ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

السبت 08/01/2011


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

J

 

المفاوض الفلسطيني والغدر الأمريكي

د.عصام شاور

2011-01-05

القدس العربي

لم نكن بحاجة إلى وثائق يكشفها "ويكيليكس" مصنفة على أنها سرية لنكتشف أن هناك اتفاقاً سرياً بين الإدارة الأمريكية ودولة الاحتلال على استمرار عمليات الاستيطان في الضفة الغربية، حيث تعهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شارون بضمان استمرار النمو الطبيعي للمستوطنات بالإضافة إلى تعهدات أخرى وردت في رسالة بوش لشارون عام 2004، ولكن المفاجأة التي فجرها رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي وكذلك رد الطرف الفلسطيني عليها هو ما يستحق التأمل واستنباط العبر.

نتنياهو اعترف في الكنيست الإسرائيلي بأنه كان مستعداً لتمديد تجميد الاستيطان لثلاثة شهور أخرى من أجل استئناف المفاوضات والعملية السلمية ، ولكن الإدارة الأمريكية أبلغته بأن يتغاضي عن تلك المسألة التي لا لزوم لها، فتجميد الاستيطان من وجهة نظر أمريكية لا ضرورة له، علما بأنه هو العقبة الوحيدة التي يضعها الجانب الفلسطيني للعودة إلى طاولة المفاوضات وهو الذي أشغل العرب وجامعتهم مدة طويلة ظنا منهم أن من يعطل تجميد المفاوضات هي دولة الاحتلال دون أن يدور في خلدهم بأن راعي عملية السلام الأمريكي هو من يعطلها ويتلاعب بكل العرب وهي بحق فضيحة جديدة تسجل في حق الأنظمة العربية التي تتشكل منها لجنة المتابعة العربية للمفاوضات.

الرد الفلسطيني جاء على لسان كبير المفاوضين الدكتور صائب عريقات لصحيفة" الشرق الأوسط" حيث قلل من أهمية الأمر قائلا: " هذا كلام لا صلة له بالواقع، وقف الاستيطان التزام إسرائيلي وليس طلبا أمريكيا" ووجه رسالة حازمة إلى نتنياهو بقوله:

" هذا التزام عليك،فإن أردت استئناف المفاوضات والجلوس مع الرئيس أبو مازن فعليك وقف الاستيطان والاعتراف بمبدأ حل الدولتين".

نذكر كبير المفاوضين بأن أمريكا ليست ساحل العاج بل هي قبلة الأنظمة العربية ، وهي راعية ما يسمى بعملية السلام وهي صاحبة النهي والأمر في العالم حسب تعاليم الجامعة العربية، وهي التي " أوحت " بالمبادرة العربية للسلام ووضعت خطة خارطة الطريق وباركت اتفاقية أوسلو فكيف لا تكون مسئولة عن استئناف الاستيطان ووقف المفاوضات المباشرة وغير المباشرة؟

إن تسريبات نتنياهو عبرة للفلسطينيين وكذلك للعرب إن أرادوا الاعتبار ولا أظنهم كذلك، فلا نأمن نحن الفلسطينيين الرعاة الخارجيين لعملية السلام أو لغيرها من العمليات التي تحتاج إلى رعاية خارجية، فالرعاة في واد والشعب الفلسطيني في واد آخر، وكل يعمل حسب مصالحه وأهوائه فلا نريد كذلك أن يتحول المفاوض الفلسطيني إلى محام للشيطان.

كاتب فلسطيني

============================

قنابل نتنياهو .. ليست صوتية

حسن عصفور

الدستور

6-1-2011

في خطوة "قد" تكون لها تأثيرات سياسية ما في المشهد السياسي القادم ، قام رئيس وزراء دولة الاحتلال الاسرائيلي نتنياهو بكشف ما كان غامضا ، حيث قال أنه "كان على استعداد للموافقة على العرض الأمريكي الأخير بخصوص تجميد الاستيطان 90 يوما ، لكنه تفاجأ من طلب الرئيس الأمريكي بتناسي هذه المسألة" ، ولم يقتصر الكلام على هذه فحسب ، بل أكمل نتنياهو كلامه من خلال لجنة الأمن في الكنيست الاسرائيلي ، بازالة الغطاء عن ما حاول البعض اخفاءه ، وهو أن واشنطن استبدلت التجميد الاستيطاني بفتح مسار تفاوضي جديد بمسمى "المفاوضات الموازية".

 

أقوال نتنياهو هذه تكشف جيدا أن التلاعب بالمسيرة السياسية في المسار الفلسطيني - الاسرائيلي هي واشنطن ، وهو ما لا يريد البعض العربي والفلسطيني أن يراه أو يلمسه ، بل يجاهدون بكل السبل للتعتيم عليه ، حتى أن البعض الفلسطيني سارع فورا للرد على نتنياهو وتكذيبه ، في سابقة هي غريبة جدا ، فالمفروض أن المتهم ، وهو هنا الأمريكي ، من يقوم بتكذيب نتنياهو لو أنه نطق كذبا بما قال ، خاصة وأنه يعرف جيدا جدا أن كلامه سينشر فورا ، ولكن وحتى بعد مضي أيام على كلام نتنياهو ، فقد لزمت واشنطن الصمت المطبق ، وتجاهلت كليا ما قاله نتنياهو ، رغم خطورته السياسية على "مصداقيتها" مع الطرف العربي والفلسطيني.. ولكن من الواضح أنها لا تشعر بما يربكها من رد فعل على تلك الأقوال.

 

ولعل الأخبار التي تلت أقوال نتنياهو حول وصول دينيس روس الى اسرائيل خلال الاسبوع القادم ، لبحث "الملف الأمني" في مستقبل التسوية القادمة ، يكشف أن "المفاوضات الموازية" هي التي باتت "الخيار البديل" في المرحلة الراهنة ، ما يؤكد صحة ما قاله نتنياهو ، ويشير الى أن الادارة الأمريكية تمكنت من "احتواء الأزمة" التي حدثت في الآونة الأخيرة بعدم استئناف المفاوضات المباشرة لعدم تجميد الاستيطان ، وكان البديل الذي توافقت عليه الأطراف ذات الصلة بمفاوضات موازية ، أراد البعض الفلسطيني أن ينفيها بشكل أو بآخر ، ولكن الواقع يقول غير ذلك تماما.. سواء ما كان من زيارة وفد أمريكي مكون من مساعد كلينتون ومستشار أمني في البيت الأبيض قبل اسبوعين الى تل أبيب ورام الله ، وبعدها جاءت زيارة ميتشيل وها هو دينيس روس يأتي برحلات خاصة دون ضجيج أو صور كالتي تحدث مع ميتشيل ، وكأننا نشهد مسارين تقوم بهما واشنطن ، أحدهما للصور والاعلام برئاسة ميتشيل وآخر بعيدا عن التصريحات والمقابلات الاعلامية يقوده روس ، صاحب أو مهندس ما بات قائما الآن: "المفاوضات الموازية" ، ونجح بمهارته المعروفة بأن يستبدل "خيار المواجهة" الذي كان منتظرا بعد التهديدات الفلسطينية ، بخيار "المفاوضات الموازية" ، بل وتأجيل زمن المواجهة من بداية العام حيث كان متوقعا وفقا لكل التصريحات الفلسطينية الرسمية الى نهاية العام بما بات يعرف شهر "الحسم الأيلولي" - شهر سبتمبر - ، وفقا لتصريحات الرئيس الفلسطيني عباس حول الاستحقاقات القادمة.

 

ربما أصبح من الضروري للطرف الفلسطيني أن يعيد صياغة موقفه المعلن لمخاطبة الراي العام وتوضيح المسار القادم ، بدلا من تركها للتفسيرات من هذا وهذاك ، ويمكن أن يعاد صياغة خطة العمل في المرحلة القادمة وفقا لتصريحات الرئيس عباس بأن يكون الكلام والموقف مستندا الى مفهوم "الاستحقاقات الثلاثة أو الأربعة" بدلا من الخيارات السبعة أو الثمانية ، وهذا لا يشكل "نقيصة" حيث المراجعة والمكاشفة أكثر فائدة من الهروب والمناورات السياسية المكشوفة ، فلا يجوز الاعتقاد بأن المواطن لا يمكنه ملاحقة حركة التبديل والتغيير في زحام الأحداث والمشاكل والقضايا.. خاصة وأن الحديث عن الجديد جاء من القيادة الشرعية ذاتها وليس استنتاجا من خصومها أو منافسيها ، بل ولم يأت عبر الاشاعات التي يطلقها الاعلام الاسرائيلي.. ولذا فتحديد الرؤية القادمة ودون غموض وفقا للمستجدات السياسية سيكون عنصر أكثر جدوى من "ضبابية"لا تفيد.. فتوضيح الحركة القادمة ضمن مسار "المفاوضات الموازية" خاصة بعد أن تحدد سقفها الزمني بشهر سبتمبر - أيلول القادم حيث هناك "وعد أوبامي" جديد ، بديلا للوعد السابق ، حيث يقول الوعد ، وفقا للقيادة الفلسطينية ، بالاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر القادم مهما كانت النتائج.. وعد جديد مقابل تغيير جديد في السلوك والمسار.

 

ولكن ، لماذا أراد نتنياهو اطلاق قنابله السياسية وهو يعرف قبل غيره أنها ليست قنابل صوت كالتي يطلقها آخرون.. هل هي حركة "احراج لأمريكا" أم "احراج للقيادة الفلسطينية".. هل محاولة ارباك خصومه في اسرائيل أم يحرج التحرك الفلسطيني خاصة مع الدول الأوروبية وكشف المستور بما كان.. أسئلة تحتاج التدقيق ان أراد البعض التدقيق.

 

ملاحظة: رئيس البنك المركزي في دولة الاحتلال كشف وجود سبعين مليار دولار احتياطي.. السؤال ألا يثير ذلك شهية البعض لماذا هذا التراكم الكبير وسط التحركات السياسية.

===========================

أميركا تدير الأزمات العربية

كمال مضاعين

الرأي الاردنية

6-1-2011

الاستراتيجية الأميركية في العام الجديد ستكون امتدادا لاستراتيجية العام الماضي واستكمالا لها، والتي تقوم على ركيزتين أساسيتين : خلق الظروف المؤاتية لاستكمال عملية الانسحاب من العراق، وادارة العملية السياسية والعسكرية بأفغانستان بما يضمن إمكانية الانسحاب وإنهاء العمليات العسكرية التي لم تعد تحقق نتائج ملموسة باعتراف الإدارة الأميركية نفسها،أما فيما يتعلق بالأزمات المتعلقة بالعرب فليس من المتوقع أن تحظى باهتمام جدي من قبل الإدارة الأميركية التي ستستمر بإدارة هذه الأزمات بأقل التكاليف عبر الدبلوماسية النشطة وشراء الوقت والترويج للأوهام.

 

ولكن، وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية لن تقدم حلولا للأزمات العربية، إلا أنها ما زالت تنفرد بإدارة الأزمات العربية والتأثير فيها دون استثناء، وبما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وفي مقدمة هذه الازمات : الملف الفلسطيني، دعم الاستفتاء/ الانفصال بجنوب السودان،التحكم بمدخلات ومخرجات قرار المحكمة الدولية المتعلقة بمقتل رفيق الحريري، ترتيب الوضع العراقي الداخلي، امتلاك مفاتيح الحلول لمراحل انتقالية قد تشهدها دول عربية محورية، الضغط على اليمن لخوض حرب مرهقة ومكلفة على الإرهاب، واخيرا فان الولايات المتحدة ما زالت تنفرد بإدارة الأزمة الإيرانية مع المجتمع الدولي وهي الوحيدة القادرة على عقد تسويات بهذا السياق وعلى حساب الآخرين، وبطبيعة الحال فإن المصالح الإسرائيلية بالنسبة للولايات المتحدة تعتبر من الثوابت التي لا يمكن المساس بها وهي بالضرورة على حساب المصالح العربية بل على حساب مصالح العالم كله.

 

وفي ظل هذه الاستباحة للعالم العربي ومصالحه وكياناته والتي لم نشهد مثيلا لها منذ عهود الاستعمار، وفي وقت من المفترض فيه أن يتجه العرب لدعم وترسيخ أي صيغة للعلاقات العربية – العربية، نجد أن العلاقات الثنائية العربية تكاد تكون معدومة يغلب عليها الطابع الدبلوماسي، وهي بذلك، أي الدول العربية،غدت عاجزة أو شبه عاجزة عن ادارة ازماتها أو احتوائها.

 

كان من الممكن أن يؤمّن العرب الحد الادنى من الحاضنة السياسية للفلسطينيين بعد توقف المفاوضات مع اليمين الاسرائيلي بدل الاتكال على اعتراف بعض دول اميركا اللاتينية بالدولة الفلسطينية المستقلة، وكان من الممكن ايضا التوصل الى موقف عربي موحد أو شبه موحد للحوار المباشر مع ايران على اساسه، أما فيما يتعلق بلبنان فقد كان من الممكن تبني موقف عربي موحد على غرار ما حدث بداية الحرب الاهلية اللبنانية منتصف السبعينيات لتجنيب لبنان احتمال نشوب حرب اهلية جديدة على خلفية قرار المحكمة الدولية الذي تتحكم واشنطن بمجرياتها، فالموقف العربي الموحد أو شبه الموحد هو مفتاح الحل لادارة الازمات بأقل الخسائر.

 

لا يمكن لاي من الدول العربية أن تدير ازماتها منفردة، أو ان تدير علاقتها مع الولايات المتحدة منفردة ايضا، فها هي الولايات المتحدة تعمل ضد مصالح أطراف إقليمية ولصالح أطراف إقليمية أخرى وفي مقدمتها دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يتوهم أحد بأن الحل يكمن بالهروب باتجاه مزيد من التقرب لواشنطن أو الانصياع لتوجهاتها، فالتنازلات التي قدمتها واشنطن العام الماضي كانت لإسرائيل بالدرجة الاولى ولطرف إقليمي كادت أن تنشب بينه وبين واشنطن حرب عسكرية بنهاية عهد بوش؟.

