ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأربعاء 13/10/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة

J

 

الدرس الهندي!

حسين شبكشي

الشرق الأوسط

12-10-2010

إذا كانت حمى الصعود الاقتصادي ومعدلات النمو القياسية من نصيب الصين، خصوصا بعد تفوقها واحتلالها للمرتبة الثانية في العالم، بعد الولايات المتحدة الأميركية، وتخطيها لليابان، فإن «القصة» القادمة حتما ستكون من نصيب الهند، كما يتوقع ذلك كثيرون. ولذلك أسبابه المنطقية. الهند يتوقع أن تبلغ معدلات نموها هذا العام نسبة ال8.5%، ولا يزال مشوارها طويلا؛ لأن حجم الاقتصاد الصيني حاليا يعادل أربعة أضعاف حجم الاقتصاد الهندي، ولكن معدلات نمو الهند المتسارعة جدا ترشح أن تجعل معدلات نموها تتخطى معدلات النمو الصينية في عام 2013. والهند من المتوقع أن يستمر نموها ويكون الأعلى بين كافة الاقتصادات الكبيرة لمدة الخمسة والعشرين عاما المقبلة، والأسباب التي تمكن الهند من تحقيق ذلك كثيرة، ولعل أهمها تركيبة الهند السكانية المتغيرة مقارنة بالصين؛ فالهند لديها قاعدة من الشباب وصغار السن تمكنها من تكوين سوق عمالية واستهلاكية واعدة جدا، على عكس الصين التي بدأت الآن في دفع ثمن سياستها القاسية جدا والمتعلقة بتحديد النسل، وهي لا تسمح بأكثر من طفل واحد لكل أسرة، وهذه ميزة تنافسية لدى الهند لا يمكن إنكارها.

الاقتصاد الصيني تدفعه الدولة والحكومة المركزية فيها، بينما تعتمد الهند على قطاع خاص ديناميكي وواعد جدا.. شركات تمكنت من إنتاج سيارة بألفي دولار، وأرخص عمليات قلب مفتوح في العالم، وفلاتر لشرب الماء بأقل من نصف دولار، وجسور بعشر التكلفة، ولديهم الآن نموذج مصنع لكومبيوتر محمول ب35 دولارا! وهي أيضا الشركات التي تمكنت من تكوين أكبر شركات الصلب في العالم، وشركات السيارات التي تمكنت من الاستحواذ على سيارات «الجاكوار» و«اللاندروفر» والفنادق العريقة.

والجو الديمقراطي في الهند مكن الأفكار من التحرك بحرية وسلاسة وحماية، وهو جو مغاير لما هو موجود في الصين تماما؛ حيث تسود القرصنة والسرية، وهو ما أخاف شركات التقنية العالمية. وتبقى أكبر عقبة في تألق الهند المتوقع رداءة وتخلف البنى التحتية لها، نتاج التخطيط الرديء والتخبط البيروقراطي، الذي عطل مشاريع دورة ألعاب الكومنولث الأخيرة وأظهرها بشكل سيئ (مقابل الإنجاز الباهر للألعاب الأولمبية الأخيرة في بكين بالصين). هذه وغيرها من الأسباب جعلت شخصية مؤثرة ونافذة مثل ارونداتي روي، الناشطة السياسية المعروفة والكاتبة الحائزة جائزة بوكر، تنتقد حكومتها وتسخر من إحصائيات التنمية فيها، ولا تعترف بأن الهند سوق ناشئة ونمر واعد أو قوة اقتصادية مقبلة، وتحلل - بالمضاد - أرقاما مفزعة؛ فهي تقول إن 100 بليونير في الهند لديهم أصول تساوي 25% من الناتج القومي، وإن هناك 830 مليون نسمة يعيشون على أقل من 20 روبية في اليوم الواحد، وهي - بالنسبة لها - فجوة مهولة وغير إنسانية. وهذا الرأي الذي تقدمه روي ليس غريبا، فهناك كثير من الآراء المماثلة المقدمة في العالم الثالث التي تركز على جانب واحد في الصورة الاقتصادية، فتقدم أرقاما متدنية للبطالة وللتضخم تعتمد فيها على قراءات ناقصة ومغالطات ومقارنات غير دقيقة لمعرفة حجم البطالة والتضخم.

البطالة واقعها يمكن أن يقاس على شريحة واحدة فقط، وعلى فئة عمرية واحدة فقط، فيظهر الرقم «منخفضا»، ولكنه وهمي، كذلك الأمر بالنسبة للتضخم، فيتم اختبار سلعة غير استراتيجية أو مدعومة، ويتم قياس معدلاتها فتظهر الصورة ولكنها غير كاملة.

هناك «فرحة» و«ترحيب» ببعض المعدلات والمؤشرات المقدمة، ولكنها لا تنعكس في جيب المواطن وفي تطوير مستوى معيشته وتحقيق الكرامة فيها، وسيظل مجرد سرد البيانات والإحصاءات مثارا للقلق والتشكيك. الدرس الهندي المقدم اليوم يظهر الصراع بين رأسمالية مسعورة دون مسؤولية اجتماعية، تسير في اتجاهين متناقضين؛ ثراء محدود لفئة محدودة، وفقر واسع لفئة تزداد. إنه سيناريو حزين! والدرس الهندي عام وليس خاصا، ومعروف ومعايش في دول العالم الثالث بامتياز.

====================

شراء «الوقت» يخرج المفاوضات من المآزق؟

الإثنين, 11 أكتوبر 2010

جورج سمعان

الحياة

الكرة في ملعب واشنطن. هي لم تخرج أصلاً من ملعبها بعدما ارتضت أن تكون وحدها الراعي لجولة المفاوضات الجديدة المباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. لجنة المبادرة العربية طلبت من الجانب الأميركي «الاستمرار في جهوده لإعادة العملية السلمية إلى مسارها الصحيح وعلى رأسها وقف الاستيطان». وأمهلته شهراً ستلجأ بعده إلى تحديد الخيارات البديلة لإقامة الدولة الفلسطينية، وهي، كما عبر عنها رئيس السلطة: «الحصول على اعتراف من الإدارة الاميركية بدولة فلسطينية في حدود العام 1967، أو اللجوء إلى مجلس الأمن للهدف نفسه، أو إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لوضع الأراضي الفلسطينية تحت الوصاية الدولية».

الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية فيليب كراولي ثمّن بيان اللجنة. ووعد بمواصلة «العمل مع الأطراف ومع شركائنا الدوليين لدفع المفاوضات إلى الأمام من أجل التوصل إلى حل الدولتين وتشجيع الطرفين على اتخاذ تدابير بناءة لهذه الغاية». وقبل ذلك كان بنيامين نتانياهو دعا شريكه «أبو مازن» إلى مواصلة التفاوض، وإن في ظل استئناف بناء المستوطنات! هناك إذاً رغبات ثلاث معلنة في استئناف المفاوضات هي تعبير واضح عن مآزق، وإن كانت رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي هدفها إلقاء اللوم على الشريك الفلسطيني للتخفيف من وطأة الإجماع الدولي الذي يرى إلى العقدة وحلها في تل أبيب وحدها.

