن نموذج نيفاشا لن يوفّر لهم غطاءً مستقبلياً، يؤمن تمثيل كافة المكونات الاجتماعية في الجنوب، خاصة إذا عرفنا أن نيفاشا خرجت من رحم أزمة مستديمة، وتوخّت أن تكون عتبة انتقال افتراضية. ولم يكن بوسعها استيعاب رؤية جديدة شاملة تخص عموم الوطن السوداني الكبير، فبدت نيفاشا كما لو أنها «تُشرْعن» لكونفدرالية فولكلورية، تحولت تباعاً وبقوة دفعها التعبوي، ودعم الأميركان، والدين السياسي الميكيافيلي، إلى معادلة سياسية كبيسة.

 

وفي المقابل، لم يستوعب بعض الأطراف أن نموذج الوحدة ليس حكراً على واقع الحال الراهن، بل يمكنه أن يتناسب مع قدر كبير من استيعاب وتمثل موروث التاريخ والجغرافيا، وعلى قاعدة دولة اتحادية تعددية، تضع في الاعتبار مكونات الثقافة السودانية، بتعددها المُوحد، ووحدتها المُتعددة.

 

تلك الثقافة التي تمثل قلب المعادلة في الوشيجة «العرب إفريكانية»، كما تمثل نموذجاً ساطعاً لمعنى التعايش والتنوع والتسامح.

 

تسير الأمور قدماً صوب منطقة غائمة رمادية، ولا يبدو في الأُفق أن منطق القراءة المتأنية الحكيمة يأخذ مجراه بثبات، فالجعجعة والغلواء سيدا الموقف، وما يجري من تداعيات سلبية على خط الجنوب، يذكرنا بما كان من أمر الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية، التي تنازلت وفق نظرية السقوط الحر، والتماهي السلبي مع وحشية الرأسمالية الأميركية، مُمنيةً نفسها بالنعيم الرأسمالي المقيم، حتى إذا حصحص الحق وتحولت إلى بؤر للتوتر والجريمة والتردي الاقتصادي، تراجعت إلى الوراء، واكتشفت أن الصيغة الإنسانية التكاملية التي كانت تجمعها بروسيا السوفيتية، أجدى ألف مرة من التشظّي الحاصل والتردي الماثل.

 

من يقرأ معنى التاريخ سيكتشف دون أدنى ريب، أن الوحدة ليست نقيضاً للتنوع، وأن المِثال في سماء الثقافة والتعايش والنماء، يكمن في معادلتي الوحدة والتنوع بوصفهما وجهين لعملة واحدة.

 

يُمثل السودان هذه الحقيقة التي تتأبّى على العوابر، وسنرى في مقبل الأيام أن خروجاً سافراً عن نموذج التاريخ والجغرافيا، المُصاغ بحكمة القرون وكيمياء التفاعل الخلاق، ليس مخرجا لأحد.

 

وبهذه المناسبة فإنه ليس عيباً أن نعترف بأخطاء النخب السياسية الشمالية تجاه الجنوبيين، على مدى عقود خلت، ولسنا بصدد تبرير تلك الأخطاء، لكن روح الاستقطاب وتفعيل العصبية الضيقة من قبل نخب جنوبية بذاتها، ينطوي على تعدٍ مؤكد على الجنوب والشمال معاً، بل على السودان التاريخي، وريث العبقرية المشهودة في أصل وجوهر النواميس الضابطة لحياة الناس وسلوكهم.

========================

أميركا والعدالة المختلة

جيسي جاكسون

التاريخ: 08 يناير 2011

البيان

بعد أن جعل الجمهوريون أميركا رهينة لفرض الإعفاءات الضريبية المتواصلة بالنسبة لأغنى الأميركيين، فإنهم يعلنون الآن أولويتهم الثانية، وهي خفض الإنفاق الحكومي، خصوصاً الجزء الذي يذهب للفئات الأكثر ضعفاً من الأميركيين.

 

في خطابه الإذاعي الذي ألقاه باسم الحزب الجمهوري بمناسبة العام الجديد، أعلن السيناتور الأميركي «كيلي أيوت» من «نيو هامبشاير»، أنه بالنسبة للجمهوريين المنتخبين حديثاً: «المهمة رقم واحد هي وقف الإنفاق المهدر لواشنطن.. فقد أرسلنا الشعب الأميركي إلى الكونغرس بتعليمات واضحة: وهي جعل الحكومة أصغر، لا أكبر». وتتصدر قمة أهدافهم ما تبقي من قانون الانتعاش الذي أقره الرئيس الأميركي باراك أوباما، وأية مساعدات للولايات والمحليات التي تواجه بالفعل تخفيضات في المعلمين ورجال الشرطة.

 

تعتبر هذه السياسة سيئة. فلو نجح الجمهوريون فعلاً في خفض 100 مليار دولار من الإنفاق المحلي كما تعهدوا، فإنه يمكن أن يخمدوا النمو الهش الذي نمر به حالياً. ولكن الأسوأ من ذلك، أن هذه السياسة تفتقر إلى أي معنى أخلاقي، وهذا يذكرني بالعدالة المختلة.

 

عندما يطلب مشتر أميركي شطيرة لحم العجل بالبيض، فإن النكهات والرائحة تمتزج بشكل جيد. ولكن إذا طلب من الدجاجة التضحية لعمل الشطيرة، فإنها سوف تقول «لا مشكلة»، وتضع بيضة وتواصل القوقأة. أما العجل فيقول: «لا، لا، لا»، لأنه سوف يضطر إلى التنازل عن ساقه. عندما يقول الناس إنه يتعين على الجميع التضحية، فإنهم يتحدثون غالبا عن العدالة المختلة المنتمية إلى هذه النوعية.

 

كل ما هنالك أن الوضع الحالي للمحافظين أسوأ. فالمحافظون خاضوا صراعاً لتوهم، من أجل خفض الضرائب على العقارات الأكثر ثراء في البلاد. فقد ضغطوا من أجل الحفاظ على تخفيضات ضريبية للطبقة الأعلى، في حين يلغون الإعفاء الضريبي بموجب مقولة «إلزام جهة العمل بإعداد الإقرار الضريبي»، وتحصيل ضرائب من العمال الذين يكسبون أقل من 20 ألف دولار في السنة.

 

وكما يشير «سام بيزيغاتي» في مدونة بشأن الحملة التي لا تقدر بثمن حول مستقبل أميركا، وهي مادة مخبأة في التعامل الضريبي تسمح للأثرياء بتجنب الضرائب من خلال حذف ضرائب الهدايا، مما يسمح للزوجين الثريين اللذين لديهما طفلان، بتحويل 52 ألف دولار سنوياً لابنيهما، من دون دفع أي ضريبة عن هدية.

 

والأكثر من ذلك، فهم يسمحون بحيلة تخطيط عقاري غامضة، تعرف باسم «مانح والتون يحتفظ بأقساط الثقة»، التي تسمح لأثرياء أميركا بتقليل القيمة الفعلية للأصول التي يتبرعون بها. يقتبس «بيزيغاتي» من رأي خبير الضريبة العقارية «ستيفان ليمبيرغ» قوله: «لقد شهدت لتوك سطواً على بنك كبير. أبواب الخزانة فتحت».

 

لذلك فحينما يحتمل أن يتم الإغداق على أبناء الأغنياء بهدايا معفاة من الضرائب على مدى العامين المقبلين، فسوف يذهب أبناء الطبقة المتوسطة والعاملة والآباء الفقراء، إلى المدارس الحكومية ذات الفصول الدراسية الأكثر ازدحاماً، ويدفعون رسوماً دراسية أعلى في الجامعات العامة. وسيتم خفض هذه الميزانيات، لأننا «لا يمكننا تحمل ذلك». فهذا يشبه شطيرة لحم العجل والبيض، بدلاً من أن يقتصر الطلب على مساهمة دجاجة ببيضة، ونبطن عشها بالحرير، ومن المرجح أن يزداد الأمر سوءاً.

 

ويأتي الضمان الاجتماعي على رأس قائمة برنامج المحافظين، فقد أصدر الرؤساء المشاركون في اللجنة القومية للمسؤولية المالية والإصلاح، تقريراً يدعو إلى إجراء تخفيضات متعمقة في الفوائد، من خلال رفع سن التقاعد وخفض الفوائد بمرور الوقت، بالنسبة لمعظم المتقاعدين. والآن فإن هذا ليس مستغرباً، فدائماً ما كان «آلان سيمبسون»، الرئيس المشارك في اللجنة والعضو السابق في مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية «وايومنيغ»، يسخر ممن يسميهم «الجشعين غريبي الأطوار»، ويستنكر الضمان الاجتماعي بوصفه رفاهية. وكان «إرسكين بولز»، الرئيس المشارك والمصرفي الاستثماري والرئيس السابق لموظفي البيت الأبيض، حريصاً على خصخصة الضمان الاجتماعي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

 

ولكن تقريرهم سوف يعرض الآن على الأغلبية الجمهورية الجديدة، التي كان يريد أعضاؤها في لجنة الميزانية خفض الضمان الاجتماعي، وتحويل الرعاية الطبية إلى برنامج قسائم، حتى يدفع كبار السن تكلفة ارتفاع نفقات الرعاية الصحية!

 

هذا أمر مذهل. هل يعقل أن أي شخص يمكن أن يبرر ما يحدث في الواقع؟ وأن يتم استخدام أموال دافعي الضرائب وإلغاء الضوابط التنظيمية لإنقاذ المصرفيين، وتمكين الأغنياء ليكونوا أكثر ثراء؟ وخفض الضرائب على الأميركيين الأكثر ثراء، وعلى عقاراتهم؟ ثم بعد ذلك يأتي الإعلان عن أنه قد حان الوقت للجميع للتضحية، بداية من المسنين في ما يتعلق بالضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، والشباب في ما يتعلق بمنح «بيل»، والفقراء في ما يتعلق بطوابع الغذاء أو من في حاجة إلى الرعاية الصحية الكافية؟

 

إن ذلك يجعل مظهر العدالة المختلة، بالغ الوضوح!

========================

العامل العربي وتحدي الانفصال

النهار

8-1-2011

سيفرز الانفصال المحتمل لجنوب السودان عن شماله في الاستفتاء المقرر غداً، واقعاً جديداً في العالم العربي للمرة الاولى منذ نشوء الدول التي تألف منها هذا العالم بعد الحرب العالمية الثانية ومرحلة التحرر من الاستعمار.

الواقع الجديد الذي سيستفيق عليه العالم العربي غداً ربما كان شبيهاً بمرحلة سقوط جدار برلين وما تلاها من تفتت الاتحاد السوفياتي وانهيار نفوذه في الدول التي كانت تدور في فلكه في اوروبا الشرقية والوسطى.

فهذه المرة الاولى التي سيكون فيها انفصال كامل في دولة عربية مستقلة. صحيح ان هناك في العراق شبه تقسيم بحكم الامر الواقع الذي نشأ بفعل الغزو الاميركي عام 2003. لكن المسألة لم تصل الى حد الانفصال الكامل عن المركز. أما في السودان فيختلف الوضع من ناحية الاتجاه الى نشوء دولتين تتمتعان بسيادة كاملة.

وهذا ما حصل في تشيكوسلوفاكيا التي انقسمت بعد الحرب الباردة الى الجمهورية التشيكية وسلوفاكيا. وهذا ما حصل في جمهوريات الاتحاد السوفياتي ال 15 التي باتت مستقلة استقلالاً ناجزاً. والامر نفسه ينطبق على جمهوريات الاتحاد اليوغوسلافي التي انفصلت بشكل تام عن المركز في بلغراد وصولاً الى انفصال اقليم كوسوفو عنها بعد الحرب الاطلسية عام 1999 وتكريس هذا الانفصال قبل عامين بانضمام الاقليم رسمياً الى الامم المتحدة.

وعلى رغم كل المظاهر السلمية التي تحيط اليوم بعملية انفصال جنوب السودان عن الخرطوم، فإنه لا يمكن النظر الى المسألة وكأنها وليدة اللحظة السياسية الحالية. فقد تأسس هذا الانفصال في غمرة الحرب الاهلية التي أفرزت واقعاً بحيث بات من الصعوبة بمكان على طرفي الحرب ان يستمرا في دولة واحدة.