============================

التجربة التفاوضية الفلسطينية من منظور التجارب العالمية

المستقبل - الخميس 6 كانون الثاني 2011

العدد 3875 - رأي و فكر - صفحة 19

ماجد كيالي

تفيد التجارب التفاوضية التاريخية، في العالم، بأن التسويات لا تتحقق بالتوسلات والمناشدات، وإنما هي تتطلب تواجد عدة ظروف، أو شروط، من مثل قيام نوع من التكافؤ ولو النسبي في موازين القوى بين الأطراف المعنية (وهذه لا تشمل فقط القوة العسكرية)، وتوفّر عوامل دولية وإقليمية ضاغطة، تأخذ على عاتقها احتضان عملية التسوية وفرضها على الأطراف المعنية. كما يتطلب ذلك تخليق حالة مجتمعية، عند الأطراف المعنية، لها مصلحة في التسوية وتدفع إليها، لاعتبارات عديدة، منها ارتفاع كلفة حال العداء أو الاحتلال (من النواحي الأخلاقية والاقتصادية والسياسية وليس البشرية فقط)، أو لاقتناع مجتمع المعتدين أو المستعمِرين بضرورة التحرّر من علاقات الاحتلال، إن لتطور في الثقافة السياسية والأخلاقية عندهم، أو بسبب ارتداد تداعياته عليهم.

هكذا، حصلت تسويات الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتسويات الحرب الباردة، وهكذا انتهت النظم الاستعمارية في آسيا وإفريقيا، وهكذا تمت تصفية نظام التمييز العنصري "الأبارتايد" في جنوب إفريقيا.

الآن، إذا حاولنا ترجمة كل ما تقدم على واقع التجربة التفاوضية الفلسطينية الإسرائيلية، سنجد ببساطة أن هذه المفاوضات خلت من أي عامل من العوامل المذكورة آنفاً. وكما نشهد، فليس ثمة أي تكافؤ في موازين القوى بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وليس ثمة عوامل دولية وإقليمية (وعربية) تعمل للضغط على إسرائيل، من أجل حضّها على عملية التسوية؛ ولو وفق قرارات الشرعية الدولية (برغم الإجحافات المتضمنة فيها بالنسبة لحقوق الفلسطينيين). وقد تبيّن لنا أخيراً بأن الولايات المتحدة الأميركية، وهي الراعية المفترضة لعملية السلام، والضامنة لأمن إسرائيل وتفوقها النوعي في المنطقة، لم تنجح حتى في حض إسرائيل على تجميد موقت لأنشطتها الاستيطانية في الضفة الغربية، برغم كل التقديم والتشجيع التي وعدتها بها (الأمنية والسياسية والاقتصادية)، فكيف سيكون الأمر إذن بشأن إحقاق حقوق الفلسطينيين الشرعية؟

أما بما يتعلق بقبول المجتمعين المعنيين للتسوية، فمن الواضح أن القيادة الفلسطينية (في ظل الزعامة التاريخية لياسر عرفات) استطاعت ان تجعل برنامج التسوية برنامجاً مقبولاً من قبل قطاعات واسعة من الفلسطينيين. وفوق ذلك فإن الحركة الوطنية الفلسطينية، وبنتيجة تحولها من حركة تحرر إلى سلطة، استطاعت أن تخلق واقعاً من الاحتلال المريح لإسرائيل (بوهم التسوية)، ما جعل هذا الاحتلال أرخص احتلال عرفه التاريخ (بحسب تصريح الرئيس محمود عباس!)؛ بحيث أن إسرائيل بقيت قوة احتلال مع تحررها من أعباء الاحتلال.

مقابل ذلك من الواضح أن المجتمع الإسرائيلي (بتياراته السياسية) لم يتجاوب إلى الدرجة المناسبة مع هذا الواقع، الذي يعد فرصة استثنائية له، لتشريع وجود إسرائيل في المنطقة، وإنما على العكس، فقد سار هذا المجتمع باتجاه التشدد والتطرف. هكذا بتنا نشهد كيف أن الإسرائيليين يصرون على استمرار الاستيطان في الضفة وينتهجون ممارسات مغرقة في عنصريتها ضد الفلسطينيين (حتى من مواطني إسرائيل)، بدعوى الحفاظ على يهودية إسرائيل.

ومعنى ذلك أن واقع الاحتلال المريح، وتوجه الفلسطينيين نحو التسوية، لم يخلق التداعيات اللازمة لخلق ثقافة تسوية (ولو نسبية) عند غالبية الإسرائيليين، بل إنه شجع هؤلاء على المزيد من التشدد، القومي والديني، لإنفاذ السياسات الاستعمارية والعنصرية والقهرية ضد الفلسطينيين. لماذا؟ لأنه ليس ثمة أكلاف للاحتلال، ولأنه ليس ثمة ضغط دولي وإقليمي وعربي لإنهاء الاحتلال فعلاً، ولأن الفلسطينيين في غاية الضعف والتنازع في ما بينهم، ولأنهم أيضاً باتوا رهن واقع السلطة، والعلاقات المترتبة عليها (في الضفة وغزة).

في هذا الإطار، أيضاً، حتى العامل الديموغرافي، الذي بدا لمرحلة وكأنه يضغط على إسرائيل، باتت هذه وكأنها لا تضعه في حسبانها، فهي تخلصت من مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة، عبر الانسحاب الأحادي منه (2005)، وهي تلوح بإمكان القيام بإجراءات حدودية في الضفة الغربية، لتحديد حدودها مع الفلسطينيين (بشكل أحادي)، وترك الفلسطينيين يتدبرون أمرهم خلف الجدار، مع احتفاظها بالسيطرة الأمنية والاقتصادية عليهم؛ من دون أن ننسى إجراءاتها للتضييق على مواطنيها من الفلسطينيين؛ لدرجة إخراجهم من نطاق المواطنة.

القصد مما تقدم أن عملية المفاوضات من أساسها، ومنذ بدايتها، لم تكن تجري على أسس صلبة وصحيحة، كما أوضحنا، وكان من الخطأ المراهنة عليها وحدها. فهذه العملية كانت بمثابة نوع من استمرار الأمر الواقع بطريقة أخرى، أي بطريقة مريحة لإسرائيل، وهو ما أتاحه تخليق السلطة، التي باتت اليوم بمثابة سلطتين تتنازعان السلطة على الشعب الفلسطيني، مع الأسف، بدل التنازع مع الاحتلال! والمعنى أن الوضع الفلسطيني بات يتطلب معادلات وخيارات أخرى.

============================

حقائق حول الولايات المتحدة وإسرائيل

عن مجلة تايم

الخميس 6-1-2011م

ترجمة: ريما الرفاعي

الثورة

هل حدث من قبل أن تحدثت أي من وسائل الإعلام الرائدة في الولايات المتحدة بشأن حقيقة الروابط بين الولايات المتحدة و«إسرائيل»؟ .

إن دعم الولايات المتحدة لقيام «إسرائيل» في الشرق الأوسط كان خطأ مكلفاً، ولم يكن دافعه المصلحة الوطنية الأميركية، بل اعتبارات سياسات رئاسية تافهة.‏

 

فقد أيد ترومان قيام دولة «إسرائيل» من أجل الحصول على الأصوات اليهودية الأميركية هذه هي الحقيقة الناصعة: رئيس الولايات المتحدة وضع فرصه الانتخابية فوق المصلحة الوطنية.‏

 

على ما يبدو في تلك الأيام كان باستطاعة مجلة التايم كشف الحقيقة الناصعة دون القلق من نفوذ الجالية اليهودية الأميركية، وهنا مقطع ورد في المجلة آنذاك: إن كلمة «الأميركان» لم يعد لها صدى جيد في منطقة الشرق الأوسط من أجل الحصول على الأصوات اليهودية في الولايات المتحدة، طالب الرئيس ترومان في عام 1946 البريطانيين بقبول مئة ألف لاجئ يهودي في فلسطين وكان ذلك انتهاكاً صريحاً للوعود البريطانية للعرب، ومنذ ذلك الحين، تنظر الدول العربية المحيطة ب«إسرائيل» إلى «إسرائيل» على أنها صنيعة الولايات المتحدة، وبالتالي يعتبرون الولايات المتحدة عدوا لهم، لقد خلفت الحرب بين «إسرائيل» والعرب ما يقرب مليون لاجئ فلسطيني مكثوا لمدة ثلاث سنوات في مخيمات بائسة، وهؤلاء اللاجئون، الذين لم تشعر لا الولايات المتحدة ولا «إسرائيل» بأدنى مسؤولية تجاههم، مازالوا يشعرون بالكره تجاه غدر الولايات المتحدة بهم.‏

 

هذه المواقف لا تعكس عداوة للعرب، وليس مصدرها انانية وطنية، ولكنها تمثل سلوكاً أخرق وحسب ولم تكن الجريمة الأميركية مساعدة اليهود، بل مساعدتها لهم على حساب العرب.‏

 

اليوم، يخشى العالم العربي بل ويتوقع المزيد من التوسعات الإسرائيلية ويدرك العرب جيداً ما يقوم به نائب رئيس الولايات المتحدة البن باركلي الذي يجوب بلاده ويلقي الخطابات من أجل جمع نصف مليار دولار ل«إسرائيل» وهو أكبر مبلغ يطلب جمعه من العامة ويقول الجمهور الأميركي بمرارة لا أحد يجمع لنا هذا المبلغ.‏

 

لا تنظر التايم إلى «إسرائيل» على أنها ضحية ولا يوجد أي إشارة فيها إلى أن «إسرائيل» هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وبدلاً من ذلك، تقول التايم إن «إسرائيل» أقيمت على حساب العرب وهي ترفض تحمل المسؤولية تجاه مليون لاجئ فلسطيني فضلاً على أنها السبب الأساسي لكره العرب للولايات المتحدة لا تتحدث عن التهديدات العربية ل «إسرائيل» في نصف القرن الماضي، لكنها تحدثت عن مخاوف العرب من توسعات إسرائيلية جديدة.‏

 

الضحايا الحقيقيون هم الفلسطينيون وهناك تعاطف معهم، إن الحرب بين «إسرائيل» والعرب خلفت لما يقرب من مليون لاجئ فلسطيني وهناك تعتيم كبير على حقيقة أن اللاجئين العرب هم ضحية الحرب الإسرائيلية العربية لقد نجحت الدعاية الإسرائيلية منذ البداية في طمس هذه الحقيقة، ولا يوجد أي اعتراف بعمليات التطهير العرقي الإسرائيلي المخططة ضد الفلسطينيين أو المجازر التي قامت بها «إسرائيل» وأثارت غضباً عارماً.‏

 

والمثير للدهشة - الشيء الذي لا يمكننا اليوم رؤيته أو سماعه - أن التايم كانت قادرة على التعاطي مع المسألة من عيون عربية وعنونت مثلاً: «كيف فشل العالم بأسره في إعادة اللاجئين إلى أراضيهم والذين لا تشعر لا الولايات المتحدة ولا «إسرائيل» بالمسؤولية تجاههم سيواصلون حياتهم بكره متنامٍ للولايات المتحدة».‏

 

وهذه الصراحة الصحفية ليست بشيء جيد ل«إسرائيل» ما دفع بالمنظمات اليهودية الكبرى على الفور إلى استعراض عضلاتها وقدمت للشرطة شروطاً حول ما ينبغي على وسائل الإعلام الأميركية كتابته أو قوله عن «إسرائيل» وقد نجحت تدريجياً في تثبيت هذا الأمر ول«إسرائيل» اليوم علاقات مع جميع وسائل الإعلام الأميركية ولا يستطيع أحد الخروج عن قواعد وشروط الجالية اليهودية ذات النفوذ الكبير في الولايات المتحدة لكننا نشهد هذه الأيام بعض التغيير حيث إن «إسرائيل» باتت تؤثر سلباً على مصالح الولايات المتحدة وعلى السلام في العالم وهذا شيء لا يمكن لأحد نكرانه لكن هذا التحول مؤقت لأن الجماعات المؤيدة ل «إسرائيل» تحارب مجدداً والأصوات القليلة التي تنتقد «إسرائيل» يمكن إسكاتها عن طريق تصنيع بعض الأحداث ليس أقلها هجوم ارهابي آخر على الأراضي الأميركية.‏

===========================

جدوى ومصير معاهدة ستارت الجديدة

ليونيد ألكسندروفتش

التاريخ: 06 يناير 2011

البيان

بدأ البرلمان الروسي مناقشة مشروع معاهدة تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، بعد أن صادق عليها مجلس الشيوخ الأميركي، ووضع إضافات اعتبرها أعضاء المجلس، وخاصة الجمهوريين منهم، أساسية لقبول المعاهدة وبنودها. ولا شك أن هذه الإضافات أثارت تساؤلات حول مصير معاهدة ستارت الجديدة، وعن مدى فاعليتها وصلاحيتها، خاصة وأن تراجع معارضة الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأميركي، ارتبط بهذه الإضافات وبوعود من إدارة الرئيس أوباما بتخصيص ميزانيات لتطوير الترسانة الأميركية العسكرية الاستراتيجية، وهذه كانت شروط الجمهوريين أصحاب الأقلية المؤثرة في المجلس، لتمرير هذه المعاهدة. وما يخص تخصيص ميزانيات لتطوير الترسانة العسكرية الأميركية، أمر لا يهم روسيا كثيرا، فهذا شأن أميركي داخلي بين الجمهوريين والديمقراطيين، وهو الثمن الذي يدفعه الديمقراطيون من أجل بقائهم في الحكم، وإن كان الشعب الأميركي في الحقيقة هو الذي يدفع هذا الثمن الباهظ، الذي يذهب في النهاية إلى خزائن أباطرة صناعة السلاح الأميركيين، الذين يعتبرون الجمهوريين ممثلين لمصالحهم في البيت الأبيض وفي الكونغرس. أما التعديلات التي أجراها الجمهوريون على المعاهدة، فهي تهم روسيا كثيرا، خاصة وأن المفاوضات حول المعاهدة قبل توقيعها من رئيسي الدولتين، كانت صعبة ومعقدة ومكتظة بنقاط الخلاف، وبالتالي فليس من السهل على روسيا أن تقبل تعديلات الجمهوريين، حتى لو كانت ثمنا لتمرير المعاهدة والتصديق عليها.

 

ويجب أن يكون واضحا أن معاهدة ستارت الجديدة لم تتوصل إلى تقليص كبير في الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، إذ اتفق الجانبان على تقليص عدد وسائل حمل وإيصال الأسلحة النووية (الصواريخ والغواصات والقاذفات الإستراتيجية) إلى 800 وحدة ليس الآن بل بعد مرور7 سنوات على دخول المعاهدة المزمع توقيعها حيز التنفيذ، وتقليص عدد العبوات النووية المحمولة إلى 1550 وحدة. ما يشكل نحو 30 بالمائة من الترسانة النووية الأميركية، واقل من ذلك بالنسبة لترسانة الأسلحة الاستراتيجية الروسية.