مآزق ثلاثة تبدو مستعصية لأن البدائل من فشل المفاوضات عصية هي الأخرى ومصيرية. لذلك لجأت الأطراف الثلاثة إلى شراء الوقت لعله يبعد كأس البدائل. إدارة الرئيس باراك أوباما تحتاج إلى الحديث عن المفاوضات، وإن معلقة، إلى حين اجتياز استحقاق الانتخابات النصفية للكونغرس الشهر المقبل. تحتاج إلى تحقيق اختراق في المنطقة، أو نصف إنجاز، ما دامت عجزت حتى الآن عن التقدم في أفغانستان، وعن الحد من غلبة إيران الواضحة في القرار العراقي في تأليف الحكومة الجديدة. ولا شيء يوحي بأنها ستنجح في دفع تل أبيب إلى معاودة تجميد الاستيطان، إلا إذا بدت مستعدة لدفع ثمن يتجاوز ما عرضته حتى الآن على نتانياهو. وسيكون هذا الثمن من حساب فلسطين بالتأكيد.

الجانب العربي لا يتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً على الحكومة الاسرائيلية. الوزير العماني المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي عبد الله استبعد صراحة إمكان ذلك، عشية قمة سرت. فلو كان هذا الضغط ممكناً أو متوافراً لأوباما لما كانت هناك عقبة حالياً ولما كانت المفاوضات توقفت. بل إن مناشدات المجتمع الدولي كله لم تحرك في نتانياهو ساكناً. وإذا استجابت الإدارة الأميركية لما يطالب به زعيم ليكود علناً وخطياً بخصوص مستقبل المستوطنات في الضفة الغربية تكون واشنطن أقرت سلفاً بالحدود الاسرائيلية للدولة الفلسطينية من دون اعتبار للموقف الفسطيني. كما أن منح واشنطن تل أبيب مزيداً من الضمانات والامتيازات سيجعل مهمة المفاوض الفلسطيني صعبة وعصية لأنه سيكون محكوماً بسقف هذه الالتزامات والضمانات، وليس أقلها معارضة إعلان دولة فلسطين من جانب واحد سواء في مجلس الأمن أو في الأمم المتحدة. أي أن البدائل العربية التي تلوح بها لجنة المبادرة ستصطدم بالفيتو الأميركي، وربما غير الأميركي أيضاً.

نتانياهو هو الآخر يواجه مأزقاً دائماً بوجود شريكه في الحكومة أفغيدور ليبرمان. لا يبدو مستعداً لاستجابة المناشدات الدولية لوقف الاستيطان. وهو موقف نابع أصلاً من رفضه لأي تسوية، وإن تلطى خلف مواقف شريكه زعيم «إسرائيل بيتنا». فعندما ألقى الأخير خطابه أمام الجمعية العامة اكتفى بالقول إن ما عبّر عنه وزير خارجيته إنما يعبّر عن رأيه وليس عن سياسة الحكومة. ما جعله هدفاً لبعض الإعلام الاسرائيلي الذي اتهمه بالجبن والخوف، وإلا كان لجأ إلى إخراجه من الحكومة بالتفاهم مع «كاديما». ولكن حتى مثل هذا الحل لا يضمن له تماسك «ليكود» فيما المجتمع الاسرائيلي يجنح نحو أقصى اليمين. وتجربة خروج آرييل شارون من التكتل لا تزال ماثلة. ويخشى أن يؤول قصب السبق في أي انتخابات عامة مبكرة إلى حزب ليبرمان.

وأياً كانت حقيقة موقف نتانياهو، فإن التبريرات التي تساق لتبرير «المأزق الحكومي» الذي يواجهه ومحاولة الحد من العزلة الدولية سمحت له بالتحرك في ثلاثة محاور: أولها طلب المزيد من الضمانات والتعهدات السياسية والأمنية والعسكرية الأميركية. ثانيها مواصلة سياسة الاستيطان التي ستأكل مزيداً من أرض الضفة الغربية... ومزيداً من الرصيد الباقي لرئيس السلطة الفلسطينية. وثالثها العمل الدؤوب لاستكمال تشريع «اسرائيل دولة يهودية»، أي تغيير دستور الدولة وقوننتها «دولة عنصرية فاشية مناهضة للديموقراطية» بلا قناع هذه المرة، وحرمان الأقلية العربية (عرب 1948) من التعبير عن رأيها المخالف للأكثرية اليهودية تمهيداً لدفعها خارج حدود هذه الدولة التي يجب أن تحافظ على «نقائها». أي أن نتانياهو بحجة السعي إلى مواجهة خصومه من اليمين المتطرف يسبقهم في الطريق إلى أهدافهم! حتى أن بعض الدوائر الاسرائيلية وصف الدورة الأخيرة للكنيست بأنها تميزت ب «أجواء قاسية وبانعدام التسامح تجاه الأعضاء العرب».

أما الجانب الفلسطيني - ومعه الجانب العربي - فيواجه هو الآخر مأزقاًً لا يحسد عليه. فهو أمام خيارات أحلاها مرٌّ. الرئيس محمود عباس لن يجازف بانتفاضة ثالثة تنتهي بما انتهت إليه سابقتها. بل هو لا يريد زعزعة الحد الأدنى من الاستقرار لئلا يقوض ما بنته حكومته من مؤسسات ستكون جاهزة لإدارة الدولة الموعودة. كما أنه عارض ويعارض العودة إلى أي نوع من أنواع المقاومة المسلحة، كما تدعو حركة «حماس» وشقيقاتها. فضلاً عن أنه لا يريد أن يجازف بخسارة الموقف الأميركي والاجماع الدولي الذي يقف إلى جانبه في ربط مواصلة المفاوضات بتجميد الاستيطان.

لذلك لم يجد رئيس السلطة - ومعه لجنة المبادرة العربية - بديلاً من اللجوء إلى «الوقت»، وبديلاً من التعويل على واشنطن، على رغم شكوكه في أن هذه لن تمارس ضغوطاً على إسرائيل أكثر مما فعلت حتى الآن... إلا إذا كانت تأمل فعلاً بأن أوباما سيكون أكثر تحرراً بعد الانتخابات النصفية من تأثير «اللوبي» اليهودي أياً كانت نتائج هذه الانتخابات. في أي حال ليس أمام «أبو مازن»، ومعه الجامعة العربية، أي خيار واقعي يرغم إسرائيل على وقف الاستيطان، أو يرغم واشنطن على ممارسة مزيد من الضغوط على حكومة نتانياهو. حتى السير في خيار الرافضين التفاوض لن يؤدي إلى وقف الاستيطان، كما انه لن يؤدي إلى الحرب التي لا يريدها أحد، بقدر ما يعني تقديم «عرب الاعتدال» هدية كبيرة إلى «حلف الممانعة» وما يعني ذلك من تعزيز مواقع الجمهورية الاسلامية الإيرانية على حساب ما بقي من «النظام العربي».

أما البدائل التي تحدث عنها «ابو مازن» لإقامة الدولة الفلسطينية، إذا فشلت المفاوضات، فتظل أسهل الخيارات المطروحة. وحتى هذه لن تكون متيسرة ما لم يتم التنسيق في شأنها مع الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة. من هنا جاء الموقف العربي في مراعاة رغبة واشنطن في منحها مزيداً من الوقت. حتى إذا فشلت المساعي في العودة إلى طاولة المفاوضات يكون من السهل إقناع العرب الإدارةَ الأميركية بحمل قضية الدولة الفلسطينية إلى مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، وتأييد إعلانها من طرف واحد.

يبقى أن فشل كل هذه البدائل لا يطرح فقط عدم جدوى بقاء السلطة الفلسطينية كما قال «أبو مازن»، بل يطرح أيضاً مستقبل الدور العربي في كل ما يرسم للمنطقة، من العراق إلى جنوب السودان مروراً باليمن، ومروراً بلبنان الذي يستعد لاستقبال الرئيس الإيراني في ظروف داخلية وإقليمية قد تدفع هذا البلد إلى منعطف مصيري تاريخي. فيما ميزان القوى الاقليمي ينذر بحاجة أكثر من بلد عربي إلى إدارة خارجية لشؤونه الداخلية!