وخلال الاعوام الخمسة الماضية التي ربما كانت الفرصة المعطاة للشمال كي يقنع بها الجنوبيين بعدم الاخذ بخيار الانفصال، لم تحسن الخرطوم استغلال هذه الفرصة. وبذلك بات اتفاق نيفاشا الذي وضع حداً للحرب الاهلية حجر الزاوية في دفع الشماليين والجنوبيين نحو الطلاق النهائي.

ومشكلة السودان لا تنتهي مع انفصال الجنوب فقط، وإنما هناك الوضع غير المستقر في دارفور، وما يمكن ان يترتب على استقلال الجنوب من مداعبة احلام حركات المعارضة الدارفورية في السير حتى النهاية في الصراع مع الخرطوم وصولاً الى انفصال الاقليم نهائياً عنها.

وكما رعى المجتمع الدولي عملية انفصال الجنوب يمكن له ايضاً ان يرعى انفصال الغرب، ليصير السودان ثلاث دول مستقلة. والخوف اليوم في العالم العربي ان تنسحب ظاهرة السودان على دول اخرى في المنطقة حيث يوجد تنوع طائفي او عرقي. ولا يمكن انكار ان كثيراً من المجموعات في الدول العربية او افريقيا ستجد في السودان نموذجاَ يحتذى في الوصول الى تقسيم او استقلال عن المركز.

وهنا تكمن مسؤولية المركز في هذه الدول كي لا تدفع بالامور الى ما وصلت اليه في السودان. ولا يجدي دوماً التعلل بوجود مؤامرة من الخارج بسبب الثروات الطبيعية او بسبب الموقع الاستراتيجي. وإنما تحصين الوحدة الداخلية بالوسائل التي تكفل عدم نشوء توترات او صراعات في هذه الدولة او تلك هو شرط ضروري للحفاظ على التماسك والانسجام الوطنيين.

وهذه عناصر فقدها السودان بسبب الحرب الاهلية وبسبب الصراعات الداخلية المستمرة. وهذه عناصر يفتقد اليها العراق على رغم حفاظه على وحدة هشة. ولا يشذ اليمن عن هذه القاعدة حيث شبح التقسيم يلوح فوقه مجدداً، فيما الصومال اختفى عن الجغرافيا منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي.

ولا شك في ان فقدان الوعي الوطني وتغليب المصالح الضيقة، يتضافران على خلق البيئة المناسبة لمزيد من التفتيت.

=========================

إسرائيل النفطية... فرص وتحديات

سمير كرم

السفير

8-1-2011

بعد ان ثبت بالدليل القاطع ان اسرائيل ستتحول الى دولة نفطية، اصبح من الضروري التساؤل عما اذا كان هذا التحول يمثل تحديات جديدة امام العرب، ام يمثل فرصا جديدة تفتح الابواب امامنا في الصراع مع اسرائيل.

المؤشرات الاولية تدل على ان البلد العربي الوحيد الذي يجد نفسه مطالبا بالتصدي لاسرائيل النفطية هو لبنان، وذلك بحكم ان خرائط اسرائيل النفطية التي نشرتها مؤخرا، تكشف بوضوح عن تعد اسرائيلي على حدود لبنان في مياهه، وبالتالي استيلاء على ثروته النفطية بسبب تجاوز اسرائيل للخطوط والحدود الدولية.

لكن ظروف الاكتشاف النفطي الاسرائيلي انما تدل، ولا بد من ان تقود، مهما طال الزمن، الى اتهام اسرائيل بالاستيلاء على ثروة لبنانية وفلسطينية ايضا، فيما ترسمه من خرائط الاكتشافات النفطية الجديدة. ذلك انه من الناحية التاريخية البحتة، لا يمكن تجاهل الوجود الفلسطيني بهذه المنطقة التي تم فيها الاكتشاف النفطي الضخم، الذي وصف بانه اضخم اكتشاف في العالم في العقد الاخير. وعلى اي الاحوال، فان القضية اكبر من ان تكون قضية نزاع بين اسرائيل ولبنان. ان هذا الاكتشاف النفطي لا يخص اسرائيل وحدها، ولا يعتدي على حدود وحقوق لبنان فحسب. ان فلسطين موجودة على الخرائط، شاءت اسرائيل او ابت، واستطاعت السلطة الفلسطينية ام لم تستطع ... بل استطاعت المقاومة الفلسطينية ام لم تستطع.

وليس بعيدا عن هذا النوع الجديد من النزاع مع اسرائيل يأتي التساؤل عما اذا كانت المواجهة الصراعية او التهادنية مع اسرائيل ستصبح ايسر بعد ان تصبح اسرائيل دولة نفطية في المنطقة، او ان المواجهة باي شكل من اشكالها مع اسرائيل ستصبح من الآن اكثر صعوبة، بسبب اضافة عامل الثروة النفطية الى مصادر القوة الاسرائيلية.

لقد عرفنا الدول النفطية في المنطقة كدول شقيقة سواء في ازمنة الوفاق او الخلاف لكننا لم نألف الدولة النفطية في المنطقة كدولة معادية. وهذا الوصف لم يجرؤ على النطق به عربي حاكم او غير حاكم في وصف ايران، على الرغم من كل الاسرار التي سربها موقع «ويكيليكس». اما الآن فاننا سنعرف الدولة النفطية في المنطقة كدولة معادية، بينها وبين الغالبية العظمى من الدول العربية حالة حرب. ولا بد من ان نأخذ بعين الاعتبار في هذا الصدد حقيقة ان اكتساب اسرائيل هذا البعد الجديد من القوة، يجيء في وقت كانت اسرائيل مرشحة فيه للزوال خلال ما بين عشرين وثلاثين عاما، بحكم عوامل متعددة، اولها المقاومة العربية (الفلسطينية واللبنانية) وتليها اخطاء اسرائيل وغطرستها في مواجهة المجتمع الدولي ويلي ذلك انكماش قوة الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي الاوحد للدولة الصهيونية.

هل يغير النفط الرقم التقديري لعمر اسرائيل الافتراضي؟

قد يكون من المحتم التسليم بان النفط كثروة لم تكن في الحسابات الصهيونية لدولة اسرائيل وكقوة اضافية يمكن ان تمد في عمر اسرائيل الافتراضي ربما لعشرين او ثلاثين سنة اخرى. مع ذلك فانه قياسا الى سلوك اسرائيل في المجتمع الدولي وتجاهلها شبه المطلق اذا لم نقل المطلق للقوانين والقرارات الدولية، لا بد من ان نتوقع ان تكون اسرائيل دولة نفطية مشاغبة. هذا مع افتراض استحالة ان يتركها العرب تأخذ مكانا في منظمة الدول المصدرة للبترول (اوبك). ولا بد من ان نتوقع ان تنتهج سياسات اقل ما يمكن وصفها بانها ستكون سياسات مشاغبة ومعرقلة لاهداف منظمة «اوبك» والدول الاخرى المنتجة والمصدرة للنفط. هذا، ما لم يكن لدينا تصور آخر، بان النفط يمكن ان يهذب سلوك اسرائيل في علاقاتها الدولية. وهو تصور جامح لا يمكن الاخذ به او التعويل عليه.

وباستثناء الدول الكبرى المنتجة للنفط مثل الولايات المتحدة وروسيا فان اسرائيل النفطية ستضاف الى قائمة الدول النفطية التي تملك ترسانة نووية، الامر الذي يجعلها اكثر قدرة على الضغط من ناحية، والهروب من الضغط من ناحية اخرى. وهذا معناه دولة كبرى اقدر على مواصلة سياساتها العنصرية من ناحية، والمشاكسة ضد حقوق الغير العرب اساسا من ناحية اخرى.

هل ستؤدي الثروة النفطية الاسرائيلية الى وضع تستغني فيه اسرائيل عن اعتمادها الكلي على الولايات المتحدة الذي امتد حتى الآن لاكثر من ستين عاما؟

يفترض نظريا ان تستغني اسرائيل عن سياسة مد اليد للولايات المتحدة لمساعدتها ماليا وعسكريا، فضلا عن دعمها سياسيا ودبلوماسيا وثقافيا على عرض مساحة العالم كله. لكن هذا الفرض النظري، قد لا يكون وشيك التحقق، بل قد لا يتحقق في اي وقت، على الرغم من ضخامة القيمة المادية للاكتشافات النفطية الاسرائيلية. لقد قدرت مبدئيا بنحو 95 مليار دولار اميركي. وينبغي الا ننسى ان جانبا كبيرا من اعتماد اسرائيل على الدعم المادي الاميركي هو سياسي في الاساس. او لعلنا نقول انه يستخدم لاهداف سياسية تجعل الربط بين الولايات المتحدة واسرائيل، ذا منافع سياسية بالدرجة الاولى، استفادة من مكانة الولايات المتحدة بصفتها «الدولة الاعظم». ومن ثم لا بد من توقع استمرار العلاقة الخاصة بين اميركا واسرائيل بعد ان تتحول هذه الى دولة نفطية.

وفي ضوء توقيت الاكتشاف النفطي الضخم في المياه، شرقي البحر المتوسط، الذي اعتبرته اسرائيل كنزا خاصا بها لا يجرؤ احد الى الشمال منها او الى الجنوب على التطلع اليه، يصبح من الضروري التساؤل بعد هذا كله عما اذا كان هذا الاكتشاف النفطي سيؤدي دورا اساسيا في وقف الهجرة العكسية اليهودية، اي الهجرة من اسرائيل الى خارجها.. الى الولايات المتحدة او الى اوروبا بصفة اساسية. لقد كتبت صحيفة «جيروزاليم بوست» الاسرائيلية افتتاحية (في 29 كانون الاول / ديسمبر الماضي) تحت عنوان: لماذا يهاجر الاسرائيليون؟ قالت فيها بالحرف الواحد: «في مواجهة الصراع الاسرائيلي الفلسطيني غير القابل للحل في ما يبدو، وبسبب التعرض لحكومات متعاقبة (اسرائيلية) غير راغبة في التوصل الى اتفاق متساو مع القيادة الفلسطينية، فان الاسرائيليين ذوي التعليم العالي وذوي العقلية المعتدلة قد بدأوا يغادرون اسرائيل افواجا. وقد تدعّم هذا الاتجاه في السنوات الاخيرة كما تذهب بعض المزاعم بفعل عامل اضافي من الخطر الذي تمثله ايران في محاولتها تحقيق قدرة نووية. ان اولئك الذين يبقون في اسرائيل يصبحون بصورة متزايدة من القوميين ذوي النزعة العرقية، مثل الصهاينة المتدينين والروس، واصحاب العقلية اليهودية الشرقية والاثيوبيين».

ان تكتب «جيروزاليم بوست» افتتاحية بهذا المعنى امر يدل بحد ذاته على ان الهجرة المضادة من اسرائيل اصبحت ازمة، او هي على الاقل مشكلة، يضاعف من اثرها ان الذين يهاجرون هم ذوو التعليم العالي وذوو العقلية المعتدلة، وان الباقين في اسرائيل هم بالمقاييس العنصرية الصهيونية الاشد انحطاطا والاقل قيمة للمجتمع الاسرائيلي. بل ان الصحيفة الاسرائيلية تستشهد في هذا المقال نفسه بما قاله ستيفن ويت، استاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد الاميركية، من انه «يتعين على (بنيامين) نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي ان يكون مهموما وقلقاً بالعلامات الدالة على ان المثل الاعلى الصهيوني فقد مركزه في اسرائيل نفسها».

ونعود في ضوء هذه الاقوال الى سؤالنا عما اذا كانت اسرائيل الغنية نفطيا يمكن ان توقف هذه الهجرة المضادة؟ بل تساؤلنا عما اذا كان تحول اسرائيل الى دولة نفطية ثرية سيجعلها نقطة جذب اقوى ليهود العالم الذين امتنعوا حتى الآن عن الهجرة الى اسرائيل؟

تبدأ الاجابة عن هذا السؤال بحقيقة بسيطة هي ان الهجرة المضادة من اسرائيل ليس من اسبابها الفقر او ضيق الحال اقتصاديا. كما ان الذين امتنعوا من اليهود عن الهجرة الى اسرائيل لم يمتنعوا لاسباب تتعلق باوضاع اسرائيل الاقتصادية. مع ذلك لا بد من افتراض ان نسبة من اليهود الفقراء يمكن ان تجد في اسرائيل النفطية ما يجذبها نحوها. وسيؤدي هذا الى زيادة نسبة اصحاب الميول العرقية اليهودية بينهم، الامر الذي يمكن ان يفاقم مشاكل السلام الاجتماعي في اسرائيل.