 

لكن هذه الاتفاقية حملت معاني أكثر أهمية من مجرد تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، لأنها جاءت بعد سنوات من التوتر والصراع بين واشنطن وموسكو، شنت فيها الولايات المتحدة حربين في العراق وأفغانستان، ومارست سياسات هددت أمن المجتمع الدولي. لذا جاءت هذه الاتفاقية لتكون محطة أساسية في بداية نهج جديد من جانب القوى النووية العظمى، في التعامل مع أمن المجتمع الدولي، وبداية لبناء الثقة بين هذه القوى، بهدف الانتقال فيما بعد لمرحلة تعاون أكثر جدية، لتنفيذ معاهدات ومواثيق الشرعية الدولية الخاصة بالحد من انتشار الأسلحة النووية ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. ولكن، هل هذا كله يمكن أن يكون مبررا لتغاضي موسكو عن التعديلات التي أجراها الجمهوريون في واشنطن على المعادلة؟

 

لقد استأنف البرلمان الروسي (الدوما) مناقشة معاهدة ستارت الجديدة، بعد إضافات مجلس الشيوخ الأميركي، على ضوء هذه السياسة التي تشكل المخرج الوحيد وفق قناعة روسيا لحماية أمن واستقرار المجتمع الدولي، وإنهاء حالة التوتر والصدام في البؤر الساخنة. ما دفع بالبرلمانيين الروس إلى التصديق على المعاهدة في القراءة الأولى، ولكن هذا جاء برجاء وتوسل من الرئيس الروسي ميدفيديف إنقاذا للمعاهدة. لكن الأمور لا تتحقق بهذه البساطة، إذ إن واشنطن ما زالت تواصل خططها الخاصة بنشر درعها الصاروخي، ما يضع موسكو في موقف حرج، فمن جهة لا بد وأن تحث وتدفع القوى الدولية نحو مزيد من الالتزام بسياسة الحد من انتشار الأسلحة النووية، على أرضية اعتماد مبدأ الثقة المتبادلة، بدلا من سياسة الردع المتبادل التي تفترض اكتظاظ الترسانات العسكرية لهذه القوى بأحدث الأسلحة. ومن جهة أخرى فالقيادة الروسية لا بد وأن تأخذ بعين الاعتبار، في كافة خططها السياسية والاقتصادية، توفير أدوات وعناصر حماية الأمن القومي للبلاد ومصالح روسيا.

 

إن حل هذه المعادلة الصعبة، والتي يزيد الدرع الصاروخي من تعقيدها، يتطلب تسليح القوات الروسية بأحدث المعدات العسكرية، وتطوير قدراتها الدفاعية على مختلف المستويات، وفي كافة المجالات.

 

ويمكن القول إن أحد الحلول المطروحة يتمثل في تحديث أسلحة وحدات الجيش الروسي الدفاعية، ما جعل الكريملين يسعى بجدية لتطوير القدرات الدفاعية، والبدء في تزويد الجيش الروسي بصواريخ جديدة، تفوق سرعتها سرعة الصوت ودقيقة التصويب، وتتوفر لديها الإمكانية لتغيير اتجاهها أفقيا وعموديا، إضافة إلى استخدام الصواريخ التي تطلق من المنصات المتنقلة، وبالدبابات الحديثة وأسلحة الدفاع الجوي الجديدة. وسيتم خلال السنوات الخمس القادمة تحديث 45٪ من العتاد العسكري الحالي، حيث سيتم إمداد الجيش الروسي ب50 صاروخا باليستيا جديدا من نوع «توبول-ام»، و50 قاذفة استراتيجية «تو-160» و«تو-95» و31 سفينة. ومن المتوقع أن تصل نفقات تسليح القوات الروسية خلال السنوات المقبلة إلى 146 مليار يورو. وبالقطع كل هذه الأشياء تضع علامات استفهام كثيرة حول جدوى المعاهدة، وقد تفرض على الرئيس الأميركي أوباما أعباء جديدة، وتصعب مهامه أمام ضغوط الجمهوريين الذين سيقولون له «انظر كيف تزيد روسيا من قوتها العسكرية»!

 

إن ضمان وحماية الأمن القومي الروسي أمر هام وحق لموسكو، لكنه بالتأكيد لا يشكل سبيلا لإنجاز المهمات الأكثر أهمية، وهي التعاون لتنفيذ معاهدات ومواثيق الشرعية الدولية، الخاصة بالحد من انتشار الأسلحة النووية ومنع أسلحة الدمار الشامل، ما يستوجب مزيدا من إبداء حسن النوايا، إلى جانب حث الجانب الأوروبي على العمل والتحرك لدى المؤسسات الحاكمة في الولايات المتحدة، للجم النزعات العسكرية، من خلال التعاون مع روسيا لصيانة السلم العالمي.

===========================

طموحات الصين

المصدر: صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية

التاريخ: 06 يناير 2011

البيان

تثير حملة بكين لتوسيع وجودها العسكري والإقليمي، عصبية حلفاء أميركا المقربين في المنطقة، وتثير تساؤلات مشروعة حول الدبلوماسية الأميركية والتسلح الأميركي في المستقبل. وقد كشف قائد القوات الأميركية في المحيط الهادئ، مؤخراً، عن أن الصين يمكنها أن تنشر قريبا صواريخ باليستية قادرة على تهديد حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة.

 

البنتاغون لها تاريخ طويل في تضخيم التهديد الصيني، لتبرير صفقات الأسلحة باهظة الثمن، ومسألة إغراق السفن المجهزة دفاعياً بشكل جيد بالصواريخ الباليستية، مسألة صعبة على نحو سيئ للصين. ولكن ما ينبغي أن يكون مدعاة للقلق لدى المخططين العسكريين الأميركيين، ليس الصواريخ فقط، بل الاستراتيجية الجديدة للبحرية الصينية التي تقف وراءها.

 

يبدو أن الصين عازمة بشكل متزايد على تحدي التفوق البحري للولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ، وفي الوقت نفسه، تمضي بقوة في مطالبتها بالجزر المتنازع عليها في شرق وجنوب بحر الصين. ولا بد أن ترد واشنطن على ذلك، بحرص وبحزم. وعلى البنتاغون تسريع الجهود الرامية إلى جعل القوات البحرية الأميركية في آسيا أقل عرضة لتهديدات الصواريخ الصينية، من خلال منحها وسيلة لإظهار قوتها الرادعة ضد المزيد من الهجمات الخارجية. ويجب على إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أيضاً، مضاعفة جهودها الدبلوماسية لإقناع بكين بأن التعاون بين القوى الكبرى، أفضل بكثير من تنافس عسكري مكلف وخطر. وتشكل كوريا الشمالية نقطة انطلاق جيدة، ذلك أن البلدين يشتركان في مصلحة واضحة لكبح جماح الطموحات النووية والتهديدات الطائشة ل«بيونغ يانغ».

 

وبالنسبة للصين، وهي المورد الرئيسي للغذاء والوقود إلى كوريا الشمالية، فإنها ترددت وقتاً أطول من اللازم في استخدام نفوذها. وخوفاً من تدفق هائل للاجئين، فهي تركز فقط على دعم أسرة الرئيس الكوري الشمالي «كيم». وقبل فوات الأوان، فإن بكين بحاجة إلى أن تدرك أن جارتها المرتبكة وذات التسلح النووي، هي وصفة أبعد ما تكون عن الاستقرار، أو عن تراجع أميركي.

 

يمكن أن يكون التعامل مع الصين الصاعدة، بمثابة أكبر التحديات أمام واشنطن في العقود المقبلة. فالولايات المتحدة ليست لها مصلحة في تصعيد التوتر. ولدى للصين المتطورة سريعا استخدامات لثروتها الجديدة، أفضل من الأسلحة، ولكن عندما تضغط الصين، كما تفعل الآن، فإن أميركا بحاجة للضغط في المقابل، بمزيج من الليونة الدبلوماسية الخلاقة، والصمود العسكري.

 

يواجه المسؤولون الشيوعيون في بكين معضلة دقيقة وهم يسعون إلى توطيد مكانة الصين كقوة عالمية، فالنمو الاستثنائي لبلدهم جعلها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولكن هذه المكانة تحفها غيوم سجل مقيت لحقوق الإنسان. فهل باستطاعة الصين الاستمرار في الازدهار دون تحقيق الحرية السياسية لشعبها؟

 

إن مشكلة صورة الصين تتضاعف من خلال سياسة خارجية مغامرة في آسيا، التي تتضمن دولاً متجاورة متملقة، مثل الهند واليابان وفيتنام والفلبين وتايوان.

 

وكان هناك تذمر غير معتاد في دوائر رفيعة المستوى، في الوقت الذي وقعت 23 شخصية صينية على رسالة مفتوحة تدعو إلى حرية التعبير في بلادهم. جاء ذلك بعد مقابلة أجرتها شبكة «سي.ان.ان» الأميركية مع رئيس وزراء الصين «وين جيا باو»، وأعلن خلالها عن تأييده لمفهوم حرية التعبير. ومنع بث تصريحات رئيس الوزراء الصيني، في الصين، من قبل حكومته، الأمر الذي يشير إلى أن هناك رغبة محدودة في التسلسل الهرمي الراهن، حول الإصلاح السياسي الحالي.

============================

مفاوضات إسطنبول وخفايا مناخ الاسترخاء

آخر تحديث:الخميس ,06/01/2011

محمد السعيد ادريس

الخليج

في الوقت الذي كانت تختتم فيه مفاوضات إيران مع “مجموعة دول 5+1” (دول مجلس الأمن الخمسة دائمة العضوية وألمانيا) أعمالها في جنيف بعد انقطاع دام أكثر من عام كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يتحدث أمام احتفال لتكريم المتقاعدين “النموذجيين” بلغة جديدة عن أزمة البرنامج النووي لبلاده مع الغرب حاول بها استباق نتائج تلك الجولة من المفاوضات التي حرصت إيران أن تدخلها من موقع القوة معتمدة على ورقتين، الأولى ذلك التصريح الذي أدلت به وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في منتدى “حوار المنامة” يوم الرابع من ديسمبر/كانون الأول الفائت حول موقف بلادها من أزمة البرنامج النووي الإيراني، وتحدثت فيه عن إمكان تخصيب إيران لليورانيوم شرط “طمأنة الأسرة الدولية” وهو التصريح الذي بنى عليه منوشهر متكي وزير الخارجية الإيراني “المقال” كثيراً واعتبره “اعترافاً” بحق بلاده في امتلاك طاقة نووية تتناسب مع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية . أما الورقة الثانية فهي استباق إيران انعقاد مفاوضات جنيف وإعلانها على لسان علي أكبر صالحي رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية (وزير الخارجية بالإنابة) إنتاج “الكعكة الصفراء” محلياً للمرة الأولى ما يعني نجاحها في تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد المستخدمة في إنتاج الوقود النووي، وأن إيران لن تواجه بعد الآن مشكلة في توفير مخزون هذه المواد، وأن الشحنة الأولى التي أنتجت من منجم غاستين قرب بندر عباس جنوبي البلاد سلمت إلى منشأة أصفهان وسط إيران لتحويل اليورانيوم . صالحي الذي أكد أن بلاده تكون بذلك قد حققت اكتفاء ذاتياً من دورة الوقود النووي، أراد أن يعطي هذا النجاح بعداً رمزياً مهماً وقوة دافعة للمفاوض الإيراني في مفاوضات جنيف للتمسك بالشروط التي أعلنتها طهران قبيل انعقاد تلك المفاوضات .

 

إيران خاضت مفاوضات جنيف وفقاً لشروطها مدعومة بهاتين الورقتين وهي واثقة من النجاح، ولعل هذا ما شجع الرئيس الإيراني ليتحدث بلغة جديدة تتجاوز أزمة البرنامج النووي، معتبراً أنها أزمة تم تجاوزها بالفعل وبات على الدول الست أن تتفاوض مع إيران حول ما هو أهم وأجدى، وهو التعاون في القضايا الدولية والإقليمية، وهذا ما تعمد سعيد جليلي المدير العام لمجلس الأمن الوطني الإيراني رئيس فريق التفاوض أن يقوله عقب انتهاء مفاوضات جنيف، حيث أكد أن الدول الست استجابت لشروط إيران، ولم تتطرق إلى موضوع الضغوط وركزت على أن يتناول اللقاء المقبل في اسطنبول مناقشة النقاط المشتركة لا الحوار بشأن البرنامج النووي الإيراني .

 

ربما يكون سعيد جليلي قد عبر عما تريده بلاده أكثر من نقاط التوافق المشتركة التي اعتمدت في مفاوضات جنيف، حيث كشفت أطراف أخرى وبالذات الطرف الفرنسي أن التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني مازال هو الأساس، لكن ما قاله يكاد يتوافق جزئياً مع تعليق كاثرين اشتون وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي التي تحدثت باسم الدول الست التي وصفت المفاوضات بأنها كانت “مفصلية وجوهرية”، وقالت “نعترف بحقوق إيران لكننا نصر على أن تفي بالتزاماتها، مشيرة إلى أن الدول الست مستعدة للبحث عن قواعد مشتركة لمسائل ذات اهتمام مشترك” .

 

هذه النقطة الأخيرة شديدة الأهمية وهي التي تلامس ما تحدث به الرئيس الإيراني في احتفالية المتقاعدين النموذجيين، حيث خاطب الغرب من أجل تجاوز القضية النووية الإيرانية والالتفات إلى ما هو أهم، ويقصد التعاون مع إيران في قضايا إقليمية ودولية، في إشارة يفهم منها أن هذه القضية النووية في طريقها إلى الحل بما يرضي إيران والغرب، وأن مجال التعاون أضحى مفتوحاً في ملفات التعاون الإقليمي والدولي . ومن هنا كان عتاب أحمدي نجاد على الغرب بالتركيز على أزمة برنامج إيران النووي و”أكذوبة” المسعى الإيراني لامتلاك سلاح نووي، معتبراً أن هذه الأكذوبة “مختلقة” من أساسها للضغط على إيران في ما هو أهم .

 

فقد تعمد الرئيس الإيراني أن يفند مزاعم الغرب حول السلاح النووي الإيراني بتأكيده على أن القوى الاستكبارية ليست قلقة من القنبلة النووية لبلاده، بل من إمكانية تأثير شعب بلاده على العالم من خلال ثقافته، مشيراً إلى أن الغرب والعالم أجمع يعرف أن بإمكان الشعب الإيراني أن يغير جميع المعادلات الدولية لمصلحة الإنسانية إذا ما سنحت له الفرصة . وسخر نجاد من الغرب ومخاوفه من احتمال امتلاك إيران قنبلة نووية قائلاً “هل يمكن أن تخشى الجهة التي تمتلك آلاف القنابل الذرية من شعب قد يمتلك، حسب ما يدعون بعد سنوات قنبلة نووية واحدة، في وقت لم يعد فيه للقنبلة النووية أي تأثير، لأنه ليس هناك من يستطيع استخدامها” . وتساءل: “تمتلكون ألف قنبلة ذرية، كيف يساوركم القلق من احتمال أن تتمكن إيران من تطوير قنبلة في غضون ثلاث سنوات؟” واختتم نجاد تفنيده للمزاعم الغربية بأن آلاف القنابل النووية لم تحفظ الاتحاد السوفييتي من الانهيار، ولم تساعد أمريكا على الفوز بانتصار في العراق أو أفغانستان .