لا توحي البدائل المتداولة بإمكان الخروج من المآزق، إذا كان المعنيون بالمفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية أسرى هواجس تتقدم على مصير المفاوضات: الرئيس أوباما الخائف من «اللوبي» اليهودي وضغوط الجمهوريين وخسارة أفغانستان بعد العراق، ونتانياهو الذي تحركه الرغبة في عدم التنكر لماضيه الرافض لأي اتفاق أو تسوية بقدر ما يحركه الخوف من ليبرمان، و «أبو مازن» الذي لا يرى مستقبلاً لسلطته في ظل الضعف العربي وتقدم الممانعين في عقر داره كما على حدود الدار.

====================

اللعبة في لبنان إيرانية أكثر مما هي سورية...

خيرالله خيرالله

الرأي العام

12-10-2010

كيف يمكن تفسير التصرفات الأخيرة للنظام السوري تجاه لبنان واللبنانيين، وهي تصرفات تضرب عرض الحائط بالوفاق الوطني في الوطن الصغير، ولا هدف واضحاً لها سوى اظهار مدى عمق العلاقة الإيرانية- السورية من جهة، ومدى قدرة طهران على التأثير على دمشق من جهة أخرى.

تمثل هذه التصرفات أفضل تعبير عن العجز في مجال فهم أن المحكمة الدولية التي تنظر في جرائم، سبقت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وفي الجريمة نفسها وما تلاها من جرائم استهدفت أشرف اللبنانيين المؤمنين بالعروبة الحقيقية، جزء لا يتجزأ من الوفاق الوطني. فالسعي إلى التخلص من المحكمة عن طريق افتعال قضية شهود الزور، ومذكرات التوقيف المضحكة- المبكية الصادرة عن القضاء السوري، جزء لا يتجزأ من محاولة انقلابية، لم تستكمل فصولها بعد، تستهدف تحويل لبنان إلى رأس حربة للمحور الإيراني- السوري لا أكثر، بل التخلص من لبنان نفسه. أكثر من ذلك، يمكن وصف مذكرات التوقيف بأنّها أفضل تعبير عن الأزمة العميقة التي يعاني منها النظام السوري الذي لا يدرك أن عليه التعاطي بطريقة مختلفة مع المحكمة الدولية، في حال كان يعتقد فعلاً أن لا علاقة له بالجرائم التي تعرض لها لبنان، على رأسها جريمة اغتيال رفيق الحريري... وأنه على استعداد للتعاطي مع مؤسسات الدولة اللبنانية بدل انتظار أي فرصة للانقضاض عليها. ربما تكمن مشكلة النظام السوري في أنه لم يستوعب أن الماضي قد مضى وأن عليه الانتهاء من عقدة لبنان والانصراف إلى معالجة الوضع الداخلي السوري بدل الهرب منه إلى الخارج...

أبعد من مذكرات التوقيف السورية التي لا تقدم ولا تؤخر، يبدو مطلوباً أن يستخدم لبنان في لعبة إيرانية، أكثر مما هي سورية، لا علاقة له بها من قريب أو بعيد تقوم على المتاجرة به وبشعبه وبالاستقرار الداخلي من أجل أن يقول النظام الإيراني أن لديه أوراقاً يلعبها في المواجهة الدائرة بينه وبين المجتمع الدولي. من هذا المنطلق، نجد ذلك الاصرار لدى «حزب الله» على التخلص من المحكمة الدولية، نظراً إلى أن نجاحه في ذلك يوفر له الهيمنة على لبنان، كما يوفر لكل من شاء، حمل رخصة تسمح له بمتابعة الاغتيالات والتفجيرات من دون حسيب أو رقيب من أي نوع كان...

كلما مرّ يوم تزداد أهمية الوجود الإيراني في لبنان بالنسبة إلى طهران. والمشكلة الحقيقية ل»حزب الله» تكمن في أنه حتى لو شاء أن يأخذ في الاعتبار التوازنات الداخلية اللبنانية، نظراً إلى أن عناصره لبنانية، فإنه مضطر إلى وضع مصلحة النظام في إيران فوق كل مصلحة أخرى، بما في ذلك مصلحة أبناء الطائفة الشيعية الكريمة في لبنان، وهي طائفة تضم من دون أدنى شك خيرة اللبنانيين الشرفاء الذين يتصدون بصدورهم العارية لسلاح الحزب الإيراني وتوابعه، ولمحاولات إثارة الغرائز المذهبية التي لا تخدم سوى إسرائيل.

ثمة من سيقول أن لا مصلحة للحزب في إثارة الغرائز المذهبية. الجواب أن ذلك كان يمكن أن يكون صحيحاً لو كان «حزب الله» يمتلك حرية قراره من جهة، ولو كانت إيران تتوقف عند هذا الاعتبار، الذي يصب في مصلحة دولة عنصرية اسمها إسرائيل، من جهة أخرى. لو كانت إيران مهتمة بتفادي إثارة الغرائز، لما فعلت ما فعلته في العراق عبر ميليشيات الأحزاب المذهبية التابعة لها. ما شهدناه في العراق، حيث خاضت إيران الحرب إلى جانب الأميركيين من دون أي نوع من العقد، يتكرر للأسف الشديد في لبنان. ما يحصل في لبنان، خصوصاً عن طريق السعي إلى الغاء المحكمة الدولية، تطور في غاية الخطورة نظراً إلى أنه يتبين يومياً أن المطلوب في نهاية المطاف وضع اليد على لبنان. مطلوب استخدام الجرائم التي استهدفت أشرف اللبنانيين والعرب، من رفيق الحريري، وباسل فليحان، إلى اللواء فرنسوا الحاج، والنقيب سامر حنا، مروراً بسمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، ووليد عيدو، وبيار أمين الجميل، وانطوان غانم، والرائد وسام عيد، والشهداء الأحياء مروان حماده، وإلياس المر، ومي شدياق، والرائد سمير شحاده، كي يفهم اللبنانيون أخيراً أن بلدههم غير قابل للحياة ولا يمكن إلا أن يكون تحت الوصاية. أكثر من ذلك، عليهم أن يستوعبوا، استناداً إلى الحسابات الإيرانية، أن لبنان انتقل من خلال اغتيال رفيق الحريري والأحداث التي تلته من الوصاية السورية إلى الوصاية الإيرانية مع بعض المراعاة من طهران لدمشق.

لن يأتي الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد إلى لبنان سوى من أجل تثبيت المعادلة الجديدة القائمة على فكرة أن الوطن الصغير بات جزءاً من الامبراطورية الفارسية، وأن وضعه لا يختلف في شيء عن وضع مناطق عراقية معينة، وأن الفشل الإيراني في غزة، بسبب الوضع الجغرافي المختلف للقطاع، عوضه نجاح «حزب الله» في ترويض اللبنانيين مستخدماً سلاحه غير الشرعي الموجه إلى أشرف الناس من كل الطوائف والمذاهب، وقدرته على التوسع على كل الجبهات بفضل الامكانات المالية الكبيرة التي يمتلكها، فضلاً عن شراء أدوات من كل الطوائف والمذاهب والمشارب. تسمح له تلك الامكانات المالية بربط البقع الأمنية التي يسيطر عليها ببعضها البعض عبر شراء الأراضي في مناطق معينة على حساب المسيحيين والدروز تحديداً...