وعدا ذلك فان الحديث عما تمثله الثروة النفطية التي اعتبرتها اسرائيل ملكا خاصا لها، لا يكتمل دون معرفة طبيعة دور المقاومة العربية في هذه المرحلة الجديدة .

ان اسرائيل النفطية تمثل بالنسبة للمقاومة العربية (لا الفلسطينية وحدها) تحديا من ناحية وفرصة من ناحية اخرى.

ان ثراء اسرائيل الاضافي لا يلغي أياً من الدوافع والعوامل التي تحرك المقاومة العربية ضدها. انه بالاحرى يضيف عاملا يتعلق بالانتماء الحقيقي لهذه الثروة، او على الاقل لجانب منها. وهذا العامل الاضافي الجديد، يزود المقاومة بعنصر آخر للتنسيق بين المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية. وقد يكون تحقق هذا التنسيق مشروطاً باعتبارات عربية واقليمية، منها موقف لبنان الرسمي من قضية استعادة ما له في هذه الثروة، ومنها موقف مصر التي ستجد انها لا بد من ان تستغني عن دورها المصدر للغاز الطبيعي الى اسرائيل في الظروف الجديدة. ومنها موقف ايران التي ستجد بالتأكيد في اسرائيل النفطية منافسا عدائيا، كما ستجد في دعم المقاومة تنفيذا لمواقفها العقائدية والسياسية، ومنها اخيرا موقف الدول العربية النفطية التي يمكن ان يقربها الى ايران نهج اسرائيلي يتمادى في معاداة هذه الدول بدلا من التظاهر بمسالمتها.

وفضلاً عن ذلك كله فإن وجود منصات النفط البحرية الاسرائيلية سيشكل بالضرورة عبئا دفاعيا جديدا باهظ النفقات على اسرائيل، لانه يمثل لها نقطة ضعف عسكرية بالغة الحساسية، ونقطة قوة بالغة الحساسية بالقدر نفسه للمقاومة، فلسطينية ولبنانية، ولعل هذا يشكل اخطر التطورات التي يمكن ان تصاحب تحول اسرائيل الى دولة نفطية في المنطقة، التي كانت نفطية منذ اكثر من ثمانين عاماً قبلها وبدونها. ان هذا التحول يعطي للمقاومة قيمة اكبر في وقت تتأكد فيه قيمتها في مواجهة اسرائيل بسبب غطرسة الصهيونية وخضوع حليفها الاستراتيجي اميركا وفقدان السلطة الفلسطينية الخيار البديل بعد فشل المفاوضات.

ان اسرائيل النفطية تتيح للمقاومة فرصة لم تتح لها من قبل. ولا تتمثل هذه الفرصة في القدرة على عرقلة مشروع اسرائيل النفطية فحسب، بل تتمثل في امكانية وضع هذا «الكنز» الاسرائيلي رهينة كهدف للمقاومة. وهذا يدخل مشروع اسرائيل النفطية ضمن شروط اي اتفاق سلام يمكن انتزاعه من اسرائيل تحت ضغط المقاومة والتفاوض في وقت واحد.

ان طرح خيار المقاومة يكتسب اليوم ابعادا جديدة استراتيجية وسياسية واقتصادية. وقد لا تخطر هذه الابعاد في بال اسرائيل وساستها الحاليين، بسبب المعطيات الراهنة للوضع العربي والمواقف العربية. لكن الواقع - اذا فتح باب الخيار للمقاومة - يستطيع ان يفرضها عليها اذا اثبت لها انها لا تستطيع انتاج برميل واحد من النفط اذا كانت هناك مقاومة.

وطبعاً فان خيار المقاومة مرهون، في اللحظة الراهنة، باعتبارات تتعلق بالوضع العربي اكثر مما هو مرهون بالمقاومة نفسها.

فهل تدرك الدول العربية في المواجهة وفي المحيط الابعد انها إما ان تختار الفرص التي تتيحها اسرائيل النفطية، وإما ان تختار الانسحاب امام تحديات اسرائيل الجديدة؟

=========================

قانون منع بيع الأراضي.. بين المصلحة الوطنيّة وخطر تكريس الواقع الطائفيّ

وائل نجم

مجلة الامان 7/1/2011

قبل أسبوع تقريباً تقدّم وزير العمل بطرس حرب بمشروع قانون إلى رئاسة مجلس الوزراء يتعلّق بمنع بيع الأراضي بين الطوائف المختلفة لمدّة خمسة عشر عاماً. وشمل الاقتراح أشخاص الطوائف المعنويّة والأشخاص المعنويين التابعين لهذه الطوائف. وقد أدرج الوزير حرب في مشروعه الأسباب الموجبة له وأبرزها، حسب وجهة نظر الوزير حرب، ضرب صيغة العيش المشترك في لبنان القائم على الاختلاط الجغرافي والثقافي والاجتماعي، فضلاً عن الفرز الطائفي والاقتصادي والاجتماعي والجغرافي الذي يجري في لبنان. ثمّ عاد الوزير حرب وأكّد بعد أيّام من التقدم بمشروعه أنّ دافعه وراء التقدّم بهذا المشروع الحفاظ على «الوحدة الوطنية والعيش المشترك»، رافضاً الحديث عن خلفية مذهبية أو طائفيّة لهذا المشروع، ولا أيّة محاولة لأيّ فرز سكّاني جديد. كما كشف أنّ هناك عمليات بيع سمّاها «مشبوهة» لأراضٍ مسيحية وكأنّها توجّه لاقتلاع المسيحيين من مناطق لهم فيها وجود. إلّا أنّ حرب لم يكشف عن هذه المناطق، ولا عن حجم عمليّات البيع التي تجري فيها، ولا الجهات التي تقف وراءها إن كان هناك جهات كما أوحى مشروع القانون المقترح.

مشروع الوزير بطرس حرب لاقى رفضاً وتنديداً من شخصيات وقوى سياسية، فيما أيّدته للأسباب التي ساقها قوى وشخصيات سياسية أخرى.

أول الذين انتقدوا المشروع وشكّكوا في خلفيّته كان رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط، الذي سبق الوزير حرب إلى انتقاد بيع الاراضي بين الطوائف في أكثر من محطة ومناسبة على امتداد السنوات الماضية، وخاصة بعد عام 2005، إلّا أنّه آثر ألّا يسجّل على نفسه أنّه تقدّم باقتراح قانون لمنع البيع وفقاً للقانون وبالتالي تكريس هذا الشيء في الدستور والقانون.

الرئيس سليم الحص والنائب تمام سلام والرئيس نبيه بري والنائب علي عمّار انتقدوا أيضاً مشروع القانون المقدّم، واعتبره كل منهم بمثابة تكريس للواقع الطائفي والمذهبي، ومخالفة للقانون والدستور وحرية الأفراد في التملّك. كما كانت هناك مواقف لكثير من القوى والشخصيات.

وفي مقابل هذه المواقف الرافضة والمندّدة بهذا المشروع كان لقوى وشخصيات أخرى مواقف مؤيّدة وداعمة لمشروع القانون، خاصة لجهة الأسباب الموجبة والخلفيات التي ساقها وقدمها الوزير حرب. فالنائب أحمد فتفت أعلن تأييده لهذا المشروع، ومثله فعل عضو «تكتل التغيير و الإصلاح» النائب نعمة الله أبي نصر، فيما رأى زميله في التكتل ناجي غاريوس أن هذا القانون لا يمرّ في المجلس النيابي. بينما ايّد عضو «كتلة المستقبل» النائب سيرج طور سركيسيان المشروع.

وبعيداً عن هذه وتلك، وبعيداً عن النيات التي انطلق الوزير بطرس حرب منها في طرح مشروعه المقترح، وبعيداً عن المواقف المؤيّدة أو المخالفة والمعترضة، فإن طرح هذا الموضوع في هذا التوقيت وبهذا الشكل يفتح النقاش على قضية حيوية وهامّة، إذ إنّ وصول الوزير حرب للتقدّم بهذا المشروع فيه واحدة من اثنتين: إمّا أنّه يحاول أن يزايد على طروحات «تكتّل التغيير والإصلاح» فتقدم بهذا المقترح وهو يعلم مسبقاً استحالة امراره في الحكومة أو حتى في المجلس النيابي، وبذلك يكون قد أكّد أمام الاوساط المسيحية أن الفريق الذي يمثّله الوزير حرب في الحكومة، أو حتى في الحياة السياسية اللبنانية حريص على مصلحة المسيحيين أكثر من أي فريق مسيحي آخر، والدليل العملي على ذلك هذا المشروع المقترح، أو أنه استشعر المخاطر التي تتهدد فعلاً المصلحة الوطنية القائمة على التنوّع في هذا البلد، عندما تأكّد لديه أن هناك عمليات بيع منظمة للأراضي والعقارات تهدف إلى إحداث تغيير ديمغرافي لمناطق في سبيل تغيير وجهتها من جهة، وفي سبيل تغيير وجهة لبنان تالياً من جهة أخرى، ولذلك وجد أنّ طرح المشروع قد يكون حلاً للنزف الذي يصيب الوجود المسيحي في لبنان أولاً وفي الشرق عموماً. وقد يكون في هذه النظرة بعض الصحة، وخاصة في ظل قلق يبديه الكثير من الناس على صيغة التنوع التي يقوم عليها لبنان، والتي تعتبر أحد أبرز التحديات التي تواجه المشروع الصهيوني القائم على العنصرية في المنطقة، والذي يجهد لإقامة كيانات طائفية ومذهبية وعرقية في محيط فلسطين المحتلة بهدف تشريع وجود الكيان العنصري فوق تراب فلسطين.

اللبنانيون معنيون بحماية هذا التنوع الذي شكّل مصدر غنى ميّز لبنان عن محيطه العربي من خلال مساحة الحرية التي تتسع للجميع ويتمتع فيها الشعب اللبناني عن بقية شعوب المنطقة، والتي أعطته فرصة كبيرة في الانفتاح والابداع ومواكبة العصر، وذلك عبر ايجاد صيغ تحفظ هذا التنوع، وتحفظ هذه الصيغة من الضياع، وتمنح كل اللبنانيين مزيداً من الثقة واطمئنان بعضهم إلى بعض. إلا إن إقرار مثل هذا المشروع وتحويله إلى قانون ينظم عملية بيع العقارات بين اتباع الديانات المختلفة وإن كان مرحلياً ولمدة زمنية محددة فإنه قد يتحول في بلد كلبنان إلى قانون دائم تكمن خطورته في تكريس الواقع الطائفي والمذهبي في البلد، وقد يدفع ذلك نحو مزيد من الانعزال، فضلاً عن انه قد يوجد طبقة من الاقطاعيين الجدد الذين يتحكمون بمقدرات البلاد من جديد، وفي ذلك ظلم لأجيال قادمة من كل الطوائف والشرائح الاجتماعية.

لبنان اليوم بحاجة إلى الحفاظ على تنوعه حاجته إلى بقائه، كما وأنه بحاجة إلى قناعة من مكوناته المختلفة بالشراكة التي تجعل الاطمئنان والثقة العنوان الرئيسي الذي يرتاح إليه الجميع، وينطلقون منه لبناء لبنان الجديد.

=========================

بعد تعثّر التسوية السورية - السعودية

لبنان في «عنق الزجاجة» والأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات

بسام غنوم

الامان 7/1/2011

لم تحمل السنة الجديدة جديداً على الصعيد السياسي اللبناني، وحدث ما لم يكن في الحسبان. فقد عادت لغة التشدد في المواقف من موضوع المحكمة الدولية بعدما راجت شائعات وأحاديث كثيرة خلال الأيام السابقة لنهاية عام 2010 تقول إن التسوية لملف المحكمة الدولية قد أنجز، وإن هناك فقط عدة ترتيبات بسيطة تقوم بها سوريا والسعودية لإخراج هذه التسوية الى العلن عبر الجهات الرسمية اللبنانية.