 

من هنا كانت دعوة نجاد للغرب من أجل التعاون في ما هو أهم، حيث أكد أن بلاده مستعدة لمواصلة الحوار شرط أن يكون الطرف الغربي صادقاً، وأن يحترم مقررات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما دعا الغرب إلى إلغاء العقوبات المفروضة على بلاده، معتبراً أنها (العقوبات) تعكس روح الغطرسة .

 

وخاطب الغرب قائلاً: “إذا كنتم تريدون التعاون مع إيران وتسوية مشكلات المعمورة في جميع الموضوعات الاقتصادية والأمنية فعليكم أن تقدموا الدعم لإيران وإننا سنبادر إلى تقديم الدعم لكم” .

 

هذه الدعوة تفتح أبواب التساؤل عن فرص نجاح المفاوضات التي من المقرر أن تجرى هذا الشهر بين إيران و”مجموعة 5 + 1” في اسطنبول استكمالاً لمفاوضات جنيف، وفرص نجاح ما يروج له من وساطة تركية بين إيران والغرب، وهل يمكن أن تكون هناك فرص فعلية لتسوية الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني والتوجه نحو تأسيس علاقات تعاون حول ملفات دولية وإقليمية مع إيران، وهل ما ورد من تصريحات مهمة على لسان موشيه يعلون وزير الشؤون الاستراتيجية “الإسرائيلي” من أن إيران “لن تتمكن من إنتاج أسلحة نووية قبل ثلاث سنوات” علاقة بما يمكن وصفه ب”مناخ الاسترخاء بين إيران ومجموعة 5+1 أم لا؟

الأسئلة مهمة ومثيرة، لكن ما سيجري في مفاوضات اسطنبول سيفصح عن حقيقة خفايا هذا الاسترخاء .

============================

حسابات لا تقبل التصفية

آخر تحديث:الخميس ,06/01/2011

خيري منصور

الخليج

أخطر ما يمكن حدوثه الآن في العالم العربي وفي حمّى الاستفتاءات على المصائر القومية والاحتدام الطائفي هو تصفية حسابات ثأرية وتغليب ما هو فرعي وثانوي على ما هو جذري ومصيريّ، فالمناخات الآن ملائمة، والفضاء ملبّد بسحابات دخان وغبار تتيح لمن يسعون إلى خلط الأوراق إيهام الناس بأن ما يلوح في الأفق هو غراب وليس أي شيء آخر .

 

ففي مثل هذه اللحظات تلتبس القضايا وتختلط الأولويات، ولا ينجو من حالة العمى الانفعالي إلا من تجرعوا من قبل مرارات التقسيم ومحاصيل الانتحار الوطني الذي يراه من أفقدتهم حالة العصاب البصيرة أنه الانتصار وتحقيق القيامات القومية المؤجلة .

 

والأمر أبعد من تكرار المواعظ لاستدراك ما تبقى، فالتضاريس الوطنية لم تكن مرسومة بالطباشير التي سرعان ما تتحول إلى غبار أو على صفحة الماء، وما كان لوطن عاش أبناؤه قروناً وربما ألفيات في حدّ أدنى من الالتئام أن يتحول إلى كعكة رخوة لولا أن هناك من يحاولون غسل الذاكرة وتزوير وقائع التاريخ على الأقل من خلال إعادة إنتاجها تحت ضغط نفسي مشحون بالثأرية .

 

نحن لا نضبط حركة أصابعنا أو حتى خطواتنا الآن على إيقاع نشيد، أو نخاطب وجداناً قومياً جريحاً، فالمصلحة بمعناها الدقيق تقتضي مقتربات أخرى غير هذه التي تنتمي جملة وتفصيلاً إلى حقبة ما قبل الدولة وما قبل الأمة .

 

وإذا كان لكل قيس سياسي ليلاه في هذا الزحام فإن ليلى في مكان آخر وخارج هذا السياق الملغوم، فالمفارقة المتكررة عربياً هي النزوع إلى التشظي والتباعد والخصخصة القومية في زمن لا يتيح ذلك، بحيث لم يعد حتى الأمن قابلاً للتحقق من دون تكتلات وسياقات اقتصادية وسوقية على الأقل، لكن من ينشغلون باستغراق لاسترضاء غرائزهم ويريدون أن يطفوا على السطح حتى لو كان سطح دمائهم لا وقت لديهم لتأمل المشهد وما ينذر به، إذا استمرت المتوالية على هذا النحو الكارثي .

 

سهل علينا أن ننسب كل ما يحدث في عالمنا إلى عوامل خارجية، وقد جربنا مراراً أن نعلق كوارثنا الوطنية على مشاجب هشة .

 

والدافع المتكرر لهذا الفرار هو تبرئة الذات أو على الأقل إعفاؤها من أي عبء، لكن التاريخ ليس رحيماً إلى الحد الذي يتمكن معه الجاهلون بقوانينه من السباحة بعكس تياره ومجراه، فالعودة إلى ثقافة تاسع عشرية في القرن الحادي والعشرين قد تقبل متحفياً من أجل التوثيق أو الحفريات المعرفية أو على أنها ضرب من الفولكلور، لكن أن تتحول إلى منظومة من المفاهيم يحتكم إليها في تسيير العالم وإدارة أزماته فهذا بحد ذاته انتحار سياسي .

 

ما أعنيه بتغليب الحسابات الصغرى وتسديد المديونيات التاريخية هو تفضيل البعض لأن يحكموا وطناً بمساحة قبر على أن يكونوا من مواطني بلاد بسعة قارة .

 

إن ما سوف يترتب على الاحتدام الطائفي وهاجس الانعزال والانكفاء قد لا يتضح الآن أو حتى في المدى المشهود، لكنه على المدى الأبعد شروع في النزوح من التاريخ، لأن عالمنا بعد أن تعولم فقد آخر الكوابح القديمة وأصبحت القوة وحدها هي القانون، وثمة من يجعلون الشرعية على اختلاف صيغها مجرد تابع خاضع لهذه القوة، مما يفرض على الأضعف أن يبحث عن أوجه الشبه أكثر من أوجه الاختلاف بينه وبين من يشاركونه أرضاً ما، وحبذا لو يكف أصحاب النوايا الطيبة عن المواعظ وتكرار الخطاب الملفق للوئام، وأن يطرقوا باباً آخر هو باب المصالح والأمن والائتلاف الاستراتيجي رغم تباين الأفكار ووجهات النظر . .

ما يحدث الآن هو مجرد عود ثقاب مشتعل لكن ما ينذر به هو تحويل الغابة كلها إلى رماد .

===========================

مصالح... لإيران وإسرائيل

علي سويدان

الرأي العام

6-1-2011

كثيرة هي المصالح السياسية بين الدول، وفي منطقتنا العربية دولتان تشكلان للعرب همّاً أمنياً وقلقاً عسكرياً وباباً من أبواب الحذر الثقافي الذي يلامس عموم التوجُّه الديني في المنطقة، ويشعر العرب بكل هذه الْمُقلقاتِ حتى لو لم يصرِّحوا بذلك! فإسرائيل ترى في نضوج العرب أو أيَّ دولة عربية نضوجاً عسكرياً ومصدراً مباشراً من مصادر الخطر على كيانها؛ ويمكننا مشاهدة هذا الخطر حين نرى إسرائيل وهي تضرب- في غير أيام الحرب مع العرب- أهدافاً لها كالمفاعل النووي في العراق عام 1981م، ومقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس عام 1986م، وموقعاً في سورية عام 2007م، وحدِّثْ ولا حرج عن تحليق إسرائيلي دائم في الأجواء اللبنانية، فمن مصلحة إسرائيل عدم بروز أي قوة عسكرية أو قوة تدعم الجانب العسكري عند العرب، وإيرانُ من مصلحتها أيضاً إضعاف أي قوة عربية تضاهي أو تتفوق على تواجدها في الخليج وفي عموم المنطقة، ويمكننا مشاهدةُ الخطر الإيراني حين نستذكر الحرب العراقية الإيرانية رغم أن شرارتها بدأت من العراق لكن إيران أمعنت كالعراق آنذاك في الحرب ثماني سنوات ويدها الممدودة الآن في العراق واحتلالها للجزر الإماراتية مشهد متكامل للقلق العربي تجاه إيران.

كانت إسرائيل تتبجحُ بمقولة انَّ جيشها لا يهزم وتروج لذلك إعلامياً وهي واثقة أن العرب مستسلمون لهمومهم الفردية وآخر ما يفكرون به مصلحة أوطانهم، لذلك وسَّعت في فترة سابقة أطماعها وحلمتْ بدولة إسرائيل من النيل إلى الفرات! لكن تبجحها أسقطها عام 1973م في حرب أكتوبر، وتعفَّرتْ هامتُها في لبنان عام 2006م، إذاً الغرور والاستعراضُ الفارغُ يودي بصاحبه، وصارت إسرائيل الآن تبحث عن حلول لمشكلاتها النابعة من إعلامها السياسي وأخطائها العسكرية وانشغلت رغماً عنها عن حلمها الكبير؛ فلديها لبنان مصدر قلق، والجولان قضية قائمة مع سورية، وغزة وأنفاقها من جهة مصر، وجاءت مشكلتها مع تركيا لتزيد الطينَ بلًَّة، أما إيران فقد دخلت نفق التهويل الإعلامي المفضي إلى التورط مع الشرق وأيضاً مع الغرب؛ فأول ما نادت به إيران إبّان ثورة الزعيم الخميني هو تجهيزها لجيش المليون جندي لتحرير القدس! ومازالت إيران اليوم تتبع الخطاب التهويلي ذاتَه تجاه إسرائيل والغرب ولا شيء في أرض الواقع سوى التَّماس مع العرب بل احتلالٌ لثلاث جزر.

بناء الدول وتطوير الصناعات وضبط التعليم ورفع الأداء الطبي وتأهيل الأفراد ودفع عجلة الاقتصاد في الوطن، وبناء مؤسساته وتحرير أراضيه لا يكون بكلام خطابي ولغة إعلامية مفرغة من مضامينها الواقعية. فحينما نلحظُ التفاخر اللفظي على الخصم ونرصد التحدي في لغة التصريح السياسي والإعلامي على الآخر سواء من إسرائيل أو من إيران أو من أي فرد أو حزب أو دولة علينا أنْ نتأكَّد أنَّ الأمر لا يعدو فقاعةً كلاميةً وبالوناً لا يحتاج إلاّ لدبّوس!

===========================

التركة الثقيلة والاستحقاقات الكبرى

الخميس, 06 يناير 2011

عرفان نظام الدين*

الحياة

كل شعوب العالم تحتفل برأس السنة بفرح وحبور وتستقبل العام الجديد بتفاؤل وأمل بمستقبل آمن وبغد زاهر وتتبادل التهاني والتمنيات بعام أفضل وبحياة رغيدة وبتصحيح الأخطاء والتعلم من دروس الماضي والاستفادة منها إلا العرب فهم محرومون حتى من إظهار الفرح والمرح ومحظور عليهم انتظار ولو فسحة أمل.

 

فقد كتب علينا أن نستقبل كل عام جديد بل كل عيد بالحزن والاكتئاب والخوف والقلق والرعب في بعض الأحيان وترداد عبارة: الله يستر من الآتي، لأننا تعودنا أن يكون الآتي أعظم وأن نكرر في كل مرة قول الشاعر: عيد بأية حال عدت يا عيد... أو قول شاعر آخر: رب يوم بكيت منه ولما صرت فيه بكيت عليه.

 

هذا هو حال العرب العام الماضي والعام الآتي وكل عام مقبل إذا بقيت أحوالهم على ما هي عليه واستمرت السياسات الخاطئة والأساليب التحريضية والخطابات المثيرة للغرائز والتهويل والتخوين من الفتن الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية، أو إذا استمر أصحاب الحل والربط في تجاهل صرخات المعذبين وواصلوا سياسات التنكيل والنكايات وحشد الغرائز ورفض الحوار والتفاهم والبحث عن مخارج وحلول وسط لا غالب فيها ولا مغلوب بين الإخوة وأبناء الوطن الواحد.

 

ومن يستعرض مجريات أحداث عام ٢٠١٠ يجد فيها الكثير من هذه الآفات والعلل والأخطاء والخطايا على امتداد الوطن العربي وصولاً إلى العالم الإسلامي بأسره: تحديات وفتن وحملات تحريضية وأحداث دامية وحروب عبثية ومؤامرات واستعدادات لدق طبول الحرب بصرف النظر عن مخاطرها وضحاياها من المدنيين الأبرياء والدماء الزكية من جهة أو من ثروات الشعوب ومدخراتها وبنيانها ومؤسساتها التي دفعت ثمناً غالياً لإقامتها والمحافظة عليها من الضياع.

 

أحداث العام الماضي مؤسفة ومنذرة بغيوم سوداء داكنة وأجواء مكفهرة تحمل معها عواصف عاتية وتزرع صواعق تفجير في براميل بارود منتشرة على امتداد العالم العربي. والمؤسف أكثر أن كل ملفات هذه الأحداث بقيت مفتوحة لترحل إلى عام ٢٠١١ على شكل تركة ثقيلة نسأل الله عز وجل أن يساعد الحكماء العرب على معالجة ذيولها و «فكفكة» صواعق التفجير الجاهزة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والسير بالأمة على طريق الانفراج لا الانفجار والبدء بوضع اليد على مواطن العلل والبحث عن أدوية وعلاج ناجع لها.

 

وإذا كان العام المنصرم قد حمل عنوان «عام الهموم» و «عام الشلل وغياب الحلول» فإن العام الحالي يحمل باستحقاق عنوان «عام الاستحقاقات الكبرى» في حل أو تعقيد أو انفجار الأزمات المتعددة الجنسيات والأبعاد والأسباب والمواقع.

 

الاستحقاق الأول والأقرب سيطفو على السطح خلال الأيام القليلة المقبلة وتتصاعد مفاعيله على مدى السنين المقبلة على السودان ومصر والعالم العربي وأفريقيا من دون إغفال التفاعلات والتدخلات الأجنبية في شكل عام والصهيونية في شكل خاص.