هل ينجح المشروع الإيراني في لبنان بفضل «حزب الله» وأدواته المعروفة من مستوى النائب ميشال عون الذي يتباكى على لبنان في حين أنه يفعل كل شيء من أجل تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية، وتهجير أكبر عدد ممكن من المسيحيين من أرضهم؟ الجواب بكل بساطة أن ليس أمام اللبنانيين سوى الصمود. المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي أقرها مجلس الأمن، بموجب قرار اتخذ تحت الفصل السابع، رمز من رموز المقاومة اللبنانية.

ما قد يساعد لبنان على الصمود، خصوصاً في وجه الفتنة الطائفية والمذهبية التي تشجع عليها التصرفات الإيرانية في لبنان، أن الوطن الصغير عرف دائماً وفي أحلك الظروف المحافظة على توازن ما. ربما كان أفضل من لخص ذلك رئيس مجلس الوزراء السابق نجيب ميقاتي الذي قال في خطاب ألقاه قبل أيام «من الخطأ الجسيم الاعتقاد أن فريقاً لبنانياً واحداً قادر على امتلاك القرار في لبنان، لأنّ الأحداث أثبتت أنه عندما سعى فريق إلى الاستئثار أو الهيمنة أو التسلط، كانت النتيجة صدامات ومواجهات وحروب أهلية هزم فيها المسلمون والمسيحيون على حد سواء... وكان الخاسر الاكبر لبنان». ولكن هل لدى «حزب الله» ومن هم خلفه مشكلة في أن يكون الخاسر لبنان؟

من المفيد تذكير «حزب الله» وعبره إيران أن لبنان ليس لقمة سائغة، وأن هناك توازنات داخلية لا يمكن الاستخفاف بها، وأن التهويل على اللبنانيين، والتهديد بزعزعة السلم الأهلي لن يؤثرا على إرادة المقاومة مهما بلغ عدد الصواريخ الموجهة إلى القرى والمدن اللبنانية، ومهما زاد عدد عناصر ميليشيا الحزب الإيراني في بيروت وحتى في طرابلس، ومهما بلغت بذاءة ميشال عون ومن على شاكلته وبعض نواب «حزب الله». تظل إرادة الصمود والمقاومة أقوى. فلبنان، عن طريق تمسكه بالمحكمة الدولية، لا يدافع عن نفسه فحسب، بل يدافع أيضاً عن فلسطين والبحرين واليمن، وكل الشرفاء من العرب، وكل دول المنطقة، خصوصاً في منطقة الخليج المهددة بالفتنة المذهبية ذات المصدر المعروف جداً وجيّداً...

====================

ما الذي يهدّد أمن العالم الإسلامي؟

آخر تحديث:الثلاثاء ,12/10/2010

عدنان السيد

الخليج

يبدو أن أمن “إسرائيل” لا يتحقق في نظر الصهاينة إلا من خلال تفكيك الدول العربية، وبعض الدول الإسلامية . فالدولة اليهودية المزعومة يقوى ساعدها وسط دويلات طائفية وعرقية، قائمة على التناحر والاحتراب .

إحدى الوسائل التي تعتمدها “إسرائيل” هي تأجيج النزاع بين السنّة والشيعة، وتصوير العالم الإسلامي كأنه مجموعة فرق متصارعة . وعليه فإنه يستحيل قيام دولة بالمعنى العلمي للكلمة .

من يتأمل في واقع العالم الإسلامي من حدود الصين شرقاً إلى شاطئ الأطلسي غرباً يلاحظ استثارة النعرات الطائفية والمذهبية . وما كان يُطرح منذ عقود حول صراعات محتملة بين مجموعات سكانية داخل الدولة الواحدة، صار أمراً واقعاً . وهناك شواهد على ذلك في باكستان وأفغانستان والعراق والكويت واليمن والبحرين ولبنان واليمن ومصر، وغيرها من الدول العربية والإسلامية .

قد يطرح سؤال عن الدور “الإسرائيلي”: لماذا نتّهم “إسرائيل” عند كل فتنة تقع في بلاد العرب والمسلمين، ونعتقد أنها تقف وراءها؟

الجواب يكمن في كتابات بلغات مختلفة، تحت عنوان الاستشراق، أو التحديث، أو حرية الرأي والتعبير . . . وتستهدف في مجملها العقيدة الإسلامية، كالقول بتناقضات القرآن، أو أخطاء القرآن، كما فعل المستشرق الألماني تيودور نولدكه في كتابه (تاريخ القرآن) . حيث يرمي القرآن الكريم بالطعون والشبهات حتى عنوان حرية الفكر والتعبير .

نحن لا ننكر وجود جهالة عند كثيرين ممن يدّعون معرفة علوم الدين، في أوساط السنّة والشيعة . بل هناك كتب صفراء موروثة، فيها من الحقد والكراهية ما تأنف منه النفوس كما العقول . فمنطق التكفير يتناقض مع جوهر الإسلام، واللجوء إلى التحقير أو اللعن مرفوض شرعاً وعقلاً . وما من عالم تقي إلا ويرفض مثل هذه الضلالة العمياء، حسبنا هنا الإشارة إلى علماء كبار في الأزهر الشريف في طليعتهم الشيخ محمود شلتوت، وإلى العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله الذي وافته المنية منذ شهور، وغيرهما كثيرون ممن تصدوا للفتنة .

لا بد من القول إن الفتنة مرفوضة لأنها أشد من القتل كما يحدّد القرآن الكريم . وقد أتت الفتوى المهمة للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، التي تحرّم التعرّض لأمهات المسلمين من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، في موقعها، وفي زمانها حيث تعصف بالأمة الإسلامية رياح الفتن والانقسام . وجاء في المقابل رد إيجابي من لبنان، تمثّل في تصريح مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار، الذي ثمّن هذه الفتوى، ودعا إلى وحدة المسلمين بدءاً من وحدة أيمانهم وعقيدتهم .

قد يختلف المسلمون في السياسة، وهذا أمر جائز شرط عدم تعريض وحدة الدولة للخطر . وكيف إذا كان الخطر يتهدّد وحدة الأمة؟

أشرنا إلى تهديد وحدة الدول العربية والإسلامية، بما يهدّد أمن العالم الإسلامي . أما أمن “إسرائيل” فَلَهُ الأولوية في منظور القوى الدولية الكبرى . السبب الأساس وراء تراجعنا وانكشاف أمننا هو الانقسام والتصدّع الداخلي . هكذا ضاعت فلسطين، ويتهدد غير بلد عربي بالضياع!

في هذه المرحلة الصعبة، لترتفع أصوات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية، داعيةً إلى وحدة المسلمين في أوطانهم بعيداً عن العصبية المذهبية أو العرقية . ولتعل دعوات الوسطية والاعتدال، التي تجسّد جوهر الإسلام . وليتذكّر المسلمون كافة، أن الأساس في معتقداتهم هو الإسلام، أما المذاهب فهي مدارس فقهية تتجدد في ضوء حاجات الناس . هل نعود إلى الأساس؟

====================

المشاركة دواء المفاصلة

آخر تحديث:الثلاثاء ,12/10/2010

فهمي هويدي

الخليج

طالما بقي ما يفرقنا في مصر أكثر مما يجمعنا فإن مناعة الوطن تصبح في خطر دائم، ومن ثم يظل باب الفتنة مفتوحاً على مصراعيه، لا يجدي في إغلاقه تحذير سياسي أو بيان يصدر عن شيخ الأزهر ورأس الكنيسة .