لكن كل ذلك تبخر فجأة مع بداية عام 2011 حيث بدت التسوية السورية - السعودية لملف المحكمة الدولية بعيدة المنال، وخاصة بعد ان تسربت معلومات عن هذه التسوية تقول ان ثمن إعلان الرئيس سعد الحريري رفضه للقرار الاتهامي وللمحكمة الدولية ولاتهام عناصر من حزب الله هو فقط مجرد ضمان بقائه في منصبه في رئاسة الحكومة لا أكثر ولا أقل، ما أثار حفيظة الرئيس الحريري شخصياً، الذي اعلنت مصادره ان ما يُحكى عن تسوية قريبة لملف المحكمة وعن اتفاقات وترتيبات معينة هو كلام لا أساس له من الصحة. واستتبع ذلك مواقف سياسية متشددة للقوى المسيحية في 14 آذار اعلنت فيها رفضها لأية تسوية يتم التنازل بموجبها عن العدالة والمحكمة الدولية. وأكد الدكتور سمير جعجع ان المحكمة الدولية خط أحمر ورئاسة الحكومة لسعد الحريري خط أحمر أيضاً، وهو ما أكده الرئيس أمين الجميّل الذي أعاد تأكيد رفضه لأية تسوية على حساب المحكمة الدولية.

في ظل هذه الأجواء، جاء تفجير الكنيسة في الاسكندرية ليلة رأس السنة ليشكل عاملاً سلبياً آخر في الواقع اللبناني، بعدما تحول الموضوع من مجرد حادث أمني في مصر الى قضية استهداف الوجود المسيحي في الشرق. وقد كان لحادثة الاسكندرية صدى كبير على الصعيد المسيحي اللبناني، حيث برز موقف لافت للوزير بطرس حرب من قضية تملك اللبنانيين المسلمين في مناطق المسيحيين حيث عرض مشروع قانون يحظر بموجبه تبادل شراء الأراضي بين مختلف الطوائف اللبنانية بحجة الحفاظ على «الوحدة الطائفية والعيش المشترك»، وهو ما أثار ردود فعل رافضة ومستنكرة في الأوساط السياسية الإسلامية، إلا انه لاقى قبولاً صريحاً وضمنياً في الأوساط المسيحية، ما يعطي فكرة عن طبيعة الأجواء السياسية والطائفية التي تتحرك على الساحة اللبنانية في هذه الأيام.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هناك من امكانية للتفاهم على تسوية سياسية مشرفة لموضوع المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، ام ان الأمور مغلقة وسائرة الى المواجهة الحتمية بين اللبنانيين؟

يعتقد البعض ان حزب الله والمعارضة ساهما مباشرة في إفشال الجهود السورية والسعودية للوصول الى تسوية لموضوع القرار الاتهامي، وذلك من خلال أمرين:

الأول عبر إشاعة أجواء سياسية مبالغ فيها لناحية قرب الوصول الى تسوية لموضوع المحكمة والقرار الاتهامي، حيث تحدثت أوساط حزب الله عن الوصول الى ما يشبه الصياغة النهائية للتسوية السياسية، وان الأمر بانتظار عودة الملك عبد الله من رحلته العلاجية ليتم التوقيع النهائي على اتفاق رفض المحكمة الدولية. أما الأمر الثاني فهو ما تحدثت عنه الأوساط الاعلامية والسياسية المرتبطة بحزب الله، حيث روجت هذه الأوساط لصيغة تسوية تعطي حزب الله والمعارضة كل شيء ولا تعطي الحريري إلا ضمانة بقائه في سدة رئاسة الحكومة، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة في أوساط قوى 14 آذار وفي أوساط «تيار المستقبل».

 

 

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تحركت الأوساط الدبلوماسية الأميركية بقوة على صعيد الموقف من المحكمة الدولية والقرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فقد أكدت السفيرة الأميركية في بيروت مورا كونيللي في بيان رسمي للسفارة الأميركية رداً على ما تداولته وسائل اعلام المعارضة من ان قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما تعيين سفير أميركي جديد في دمشق هو السفير روبرت فورد بمثابة مكافأة لسوريا على مواقفها، وان ذلك سيكون على حساب قوى 14 آذار، فأكدت السفيرة الأميركية أولاً ان تعيين السفير روبرت فورد في دمشق «ليس مكافأة للحكومة السورية وان أي خطوة تتخذ حيال سوريا لن تكون على حساب لبنان». أما بالنسبة إلى موضوع المحكمة فقد أكد بيان السفارة «ان المحكمة الخاصة بلبنان هي كيان قضائي مستقل، وقد انشئت استجابة لفترة رهيبة في تاريخ لبنان، وقد كان ذلك بموجب اتفاق بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة. إن عملها مشروع وضروري، ولا يمكن وقفه بموجب أي اتفاق ثنائي أو اقليمي». هذا الموقف الأميركي، فضلاً عن انه يمثل رداً مباشراً على المعارضة في لبنان، فإن صدوره عن السفارة الأميركية في بيروت وتأكيده أن تعيين السفير الأميركي الجديد في دمشق ليس مكافأة لدمشق بل لضمان عمل أفضل للدبلوماسية الأميركية، وتأكيد البيان التمسك بالمحكمة الدولية ورفض أي اتفاق محلي أو اقليمي يهدف لتقويض عمل المحكمة، هو رسالة اميركية مباشرة للمعارضة اللبنانية أولاً وللجهود السورية - السعودية ثانياً. ان قضية المحكمة الدولية ليست شأناً محلياً أو اقليمياً يمكن الوصول الى تفاهمات حوله بمعزل عن الإدارة الأميركية التي تعتبر قضية المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري قضية أساسية ومحورية في السياسة الأميركية في المنطقة، وبالتالي فإن أي حل أو تفاهم في هذا الموضوع لا بدّ من بحثه معهم وأي حل غير ذلك فهو مرفوض.

هذه الأجواء السياسية الملبدة بدأت تنعكس على الساحة اللبنانية، ففي ظل تمسك المعارضة بملف شهود الزور، يتمسك الرئيسان ميشال سليمان وسعد الحريري بصلاحياتهما لناحية الدعوة الى انعقاد مجلس الوزراء، واختيار جدول الاعمال وأولوية طرح المواضيع فيه، وبالتالي في ظل تمسك كل طرف بموقفه البلد مشلول ومعطل، والطرفان يمارسان لعبة «عض الأصابع» نظراً الى التأثيرات السلبية الكبيرة لتعطل عمل مجلس الوزراء على حياة اللبنانيين ومصالحهم من جهة، ومن جهة أخرى فإن قوى 14 آذار بعدما وصلت الى قناعة تامة بأن حزب الله والمعارضة لا يريدان التفاهم معهم على تسوية مشرفة حسب وجهة نظرهم فإنهم، أي قوى 14 آذار، عادوا للتمسك بمقولة لا مجال للتفاهم على أية تسوية سياسية إلا بعد صدور القرار الاتهامي، في مقابل عودة حزب الله وقوى 8 اذار الى معادلة تسوية سياسية قبل القرار الاتهامي، وإلا فهناك «كلام آخر».

باختصار لبنان في عنق الزجاجة، والوصول الى حلول وتسويات في ظل المعطيات السياسية الحاضرة متعذرة وغير ممكن، فهل تحل الأيام القادمة شيئاً جديداً؟

==========================

"الخطة ب" لليبرمان ولنتنياهو أيضاً!

المستقبل - السبت 8 كانون الثاني 2011

العدد 3876 - رأي و فكر - صفحة 19

ماجد عزام()

كشف افيغدور ليبرمان الاحد الماضي عن امتلاكه خطة للتسوية الانتقالية والمؤقتة مع الفلسطينيين اسماها الخطة ب(plan b). ليبرمان اشار في تبريره لها انه لا يرى فرصة او امكانية واقعية للتوصل الى اتفاق دائم لاسباب عدة منها فلسطينية واسرائيلية ودولية ايضا كما زعم ان السلطة كيان غير شرعي وهي تتهرب من الانتخابات ولذلك يجب عدم التوصل الى اتفاق دائم معها فحتى لو اعطيناهم تل ابيب وحدود 1947 سيجدون سبباً ما لعدم التوقيع حسب تعبيره اما في اسرائيل فعرض ليبرمان لما وصفه الواقع السياسي والخلافات المحتدمة ليس فقط داخل الحكومة وانما داخل حزب الليكود نفسه والتي تحول دون التوصل الى حل نهائي للصراع وبالتالي فان لا خيار عملياً سوى التسوية الانتقالية التي تتضمن العمل على توفير مزيد من الاستقرار للوضع في الضفة الغربية وزيادة التعاون الامني مع السلطة وذلك من أجل السماح للفلسطينيين بمزيد من المسؤولية الامنية عما يجري في المنطقة.

بالتوازي ستسعى الخطة ايضا الى تعزيز ذي مغزى للاقتصاد الفلسطيني من خلال توسيع حرية الحركة في الضفة بين المدن الفلسطينية وحوافز اقتصادية مختلفة اما الهدف النهائي لها، فيتمثل في الوصول الى وضع يصبح فيه الانتاج القومي الخام للفرد في أوساط الفلسطينيين في الضفة نحو 20 الف دولار وبرأي ليبرمان أنه عندما يصبح الوضع الاقتصادي في السلطة مشابها لذاك الذي في اسرائيل، فسيكون من الأسهل استئناف المفاوضات السياسية للوصول الى تسوية دائمة.

الخطة تتضمن في طياتها او حتى بين السطور العديد من الدلالات والمعاني وهى تحمل نفساً ومزاجاً عنصرياً لا لبس فيه حيث يعتقد ليبرمان ان الفلسطينيين في مستوى ادنى ليس فقط اقتصادياً وانما ثقافياً وفكرياً ايضا وهم ليسوا ناضجين او ندّيين للتوقيع على اتفاق سلام مع اسرائيل ويجب ان يجتازوا عمليات اصلاح وتأهيل طويلة ومركبة قبل الوصول الى هذه المرحلة وهنا يمكن الاشارة ايضا الى المقولة العنصرية والمتغطرسة لدوف فايسغلاس المستشار السياسي لرئيس الوزراء السابق ارئيل شارون- المغزى الجوهري لخطة خارطة الطريق هو ان الفلسطينيين لن يحصلوا على دولة قبل ان يتحولوا الى فنلنديين .

تؤكد الخطة فى السياق ايضا ان التسوية المؤقتة والانتقالية هي الهدف الاساسي لهذه الحكومة واليمين المهيمن والمسيطر والذي يزداد مع الوقت قوة ونفوذا والتسوية المقيتة التي ستتحول الى دائمة ليست سوى الاسم الحركى للحل التاريخى لليمين وهو الحكم الذاتي البلدي الموسع والذي طرح قبل ثلاثين عاما من قبل مناحيم بيغن اثناء كامب ديفيد الاولى ويعود الان ليطرح من جديد تحت مسميات مختلفة ومتعددة ولكن بجوهر واحد.

ليبرمان لم يعد شخصاً هامشياً في اسرائيل لا على المستوى السياسى ولا حتى الجماهيري والشعبي وهو لا يفعل اكثر من الافصاح عما تفكر فيه النخبة اليمينية الحاكمة ولا تجرؤ احيانا على البوح به وهو قال صراحة ما قاله مواربة نتنياهو للقناة العاشرة الاثنين الماضي الاتفاق المرحلى قد يكون واقعيا فقط في حال وصول المفاوضات النهائية الى طريق مسدود وهو التكتيك الذي يتبعه عبر طرح شروط تعجيزية مثل الاقرار بيهودية الدولة وشطب حق العودة ما يعني ان انقاذ المفاوضات والعملية ككل يكون فقط عبر التسوية الانتقالية او المرحلية كتمهيد وتهيئة امام اتفاق نهائي على طريقة غودو الذي لن يأتي ابداً .