 

إنه استحقاق استفتاء جنوب السودان الذي تجمع معظم التوقعات أن تكون نتائجه محسومة لمصلحة الانفصال ما يعني حتماً فتح جرح جديد في الجسد العربي وجر البلاد إلى حروب تلد حروباً أخرى تهدد الأمن القومي العربي والأمن المائي والسياسي لمصر والسودان.

 

الاستحقاق الثاني للعام الجديد يتعلق بالعراق ومصير وحدته وبالتالي مصير دول الجوار العربية والإقليمية ومنها إلى العالم العربي كله.

 

فحسب المعلن والمقرر ستكمل الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق وتسليم القوى العراقية المسلحة والسلطة الحاكمة مسؤولية إدارة شؤون البلاد وحمايتها من الأخطار القائمة ومعظمها مصدره أهل الدار والقرار! والسؤال الكبير المطروح في كل مكان هو: ماذا بعد الانسحاب؟ وهل ستنجح السلطة الحاكمة في حماية العراق ووحدته وسيادته ومنع التدخلات في شؤونه الداخلية ومنع نشوب فتن طائفية وعرقية ومذهبية تدمر البلاد وتمزقها وتزرع بذورها على امتداد العالمين العربي والإسلامي؟

 

«البروفة» التي شهدناها في مهزلة تشكيل الحكومة العراقية لا تبشر بالخير وتنذر بالشر المستطير، أولاً لأنها بنيت على باطل وما بني على باطل فهو باطل، وثانياً لأن مسرحية الولادة لم تكن لتنجز لولا التدخلات العربية والإقليمية والدولية والضغوط لإتمام عملية التشكيل وفق مبدأ «فن الممكن» مع علم الجميع بأن كل شيء موقت وقابل للتغيير. وكل الوضع قابل للاشتعال بعد أن ترك الجمر مخفياً تحت الرماد.

 

الاستحقاق الثالث يأتي من لبنان الذي يعيش منذ ٥ سنوات حالة تهدئة مصطنعة وهدنة موقتة واستنفار دائم ووفاق وهمي وحالة قلق ورعب وانتظار حدث ما أو خطوة ناقصة تفجر الأوضاع وتنسف صيغة التعايش وتعيد البلاد إلى أجواء حرب أهلية مختلفة هذه المرة إذ إن وقودها سيتشكل من الفتن الطائفية والمذهبية والأحقاد الدفينة التي تستجلب تدخلات خارجية من كل حدب وصوب.

 

فالعام المنصرم هيّأ الأجواء لمثل هذه الفتن وفرش التربة الصالحة لكل الاحتمالات و المخاطر والنزاعات على رغم اعتراف جميع الفرقاء بخطورة ما يجرى وتحذيرهم من تكرار أخطاء الماضي التي تسببت باندلاع حروب وثورات وأزمات كادت تدمر الكيان وتضعضع أركانه وتوصل البلاد إلى طريق مسدود محفوف بالمخاطر وموصود باستحالة العودة منه بسلام.

 

فحكومة الوفاق الوطني أكملت عام الشلل الأول وحرمت من معالجة مشاكل الناس ومعاناتهم اليومية تارة بسبب الصراع بين ٨ و١٤ آذار وتارة أخرى تحت عنوان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وقرب صدور القرار الظني أو الاتهامي بحق المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ومضى العام ويد الانفجار على الزناد واستمرت الهدنة بمعجزة إلهية وبتدخل مباشر من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس السوري بشار الأسد.

 

ولم يبقَ أمام لبنان في العام الجديد سوى الحسم سلماً أو حرباً أمام الاستحقاقات الراهنة، ومواجهة قرارات صعبة ومصيرية ليس بالنسبة إلى القرار الظني والمحكمة فحسب بل بالنسبة إلى مصير لبنان الوطن والكيان الواحد الموحد والسيد والحر والمستقر وصيغة الوفاق الوطني والتعايش الديني والطائفي والمذهبي.

 

الاستحقاق الرابع من اليمن: فبعد عام من الحروب والقلاقل والانفجارات لم يعد هناك من مجال أمام الحكومة سوى حسم أمرها واتخاذ القرارات الرامية إلى حل المشاكل القائمة إن مع الحوثيين وغيرهم أو بالنسبة الى مصير الوحدة بين الشمال والجنوب أو إزاء الخطر الأكبر الداهم وهو خطر نفوذ «القاعدة» وتزايد عملياتها الإرهابية.

 

أما الاستحقاق الخامس فإن حسمه صعب لأن العالم والعرب أدمنوا ترحيله من عام إلى عام وهو القضية الفلسطينية وأزمة الشرق الأوسط ككل. فالمفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية مهما ضخ فيها من آمال وهمية غير قابلة للصرف أو الحسم هذا العام في ضوء التعنت الصهيوني والتعصب الحاقد والرفض القاطع لتقديم ولو تنازلات ثانوية، فالمخطط الصهيوني ينفذ من دون اعتراف بتهدئة ولا بمبادرات وسط تخاذل أميركي عالمي، وتهاون عربي وتشرذم فلسطيني - فلسطيني.

 

فلا استحقاقات كبرى إذاً بالنسبة الى القضية الفلسطينية ولا حتى استحقاقات صغرى خلال عام ٢٠١١ طالما أن الوضع العربي سيبقى على حاله. ولكن يمكن انتظار ولو بتخيل وهمي أن يحسم اوباما أمره ويواجه ويتخذ مواقف تاريخية ولو لمرة واحدة من عمر ولايته الرئاسية التي تدخل هذه الأيام عامها الثالث.

 

أما ما ننتظره من القيادات العربية ونحن نستقبل العام الجديد فهو أحلام نتمنى ألا تكون «أضغاث أحلام» ترنو إلى مواقف حاسمة يتخذونها في شتى المجالات وأن يضعوا مصالح بلادهم وأمنهم فوق كل اعتبار.

 

إنها ساعة الحقيقة، ولحظات ترقب الأخطار القديمة لعل وعسى أن يتحرك حكماء العرب لدرئها والعمل على إطفاء الحرائق ونزع الصواعق واجتراح الحلول ومواجهة إسرائيل والعالم والولايات المتحدة بالذات بموقف موحد وحازم يطالب بالخروج من مراوحة القضية في سجن الاحتلال الغاصب. دعونا نحلم ونتمنَّ لكم عاماً سعيداً مبشراً بالأمن والأمان والاستقرار والسلام... سلام النفوس وسلام الأوطان.

* كاتب عربي

============================

كيف نحافظ على صداقتنا مع الصين؟

زبيغنيو بريجنسكي

الشرق الاوسط

6-1-2011

الزيارة التي يقوم بها الرئيس الصيني هو جينتاو لواشنطن هذا الشهر ستكون الزيارة الأكثر أهمية لمسؤول صيني رفيع المستوى للولايات المتحدة منذ زيارة دنغ شياوبنغ التاريخية إلى واشنطن قبل 30 عاما. ومن ثم ينبغي أن تسفر الزيارة عما هو أكثر من التصريحات النمطية بالتقدير المتبادل بين الدولتين. وضروري أن تهدف إلى وضع تعريف لعلاقة البلدين يبرز الوعد العالمي بتعاون بناء بين البلدين.

ما زلت أذكر زيارة دنغ جيدا، لأنني كنت حينها مستشارا للأمن القومي، والتي تمت إبان حقبة التوسع السوفياتي وبلورت الجهود الأميركية - الصينية في معارضة ذلك. كما كانت إيذانا ببدء التحول الاقتصادي الصيني الذي امتد على مدى ثلاثة عقود، والذي يسرته علاقاتها الدبلوماسية الجديدة مع الولايات المتحدة.

تأتي زيارة الرئيس هو جينتاو في مناخ مختلف، فهناك شكوك متنامية بشأن حالة العلاقات الثنائية، ناهيك عن المخاوف في آسيا بشأن طموحات الصين الجيوسياسية بعيدة المدى، حيث تلقي هذه الشكوك بظلالها على الاجتماع المقبل.

وقد شهدت الأشهر الأخيرة زيادة مطردة في الجدل في كل من الولايات المتحدة والصين، مع اتهام كل طرف للآخر بانتهاج سياسات اقتصادية تتعارض والقواعد الدولية المقبولة، فوصف كل منهما الآخر بالأنانية، وازدادت حدة الخلافات القائمة بين المفاهيم الأميركية والصينية حول حقوق الإنسان إثر منح جائزة نوبل للسلام لعام 2010 لمعارض صيني.

علاوة على ذلك كثف كل منهم دون قصد من الشكوك تجاه الآخر. فقد حفز قرار واشنطن بمساعدة الهند في الطاقة النووية من القلق الصيني، ليزيد الدعم الصيني لباكستان في توسيع برنامجها النووي. كما خلق غياب القلق الصيني بشأن المناوشات العنيفة لكوريا الشمالية كوريا الجنوبية فهما حول سياسة الصين تجاه شبه الجزيرة الكورية. ونظرا لأن أحادية الولايات المتحدة أثارت ضيق بعض الأصدقاء خلال السنوات الأخيرة على نحو غير ضروري، فإنه يجب أن تعلم الصين أن بعض مواقفها الأخيرة أثارت قلق بعض جيرانها.

ستكون النتيجة الأسوأ لاستقرار طويل الأمد في آسيا والعلاقات الأميركية - الصينية الانجراف تجاه تصعيد التشويه المتبادل. وربما كانت النتيجة الأكثر من ذلك هي أن الإغراءات باتباع مثل هذا المسار يتوقع أن ينمو مع مواجهة كلا البلدين صعوبات داخلية.

الضغوط حقيقية. فالولايات المتحدة بحاجة إلى تجديد داخلي شامل، في العديد من النواحي، منها على سبيل المثال تلك التي تحملت تكلفة أعباء شن حرب باردة على مدى أربعين عاما، وكذلك تكلفة إهمالها خلال ال20 عاما لأدلة متراكمة على تجاهلها الداخلي. فالبنية التحتية المتهالكة أصبحت تشكل عرضا على تراجع البلاد في القرن العشرين.

وفي الوقت ذاته تناضل الصين لإدارة اقتصاد محموم داخل نظام سياسي غير مرن. وتحمل تصريحات بعض المعلقين الصينيين نبرة الانتصار السابق لأوانه بشأن التحول الداخلي والدور العالمي للصين، (وربما يجدر بهؤلاء المسؤولين الصينيين الذين لا يزالون يتبنون مبادئ الماركسية بقوة قراءة رسالة ستالين إلى أقطاب الحزب، التي كتبها في الثلاثينات تحت عنوان «الانخداع بالنجاح»، مرة أخرى)، والتي حذرت من «روح الخيلاء والغرور».

بعد ثلاثين عاما من بداية علاقة تعاون مشترك يجب على الولايات المتحدة والصين ألا تحجما عن مناقشة اختلافاتهما في المحادثات التي تستمر قرابة أسبوعين، بل عليهما أن تقوما بها مع الاعتراف بأن كل منهما في حاجة إلى الأخرى. والفشل في تعزيز وتوسيع مدى التعاون بين الجانبين لن يدمر الدولتين وفقط بل العالم ككل. فلا ينبغي على أي من الجانبين أن يخدع نفسه بأنه قادر على تجنب الضرر الذي يسببه العداء المتبادل، بل يجب على كليهما أن يدرك أن أزمة في أحدهما يمكن أن تضر بالآخر.

وكي تكون الزيارة أكثر رمزية ينبغي على الرئيسين أوباما وهو جينتاو القيام بجهود جادة لصياغة المقومات التاريخية للتعاون الأميركي - الصيني المثمر في بيان مشرك. كما يجب عليهما أيضا توضيح المبادئ التي ينبغي السير عليها. والإعلان في الوقت ذاته عن التزامهما بالتأكيد على أن الشراكة الأميركية الصينية ينبغي أن تضطلع بمهمة أوسع نطاقا من المصلحة الذاتية. وأن تلك الشراكة يجب أن توجهها الضرورات الأخلاقية للترابط العالمي غير المسبوق في القرن الحادي والعشرين.

ينبغي أن يدشن الإعلام حملة لتعريف الأهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية العامة. وينبغي الاعتراف صراحة بحقيقة بعض الاختلافات إلى جانب التأكيد على تصميم مشترك للبحث عن سبل لتضييق هوة تلك الاختلافات. ويجب أن يضع في حسابه أيضا التهديدات المتوقعة للأمن في المجالات ذات المخاوف المتبادلة والتزام كلا الجانبين بتعزيز المشاورات والتعاون في التأقلم معها.

مثل هذا الميثاق المشترك يجب أن يقدم، في حقيقة الأمر، إطار عمل لا أن يتجنب ما يمكن أن يصبح تحت بعض الظروف منافسة عدائية، ويوسع في الوقت ذاته من تعاون فعلي بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما من شأنه أن يحقق العدالة لعلاقة حيوية بين دولتين كبيرتين تحمل كلتاهما تاريخا وهوية وثقافات مختلفة، على نحو كبير، عن الذي تحظى بها كلتاهما بدور عالمي تاريخي هام.

* مستشار الأمن القومي

=====================

منطق التسويات مقابل غلبة التشاؤم؟

الجمعة, 07 يناير 2011

وليد شقير

الحياة

الكثير مما يجري في المنطقة يدعو الى التشاؤم، من تفجيرات واستهداف للمسيحيين في العراق ومصر، وانفصال مرتقب للجنوب السوداني عن شماله، واستمرار العمليات الانتحارية في العراق، وغرق اليمن في أزمة سياسية تبدأ بالتعديلات على الدستور ولا تنتهي بالحراك الجنوبي ولا بالمواجهة الدموية المختلطة القبلية السلطوية مع الحوثيين و «القاعدة»، مروراً بالحراك الديموقراطي في تونس ونمو التيارات المتشددة، وبجمود عملية السلام على المسار الفلسطيني، وتزايد مخاطر عملية عسكرية إسرائيلية كبرى جديدة على قطاع غزة، وأخيراً وليس آخراً المخاوف من الفتنة في لبنان نتيجة الخلاف على المحكمة الخاصة به والقرار الاتهامي.

 

التمعن بهذه الأحداث يزيد القناعة بأن أجهزة الحكم ومؤسساته في الكثير من الدول العربية، والمقاربات القصيرة النظر للأزمات التي يواجهها العالم العربي، يعوزها التحديث والديموقراطية، وأن هذا الجزء من العالم يزداد تخلفاً وتراجعاً بحيث يتعاظم غياب قدرة العرب عن التأثير في الساحة الدولية وخضوعهم لتأثر الدول الغربية في معالجة أزماتهم الداخلية بدلاً من أن يعزلوا تلك الأزمات عن النفوذ الأجنبي، الذي أمعن الحكام في ترسيخه نتيجة اتكال كثر منهم على التسلح به لحماية مصالحهم.