-1-

حينما تحدثت من قبل عن “المصريين الجدد” فإنني ركزت على التشوهات التي أصابت الوجدان العام خلال العقود الأربعة الأخيرة على الأقل “التي أعقبت سنوات الانفتاح وانتقال مصر من حمى المشروع إلى تيه اللامشروع” . لم أشر آنذاك إلى ما أصاب روح مصر من تشوهات، أبرزتها الأحداث الطائفية وما استصحبها من ممارسات، كان أسوأها ما لاح في الأفق خلال الأسابيع الأخيرة من أفعال وردود أفعال، أعقبت الكلام الجارح الذي خرج إلى العلن على لسان أحد قيادات الكنيسة الأرثوذوكسية . وكانت الملابسات التي أحاطت بإطلاق هذا الكلام والأصداء التي ترتبت عليه كاشفة عما أصاب “الروح” من تراجع محزن . يلمس المرء هذا التراجع حين يقارن ما جرى قبل ثمانين عاماً بين شيخ معهد الإسكندرية الديني الشيخ عبدالمجيد اللبان والأنبا يؤانس بطريرك الأقباط الأرثوذوكسي . إذ تبادل الرجلان رسالتين بخصوص حادث قريب الشبه بما مررنا به، احتفظ بصورتين ضوئيتين لهما . تستحقان القراءة والتدبر هذه الأيام .

وقتذاك في شهر أبريل عام 1930 صدر عن بعض المسيحيين في الإسكندرية كلام أهان الإسلام وأثار غضب المسلمين، فكتب الشيخ اللبان رسالة في يوم 17 منه إلى “حضرة صاحب الغبطة الحبر الأكبر الأنبا يؤانس “بطريارك” الأقباط بمصر” . ذكر فيها: “إنه من دواعي الأسف الشديد لدى أن أرى اليوم فريقاً متهوساً ممن ترعاه الكنيسة المرقسية يعمل على هدم ما بناه العقلاء، ويدبر الحملات الطائشة ضد الإسلام دين الدولة الرسمي، معرضاً بذلك قضية الوطن لأعظم الأخطار . وأكبر ما أخشاه أن يقابل المسلمون عمل هؤلاء المفترين بمثله . بل لا أنكر عليك أن من بينهم من حدثته نفسه فعلاً بذلك . . ولولا ما تعلمه من شدة معارضتي لنزل إلى ميدان العمل كثير ممن جاشت نفوسهم وثارت عواطفهم غير مكترثين بالعواقب” .

 

والرأي عندي أن خير الطرائق لإطفاء الفتنة وإعادة الصفاء إلى النفوس أن تقوموا من جهتكم بما يفهم هؤلاء المعتدين وغيرهم أن في عملهم خروجاً على حدود اللياقة وتعاليم المسيح عليه السلام، التي تحرم الافتراء والكذب خصوصاً على الأديان المقدسة .

بعد يومين اثنين في 19 أبريل عام 1930 رد الأنباء يؤانس بخطاب كتبه بخط يده، يشهد بروح تلك الأيام، ويستحق أن يقرأ عدة مرات . إذ شكره عما عبّر به عن ود وحسن ظن، وذكر أنه أحرص الناس على الوحدة الوطنية، ثم قال إنه: إذا وجد فرد أو أفراد يعملون لهدم هذه الوحدة المقدسة بالطعن في الدين الإسلامي الذي هو دين إخواننا ومواطنينا الكرام وتقوم الأدلة على إثبات جرمهم فإنهم يكونون من شر الجناة على الوطن . وأنا أول من يستنكر عملهم ويستفظع جريمتهم بلا جدال . فإن الدين المسيحي لا يجيز هذا الاعتداء على الإطلاق . بل هو بالعكس يحض على محبة الأعداء فكيف بالمسلمين وهم إخواننا في الوطن وشركاؤنا في سراء الحياة وضرائها وتجب علينا محبتهم واحترامهم وإجلال دينهم .

ثم قال: على أنه قد يهم فضيلتك أن تعرف أن الشخصين اللذين اتهما أخيراً بالطعن في الدين الإسلامي وباتا رهن المحاكمة ليسا من الأقباط الأرثوذكس كما ظننت . وليس معنى ذلك أن أي طائفة أخرى من الطوائف المسيحية تبيح الطعن في الإسلام . فإن الدين الذي ندين به هو بعينه الذي تدين به تلك الطوائف . وهو يأمرها كما يأمرنا بالمحبة والسلام وينهاها عن كل ما يخالفها ولاسيما إذا كان جارحاً لأقدس العواطف وأعني بها العاطفة الدينية .

ختم الأنباء يؤانس رده بقوله:

كن على ثقة يا فضيلة الأستاذ أنه لا يجرؤ على الطعن في الإسلام وهدم الوحدة الوطنية من الأقباط الأرثوذكس الذين هم تحت رئاستنا ومن غيرهم من أبناء الطوائف الأخرى إلا أحد اثنين: إما مدخول في عقله لا يقدر عاقبة فعله، أو مدسوس على المسيحيين محرض من فئة مغرضة لإثارة فتنة والقانون لكليهما بالمرصاد . وإنما كتبت لك هذا لتكون على يقين لا يخالطه ريب من أني أستهجن كل الاستهجان الإقدام على الطعن في الدين الإسلامي الكريم . وأنا عالم أن جميع أبنائي الأقباط الأرثوذكس يقرون على كل كلمة مما في كتابي هذا .

- 2 -

أدري أن الوقائع مختلفة بصورة نسبية، لأن اللذين أساءا إلى الإسلام لم يكونا من الأرثوذوكس . لكننا يجب أن نعترف بأن اللغة والروح تغيرتا أيضاً . فالأنبا يؤانس لم يتحدث في خطابه بلغة الشاكي أو المضطهد، ولكنه اعتبر أن الذين يطعنون في الإسلام “من شر الجناة على الوطن”، وأن من يجرؤ على ذلك مهدداً الوحدة الوطنية من الأرثوذوكس أو من غيرهم لا يكون “إلا واحداً من اثنين: إما مدخول في عقله لا يقدر عاقبة فعله، أو مدسوس على المسيحيين محرض من فئة مغرضة لإثارة الفتنة” .

ما الذي جرى حتى تغيرت اللغة والروح بحيث إن ما استبعده واستهوله الأنبا يؤانس في زمانه وقع في هذا الزمان، ووجد من يبرره ويتأبى على الاعتذار عنه؟

ردي على السؤال أن المجتمع المصري خلال تلك العقود الثمانية فقد مناعته بصورة تدريجية، واقترن فقدان المناعة بغياب البوصلة الهادية . وهذه الخلفية تكمن وراء ما ذكرته من أن ما يفرقنا في مصر أصبح أكثر مما يجمعنا . وعنيت بذلك أن المجتمع اختلف مع السلطة . وأن فئات المجتمع، المسلمين منهم والأقباط شاع بينهم الفراق والمرارات، وأن النخب التي طفت على السطح لم تعد معبرة عن ضمير الأمة وتطلعاتها . وفي حين أن التحدي كان واضحاً في الثلاثينات، وكان الاحتلال الإنجليزي مثلاً يشكل التحدي الأكبر الذي اجتمعت عليه الأمة، وكان أعوان الاحتلال شرذمة مفضوحة لا وزن لها ولا اعتبار . وبعد مقارعة المحتل وخروجه جاءت ثورة يوليو لعام ،1952 لتستدعي تحديات جديدة، قل فيها ما شئت إلا أنك، لا تستطيع أن تنكر أنها ظلت محل إجماع وطني من جانب الأغلبية على الأقل في مصر والعالم العربي .