يجب التوقف ملياً عند الاسم الذي اختاره ليبرمان للخطة (plan b) ما يعني انه يمتلك ايضا الخطة أ (plan a) والتى تتحدث عن النموذج القبرصي وتبادل اراض وسكان بين اسرائيل وفلسطين وهي ايضا خطة تعجيزية وليست سوى ممر وطريق نحو الخطة ب التي تمثل جوهر التصور الاسرائيلي للحل مع الفلسطينيين علماً ان نتنياهو يملك خطة أ ايضا عبر الاستعداد لمناقشة كل قضايا الوضع النهائي املاً في التوصل الى اتفاق نهائي ولكن مع طرح شروط تعجيزية توصل المفاوضات الى طريق مسدود ومن ثم العمل على شق طرق التفافية على الطريقة الاسرائيلية بطرح الحل الانتقالي كانقاذ للعملية وتطويق ومنع اي تداعيات محتملة للفشل .

افضل ما يفعله ليبرمان هو كشف اللثام عن الوجه الحقيقي لاسرائيل بعيدا عن اي اقنعة او مساحيق للتجميل وفي السياق تكريس وهم وعبثية المفاوضات معها وضرورة بلورة خيارات اخرى للتعاطى معها واجبارها على الخضوع والانصياع للحقوق الفلسطينية المشروعة .

() مدير مركز شرق المتوسط للاعلام

==========================

انتفاضات الجوع...!!

رشيد حسن

الدستور

8-1-2011

لن تكون الجزائر المحطة الاخيرة لانتفاضة الجوع ، بل ستعبر الى موريتانيا والمغرب وغيرهما من الدول الأفريقية ، وستنتقل انتقال النار في الهشيم الى المشرق العربي ، ما دامت الظروف متشابهة ، وما دام الجوع والفقر والبطالة والفساد ، اصبحت ثوابت في حياة كافة شعوب الامة ، من الماء الى الماء.

 

هذه الانتفاضة ، ليست بجديدة ، فجذورها ضاربة في التراب العربي ، وجمرها لم ينطفئ من سبعينيات القرن الماضي ، ولا بأس من التذكير بانتفاضة الخبز ، التي هزت مصر في ذلك الحين ، واطلق السادات عليها (انتفاضة الحرامية) ، ظلما وزورا ، في حين انها كانت انتفاضة ضد الحرامية ، السماسرة ، والقطط السمان ، الذين سرقوا مصر وشعبها الطيب ، والسبب الرئيس في كافة البلاوي التي يتعرض لها القطر الشقيق والشعب العظيم.

 

هذه الاحتجاجات الشعبية ، والتي تضم في الغالبية العظمى ، الشباب العاطلين عن العمل ، من سن 15 الى 24 ، تؤشر الى فشل خطط التنمية والتشغيل ، والى فشل وصفة البنك الدولي التي اعتمدتها هذه الدول ، وتؤشر ايضا ، الى ان التنمية الاقتصادية والاجتماعية محكومة بالفشل ، ما دامت تقوم على تغييب القوى السياسية ، وهذا بالفعل ما تترجمه التجربة التونسية ، وتقوم الجزائر بتقليدها بعدما ابدت اعجابها بالتجربة.

 

فالتنمية الشاملة ، او بالاحرى الاصلاح ، يجب ان يكون شموليا (اقتصاديا ، اجتماعيا ، سياسيا) وغياب اي عنصر من هذه العناصر يؤدي الى الفشل.

 

وبعبارة اوضح ، فان الاصلاح السياسي ضرورة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وغياب هذا الاصلاح ، يعني غياب الديمقراطية الحقيقية ، والتعددية الحقيقية.

 

لا مناص امام الدول العربية كافة ، في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفقر والاسعار من المحيط الى الخليج ، الا احداث ثورة ثقافية ، تقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية ، فغياب هذه العدالة هو الذي فجر الاحتجاجات في مصر وتونس والجزائر والمغرب واليمن...الخ ، وغياب العدالة الاجتماعية هو السبب الحقيقي لكافة الثورات في العالم ، وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة.

 

ان غياب العدالة الاجتماعية ، سيبقى السبب الرئيس في حالة الاحتقان والتوتر الاجتماعي ، وارتفاع وتيرة العنف ، وارقام الجريمة ، واهتزاز النسيج الاجتماعي. وغياب الأمن والاستقرار.

 

باختصار... ان انصاف الحلول..او سياسة الترقيع ، لم تعد مجدية ، فلا بديل امام الانظمة من الديمقراطية الحقيقية ، والتعددية الحقيقية ، التي تضع حدا للتوريث ، وتقود البلاد الى تداول السلطة سلميا ، وقبل ذلك وبعده ، لا بد من مكافحة جذرية للفساد والمفسدين ، والواسطة والمحسوبية ، واعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية ، فغياب هذه العدالة هو الذي اشعل النار في الهشيم .

========================

'النكبة' السودانية وشرعية 'رفع القداسة' عن استقلال ووحدة السودان

محجوب حسين

2011-01-07

القدس العربي

مدة زمنية يجوز قياسها، بالساعات، دقائق أو حتى ثوان إن أردتها هي التي تفصلنا عن بلوغ المنتهى السوداني الأول، وهي حصيلة لحراك تاريخي وفكري وثقافي سوداني جنوبي، أتى هو الآخر نتيجة لتراكم الفعل التاريخي لمستنقعات مركزية

دولة 'غردون' السودانية بأسسها وأدواتها ورمزياتها وتابواتها العديدة والمتعددة طوال تاريخ السودان الحديث، إن الأمر هنا لا يتعلق بتاريخ الاستفتاء كإجراء، بقدر ما يتعلق الأمر بممارسة حق شعب الجنوب السوداني 'الزنجي/الأفريقي......إلخ ' تقرير مصير جنوبه السوداني - بالضرورة - عن الاستعمار الشمالي كتكييف قانوني لماهية تقرير مصير الجنوب السوداني من مِنْ وعن ماذا؟ وذلك في التاسع من الشهر الحالي العام 2011.، وهو المعطى الذي يفتح معه استفهامات جدلية مهمة، وأهمها على الإطلاق ما مدى شرعية رفع 'القداسة' عن وحدة واستقلال السوداني الشمالي؟

 

يلزمنا وإياكم الصبر والسلوان

 

الحدث يأتي في تزامن مع ذاكرة للشعوب السودانية هذه المرة، وليست ذكرى على

الدولة الخاضعة لحق تقرير المصير، فيها السلطة المركزية الغردونية 'الطاهرة'

احتفلت بها قبل أيام وعرفتها حينئذ 'استقلالا' ووصفتها 'بالعيد الخامس والخمسين' لخروج المستعمر الخارجي، وهو التاج البريطاني في منتصف القرن العشرين، لترفع الأعلام وتسلم النياشين والأوسمة وفقا للدور الطلائعي في خدمة البلاط البشيري، التي تساوي رياضيا الوطن السوداني، فيما احتفل الشعب المعني، وهو ما نسميه تجاوزا 'الشعب السوداني' على شاكلته وإحساسه، حيث نكس العلم السوداني هذه المرة ليبرهن على وقوع الحزن على انهيار معاني وقيم دولة الاستقلال السودانية الأولى، بحدودها وجغرافيتها وديمغرافيتها غير المتفق عليها، ليبدأ استفهام الأسئلة المفتوحة في دولة 'المشروع السودانية'، التي تتطور إلى استحقاق المساءلة المفتوحة والتي تحمل معها تداعيات ومآلات في ما بعد وقوع يوم النكبة السودانية، وهو اليوم التاسع من الشهر الأول، يوم المفاصلة التاريخية، حيث ميعاد النعي السوداني الأول، وما علينا إلا القول فيها، بسم الله الرحمن الرحيم 'وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون' صدق الله العظيم، من دون تحديد دقيق- لمن هو الصابر ومن الذي أصابته المصبية، لأنها نسبية في حال كهذا - إلى ذلك، 'الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب محمودا'، الفقد جلل والفقيد واحد، ربنا يلزمنا وإياكم الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون. وهذه حال الاوطان - على وزن حال الحياة الدنيا - التي تدار فيها مؤسسات الدولة بمفاهيم العرق والدين والجهة، كمحددات لإدارة الدولة السودانية وأحد اهم أسباب سريان الطوفان فيها تشرذما أو انفصالا أو اقتتالا أو تحقيقا لمصائر كحالة الشعوب السودانية، التي تقابلها أوطان سودانية بالطبع.

اعود للقول وفي مسحة تاريخية سريعة إن جدل التاريخ وتحولاته وحراكه ومراجعته وتناقضاته في الشأن السوداني دفع بحتمية وقوع الانفصال السوداني، ومرده كما أشرنا إلى فعل المستنقعات السياسية العاملة في دولاب الفعل السياسي السوداني، من دون غوص في بنيات التفكيك والتشريح والتحليل لأنها واضحة لصانع الفعل ومستهلكيه عبر الحياتي واليومي، لذا لا اتحدث عن صراعات النفوذ وتقاطع المصالح والإجراءات التي اتخذها أو يتخذها ما عرف في الادب السياسي بمؤسسة 'الشريكين المقدسين' اللذين يقرران في كل شيء سوداني بمعزل عن الآخرين، ومرجعيتهما تقول ان الحالة السودانية تعيش حالة استثنائية، وبالتالي يجوز فيها وفقا لنظريات الفقه السياسي وقياسا عليه أن 'تتزوج المرأة رجلين وعلى سبيل الحصر، وكل شيء يتم فيها وفق قانون المحاصصة أو الحوار أو الاتفاق، وفي حالة الخلاف استدعاء الخارجي ليقوم بالمهام المطلوبة، مع تحديد مدة القران وهي ست سنوات غير قابلة للتجديد'.

في هذه الحالة التي وصفتها بالاستثنائية ما زال شريكا الحكم في مشروع الدولتين المرتقبتين يعملان على اتخاذ حزم من التدابير ومنذ فترة، في شكل ترتيبات بعيدة عن ايديولوجيا الخلافات المعلنة في السطح للاستهلاك، وأغلبها هي تفاهمات أمنية وسياسية واقتصادية، تؤمن سلامة السلطتين الحاكمتين في دولة الشمال السودانية التي توازيها دولة الجنوب السودانية، حيث السلطة الأولى، المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال، فيما الثانية الحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب هذا من جانب، ومن جانب ثان تؤمن على وقوع الحقيقة الواقعة والدالة، وهي استقلال الجنوب عن الشمال السوداني، وهو العنوان الأبرز الذي عليه أن يطرح ما ننعته ب'سؤال المساءلة الكبرى' لماهية المشروع الشمالي، وما مدى مشروعيته بناء على ما تبقى من أرض وسيادة وشعب، كعناصر مكونة للدولة في القانون الدولي، وما مدى شرعيتها في البقاء، وهل من شروط تضمن الاستمرارية، وفقا لمنطق التجريب والواقع القائم ماضيا وما هو مبشر به الآن.

 

لا شرعية للوحدة أو الاستقلال السوداني

 

مما سبق ومن خلال مراجعات نقدية يمكن القول إن ما يجري اليوم كحدث وتحول واستحاق تاريخي لشعب الجنوب من جراء نشاط واشتغال منظومة عقلية الاحتكار ذات النسق الثالوثي والمتحكمة في البلاد، هو تصحيح للتاريخ والجغرافيا السودانية

جنوبا، وبالتالي هذه النتيجة والمحصلة تضعنا أمام أسئلة جوهرية تتعلق بالكيان

المتبقى والقائم، الذي يحوي داخله خصومات هي ذات الخصومات البنيوية التي

دفعت إلى استقلال الجنوب عن الشمال، لذا وفق هذا المعنى نجد هناك شرعية للحديث والبحث عن ثقافة أوطان جديدة في الشمال تحتاج للتحرير أو بناء عقد اجتماعي دستوري ثقافي جديد، لان ما تبقى من شمال لا يمكن القول انه دولة تحمل ذات السيادة، وتلك الشرعية التي انتهت أو تنهتي بالانقسام التاريخي واستمرارية نمط إنتاج الدولة الأحادية ذات الحراسة الفوقية ما زالت مستمرة في الشمال، وفي هذا الإطار هل يكفي أن يذهب الرئيس السوداني إلى دولة الجنوب السودانية فقط من أجل تسويات تتعلق بعدم استغلال المقاومة في دارفور أرض الجنوب، إنها مفارقة حيث لم تتمكن النخبة المتحكمة من قراءة الواقع، أو قل تمت قراءته والعمل يتم على إعادة إنتاج سيناريو التعقيل على نفس النهج الجنوبي، الذي أفرز معه حقيقته الدالة وهي الدولة والهوية والتاريخ.