 

ولا يمكن هذه الصورة إلا أن تثبت تلك النظرة التشاؤمية بأن ذهاب العالم العربي نحو التفكك وانعدام الوزن الذي تتوقعه النخبة وقادة الرأي منذ عقدين، لأنها يئست من غرق الطبقة الحاكمة في عدد من دوله بالفساد والتسلّط، هو أمر طبيعي.

 

لكن هذه الأزمات، أو بعضها على الأقل، تدل الى أن ما يجري هو مخاض قد يفضي الى بعض الوعي وادراك الحاجة الى تغيير ما. وإذا كانت المعادلات في بعض هذه الأزمات لم تتغير بحيث يمكن الأمل بإيجاد حل لها، فإن ثمة إرهاصات أو محاولات تطرح السؤال عما إذا كان يمكن إنقاذ ما تبقى أو محاولة قلب الصورة المتشائمة ولو طال الانتظار.

 

في مصر وعلى رغم الدموية الفظيعة التي طاولت الأقباط وما خلّفته من إحباط ومخاوف على الوحدة الوطنية، يصعب تجاهل إيجابيات ومظاهر المقاومة المدنية والشعبية وحتى الرسمية وأوساط المثقفين ورجال الدين للصراع الطائفي الذي أخذ يشتد. وهذه المظاهر بقدر ما تشكل رادعاً للانفعالات التي ظهرت، فإنها تشكل حافزاً للسلطة لكي تقدم على خطوات عملية، سياسية، تكرّس الوحدة الوطنية على قاعدة الرفض الإسلامي – القبطي للفتنة. وإذا كان هذا من بين ما يقصده وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط حين قال إن السلطة في مصر هي المسؤولة وحدها عن حماية الأقباط، فإنه في هذه الحال يكون على حق. فالحماية لا تكون أمنية فقط، بل سياسية.

 

وفي العراق حيث طال التوافق على تشكيل حكومة، واستنزف القوى السياسية كافة، ثبت أن التسويات ممكنة، على رغم الثغرات التي فيها وعجزها عن معالجة الكثير من المشاكل. فالتسوية التي حصلت هي بين السنّة والشيعة وبين هؤلاء والأكراد، وبين الأميركيين والإيرانيين وأطراف إقليمية أخرى، وهي بالتأكيد أفضل من لغة الحديد والنار والتهديد بالويل والثبور.

 

لغة التسوية هذه والحلول السياسية قد تنسحب على السودان حيث سلّم قادة شماله بالانفصال السلمي المرتقب للجنوب لمصلحة التعايش مع هذا التوجه الذي لا تقل مشاكله الاقتصادية والاجتماعية والعرقية والأمنية عن مشاكل الوحدة التي أنهكت السودان عقوداً من الزمن.

 

وقد لا يشذّ لبنان عن منطق التسويات الداخلية وامتداداتها الخارجية وهو على حافة شهر حاسم من الجهود الحثيثة الإقليمية عموماً، والسعودية – السورية خصوصاً. بل إن إقبال مكوناته الداخلية على تغليب هذا التوجه بمعزل عن الجهود الخارجية وبالتكامل معها، في الوقت نفسه، قد يعطي زخماً لهذا المنطق، بالقدر الذي على اللبنانيين أن يدركوا أن هناك مكاناً فعلياً لثقافة التسويات لأزمات العرب عليهم أن ينسجموا معها بدلاً من السير عكسها.

 

أليس الشائع أن السياسة الأميركية في المنطقة هي مصدر كل الأزمات، في وقت المسلّم به أيضاً أن هذه السياسة في حال تراجع في الشرق الأوسط برمته؟ أليست هذه فرصة عند القائلين بهذه النظرية كي يبدلوا من تكتيكات مقتضيات المواجهة مع تلك السياسة، في زمن تراجعها لمصلحة سياسات جديدة؟

 

قد لا يفيد منطق التسويات الداخلية في مواجهة تجاهل إسرائيل حقوقَ الفلسطينيين، إلا أنه قد يؤهلهم من أجل تحقيق تسوية فلسطينية داخلية تسمح بتحسين مواقعهم في المواجهة المستمرة مع الدولة العبرية... وقد يسهّل لكل دولة عربية وللمجموعة أن تلتقط الأنفاس على الأقل في دورة جديدة للتاريخ، في انتظار ما سيكون.

=====================

هل يستوعب لبنان أهمية الثروات البحرية؟

خيرالله خيرالله

الرأي العام

7-1-2011

يفترض في الكلام الرسمي الصادر عن مسؤولين اسرائيليين وعن شركات نفطية عالمية معنية في شأن اكتشاف حقل كبير للغاز في البحر قبالة حيفا، ان ينبه اللبنانيين الى الحال المأسوية التي يمر فيها بلدهم. أكثر من ذلك، يشير تأكيد وجود غاز في منطقة معينة من البحر الى ضرورة العمل على استفادة لبنان من الثروات التي قبالة شاطئه على غرار ما تفعل اسرائيل التي يمكن للحقل الجديد تحويلها الى دولة مصدرة للغاز من جهة كما سيمكنها من ان تضمن مصدرا للطاقة يجعلها في غنى عن استيراد الغاز وربما النفط طوال مئة سنة من جهة أخرى.

ماذا يعني ذلك من الناحية العملية؟

انه اول ما يعني ان الدولة العبرية ستكون مستعدة لخوض حروب من اجل ضمان استغلال الغاز الذي في الحقل البحري. وتقدر كمية الغاز التي في الحقل بنحو اربعمئة وخمسين مليار متر مكعب. وهذا يشير، في طبيعة الحال، الى انه سيكون هناك اهتمام اوروبي بالحقل لسببين على الاقل. اولهما، ان اوروبا في حاجة الى الغاز والآخر انها ستفضل استيراد الغاز من منطقة المتوسط على البقاء تحت رحمة الغاز الروسي. فدول اوروبا مثلها مثل الدول الاخرى تعمل على تنويع مصادر الطاقة بما يجعلها تتمتع بحد ادنى من الاستقلالية في هذا المجال.

لا شك ان السؤال المطروح لبنانيا هو كيف سيتصرف المسؤولون في الوطن الصغير؟ هل يسعون الى الدخول في لعبة المزايدات التي لا تفيد احدا... او يلجأون الى القانون الدولي لتحديد الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين، موفّرين بالتالي على بلدهم الكثير من المتاعب بما يجعل الشعب اللبناني اكثر ثقة بالحاضر والمستقبل في آن؟

لا شك ان موضوع تحديد الحدود البحرية شائك ويحتاج وقتا طويلا. هناك ايضا تعقيدات كثيرة مرتبطة بترسيم الحدود البحرية بين دول المنطقة ككل. والدول المعنية هي اضافة الى لبنان، كل من سورية ومصر قبرص وتركيا وحتى السلطة الوطنية الفلسطينية. ما يزيد الوضع تعقيدا الاعتراضات التركية على الخطوات التي اقدمت عليها قبرص عندما سعت الى ترسيم حدودها البحرية. ترى تركيا ان الحكومة القبرصية لم تأخذ في الاعتبار مصالح قبرص التركية لدى ترسيم الحدود البحرية للجزيرة. وقبرص التركية «دولة مستقلة» تنفرد تركيا بالاعتراف بها منذ تقسيم الجزيرة في العام 1974.

المهم ألا يضيع لبنان في متاهات المزايدات التي لا تقدّم ولا تؤخر باستثناء الحؤول دون استغلال الثروات الطبيعة الواقعة قبالة شاطئه. فالميل في لبنان هو الى تفادي البحث عن وسائل قانونية مشروعة تؤمن للبلد مصالحه والاستعاضة عن ذلك بكلام فارغ عن اهمية «المقاومة» ودورها في حماية الوطن الصغير في مواجهة الاطماع الاسرائيلية. لا يختلف اثنان على وجود سياسة اسرائيلية عدوانية. لكن الواضح حتى الآن ان الاهتمام الاسرائيلي منصب على كيفية تفادي اي تسوية من اي نوع كان مع الجانب الفلسطيني. اسرائيل تريد ضم جزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. هذا ما تريده الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو. اما بالنسبة الى لبنان، فان كل شيء قابل للتسويات، بما في ذلك قضية مزارع شبعا التي احتلت في العام 1967 عندما كانت تحت السيطرة السورية وليست اللبنانية.

ان الثروات الموجودة داخل المياه اللبنانية امر في غاية الجدّية. ومن الضروري ان يتعامل المسؤولون مع هذه القضية بالجدية اللازمة بعيدا عن الكلام الذي لا معنى له. يفترض، ابتداء من يوم غد، ان يكون هناك فريق قانوني لبناني يضم افضل الخبراء في حقل ترسيم الحدود وذلك كي تجرى مفاوضات جدية تحت اشراف الامم المتحدة والهيئات الدولية المختصة كي يحافظ لبنان على حقوقه. كل ما عدا ذلك سقوط في لعبة لا افق لها باستثناء دعوة مزيد من اللبنانيين الى الهجرة.

في استطاعة المسؤولين اللبنانيين، في حال اعتمادهم المنطق، تشكيل هيئة محايدة تضم شخصيات مشهود لها بالحياد تتولى قضية ترسيم الحدود البحرية للوطن الصغير اكان ذلك مع اسرائيل او مع سورية او مع قبرص. لبنان في نهاية المطاف ليس دولة مواجهة. وليس طبيعيا ان تبقى ارض الجنوب الجبهة الوحيدة المفتوحة مع اسرائيل في وقت كل الجبهات الاخرى نائمة وفي وقت لا وجود ايضا لقرار عربي يقضي باستعادة الاراضي المحتلة عن طريق الحرب. كل ما هناك هو مبادرة سلام عربية تحظى باجماع عربي، اقله الى الآن.

ليس مطلوبا توقيع اي اتفاقات مع اسرائيل او اي مفاوضات مباشرة معها. بل المطلوب اكثر من اي وقت حماية المصالح اللبنانية عن طريق الشرعية الدولية. الم يحْم القرار الرقم 1701 الجنوب اللبناني الذي ينعم باطول فترة هدوء منذ ما يزيد على اربعين عاما؟

بدل التلهي بالمحكمة الدولية وبالعمل على نسفها، على الرغم من ان من يمتلك ذرة من المنطق يعرف ان ذلك من رابع المستحيلات. وبدل التهديد بتدمير لبنان على رؤوس ابنائه اذا بقيت المحكمة، يبدو مفيدا التفكير في كيفية تحسين الوضع المعيشي للمواطن العادي بعيدا عن المهاترات التي لن تؤدي في ختام المطاف سوى الى السماح لاسرائيل باستغلال الغاز في الحقل الجديد، فيما اللبنانيون غارقون في خلافاتهم. لينصرف المسؤولون اللبنانيون الآن الى ما هو مفيد للناس وليدعوا جانبا المحكمة الدولية. في حال ستكون هناك تسوية في شأن المحكمة، فإن هذه التسوية ستكون ممكنة بعد صدور القرار الظني ومن منطلقات لا علاقة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بها.

======================

من الشركة الناقصة إلى التبعية الكاملة   

آخر تحديث:الجمعة ,07/01/2011

رغيد الصلح

الخليج

عندما دعا الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى إلى إحياء الحق في تقرير المصير، وعندما أيدت روسيا السوفييتية هذا الحق، شن قادة القوى الأوروبية حملة مضادة لهذه الدعوة ولمبدأ القوميات الذي جعله ويلسون أساساً لتقرير المصير . وعندما صيغت معاهدة فرساي للسلام، تضمنت مبادئ وبنوداً تقوض مبدأ الحق في تقرير المصير . المعبرون عن رأي النخب الحاكمة في الدول الأوروبية الكبرى مثل اللورد آكتون عارضوا هذا الحق وعارضوا مبدأ القوميات عبر التسبيح بحمد التنوع والإشادة بمزاياه . الدولة المفضلة عند اللورد آكتون هي الدولة المتعددة القوميات . ذلك التعدد كان الضامن الرئيسي للحريات فيها .

 

شهد الكثيرون بصواب هذا الرأي وبصواب الموقف الذي اتخذه ممثلو القوى الأوروبية في مؤتمر فرساي لو أن القوميات داخل الدولة التعددية كانوا متساوين . ولكن الدولة التي دافع عنها الأوروبيون ضد دول ويلسون القومية القائمة على الحق في تقرير المصير لم تكن دولة متعددة القوميات بل كانت دولة امبريالية حيث تكون لقومية واحدة سيطرة مطلقة على القوميات الأخرى . في تلك الدولة كان “الكل متساوين إلا أن البعض كانوا متساوين أكثر من البعض الآخر” كما قال جورج اورويل في وصفه للأفراد في الدول ذات الأنظمة الشمولية .

 

هذه الدولة أخذت ملامحها وحدودها في الاكتمال في منتصف العقد الأول من القرن العشرين عبر “التفاهم الودي” الذي شمل فرنسا وبريطانيا وروسيا والذي تم فيه الاتفاق على تقاسم المنطقة العربية بحيث تذهب أراضيها إلى بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا . ثم تبلورت عام 1916 بصورة أدق في اتفاق سايكس-بيكو الذي شمل الدول نفسها أيضاً .

 

لعله بالإمكان القول إن هذه الدول طبقت الحق في تقرير المصير، ولكن بصورة “معدلة” إذ إنها طبقت “حقها” في الاستيلاء على أراضي الغير، وليس حق سكان هذه البلاد في تقرير مصيرهم بأنفسهم وعلى أرضهم . كذلك طبقت حقها في تقرير مصير العرب “نيابة” عنهم! وهكذا عندما أصر الرئيس الأمريكي ويلسون على إرسال بعثة كينغ-كرين الدولية إلى المشرق العربي، وعندما توصل التقرير إلى أن عرب المشرق يفضلون قيام دولة عربية مستقلة وموحدة في المنطقة وأن الأكثرية ضد قيام كيان صهيوني في المنطقة عارضت حكومتا فرنسا وبريطانيا هذه المبادرة .

 

وعندما وضعت اللجنة تقريرها النهائي وصفه مسؤولون في الإدارات المعنية في باريس ولندن بأنه نوع من “الولدنة! ووضع التقرير في الحفظ بعد مرض الرئيس ويلسون ووفاته إلى أن تبنى الكونغرس الأمريكي إقامة “وطن قومي يهودي في فلسطين” . عندها أفرج عن التقرير وعن نتائج الاستفتاء الذي أجرته لجنة كينغ-كرين في المنطقة العربية، إلا أن هذه النتائج لم تكن لتؤثر في الأوضاع فيها لأن الولايات المتحدة آنذاك لم تكن لتقوم بأي عمل ينال من مصالح الدول الامبريالية الأوروبية .