اختلف الأمر بصورة جذرية بعد رحيل الرئيس عبدالناصر، وهي المرحلة التي شهدت انقلاباً تدريجياً على مبادئ ثورة يوليو، الأمر الذي كان إيذاناً بالانتقال إلى مرحلة “التيه” التي اهتزت فيها ركائز الإجماع الوطني . وحدث “الشتات” السياسي الذي سحب من رصيد مناعة المجتمع، وزرع بذور التفكك والفرقة في مصر . وكانت النتيجة أن خلافاتنا تعمقت حول كل ما كان محل إجماع في السابق . فقد اختلفنا حول العروبة وحول الإسلام، وحول العلاقات مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، بل اختلفنا أيضاً حول الموقف من القضية الفلسطينية، وحول الفلسطينين أنفسهم حيث أيد البعض استسلامهم كما أيدوا حصار مصر لقطاع غزة، وظهر بيننا من يعبئ الناس ضد العرب عامة وضد الفلسطينين خاصة، بدعوى أن “مصر أولا” . ومن يتصالح مع “إسرائيل” ويتخاصم مع سوريا، ومن يدافع عن الدور المصري في إطار الاستراتيجية الأمريكية، بحسبان أن ذلك مما يبعث على الاعتزاز ورفعة المقام، ومن يعتبر أن إيران هي العدو وليس “إسرائيل”، إلى آخر تلك الانقلابات التي لم تخطر على بال أحد يوماً ما .

- 3 -

أسوأ ما أتت به تلك الانقلابات أنها فتحت الباب لتحدي ثوابت المجتمع، من الاستقلال الوطني إلى الانتماء العربي، إلى احترام قيمة ودور الإسلام في المجتمع . ومارست بعض عناصر النخب التي احتلت مواقع الصدارة في مجالات الثقافة والإعلام جرأة غير عادية على الانتماء إلى الإسلام بوجه أخص، فأشاع هؤلاء دعايات خبيثة اعتبرت الإسلام نافياً للآخرين، ومن ثم كثفوا جهودهم التي استهدفت ملاحقته وإقصاءه من المجال العام، بزعم أن وجوده يمثل تهديداً للمجتمع المدني، وإضراراً بمصالح غير المسلمين .

وذهب البعض في الجرأة إلى حد إصدار بيان طالب بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي . وأكمل آخرون المهمة فواصلوا حملتهم التي رفعت سقف المطالب ودعت إلى تنقية مناهج التعليم مما له صلة بالإسلام، للحيلولة دون ما أسموه “تديين” التعليم، كأن تعبير تلك المناهج عن هوية المجتمع وثقافته مسبة وعار يتعين الخلاص منهما .

كان من الطبيعي أن ينفرط عقد المجتمع وتتفكك روابطه في هذه الأجواء . وهو ما ساعد عليه مناخ احتكار السلطة وتغيب المشاركة السياسية . ذلك أن المشاركة التي توفرها الممارسة الديمقراطية تستدعى إرادة المواطنين فتستثير همتهم وتصهر إرادتهم في عمل مشترك أو حلم مشترك، وفي غيبة المشاركة يتحول الوطن إلى جزر منفصلة، الأمر الذي يضعف مناعة المجتمع، ويصيب خلايا العافية فيه بالعطب والوهن، وحين يتحول الوطن إلى جزر منفصلة، فإن الدولة لا تفقد هيبتها فحسب، ولكن ذلك يصبح حافزاً للفئات المختلفة لكي تبحث كل منها عن مظلة وملاذ، فمنها من يحتمي بالطائفة ومنها من ينخرط في الجماعة ومنها من يلجأ إلى القبيلة أو يتعلق بأهداب جهات خارجية تسانده وتموله .

- 4 -

تنزيل هذا المنطق على الحالة التي نحن بصددها يفسر لنا لماذا أصبح احتكار السلطة وغياب الجهود أو الحلم المشترك في السياق الذي نحن بصدده، بمثابة البيئة الحاضنة لاعتبار الطائفة بديلاً عن الوطن أو مقدمة عليه . ولماذا أصبحت مظاهرات الأقباط تتجه في لحظات الاحتجاج والغضب إلى مقر البطريركية وليس إلى مجلس الشعب، ولماذا أدركت جموعهم أن تمثيل الكنيسة لهم أصفى وأصدق من تمثيل ذلك المجلس .

إذا صح ذلك فإنه يشير إلى الثغرة التي حدثت في جدار الوطن، واستصحبت تداعيات أخرى خطيرة، تمثلت في الجرأة على تجريح عقيدة الأغلبية التي مهد لها خطاب المثقفين الذي سبقت الإشارة إليه . كما تمثلت في التهوين من شأن تلك الأغلبية إلى حد التشكيك في انتمائها، ومن ثم الانزلاق في مجرى المفاصلة معها، إلى حد التلويح بهوية متميزة عنها، بديلة عن الهوية المشتركة والجامعة لكل أبناء الوطن . ورغم أن ما جرى لا يعبر بصراحة عن كل ذلك، ولكن أي مدقق في المؤشرات الراهنة يلحظ أنها تستبطن في طياتها بذور مشروع سياسي يحول الكنيسة إلى واجهة سياسية متجاوزاً دورها كقيادة روحية، وهو ما يقلص رسالتها التاريخية بحيث ينقلها من الإسهام في حراسة الوطن إلى الاكتفاء بحراسة الطائفة .

هذه الإشارات ليست جديدة ولكننا نرصد نموها منذ أربعة عقود، بالتوازي مع بروز ضعف دور الدولة وتراجعها في مختلف المجالات، وهو مناخ استثمرته جهات عدة داخلية وخارجية، لها مصلحة في تفكيك مصر وتقزيمها ونحن لا نلوم تلك الجهات سواء تمثلت في المحافظين الجدد بالولايات المتحدة، أو المخططين “الإسرائيليين” الذين تحدثوا منذ الخمسينات عن أن الأقليات في العالم العربي “حليف طبيعي لهم”، وأشاروا صراحة إلى الأقباط في مصر إلى جانب أكراد العراق وأكراد سوريا وموارنة لبنان، فضلاً عن جذب السودان . لا نلوم هؤلاء، لكننا نلوم أنفسنا إذا تجاهلنا كل ذلك أو هيأنا الظروف المواتية لكي يبلغوا مرادهم .

الذي استجد علينا هو الجهر بالآراء التي كانت تتداول في دوائر ضيقة ووراء أبواب مغلقة، ثم محاولة تبرير تلك الآراء والادعاء بسوء فهمها أو تحريفها، بما ينتهي بتمييعها والسكوت عليها أملاً في تجاوزها ونسيانها . وهذه المراهنة على ضعف الذاكرة أو على تخدير الناس وتحذيرهم من المساس بالخطوط الحمراء، لا تحل شيئاً من المشكلة، ولكنها تسهم في تعقيدها جراء التراكم والاختزان . بل لست أتردد في القول بأن الذين يحذرون الناس أو يسعون إلى تخديرهم أصبحوا عبئاً على المشكلة وليسوا جزءاً من حلها . لأنهم يتجاهلون أصلها ويتعاملون مع فروعها وثمارها . ولازلت عند رأيي الذي أعلنته عبر منابر عدة من أن المشاركة هي خير دواء للمفاصلة، وهي السبيل الوحيد للخروج من ضيق الطائفة إلى فضاء الوطن ورحابته . وهو ما يشير بألف أصبع إلى جوهر أزمة مصر الحقيقية التي عجزنا عن حلها حتى الآن .