الجدير بالانتباه والأكثر جدارة في الاشتغال عليه هو أن واقع التحول السوداني

اليوم فتح المجال أمام سانحة لتشكل الامم والثقافات السودانية من جديد ولو عبر استدعاء الفكر 'الممالكي'، ابتداء من مملكة 'نبتة ' إلى 'المسبعات'، إننا أمام مرحلة ترتبط ارتباطا عضويا بتصحيح التاريخ والجغرافيا السودانية شمالا هذه المرة، أو إنهاء التاريخ السائد والحاضر في السودان، لأن سقوط وانهيار الاستقلال السوداني باستقلال الجنوب السوداني، معناه أيضا انتهاء صلاحية مكينزمات دولة الاستقلال الأولى والعقد الاجتماعي السوداني السابق، وكذا مفهوم الوحدة السودانية، أما سيناريوهات ثقافة الدساتير والشرعة والقوانين الممنوحة هي الآن ضمن سلة منتجات الخردة في دولة سودانية شمالية في بداية التشكل والتركيب، والبحث عن عقد سياسي اجتماعي جديد، وعدم الاعتراف والتعاطي مع هذه الدلالة معناه شرعية بحث الشعوب السودانية الشمالية عن حقها في الأوطان، ليس عبر شرعة حق تقرير المصائر، وإنما يمكن فرضها فرضا تحت حمولات التاريخ والثقافة واستغلال نفس أدوات التحكم في الدولة السودانية المنقرضة، وهو الثالوث المشار إليه في متن المقال، وهذا يفيد في عدم أهلية مفاهيم المشاركة كخطاب في هذه المرحلة الدقيقية من معاني الفرز السوداني، لأن لا شيء متفق عليه شماليا للمشاركة حوله.

تجب الإشارة إلى أن التاريخ وفتوحاته واستقراره شماليا، إن سلمنا جدلا أن هناك سودانيا شماليا، بعد سقوط ايديولوجيا الشمال ضد الجنوب أو العكس لإدارة

الصراع، يبدأ من دارفور السودانية هذه المرة، واحتواء دارفور وصراعها مع مركز غردون لا يمكن أن يتم من دون شراكة حقيقية مع دارفور، ووفقا لحمولتها التاريخية في القرن التاسع عشر، وهذا معناه على صعيد آخر سوف يتم تطوير خطاب المقاومة السودانية في دارفور في صراعها مع مركزية دولة غردون في الخرطوم، مع استحضار الأول لتاريخ تكونه وتشكله ضد الثاني المفتقر لأدوات الشرعية، غير

شرعية القهر التي تقابلها شرعية المقاومة، وهذا ما يتطلب طرح مفهوم جديد للصراع قائم على مفهوم الكتلة التاريخية للتحرير والعدالة السودانية، فيما تبقى تجاه ما تبقى من الديمغرافيا والجغرافيا السودانية باعتبارها عديمة الهوية القانونية والدستورية ويتوجب رفع القداسة عنها وحدة أو استقلالا أو حتى كيانا سياسيا.

' رئيس حركة التحرير والعدالة السودانية

========================

المنظمات الارهابية تسيطر على مشهد الشرق الاوسط

صحف عبرية

2011-01-07

القدس العربي

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 عندما أعلم رئيس الاركان غابي اشكنازي مجموعة من الشيوخ الامريكيين في مجلس الشيوخ الامريكي بأن ايران تملك بحسب معلومات عند اسرائيل 300 صاروخ بالستي لمدى بين 1300 2000 كم، أصابتهم صدمة. فقد ظنت الاستخبارات الامريكية قبل ذلك ببضعة اشهر أن الايرانيين يملكون ما بين 50 100 صاروخ كهذه في الأكثر أي ثلث ما قدروا في اسرائيل.

كانت المعلومات الاسرائيلية دقيقة. أما جهات الاستخبارات في الولايات المتحدة كنظيراتها في الغرب فقد أصيبت مرة اخرى بسوء التقدير لنوع الصواريخ التي تنتجها الصناعة الامنية الايرانية وكميتها؛ كما لم يُقدر التقرير الاستخباري الامريكي في 2007 سرعة تقدم المشروع الذري الايراني تقديرا صحيحا.

على أثر المعلومات التي جاءت من اسرائيل، وعندما تبين صدقها، جلست جهات استخبارية امريكية وغربية وحللت من جديد مقدار وسرعة انتاج الصواريخ في ايران وكان استنتاجها أن الايرانيين يملكون، وهذا صحيح حتى نهاية 2010، مئات الصواريخ البالستية، وأن عدد الصواريخ التي تغطي كل نقطة في اسرائيل تقريبا سيزداد حتى نهاية 2011.

أصبح يوجد اتفاق اليوم عند الخبراء على ان ايران أسرع تقدما من كوريا الشمالية في مجال الصواريخ البالستية وفي مجال قواعد اطلاق الاقمار الصناعية. إن كوريا الشمالية هي التي وضعت أسس انتاج الصواريخ في ايران، لكن المهندسين الايرانيين انطلقوا الى الأمام وسبقوها. وهذا العلم كله يتسرب الى سورية ومن هناك الى حزب الله. استطاعوا في الموساد أن يسخروا فقط من تقديرات نظرائهم من الولايات المتحدة السيئة. وقعت الاستخبارات الامريكية في شرك نصبه أمامها المهندسون الذين رأوا سرعة الانتاج الايراني بعيون تكنولوجية فحسب. فقد أخذوا صناعة امريكية متوسطة وقدروا سرعة تقدم التطوير الايراني بحسب منطق تكنولوجي اقتصادي، من غير أن يأخذوا في حسابهم عوامل بشرية ووطنية تكون احيانا أكثر حسما.

تُبين تسريبات 'ويكيليكس' ان الموساد الاسرائيلي ايضا لاقى في حينه مشكلة مشابهة. فعندنا ايضا وكما قال رئيس الموساد مئير دغان لاشخاص من الادارة الامريكية في 2007 (بحسب 'ويكيليكس')، كان فرق بين تقدير خبراء الموساد وبين تقدير خبراء لجنة الطاقة الذرية. فرجال اللجنة كما يقول دغان يحللون سرعة تطوير الذرة الايرانية اعتمادا فقط على تقدير قدرات ايران التكنولوجية. أما في الموساد، حيث عرفوا جيدا الجهود التي تبذلها ايران لتقديم المشروع الى الأمام، فقد قدروا انها أسرع تقدما بكثير. بعد ذلك تبين ان دغان ورؤوس لجنة الطاقة الذرية كانوا على حق بقدر ما. فاذا اعتمدنا على ما عرفوه في اسرائيل في سنة 2000، فان المشروع الذري الايراني كان يجب أن يبلغ النضج في 2005. لكن أحدا ما اهتم بأن ينشأ عندهم تأخير خمس سنين أو ست على الأقل في تلك الاثناء.

هل يهتم أحد ما بأن يحدث نفس تأخير المشروع الذري الايراني الذي نبع من أسباب تكنولوجية وحوادث غامضة، في مشروع الصواريخ ايضا؟ إن احتمال ان تطلق ايران صاروخا تقليديا على اسرائيل في نطاق صراع اقليمي أعلى كثيرا من احتمال ان يستعملوا السلاح الذري ذات مرة على اسرائيل اذا أحرزوه. إن ايران قادرة اليوم على ان يكون لها مع اسرائيل تبادل ضربات يستمر ما بين اسبوعين الى ثلاثة يسقط في اثنائها في مركز البلاد ما بين 75 صاروخا ايرانيا الى 150 صاروخاً وهذا بعد ان نأخذ في الحسبان نجاح نظام 'حيتس' في إبطال فعل جزء من الصواريخ ومع حساب مستوى دقته حسابا قاسيا. تكفي هذه الكمية من الصواريخ بل أقل منها تسقط في مراكز سكنية في اسرائيل أو في مواقع استراتيجية، لإحداث أضرار شديدة مع الأخذ في الحسبان ان كل صاروخ تقليدي كهذا يستطيع ان يحمل نصف طن من المواد المتفجرة.

اذا استثنينا أنباء غامضة عن انفجار وقع في مصنع صواريخ ايراني قبل عدة سنين، يبدو ان التطوير الايراني في مجال الصواريخ يتقدم بلا عائق تقريبا. برغم هرب عقول جماعي من ايران، فان للايرانيين في مجال التطوير الذري وتطوير الصواريخ المقرون به فريقا بشريا كبيرا ومؤهلا جدا. نسمع من آن لآخر عن عالم ذرة ايراني اختفى أو أنهى حياته قبل أوانها لكننا لا نسمع عن خبراء في مجال الصواريخ يتركون عملهم راغبين أو غير راغبين.

 

الصِلة التركية

 

تُسمى عائلة الصواريخ الايرانية العملياتية 'شهاب 3'. وتشتمل على بضع مئات من الصواريخ ذات مدى 1300 كم وبضع مئات من الصواريخ من هذا الطراز، رُكب عليها محرك مزدوج يمنحها مدى يقرب من 2000 كم. يمكن مع مدى كهذا اطلاقها من قبل ايران، وهذا أمر سيُصعب على سلاح الجو مثلا تحديد موقعها واصابتها. وتوجد عائلة صواريخ ايرانية اخرى ما تزال غير عملياتية هي عائلة 'عاشوراء' أو 'سجّيل'. الحديث هنا عن صواريخ ذات جزأين مدفوعة بوقود صلب لمدى يزيد على 2000 كم. وتشتمل العائلة الثالثة على الصاروخ الكوري الشمالي 'بي إم 25'، الذي يبلغ كما يبدو مدى 2500 كم. ولم يُطلق هذا الصاروخ بعد.

لصناعة الصواريخ الايرانية ايضا قدرة مبرهن عليها على انتاج قواعد اطلاق اقمار صناعية. إن قاعدة كهذه من طراز 'سفير' قد وضعت في السنة الماضية قمرا صناعيا تجريبيا ايرانيا صغيرا في الفضاء الخارجي. وستُقدم قاعدة اخرى من انتاج الصناعة الايرانية واسمها 'سيمورج' عرضها الافتتاحي كما يبدو في الاسابيع القريبة. أعلن وزير الدفاع الايراني هذا الاسبوع ان ايران توشك أن تطلق قمرين صناعيين 'فجر' و'راصد'. وقال ان واحدا منهما سيكون قمر الاستخبارات الايرانية الاول. ربما لكن هذا هو الطموح.

لا تشير هذه القواعد بالضرورة الى ان الايرانيين يملكون صواريخ بالستية لمدى آلاف الكيلومترات. لكنها تدل على ان عند الايرانيين تكنولوجيا انتاج صواريخ لهذا المدى. وليس عبثا أن طلب الرئيس السابق جورج بوش ان تُنصبَ في اوروبا صواريخ مضادة للصواريخ تحمي الولايات المتحدة لا اوروبا فقط. فقد حصلت الاستخبارات الامريكية على براهين على ان الايرانيين يعملون في جدّ على صواريخ لأمداء عابرة للقارات. هذه الصواريخ جزء من التصور العام الايراني، الذي يطمح الى التوصل لوضع حوار بين القوتين ايران والولايات المتحدة، بين متساويتين. وقد جعلت ادارة اوباما، لاعتبارات سياسية تتعلق بعلاقات الولايات المتحدة بروسيا، هذا المشروع الدفاعي الطموح قزما حتى مستوى نشر نظم امريكية للدفاع عن اوروبا فقط بالتعاون مع روسيا. وبقيت المعلومات الاستخبارية هي نفس المعلومات. لكن السياسة الرئاسية هي التي تغيرت.