 

منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وخلال النصف الأول من القرن العشرين على الأقل، كان أكثر التيارات السياسية تأثيراً واستئثاراً بتأييد المواطنين في المنطقة هو ذاك الذي يدعو إلى قيام كيان عربي جامع بين دول المنطقة أو ما فوقها (Supra-states) . الدعوة الأكثر انتشاراً بين انصار هذا التيار لم تكن لتراهن على تقويض الدول العربية الترابية، ولكن على الارتقاء بالعلاقات بينها إلى أبعد حد ممكن . وحينما كان باستطاعة هذا التيار أن يعبر عن رأيه وأن يلعب دوراً مهماً في صياغة سياسات الدول كما كان الأمر في سوريا عبر العملية الديمقراطية والانتخابات والاستفتاء الحر خلال منتصف الخمسينات، فقد استطاع قيادة البلاد نحو إقامة الجمهورية العربية المتحدة بزعامة الرئيس المصري جمال عبد الناصر .

 

اصطدمت هذه الدعوات وما تأسس عليها من مشاريع ومبادرات بمعارضة عنيفة وقوية . ورغم أهمية المعارضة المحلية، إلا أن المعارضة الأكثر فاعلية كانت تأتي من خارج البلاد ومن القوى الكبرى بصورة خاصة . لقد خاضت هذه القوى معركتها تحت شعار حماية الدولة الترابية في البلاد العربية، وبدعوى الحفاظ على الوضع الراهن والأمن والاستقرار . أما الموقف تجاه مبدأ الحق في تقرير المصير، فقد لبث على حاله . وخاصة في فلسطين عندما ترك للصهيونية وحدها أن تقرر مصير الفلسطينيين وأن تطردهم من بلادهم تحت وطأة الإرهاب والمجازر كما يقول المؤرخ “الإسرائيلي” ايلان بابيه .

 

يخيل إلينا اليوم أن موقف الدول الغربية الكبرى تجاه مسألة الحق في تقرير المصير في المنطقة العربية قد تغير، على الأقل في السودان وإلى حد ما في شمال العراق . من حيث الشكل، نعم . أن الدول الأطلسية تدعم الجنوبيين في السودان والأكراد الشماليين في العراق . ولكن من حيث الجوهر فليس من تغيير أساسي، إذ إن هذه المواقف تعكس رغبة وحرص هذه الدول على الاحتفاظ بحقها هي في تقرير مصير المنطقة وثرواتها من النفط وغيره، وتقرير مصير شعوبها سواء كانوا من العرب أو الأكراد أو السودانيين الجنوبيين . هذا لا يعني التقليل من أهمية الفاعلين الإقليميين أو المحليين في المناداة بالمطالب وإطلاق المشاريع وبلورة الرجاءات والمناشدات، ولكنه يعني أن الإمساك بناصية الأحداث في المنطقة والتأثير في مستقبلها يتطلب ممارسة الحق في الارتقاء بالتضامن والتفاعل والتكامل بين دول المنطقة وشعوبها، أما ممارسة “الحق في الانفصال” فإنه تأشيرة انتقال من حال الشراكة الناقصة إلى حال التهميش المستفيض والتبعية الكاملة .

=====================

طموحات الصين

افتتاحية «نيويورك تايمز» الأميركية

الرأي الاردنية

7-1-2011

تثير حملة بكين لتوسيع وجودها العسكري والإقليمي، عصبية حلفاء أميركا المقربين في المنطقة، وتثير تساؤلات مشروعة حول الدبلوماسية الأميركية والتسلح الأميركي في المستقبل. وقد كشف قائد القوات الأميركية في المحيط الهادئ، مؤخراً، عن أن الصين يمكنها أن تنشر قريبا صواريخ باليستية قادرة على تهديد حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة.

البنتاغون لها تاريخ طويل في تضخيم التهديد الصيني، لتبرير صفقات الأسلحة باهظة الثمن، ومسألة إغراق السفن المجهزة دفاعياً بشكل جيد بالصواريخ الباليستية، مسألة صعبة على نحو سيئ للصين. ولكن ما ينبغي أن يكون مدعاة للقلق لدى المخططين العسكريين الأميركيين، ليس الصواريخ فقط، بل الاستراتيجية الجديدة للبحرية الصينية التي تقف وراءها.

يبدو أن الصين عازمة بشكل متزايد على تحدي التفوق البحري للولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ، وفي الوقت نفسه، تمضي بقوة في مطالبتها بالجزر المتنازع عليها في شرق وجنوب بحر الصين. ولا بد أن ترد واشنطن على ذلك، بحرص وبحزم. وعلى البنتاغون تسريع الجهود الرامية إلى جعل القوات البحرية الأميركية في آسيا أقل عرضة لتهديدات الصواريخ الصينية، من خلال منحها وسيلة لإظهار قوتها الرادعة ضد المزيد من الهجمات الخارجية. ويجب على إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أيضاً، مضاعفة جهودها الدبلوماسية لإقناع بكين بأن التعاون بين القوى الكبرى، أفضل بكثير من تنافس عسكري مكلف وخطر. وتشكل كوريا الشمالية نقطة انطلاق جيدة، ذلك أن البلدين يشتركان في مصلحة واضحة لكبح جماح الطموحات النووية والتهديدات الطائشة ل«بيونغ يانغ».

وبالنسبة للصين، وهي المورد الرئيسي للغذاء والوقود إلى كوريا الشمالية، فإنها ترددت وقتاً أطول من اللازم في استخدام نفوذها. وخوفاً من تدفق هائل للاجئين، فهي تركز فقط على دعم أسرة الرئيس الكوري الشمالي «كيم». وقبل فوات الأوان، فإن بكين بحاجة إلى أن تدرك أن جارتها المرتبكة وذات التسلح النووي، هي وصفة أبعد ما تكون عن الاستقرار، أو عن تراجع أميركي.

يمكن أن يكون التعامل مع الصين الصاعدة، بمثابة أكبر التحديات أمام واشنطن في العقود المقبلة. فالولايات المتحدة ليست لها مصلحة في تصعيد التوتر. ولدى للصين المتطورة سريعا استخدامات لثروتها الجديدة، أفضل من الأسلحة، ولكن عندما تضغط الصين، كما تفعل الآن، فإن أميركا بحاجة للضغط في المقابل، بمزيج من الليونة الدبلوماسية الخلاقة، والصمود العسكري.

يواجه المسؤولون الشيوعيون في بكين معضلة دقيقة وهم يسعون إلى توطيد مكانة الصين كقوة عالمية، فالنمو الاستثنائي لبلدهم جعلها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولكن هذه المكانة تحفها غيوم سجل مقيت لحقوق الإنسان. فهل باستطاعة الصين الاستمرار في الازدهار دون تحقيق الحرية السياسية لشعبها؟

إن مشكلة صورة الصين تتضاعف من خلال سياسة خارجية مغامرة في آسيا، التي تتضمن دولاً متجاورة متملقة، مثل الهند واليابان وفيتنام والفلبين وتايوان.

وكان هناك تذمر غير معتاد في دوائر رفيعة المستوى، في الوقت الذي وقعت 23 شخصية صينية على رسالة مفتوحة تدعو إلى حرية التعبير في بلادهم. جاء ذلك بعد مقابلة أجرتها شبكة «سي.ان.ان» الأميركية مع رئيس وزراء الصين «وين جيا باو»، وأعلن خلالها عن تأييده لمفهوم حرية التعبير. ومنع بث تصريحات رئيس الوزراء الصيني، في الصين، من قبل حكومته، الأمر الذي يشير إلى أن هناك رغبة محدودة في التسلسل الهرمي الراهن، حول الإصلاح السياسي الحالي.

=====================

الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق.. ماذا تحقق؟

د. محمد عاكف جمال

التاريخ: 07 يناير 2011

البيان

لعل أبرز حدثين في العقد الأول المنصرم من القرن الحادي والعشرين، هو قيام الولايات المتحدة بغزو أفغانستان عام 2001، ثم غزو العراق عام 2003. الحدثان وقعا بقرار من إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بأهداف معلنة هي محاربة الإرهاب في أفغانستان وتجريد العراق من أسلحة التدمير الشامل. القرار الأول لقي دعما كليا من الغرب، في حين لقي القرار الثاني دعماً جزئياً منه.

 

من الخطأ اعتبار القرارات التي صدرت لشن هاتين الحربين، ردود أفعال للسياسات المعادية للولايات المتحدة، التي انتهجها النظامان في هذين البلدين. فهناك أنظمة ليست أقل عداء للولايات المتحدة منهما، كوريا الشمالية مثلاً. وذلك لأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، لا دولة أفراد كما هو الحال في معظم دول الشرق الأوسط.

 

أسقطت الولايات المتحدة نظام طالبان ونظام صدام حسين، لتحقيق أهداف يلف بعضها الغموض، تتعلق بالإستراتيجية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وأبرزها توفير السبل المختلفة للسيطرة على مصادر الثروات الطبيعية في العالم، وتوسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري والسياسي والفكري، وإكراه الشرق الأوسط، لأهميته الاستثنائية، على تبني الثقافات والسلوكيات والممارسات التي أنتجتها الحضارة الغربية.

 

في كلتا الحالتين سعى الغرب بقيادة الولايات المتحدة إلى بناء دولتين دستوريتين قويتين في البلدين، تنبثقان عن إرادة شعبية تقررها انتخابات حرة نزيهة، وهو منهج ديمقراطي يرى أن قوة الدولة تكمن في الأسس التي تبنى عليها. هذه الرؤية تنسجم مع معطيات حضارية أفرزتها تجارب الدول الناجحة التي بنيت على أسس كهذه، إلا أنها من جانب آخر تتجاهل إلى حد كبير الخصائص المجتمعية لهذين البلدين.

 

صحيح أن هناك طموحات مشتركة لدى الإنسان في أية بقعة من بقاع العالم، لأن يكون حراً في إبداء الرأي وحراً في اختيار النظام السياسي في بلده، ومن حقه أن يتوافر لديه كل ما هو جديد يثري حياته المادية والفكرية، إلا أن الممارسات من أجل تحقيق هذه الطموحات، ترتبط إلى حد كبير بالثقافة المجتمعية السائدة وبمدى عمق جذورها.

 

من الصعب القول بأن الناخب في أفغانستان أو في العراق، يمنح صوته في الانتخابات النيابية على أسس البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرضها المرشحون لعضوية المجلس النيابي، كما هو الحال في الدول الديمقراطية الغربية، بل قد يمنحها، وهذا هو الأرجح، على أسس غير هذه.

 

لم يكن النظامان السياسيان في أفغانستان والعراق ينسجمان في ممارساتهما مع روح العصر، فقد عزلا دولياً، ولكن من السذاجة في الوقت نفسه توقع تحسن الأوضاع في البلدين بتجييش الجيوش وإسقاطهما، كما حلم الكثيرون من أبناء البلدين، وكما وعدت الولايات المتحدة شعبي البلدين بغد وردي ديمقراطي، يطرز سماءي كابول وبغداد. فالبون شاسع بين أحلام الرومانسي وواقعية السياسي!

 

رغم الفوارق في مستوى التطور الاجتماعي بين البلدين، إذ إن المجتمع العراقي أقرب من المجتمع الأفغاني إلى الحياة المدنية المعاصرة، إلا أن أبرز معالم أفغانستان الجديدة والعراق الجديد، هو عدم الاستقرار. البلدان يتعرضان لصراعات داخلية حادة، بعضها ظاهر وبعضها خفي، تصل في أحيان كثيرة حدود الاحتراب، لأسباب عديده: كثيرها عشائرية أو عرقية أو مذهبية أو مناطقية أو جهوية، وقليلها سياسي.

 

الفارق الهام بين البلدين هو أن العملية السياسية في العراق، لا تواجه مقاومة ترقى في عنفها إلى مستوى المقاومة التي تبديها حركة طالبان والفصائل المتحالفة معها في أفغانستان، رغم أن الخسائر الأميركية في العراق تبلغ ضعف خسائر حلف الأطلسي في أفغانستان، لأنها ليست اللاعب الأقوى في ساحاته. ولكن من جهة أخرى، فإن هناك تشابهاً في الحالتين، وهو تعثر المشروع الأميركي في البلدين وتضاؤل فرص نجاحه. فالمشكلات في أفغانستان والعراق لم تتفاقم منذ احتلالهما فحسب، وإنما برزت إلى السطح مشكلات جديدة وخطيرة، توشك أن تعصف بمستقبلهما. كما أن الصراعات في هذين البلدين، يمكن أن تتسع وتنتشر إلى دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وفي وسط آسيا، وذلك لوجود عوامل تساعد على ذلك في المنطقتين.

 

فرواد العملية السياسية في العراق قد أخفقوا، بعد مخاض طويل وعسير دام تسعة أشهر، في تشكيل حكومة تحظى بقناعة رئيسها، ناهيك عن بناء دولة، في حين عجزت الولايات المتحدة بعد تسع سنوات عن حسم حربها في الساحة الأفغانية. فخسائر حلف الأطلسي في عام 2010، فاقت خسائره في أي من السنوات التسع المنصرمة. كما بلغت هذه الخسائر في السنتين الأخيرتين منذ تولي الرئيس أوباما منصبه، أضعاف الخسائر في سبع سنوات من حكم سلفه.

 

والآن وبعد مرور هذه السنوات الطوال، هل سيعيد راسمو السياسات في الولايات المتحدة حساباتهم؟ وهل يمتلكون من الشفافية والشجاعة ما يكفي ليعترفوا بعدم النجاح، لا نقول الفشل، في الحالتين؟ إذ رغم وفرة ودقة المعلومات التي توافرت لديهم حول أفغانستان والعراق، ورغم كثرة الدراسات العميقة والمستفيضة التي تتعلق بمستقبل هذين البلدين، والتي أعدتها مراكز أبحاث ودراسات متخصصة، فإن قرارات إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، أوصلت أفغانستان والعراق إلى ما هما عليه الآن. فقد فشلت تلك الإدارة في قراءة الشرق الأوسط قراءة واقعية، لأنها قرأته بعيون غير شرق أوسطية.