====================

إيران تتردد في الصدام مع روسيا

بقلم :فلاديمير سادافوي

البيان

12-10-2010

وقع الرئيس الروسي دميتري مدفيديف، منذ أيام قليلة، مرسوما يحدد معايير تطبيق قرار تشديد العقوبات على إيران الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي في يونيو الماضي. وتحظر هذه الوثيقة تزويد الجمهورية الإسلامية بمنظومات إس - 300 والمدرعات والطائرات والمروحيات والسفن الحربية، وقد لقي هذا الأمر ترحيبا كبيرا في الولايات المتحدة ودوائر أخرى.

وتوقع الكثيرون أن تحدث ردود فعل قوية من الجانب الإيراني، كما انتظر الكثيرون تصريحات هجومية حادة من الرئيس الإيراني نجاد، لكن شيئا من هذا لم يحدث، بل سادت الطرف الإيراني حالة من الصمت أثارت تساؤلات العديد من المراقبين، اللهم إلا بعض التصريحات من شخصيات ليست ذات أهمية أو وزن في دائرة صنع القرار في طهران.

وفسر البعض الصمت الإيراني بأنه جزء من مسلسل متفق عليه بين موسكو وطهران، باعتبار أن إيران ليست بحاجة لهذه الأسلحة الاستراتيجية الآن، وأنها عندما تكون مهددة تهديدا حقيقيا فإن روسيا لن تمنع عنها هذه الأسلحة.

ولكننا نرى أن هذا التفسير ليس صحيحاً على إطلاقه. هناك بالفعل أشياء ومواقف متفق عليها بين موسكو وطهران، ولكن هناك مواقف أخرى يتخذها كل من الطرفين دون اتفاق أو مشورة مع الآخر، وتسبب هذه المواقف ارتباكا أشبه بالصدمة في العلاقات بين البلدين.

وهذا القرار الذي اتخذه الرئيس ميدفيديف وأصدر به مرسوما رسميا، هو من هذه المواقف المربكة، ويستدل على ذلك بصمت طهران وعدم صدور ردود فعل حادة منها على هذا المرسوم، ولو كان متفقا عليه بينهما كتمثيلية، لكان الأولى أن تصدر كالعادة تصريحات حادة من طهران حتى تنضبط الخدعة أكثر.

الملفت للنظر أيضا، وحسب الدوائر الإعلامية في البلدين، أن هناك لجانا في البرلمان الإيراني منكبة على دراسة وتحليل هذا القرار الروسي، والتقطت الصحف تصريحا لنائب برلماني إيراني يدعى علاء الدين بوروجردي، لم يستبعد فيه أن تلجأ طهران لمقاضاة موسكو لإخلالها بشروط العقد الموقع مع الجانب الإيراني.

وقال بوروجردي الذي يشغل منصب رئيس اللجنة البرلمانية للأمن القومي والسياسة الخارجية، أنه لا يستبعد أن تنتقل قضية تزويد إيران بصواريخ إس - 300 إلى أروقة المحاكم، وفي حال امتنعت روسيا عن التصدير فعليها دفع تعويضات لإيران. ورغم هذا، عبر بوروجردي في الوقت ذاته، بلغة هادئة، عن أمله في أن يفي الجانب الروسي بالتزاماته.

ومن الجدير بالذكر أن موسكو كانت قد وقعت عقد المنظومات الصاروخية مع طهران في عام 2007 بقيمة 800 مليون دولار، ويمكن للإيرانيين نظريا مطالبة روسيا بدفع غرامات التأخير، لكن بند «الظروف القاهرة» يحرر المتعاقدين من الالتزامات المادية في حال عدم تنفيذ العقد، وهذا ما صرح به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

عندما قال إن «عدم تزويد إيران بمنظومات صاروخية من طراز إس 300، يندرج تحت بند الظروف القاهرة الذي يعفي روسيا من دفع غرامات». تصريح لافروف يعني أن موسكو على علم بالمناقشات الدائرة في البرلمان الإيراني وتراقبها عن بعد، وهو ما يدعم رأينا بأن المسألة في هذه المرة ليس متفقا عليها مسبقا بين الطرفين، بل هو موقف منفرد من موسكو لم تكن طهران تتوقعه.

أيا كان الأمر، فإن المناقشات حول هذه القضية سابقة لأوانها، فحتى اللحظة لم يتم تقديم شكوى قضائية ضد الجانب الروسي، كما لم تصدر تصريحات حكومية إيرانية حول إمكانية رفع الدعوى.

وعلى ما يبدو فإن طهران تحاول استكشاف الموقف الروسي، ومن المستبعد أن تقدم طهران على اتخاذ خطوات حادة أو أن تلجأ بالفعل للقضاء، خاصة إذا علمنا أن نسبة غرامات التأخير في عقود كهذه تتراوح بين 5% و10% في حال الامتناع عن تنفيذ العقد، وفي هذه الحالة فإن الحديث يدور عن زهاء 80 مليون دولار فقط، وهذا المبلغ ليس ضخما بالنسبة لروسيا، كما أن إيران لن تنجرف إلى مواجهة مع روسيا بسبب مبلغ كهذا.

ومن المرجح أن تتخذ طهران موقفا متريثا وهادئا، وألا تقرر مخاصمة موسكو بشكل نهائي، خاصة وأنها لاتجد حولها إلا عددا قليلا من الحلفاء. ولهذا من المتوقع أن تمر المسألة بهدوء، في انتظار استكشاف توجهات السياسة الروسية في الفترة القادمة.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

====================

أزمة المعارضات العربية

بقلم :خالد السرجاني

البيان

12-10-2010

غلب على الفكر السياسي العربي توجه نحو نقد الحكومات، وحملها مسؤولية الوضع المتردي الذي تعيشه أكثر من دولة عربية، وغفل عن نقد الوجه الآخر للأزمة وهو المعارضات، بكل فصائلها وأشكالها. وعندما يوجه نقد على خجل لأداء المعارضة، عادة ما يكون من زاوية واحدة فقط، وهي دور الحكومات في محاصرتها، وهو أمر صحيح لكنه يغفل عن قصور بنيوي في المعارضة العربية، يتعلق بتكوينها وبالتشكيلات الاجتماعية التي تمثل قاعدة اجتماعية اقتصادية لها، تتحول بالتالي إلى قاعدة سياسية.

والمعارضة في العالم العربي تنقسم إلى أقسام شتى، منها الداخلي الحزبي، ومنها ما يعمل خارج دوله في إطار حزبي أيضا، ومنها الجماعات الإسلامية الشرعية في بعض الدول والمحظورة في دول أخرى، وهي تعمل من الداخل في تنظيمات ومن الخارج عبر تنظيمات أخرى، ومنها الجماعات الإسلامية التي ترفض العمل السياسي وتعتبره خروجا على الإسلام، وهي ترفض الحزبية وتريد الوصول إلى السلطة عبر الانقلاب على كل الأطر التي تنتظم الدولة وتنظم العمل السياسي فيها.

وهناك أيضا المعارضات التي تتخذ طابعا عرقيا أو ثقافيا أقلية أو يمثل الأغلبية في أي دولة، وهي كلها تعمل عادة من منطقة جغرافية أو جهوية، ومعظمها لا يتمتع بأي اعتراف شرعي في ظل تجاهل معظم السلطات العربية وجود أقليات عرقية أو ثقافية فيها.