نُشر في الماضي ان صواريخ بحرية من اوكرانيا نُقلت الى الايرانيين. ما زلنا لم نرَ هذه الصواريخ البحرية، لسبب بسيط هو انها جُلبت الى ايران دون المحرك ودون الرؤوس المتفجرة. الحديث عن صاروخ بحري روسي هو 'كي اتش 55' بلغ الصين وايران ايضا. ويجوز لنا ان نفترض ان الصينيين والايرانيين ايضا على نحو منفرد وفي تعاون طوروا على أساس هذا الصاروخ الاوكراني صاروخا بحريا عملياتيا من انتاجهما.

كل هذا النظام الصاروخي الثقيل الذي جاء ليحل محل القوة الجوية الايرانية غير الموجودة في الحقيقة يُستنسخ في سورية. على سبيل المثال تُنقل القذيفة الصاروخية الايرانية الثقيلة 'فتح 110' ذات مدى 250 كم الى سورية وتصبح هناك القذيفة الصاروخية المسماة 'إم 600'. وليست هذه آخر كلمة في كل ما يتعلق بتطوير الصواريخ في تعاون هندسي ايراني سوري. ولا يصعب أن نتخيل ماذا يمكن أن تفعل مجموعة من خمسة صواريخ مطورة أو ستة بأهداف استراتيجية مهمة في اسرائيل: من قواعد الجيش الى مراكز اتصال وسيطرة ثم الى محطات توليد الطاقة. وفي خلال ذلك تسرب مئات من هذه القذائف الصاروخية والصواريخ من سورية الى لبنان.

في نهاية كانون الاول (ديسمبر) زار نائب رئيس الاركان التركي سورية ووقع هناك على اتفاق على حوار استراتيجي. واتفقت الدولتان على توسيع التعاون العسكري بينهما، وانشأتا مجلسا للتعاون الاستراتيجي، ووقعتا ايضا على اتفاقات على محاربة الارهاب كي تُعطيا الاتفاق صورة نزيهة وكي تُرضيا حليفات تركيا في حلف شمال الاطلسي ولا سيما الولايات المتحدة. لا شك في ان لتركيا الكثير مما تُسهم به في سباق التطوير والتسلح بالصواريخ الذي يتم في مثلث ايران وسورية وحزب الله.

 

بئر لا قعر لها

 

كان يفترض ان تنتهي الخطة الخمسية الحالية للجيش الاسرائيلي في 2013. لكنه بُت في اسرائيل قرار ان تُبنى خطة خمسية جديدة تبدأ في 2012، في محاولة للحاق بسير تطور التهديدات الذي هو أسرع مما توقعوا. على سبيل المثال يحصل موضوع الجبهة الداخلية على تأكيد أكبر كثيرا، وهذا أمر يقتضي اقتطاعات مالية باهظة من الميزانية الحالية. وحماية الجبهة الداخلية ايضا هي التفسير لزيادة الميزانية التي طلبها جهاز الأمن للسنتين القريبتين. إن استكمال تزويد السكان بالاقنعة الواقية الشخصية فقط سيكلف مليار شيكل. زيدوا على ذلك الاستثمارات الضخمة في الدفاع الفعال مثل صواريخ 'حيتس 3'، التي ستصبح عملياتية كما يبدو في 2014، والاستثمارات في الجهاز الهجومي المكون من سلاح الجو وسلاح البحر والاستخبارات والبر وستحصلون على صورة وضع لسباق تسلح ضخم الميزانيات والتكنولوجيا العليا. بالمناسبة، يفترض ان يصيب ال 'حيتس 3' مباشرة صاروخا مهاجما بسرعة خيالية خارج الغلاف الجوي. وثم القليل جدا من الدول المنشغلة بتقنيات في هذا المستوى.

الرد الهجومي الجوي لاسرائيل مؤلف من مستويات مختلفة يُنفق على كل واحد منها مال ضخم لا للتسلح فحسب بل لتطوير الجيل التالي ايضا (لو كنت سورياً لكان يجب عليّ أن آخذ في حسابي حقيقة ان سلاح الجو الاسرائيلي قادر على أن يسقط علي كل يوم أكثر من ألف طن من المواد المتفجرة). وما زلنا لم نتعود أسماء الطائرات بلا طيار الموجودة مثل 'شوفال' و'ايتان' حتى أصبحنا نتحدث عن الجيل التالي، أما في مجال الطائرات مع طيارين فقد أصبحوا يتحدثون عن ال 'اف 35'. وتحدث تطورات جوهرية مشابهة ايضا في مجالات بناء القوة البحرية والاستخبارات وفي جيش البر بقدر ما ايضا.

سباق التسلح هذا هو بئر لا قعر لها. وفي الاستراتيجية الايرانية فان استنزاف دولة اسرائيل الاقتصادي بسباق التسلح جزء من الحرب. إن جواب هذه الحرب الاقتصادية والنفسية ليس كامنا فقط بالاستعدادات العسكرية وتحصين الجبهة الداخلية في اسرائيل بل باستنزاف اقتصادي مضاد بالعقوبات الدولية على ايران.

يُدبر العقوبات حلف دولي عقدته الادارة الامريكية، وهم يفعلون ذلك في نجوع أكبر كثيرا مما نحن مستعدون للاعتراف به. فالولايات المتحدة، دون تصريحات حادة ودون نفخ بالأبواق، تزيد الضغط على ايران بالتدريج. ففي 21 كانون الاول (ديسمبر) مثلا أدخلت وزارة المالية الامريكية تسع جهات ايرانية اخرى في القائمة التي أخذت تكبر للمنظمات والشركات والاشخاص الذين يقاطعهم النظام المصرفي الامريكي. والجهة البارزة في موجة المقاطعات الجديدة هي 'صفا'، وهي ذراع استثمارات الحرس الثوري التي تسيطر على اموال بمقدار 90 مليار دولار في السوق الايرانية.

في 18 كانون الاول ( ديسمبر) نشرت صحيفة 'وول ستريت جورنال' ان الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا توشك ان تعلن قريبا بموجة اخرى من العقوبات من غير تلقي موافقة روسيا والصين، لانه اتضح لها ان هاتين الدولتين لن تتعاونا. ويتبين ان الصينيين يشترون من شركات اوروبية معدات ولا سيما في مجال الطاقة، وينقلونها الى ايران. والايرانيون في الحقيقة يدفعون الى الصينيين ويدفعون كثيرا لكنهم يلتفون على العقوبات بمساعدة بكين المباشرة.

ستبدأ لجنة متابعة الامم المتحدة للرقابة على العقوبات في الايام القريبة تنفيذ تحقيقات في ثلاث دول في افريقيا نيجيريا وزامبيا والسنغال وفي ايطاليا ايضا. فقد ضُبط في موانيء تلك الدول حاويات ايرانية مملوءة بسلاح ومواد متفجرة، كانت مخصصة للاستعمال في مناطق مختلفة في افريقيا واوروبا. وقد برز على نحو خاص الضغط على شركة الملاحة الايرانية ' إيرسال'. وفي الاسابيع الاخيرة اوقفت وصودرت خمس سفن لها في سنغافورة وهونغ كونغ ومالطا. والحجة الرسمية لحجزها هي ديون الشركة الايرانية لمصارف دولية لكنّ وراء الاجراء ضغطا سياسيا.

وهكذا يزداد سباق التسلح في الشرق الاوسط زخما. والحرب الاقتصادية وحرب الدعاية تتمّان بكامل القوة. وقد أخذت المنظمات الارهابية المشايعة لايران تسيطر سيطرة عميقة على مشهد الشرق الاوسط. هذه زينة ما قبل المواجهة وفي مركزها النظام الصاروخي البعيد المدى للحلف الشمالي قد أخذت تُبنى. انها قاطرة تسير في سرعة قصوى ولا يعلم أحد كيف يوقفها.

========================

زفَّة دوليَّة لانفصال جنوب السودان.. والعرب يتابعون!

بقلم: د. حلمي القاعود

الامان 7/1/2011

عَجائب لا تنقضي أمام الزفَّة العربية والدوليَّة لانفصال جنوب السودان عن الدولة الأم، في بداية التفكيك العام لهذه الدولة، وتحويلها إلى كانتونات قبليَّة وحزبيَّة وعرقيَّة وطائفيَّة، وذلك في مقابل السعي الحثيث لدول أوروبا الشرقيَّة والغربية لتكوين دولة خلافة أوروبيَّة موحدة تتحرك بخطوات سريعة لبناء كيان اقتصادي عملاق يوحِّد العملة والسياسة، ويفتح الحدود، ويتكامل في شتى المجالات، ويتماسك أمام التحديات السياسية والصعوبات الاقتصاديَّة.

في انفصال جنوب السودان تُطرَح مغالطاتٌ كثيرة, أشهرها أن ما يسمَّى تطبيق الشريعة في السودان على غير المسلمين كان السبب وراء الانفصال، أو قلْ وراء الحروب المدمّرة التي أزهقت آلاف الأرواح إن لم تكن الملايين.

والحقيقة أن الشريعة لم تكن قطّ هي السبب الحقيقي، فالشريعة لم تطبَّق في السودان.. السبب الحقيقي واضح ويعرفه كل الناس، ويرجع إلى الرغبة الشريرة للجهات الاستعماريَّة في تقسيم السودان، ومثله البلاد العربيَّة, لتحقيق مآرب اقتصاديَّة وثقافيَّة.

فمنذ أن جاء الغزاة الاستعماريون الإنجليز إلى مصر وهم يسعون إلى تقسيم السودان وتفتيتِه، وخلق عازل حضاري بين مصر وعمق إفريقيا، وقد زرعوا الفتنة بين أهل السودان ومصر التي كانت تحكم السودان, حيث كان ملك مصر هو ملك مصر والسودان، وكانت مصر منذ عهد محمد علي باشا وابنه إبراهيم تضمُّ إليها السودان وإريتريا وأعالي النيل، في ظلّ حكوماتٍ محليَّة تسير الأمور الداخليَّة والشؤون المحليَّة، وقد خطَّط الإنجليز لفصل السودان عن مصر أولاً، واستطاعوا أن يشحنوا السودانيين ضد الحكومات المتعاقبة في مصر التي انشغلت في الصراع الحزبي، وألْهتها حروب فلسطين عما يجري في الجنوب، وما إن قامت حكومة الانقلاب عام 1952م حتى تهيَّأت الأمور بفضل رغبة بعض أعضاء مجلس الثورة للانفصال، وفي الوقت نفسه كانت بريطانيا العظمى عن طريق الجمعيَّات التبشيرية التي تقدم الطعام والكساء والعلاج في جنوب السودان تهيِّئ أهله للانفصال عن الشمال، وفضلاً عن تكوين النخب الموالية لبريطانيا، فقد أسّست بريطانيا الميليشيات العسكريَّة المسلَّحة التي تدرِّبها هي أو تقوم العصابات اليهوديَّة في فلسطين المحتلة بدلاً منها بالتدريب والتسليح، وقد نشأت عصابة «أنانيا» الجنوبيَّة في الخمسينيَّات عقب انفصال السودان عن مصر مباشرةً عام 1956م، وبدأت القتال ضد الجيش السوداني، واستقطاب النخب الموالية للاستعمار والثقافة الغربيَّة من خلال طرح عنصري يتَّهم الشمال بالانحياز للعرب ضدّ الزنوج, الأمر إذاً لم يكن مطروحاً بسبب تطبيق الشريعة الإسلاميَّة, لأن أحداً يومئذٍ لم يتحدث عن تطبيق الشريعة الإسلاميَّة.