 

هناك العديد من مخططي السياسة الأميركية يرون أن نتاج تدخلهم في البلدين لم يحقق النجاح المرجو، ولم يجلب استقراراً مقبولاً، ولعل قناعاتهم بأن أياً من هذين البلدين من الصعب حكمه بطرائق ديمقراطية حقيقية تتعزز. ويبدو أن إدارة الرئيس الأميركي أوباما أقرب إلى الاقتناع بأن الطموح لتأسيس حكومات على النمط الغربي في أفغانستان والعراق، في غير محله، وربما بدأت ترى أن العمل من أجل تحقيقه لم يعد ضرورياً أصلاً. وقد أصبح جل اهتمامها هو إضعاف فرص نموذج الاحتراب الصومالي، وتعزيز فرص نموذج التوافق اللبناني، لأن الوضع المجتمعي يساعد على ذلك في الوقت الحاضر، خاصة وأن هناك سياسيين من قادة الطوائف في البلدين، يرحبون بذلك، بل ذهبوا إلى أبعد منه، بتوفير البنى التحتية لتنفيذه.

=====================

أميركا القرن الحادي والعشرين

فيكتور ديفز هانسون

التاريخ: 07 يناير 2011

البيان

أثارت الديون الحالية وحالة الركود والحروب والتناحر السياسي، الشعور بالاكتئاب لدى الأميركيين، ودفعتهم إلى التفكير بأن منافسين أكثر قوة في الخارج، سرعان ما سوف يحلون محلهم في المكانة التي يشغلونها. إلا أن هذا خوف أميركي قديم، وغير محتمل التحقق.

 

في الثلاثينيات من القرن الماضي، شكلت فترة «الكساد الكبير» بصورة مفترضة، نهاية للرأسمالية الأميركية المطلقة. وقد تم تضخيم التصوير الكاريكاتيري لعقد الخمسينات، على أنه فترة الامتثال المكارثية والتابعين المتزلفين من رجال الشركات.

 

في أواخر الستينات، دفعت عمليات اغتيال جون وروبرت كيندي ومارتن لوثر كينغ الابن، جنباً إلى جنب مع حرب فيتنام، إلى بروز ثقافة هيبية مضادة كان يزعم أنها على وشك أن تحل محل المؤسسة الأميركية الفاسدة. صدمات النفط وخطوط الغاز وفضيحة «ووترغيت» والمناطق الصناعية الجديدة المقفلة، قيل إنها دليل على أميركا الآفلة في عصر ما بعد الصناعة، خلال عقد السبعينيات. في الوقت نفسه، فإن الدول الأخرى، حسبما قيل لنا، كانت تبذل قصارى جهدها.

 

في أواخر الأربعينيات، ومع صعود الاتحاد السوفييتي خلال مرحلة ما بعد الحرب، الذي سحق جيش هتلر على الجبهة الشرقية خلال الحرب العالمية الثانية، وعدت الشيوعية ب«إنسان جديد» في الوقت الذي اجتاحت أوروبا الشرقية.

 

تولى «ماو تسي تونغ» مقاليد السلطة في الصين، وألهم الثورات الشيوعية من كوريا الشمالية إلى كوبا. وكان التخطيط المركزي للدولة سيحل محل الإجحاف وعدم الكفاءة للرأسمالية على الطريقة الغربية. إلا أنه بعد مرور نصف قرن، شهدت الشيوعية إما انفجاراً داخلياً أو أنها تم تجاوزها في معظم أنحاء العالم.

 

وبحلول أوائل الثمانينات، وصفت رأسمالية الدولة في اليابان والتركيز على الجماعة بدلاً من الفرد، باعتبارها التوازن المثالي بين القطاعين الخاص والعام. وتجاوز قطاع الشركات في اليابان باستمرار، النمو في الاقتصاد الأميركي. وبعد ذلك، خلال عقد التسعينيات، أدت فقاعة العقارات والافتقار للشفافية المالية، إلى انهيار أسعار العقارات وحالة ركود عام. وظل السكان اليابانيون الذين يتقلصون في العدد والسن، والذين تقودهم حكومة متكتمة، يجاهدون منذ ذلك الحين لاستعادة جاذبيتهم القديمة.

 

في بداية القرن الحادي والعشرين، حظي الاتحاد الأوروبي بالإشادة كنموذج غربي سليم للمستقبل. وارتفع اليورو عالياً أمام الدولار، ومارست أوروبا «قوة ناعمة» متطورة، في حين وجهت السخرية إلى منطق رعاة البقر الأميركي، الذي دفعنا إلى الحروب في أفغانستان والعراق. وجرت المقارنة بين نظام «فوائد من المهد إلى اللحد»، ونظام «كل شخص مسؤول عن نفسه» المتبع في أميركا.

 

والآن تترنح أوروبا متنقلة من أزمة إلى أخرى، وقد أثبت اتحادها غير الديمقراطي، عندما يقترن باستحقاقات الاشتراكية، أنه غير قابل للاستدامة. وتظهر أعراض النظام الأوروبي المتحجر في كل شيء، من السكان الذين يتقلص عددهم، والإلحاد المتزايد، إلى عدم القدرة على إدماج المهاجرين المسلمين، أو حشد قوات عسكرية جديرة بالثقة.

 

وفيما ندخل هذا العقد الجديد، فإننا حالياً نتلقى دروساً حول أن الصين سرعان ما سوف تكون العملاق العالمي. فاقتصادها الآن يعتبر الثاني بعد الولايات المتحدة، ولكن بمعدل نمو أسرع كثيرا وفوائض ميزانية، وليس بركام من الديون.

 

يبدو أن البعض لا يذكرون أن التوترات الاجتماعية المتصاعدة والروح التجارية والتدهور البيئي والمسؤولين الحكوميين، ينتمون إلى دولة القرن التاسع عشر، أكثر من انتمائهم إلى أمة تعود إلى دولة القرن الحادي والعشرين.

 

إن هناك عارضين لكل هذا النحس يتواصلان على مدى العقود الماضية. أولاً؛ تخوض أميركا عادة نوبات دورية من الشكوك الذاتية العصبية، لا لشيء إلا لكي تستيقظ وتتخلص منها. والواقع أن الأميركيين المثقلين بالديون، مستعدون بالفعل للانضباط والتقتير المالي كترياق لحالة التبذير في الماضي.

 

ثانياً؛ يتسم التراجع بأنه أمر نسبي ولا يحدث في فراغ. وفي الوقت الذي تتدفق القيم الاقتصادية والعلمية الغربية من أوروبا والولايات المتحدة، فمن المفهوم أن البلدان النامية، مثل الصين أو الهند أو البرازيل، يمكن أن تنطلق بشكل ملائم إلى القرن الحادي والعشرين. ولكن بعد قول ذلك، فإن القوة الوطنية ؟ تزال موجودة في الصلابة الكامنة لدى الأمة المريضة، في ديمغرافيتها وثقافتها ومؤسساتها، وليس في الأعراض المؤقتة للصحة المعتلة.

 

وفي هذا الصدد، فإن أميركا تدمج المهاجرين، وتستوعب الأجناس والعرقيات بطريقة لا يمكن لأوروبا تحقيقها. فكل من روسيا والصين واليابان، ببساطة ليست معدة ثقافياً للتعامل مع الملايين الذين لا يبدون من الجنس السلافي أو الصيني أو الياباني.

 

لقد اختبر الدستور الأميركي على مدار 223 سنة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الصين والاتحاد الأوروبي والهند واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية، ليست لها أصول دستورية تمتد لأكثر من 60 عاماً.

 

وكانت آخر مرة قتل الأميركيون بعضهم البعض بأعداد كبيرة، منذ ما يقرب من قرن ونصف القرن، بينما رأى منافسونا الملايين من مواطنيهم يتعرضون للدمار خلال الحرب الأهلية والقتال الضروس، خلال القرن الحالي وحده.

 

باختصار، لا تقاس صحة أمة ما بنوبات الركود والشكوك في الذات، ولكن من خلال أسسها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، التي حظيت بالاحترام طويلاً. إن أميركا التي لا تزال تبدو عليها ملامح المرض، هي رغم ذلك، متنامية ومستقرة ومتعددة الأعراق، وشفافة وفردانية وناقدة للذات، وتحترم القدرات الفردية.. وفي الواقع، فإن جميع منافسيها الأصحاء تقريباً، لا يتسمون بهذه الصفات.

==================

سيناريوهات مزعجة للعالم العربي

رامي خوري

الشرق الاوسط

7-1-2011

بيروت - بداية عام جديد هي لحظة مناسبة دائما لمراجعة الماضي والتفكير في المستقبل. وتعتبر هذه الممارسة في الوضع الحالي للعالم العربي مؤلمة. وسوف أشير إلى خمسة من أكثر التوجهات إثارة للقلق في عام 2010 والتي ربما تحدد شكل الأوضاع وتصيب منطقة الشرق الأوسط خلال العام المقبل.

* الهجمات الوحشية ضد المسيحيين في العراق ومصر تعكس عمل أقلية صغيرة من المجرمين المتعصبين، ولا تمثل آراء الأغلبية الإسلامية في العالم العربي. ولكنهم يمثلون جزءا من توجه أحادي، واستقطاب ثابت وتقسيم للمجتمع العربي، سواء أكان السكان المعنيون من المسيحيين أو الأكراد أو الفلسطينيين أو الآشوريين أو الشيعة أو السنة أو جماعات بارزة أخرى تعيش بشكل متزايد فيما بينها بدلا من التعايش في مجتمعات مختلطة. وهذا الإخفاق الكبير للعالم العربي المعاصر يعكس نقاط الضعف لكل محاولات بناء الدولة خلال الأجيال الثلاثة الماضية بالإضافة إلى عدم قدرة الأغلبيات بين كل المجتمعات على وقف الفظائع التي ترتكبها أقلية صغيرة من المسلحين بينهم.

* من المتوقع أن يؤدي الاستفتاء في جنوب السودان إلى التصويت بأغلبية قوية على انفصال الجنوب عن السودان وإقامة دولة جديدة مستقلة. وسوف يمثل هذا لحظة تاريخية في تاريخ العالم العربي المعاصر الذي يواصل فورا التوجه الأحادي المذكور أعلاه، ويمثل أيضا نموذجا نادرا لإعادة ترسيم حدود الدولة التي خلفت بواسطة القوى الاستعمارية الأوروبية المنسحبة خلال القرن الماضي. ويحدث هذا في أعقاب عقود من الحرب التي أدت إلى تشريد أربعة إلى خمسة ملايين سوداني ومقتل ما يقرب من مليوني شخص، إلى جانب إدانة الرئيس بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من قبل محكمة الجنايات الدولية.

* سوف ينظر إلى خطوة السودان على أنها تطور إيجابي إذا تبين أنها تمثل ممارسة سلمية لحق تقرير المصير من قبل سكان جنوب السودان. وهي أيضا خطوة مهمة بسبب ما قد تعلنه بالنسبة لأجزاء أخرى من العالم العربي، حيث تبدو مسألة سيادة الدولة باستمرار هشة في الغالب. وقد اتضح من أماكن مثل فلسطين والعراق ولبنان والصومال واليمن أن العالم العربي يواجه بعض التحديات الخطيرة في دمج دول خاصة تحت قيادة وطنية واحدة تتمتع باحترام عالمي وشرعية وولاء. والدول العربية الأخرى التي لا تواجه مثل هذه التوترات الداخلية تفعل ذلك عادة بسبب إجراءات الأمن القوية لدولة مركزية جدا، تفرغ فكرة المواطنة إلى حد كبير من الكثير من حرياتها وحقوقها وحيويتها.

والاختيار بين دولة منكسرة ودولة بوليسية لا يمثل خيارا سعيدا جدا للمواطن العربي العادي، ولكنه يلوح في الأفق بشكل متزايد على أنه الحقيقة البائسة لمعظم العرب.

* تحول الصراع الذي كان يتمحور في الماضي حول الصراع العربي الإسرائيلي المتمركز سابقا إلى نقطة ارتكاز لمواجهة إقليمية أكثر اتساعا مع إيحاءات دينية قوية ينذر بعواقب سيئة للمنطقة خلال السنوات القادمة. ويمثل الصراع العربي الإسرائيلي نقطة ارتكاز لمواجهة أكثر عنفا وتعقيدا إلى حد كبير تشهد تعاون بعض الدول العربية (وخصوصا سورية) مع إيران وحركات المقاومة الإسلامية العربية القوية مثل حماس وحزب الله من أجل صد ليس فقط الاعتداءات الإقليمية الإسرائيلية، ولكن أيضا ما ينظرون إليه على أنه طموحات للهيمنة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط العربية - الإسلامية.

الآن، تحولت الادعاءات المتناحرة للفلسطينيين والإسرائيليين حول أحقية السيادة على زاوية ضيقة من المنطقة إلى معركة وجودية إقليمية، بل وشبه عالمية بين عناصر قوية تبدو مستعدة للقتال حتى النهاية.

وعليه، ستجد الصراعات الإقليمية والعالمية الواسعة الآن بسهولة أكبر عناصر محلية تعمل لصالحها بالوكالة في شن الحروب، بينما غالبا ما تتفاقم المشاحنات المحلية بسرعة لتتحول لصراعات حادة ومعقدة بسبب ارتباطها بعناصر أجنبية.

* استمرار غياب حياة سياسية محلية موثوق بها تتميز بالديمقراطية والتعددية في العالم العربي بأسره يعد مصدرا مزمنا وربما متناميا لنقاط القصور الجوهرية على المستوى الاجتماعي وعلى مستوى الدولة، مما أسفر عن التوجهات الأربعة سالفة الذكر.

ويبدو الكثير من أنظمة الحكم بالعالم العربي منغلقة على نحو خاص أمام التطور والتقدم. وقد شهدت بعض الدول إجراء العديد من الانتخابات مؤخرا - أبرزها مصر والأردن والبحرين - وأكدت أن السياسة ليست مجالا يمكن السعي من خلاله بجدية للتغيير أو التشارك في السلطة داخل العالم العربي. ويوفر المجتمع المدني والسياسات الانتخابية والبرلمانية سبلا محدودة للتعرف على مشاعر المواطنين ومظالمهم وتطلعاتهم، لكنها لا تترجم ذلك إلى عنصر ملموس في السياسات الحكومية. وكان من شأن خطوات مثل التصويت الذي أجراه البرلمان اليمني الأسبوع الماضي تعزيز سطحية وخواء أنظمة الحكم السياسي الداخلية.

وسيكون من العسير تغيير هذا الواقع السياسي المؤسف بسرعة، لكن من المستحيل أيضا استمراره إلى الأبد. ومن المحتمل أن يشهد هذا العام استمراره، حتى تصل مجموعة من المواطنين العرب لنقطة الانفجار وتقرر تغيير هذا السيناريو المؤلم.

* مدير «معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية» في الجامعة الأميركية ببيروت.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