وقد جرت في عهد الرئيس النميري محاولة للصلح برعاية إثيوبيا المموّل الرئيس آنئذ للحركة، وعلى ترانيم القساوسة وأجراس الكنائس تم توقيع اتفاق بين الخرطوم وزعماء «أنانيا» في أديس أبابا, يمنحهم كثيراً من صلاحيات الحكم الذاتي، وبعد سقوط نميري وقيام حكومة الإنقاذ برئاسة عمر البشير عاود الانفصاليون الحرب ضد الخرطوم، واستطاعوا أن يضموا إليهم الشيوعيين السودانيين الذين وقفوا موقفاً خيانيّاً بحكم كراهيتهم وعداوتهم للإسلام، وقاد «منصور خالد» وزير خارجيَّة سابق في السودان ومعه ياسر عرمان حملة الإعلام في حركة الانفصال التي اتَّخذت لنفسها اسماً مخادعاً, هو الجيش الشعبي لتحرير السودان، ومع تنازع الساسة السودانيين في الشمال وطموحاتهم الشخصيَّة، كان الجيش الشعبي الانفصالي في الجنوب الذي تدعمه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في فلسطين وعملاء أمريكا في أوغندا وكينيا وإثيوبيا وإريتريا يحقّق انتصاراتٍ كبيرة، ويخلخل بناء الدولة المركزيَّة اقتصاديّاً واجتماعيّاً، ولم يكن أمام النظام في الخرطوم الذي فشل في المواجهة العسكرية إلا أن ينحني لما يريده الانفصاليون، بل الاستعماريون الكبار، ويوقع اتفاق نيفاشا الذي قرَّر لأول مرَّة حق الانفصاليين في تقرير المصير, أي الانفصال، ووضع الجنوب تحت الحكم الذاتي مدة ست سنوات لإقناعهم بخيار الوحدة، ولكنهم عملوا في ظلّ الحكومة المركزية لانفصال لا رجعة فيه!

ومع أن زعيم الانفصال شغلَ منصب نائب الرئيس في السودان كله، إلا أنه جاهرَ علناً بدعوة الجنوبيين للانفصال، بل كان يدعو إلى مطالب ابتزازيَّة، وضمَّ مناطق مليئة بالبترول والثروات المعدنيَّة، بوصفها من الجنوب، على عكس ما قرَّرته دولة الاحتلال بريطانيا العظمى! ثم إن الانفصاليين لم يجدوا ضيراً في المطالبة بقيام حزب للحركة الشعبيَّة لتحرير السودان في الشمال بعد الانفصال!

وكان من المفارقات أن يعرض الرئيس البشير على الانفصاليين التنازل عن بترول آبيي، حتى لا يصوِّتوا للانفصال، ولكنَّ الانفصاليين ردُّوا في وقاحة ليست غريبة عليهم: إن هذا العرض جاء متأخراً!

في الوقت ذاته فإن القادة التقليديين في الشمال يكتفون بلَوْم الحكومة، وطرح مطالبهم السياسيَّة الشخصيَّة عليها لتلبيتها والاستجابة إليها، وإلا فإنهم سيقفون في الجانب الآخر، وبعضهم يقف ليصيح: إن دارفور هي الأخرى ستنفصل!

وذهب الأمر ببعضهم إلى المطالبة بتغيير اسم السودان لأنه لا يعجبه، وكأن القضية تتلخَّص في الاسم!

أما ما يثير الغيظ حقّاً فهو دعوة بعض الشماليين إلى الانفصال, لأن التخلُّص من الجنوب سيحقِّق نهضة الشمال، ويخفف عنه أثقال التنمية والتزاماتها في الجنوب.

وقريب من هذا ما يقوله بعض الناس في القاهرة: إن مصر يجب أن تحافظ على علاقة جيدة بين الشمال والجنوب, حتى لا تتأثَّر مصالح مصر.. وهل ذلك سيحقق فعلاً مصالح مصر، أم أن دولة الجنوب المنتظرة ستتحكَّم في مياه النيل وفي مصر تحكماً لا يمكن التخلُّص منه إلا بالمواجهة, لأن العدوّ الصهيوني الذي درّب وسلّح وأيّد جالس هناك منذ زمن بعيد؟

لقد ذهبَ مؤخراً عدد من الرؤساء العرب في الدول المجاورة إلى السودان ليجلسوا مع الرئيس البشير وزعيم الانفصال، ليس من أجل الحرص على وحدة السودان، ولكن من أجل منع الحرب بعد الانفصال، وواضحٌ من سير الأحداث أن الانفصاليين تلقَّوا في السنوات الست الماضية أسلحة ثقيلة وعتاداً حربيّاً كثيفاً عن طريق كينيا وأوغندا، ويقال إن طائرات حربية وصلت إلى المتمردين، وهو ما يعني أن الحرب عقب الانفصال ستكون لصالحهم.

الانفصال قادم لا محالة، وستتبعه انفصالاتٌ أخرى في السودان ودول عربيَّة أخرى, وذلك لأن أهل الحكم والسياسة آثروا أنفسهم على أوطانِهم، فتركوا الملعب خالياً لدول الشرّ الاستعماري، ومعها دولة العدوّ اليهودي لتلعب فيه، وتتحرك باطمئنان وثقة لتحقيق هدفها الأكبر، وهو شغل العرب بأنفسهم، ونسيان الكيان الصهيوني الذي يحتلُّ فلسطين ويشرِّد شعبها، ويدمِّر مقدساتها..

وليت العرب جميعاً يعلمون أن أمريكا والصهاينة لن يتخلَّوْا عن عداوتهم الوحشيَّة مهما قدَّموا من تنازلات، والأولى أن يفكِّروا ويخططوا ويضحّوا في مجال الشرف والكرامة بدلاً من الذل والصغار!

=========================

تسريبات «ويكيليكس» تمنح ذخيرة خطيرة للطاغية

مايكل غيرسون

الشرق الاوسط

8-1-2011

مع تسرب البرقيات الدبلوماسية التي نشرها موقع «ويكيليكس» من العناوين الصحافية إلى مناطق قاصية من العالم، أصبح بمقدورنا الآن الشروع في تفحص تداعياتها.

مثلا في زيمبابوي، التي تجعل منها هشاشتها حالة مثالية لاختبارها. لقد نالت هذه البلاد استقلالها، ثم نهبت، ثم دمرت تماما على يد رجل واحد: روبرت موغابي. وسرق الحزب الحاكم بقيادة موغابي الفوز في انتخابات عام 2008، إلا أن الانتخابات أفرزت حكومة ائتلافية مقلقلة، مع تولي زعيم المعارضة مورغان تسفانغيراي منصب رئيس الوزراء. وتحاول زيمبابوي حاليا كتابة دستور جديد والسيطرة على الأعمال الوحشية التي يرتكبها موغابي من وقت لآخر والاستعداد للانتخابات المقرر عقدها في وقت لاحق هذا العام.

وفي خضم هذا الوضع المشتعل يظهر في الصورة جوليان أسانج، وهو شخص لم يعرف عنه كونه خبيرا في الشؤون السياسية بالدول الأفريقية الجنوبية. وقد فضحت التسريبات التي نشرها مؤخرا اسم عضو بالحزب الحاكم تحدث مع مسؤول أميركي عن الانقسامات الداخلية بالحزب. وفي برقية سرية أخرى، عرض السفير الأميركي لدى زيمبابوي آنذاك كريستوفر ديل تقييما صريحا لشخصية تسفانغيراي ذكر خلاله أنه «رجل شجاع وملتزم»، لكنه في الوقت ذاته «شخصية معيبة» يتردد أحيانا بشأن اتخاذ القرارات و«مشكوك في صحة أحكامه بخصوص انتقاء الأفراد من حوله».

وتناولت برقية أخرى بالتفصيل اجتماعا سريا بين مسؤولين غربيين وتسفانغيراي، أعرب خلاله عن تأييده فرض عقوبات اقتصادية للضغط على موغابي، رغم أنه أشار إلى أنه سيضطر علانية لمعارضة العقوبات لأسباب سياسية.

القليل فقط من البرقيات المسربة أساء لموغابي وأسرته، حيث كشف عن تورطها في تجارة الألماس الدموي. إلا أن معظم البرقيات يسرت الطريق أمام الطاغية، حيث يشن الحزب الحاكم الآن حملة لمطاردة الخونة، بناء على المعلومات الواردة بالبرقيات. وعمدت وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الحزب إلى المبالغة في الانتقادات الأميركية لتسفانغيراي، حتى في الوقت الذي تتهم فيه المعارضين بأنهم دمى في يد واشنطن.

وأعلن النائب العام المعين من قبل موغابي تشكيل لجنة لدراسة اتخاذ إجراءات قانونية، قد تتضمن توجيه اتهامات لتسفانغيراي. وصرح النائب العام بأن «ويكيليكس» يكشف على ما يبدو النقاب عن تواطؤ غادر بين مواطنين من زيمبابوي وقوى دولية عدائية، خاصة الولايات المتحدة.

وعلى من يبدون حماسهم لضرورة ضمان حرية المعلومات دائما وأبدا - مثل الأكسجين والفراشات - إمعان التفكير في الموقف داخل هراري، حيث تسبب الكشف عن برقيات سرية في تعزيز موقف حاكم مستبد.

إن السرية غالبا ما تكون شرطا مسبقا للمعارضة السياسية داخل أي مجتمع قمعي. ومن الممكن أن تشكل السرية حماية ضرورية للصدق. إن مستوى أهمية الاعترافات التي يدلي بها المرء في الكنيسة، مثلا، سيتضاءل قطعا لو أنها عرضت على «يوتيوب» من أعضاء الحزب الحاكم في زيمبابوي سيتحدث سرا الآن إلى المسؤولين الأميركيين حول الفترة الانتقالية المحتومة بعد موغابي.

وفي هذه الحالة، تظهر فوضوية القرصنة كمظهر استعراضي أكثر من كونها تعبيرا عن مبدأ ما. إن الحراك الذي مارسه أسانج ليس موجها لكشف أسرار الأمم المتحدة أو منظمات صحافية، وإنما يتحرك بصورة أساسية انطلاقا من كراهية الولايات المتحدة.

من وجهة نظر أسانج، تنفذ واشنطن «مؤامرة استبدادية» يجب التصدي لها عبر إعاقة تدفق المعلومات. وطبقا لهذه الرؤية، لا يهم إذا ما كانت السبل الأميركية عسكرية أو دبلوماسية، نظرا لأن أهدافها الكامنة إمبريالية واستعمارية. وانطلاقا من هذا الاعتقاد، يعتمد أسانج على نصير قوي واحد على الأقل هو موغابي الذي يشاركه وجهة النظر تلك ويجعل منها الرسالة الرئيسية للحملات الدعائية.

قطعا، هناك الكثير من المشكلات وراء أيديولوجية تحول الأوروبيين والطغاة الأفارقة المعادين للولايات المتحدة إلى مقاتلين متعاونين معا. ويكمن السبب الرئيسي وراء تداعي هذه الرؤية في اتباعها نظرة ضيقة وسطحية لمفهوم الاستعمار. في الواقع، يشكل موغابي وأعوانه نمطا من أنماط القوى الاستعمارية، والذي أطلق عليه ريتشارد جست في «نيو رببليك» اسم «الاستعمار الداخلي». إنهم يحتلون بلدا من أجل منفعتهم الخاصة، ويعاملون المعارضة بنفس الأسلوب الذي تعاملت به معهم النخب الاستعمارية القديمة من قبل. وتساءل جست: «هل يجد الضحايا عزاء في أن القمع الذي يعانونه ليس صادرا عن الغرب؟»

من بين التداعيات غير المقصودة للتسريبات الدبلوماسية الأخيرة تسليط الضوء على أدوار الدبلوماسيين الأميركيين مثل ديل. في البرقيات، تظهر صورته كمسؤول ذي مبادئ وبصيرة نافذة يتميز بالواقعية في تقييمه للأصدقاء والخصوم ويبدي التزاما عميقا بحرية أبناء زيمبابوي. إنه ليس بشخص لئيم يمارس لعبة استعمارية دنيئة. في إحدى البرقيات، كتب ديل: «موغابي ورجاله يمارسون الاستئساد بكل مكان. لو أتيحت لهم فرصة تهديد أي شخص، لن يتراجعوا عن ذلك. لكنهم ليسوا معتادين على مواجهة شخص يتصدى لهم ويقاومهم». وقد قال موغابي ذات مرة لديل: «اذهب للجحيم» وهي عبارة مشرفة لأي رجل أو امرأة حرة.

في بعض الأحيان، تتضمن السياسة الخارجية اختيارا أخلاقيا ثنائيا. وقد اختار أسانج جانب موغابي، والواضح أنه لم يندم قط على ذلك. وقد قدم ذخيرة لطاغية كما لو كان تاجر سلاح. ورغم كل ذلك، يتهم أميركا بأنها عدو الديمقراطية.

* خدمة «واشنطن بوست

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