والنقد الأساسي الذي يوجه للمعارضة العربية، هو أنها مستأنسة للحكومات، وأنها تعيش على عقد الصفقات مع أجهزة الحكم، وأنها غير مرتبطة بالجماهير ولا تستطيع أن تحركهم، وأن هناك هوة هائلة تفصل بين الطرفين؛ المعارضة والجماهير.

وبالطبع فإن هذة الهوة تفصل أيضا بين معظم الحكومات غير المنتخبة ديمقراطيا وبين جماهيرها، وهي عادة ما تحكم شعوبها عبر أجهزة الأمن، وبالقبضة الحديدية. وهذا تعبير عملي واضح عن «موت السياسة» في معظم الدول العربية، نتيجة ممارسات الحكومات من جهة، وسوء حالة التعليم وتردي الإعلام وأجهزة الثقافة في معظم الدول العربية من جهة أخرى.

والأزمة البنيوية التي تواجه المعارضة العربية، ترجع في الأساس إلى تشوه التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية في معظم الدول العربية، وانهيار الطبقة الوسطى فيها. فالديمقراطية التعددية يطلق عليها في الأدبيات الماركسية مسمى «الديمقراطية البرجوازية»، لأنها تعبر عن مصالح طبقة واحدة من طبقات المجتمع، ولكن المشكلة أن هذة الطبقة أصبحت الآن تواجه خطر الانهيار.

وإذا كانت الحكومات العربية في معظمها، تعمل حاليا لمصالح شريحة اجتماعية ضيقة تتكون من عدد من رجال الأعمال الكبار، من ذوى النفوذ الاقتصادي الذي تحول مع مرور الوقت الى نفوذ سياسي، فإن تلك النظم تحولت إلى نظم شمولية، حتى تلك التي كانت تتبع سياسات شعبوية، تراجعت لتصبح اوليجاركية، تستبعد الجمهور الواسع عن المشاركة، لصالح فئة ضيقة تعمل لصالح المال والأعمال، وبالتالي خرجت كافة الشرائح الاجتماعية من العملية السياسية، وأصبحت المعارضة مجرد أفواه تحرث في البحر.

حتى الأحزاب السياسية الكبرى التاريخية والتقليدية، التي لعبت أدوارا رئيسية في عملية التحرر من الاستعمار وأدوارا مهمة في المعارضة منذ ذلك الحين وحتى الآن، أخذت شعبيتها في التآكل في السنوات الماضية، لأن القوى الاجتماعية التي ظلت مستندة عليها أخذت هي الأخرى في التراجع.

وهناك بالطبع تحولات اجتماعية في الدول العربية، تتمثل في زيادة الخريجين وانخفاض نسبة الأمية، وقد تم التعبير عن ذلك سياسيا في زيادة حركة المعارضة الافتراضية، التي تتمثل في مجموعات الفيس بوك المعارضة أو المطالبة بالتغيير في أكثر من بلد عربي.

وحركة التدوين العربية المتقدمة، كذلك فإن المأزق الاقتصادي أدى لتأسيس حركات احتجاجية قوية ذات طابع مطلبي. وهذا كله في غير صالح المعارضات العربية، ليس فقط لأنه يسحب البساط من تحت أرجلها، ولكن لأنه في النهاية سيؤدي الى شكل جديد من المعارضة يتشكل حاليا ولا نعرف كينونته ولا توجه.

وإن كان علماء الاجتماع السياسي يرون أنها ستكون معارضة عنيفة ما لم يتم استعابها من قبل المعارضات الحزبية، وهي معارضات في أغلبها رسمية تمثل تقسيما للأدوار بينها وبين الحكومات، بما يعني أنها لن تسعى لهذا الاستيعاب، وإنما ستكون هدفا لهذه المعارضة الجديدة في المستقبل، مثلها مثل الحكومات.

إن التشكيلة الاجتماعية المشوهة الحالية في الدول العربية، ستوجد المعارضة المناسبة لها، وهي ستكون معارضة عشوائية وغير منظمة ومشوهة، لأنها لا تستند إلى أي أساس اجتماعي اقتصادي. وهنا يظهر لنا مأزق كل من الحكومات ومعارضتها، وهو ما يتطلب من القوى التي تعمل الحكومات لها، أن تعي ذلك الأمر جيدا، لأن عدم وجود برامج لعودة السياسة إلى المجتمعات ستأتي على الاخضر واليابس.

وهناك بالطبع، في معظم المجتمعات، مؤسسات عسكرية ذات دور وطني وتحظى باحترام كافة أطياف المجتمع، وهي التي أصبح على عاتقها تبني برامج توسع هامش المشاركة، لتقترب سياسات الحكومات شيئا فشيئا تجاه مصالح الطبقة الوسطى التي لا بد من سياسات لإعادة تأسيسها، حتى لا تتحول الدول العربية إلى دول فاشلة، مثلما تحولت الصومال وأكثر من بلد عربي.

كاتب مصري

==========================

المشهد الإقليمي يضفي تعقيداً إضافياً على التأزم الداخلي

إيران تندفع لبنانياً في مواجهة إبعاد سوريا عنها

روزانا بومنصف

النهار

12-10-2010

يساهم المشهد الاقليمي في تعقيد فهم ما يحصل في لبنان الذي تقول مصادر سياسية انه ترجمة ايضا للصراعات المتجددة في المنطقة والتي كانت نائمة لبعض الوقت او كانت في اتجاه اخر مختلف عن الاتجاه الذي تأخذه الامور راهنا. فهذا المشهد الاقليمي كان قائما قبل اشهر على مقاربة عربية وتحديدا سعودية مع سوريا تهدف الى تشجيع هذه الاخيرة على العودة الى الانخراط اكثر مع الدول العربية والابتعاد شيئا فشيئا عن ايران وقد جسدتها القمة الثلاثية التي عقدت في بيروت. واذا بهذا المشهد يظهر ان سوريا عادت تتبنى الخطاب الايراني في شأن المفاوضات المباشرة وفي شؤون التعاون الثنائي على نحو يرفض كل "المغريات" التي قدمت لسوريا بما فيها طبيعة العلاقات مع لبنان والنفوذ السوري فيه. الامر الذي عكست جانبا منه المذكرات القضائية السورية في حق فريق الرئيس سعد الحريري. ولا يقتصر المشهد على ذلك بل يسجل توغلا في هذا المنحى عبر الزيارة التي يقوم بها الرئيس الايراني احمدي نجاد للبنان والتي يراد لها ان "تؤثر على المعادلات الاقليمية" كما قال مساعد الرئيس الايراني علي اكبر جوانفكر في تحد واضح ليس للغرب باظهار قدرة ايران على تجاوز العقوبات وعدم خضوعها للعزلة المفروضة عليها، بل في سياسة متشددة من خلال استعادة سوريا الى جانبها في موقفها من المفاوضات وزيارة لبنان في وقت بالغ الحساسية على الصعيد الداخلي بما يعنيه ايضا من اعطاء "حزب الله" دفعا في مواجهته افرقاء الداخل على خلفية المحكمة الدولية وتثبيت موقع قدم اكثر اتساعا في مواجهة الدول العربية وليس فقط الدول الغربية. وتاليا فانه في مقابل محاولة ابعاد سوريا عن إيران، فان ايران تأخذ سوريا وتحاول ان تأخذ لبنان ايضا الذي تعتبره من ضمن محورها بفعل سلطة الحزب وتأثيره المسلح على الوضع الداخلي.

والذي حصل كان خلطا للاوراق لم يقتصر على لبنان بل لعله انطلق من العراق وانسحبت تأثيراته على مجالات او دول اخرى ومن ضمنها لبنان. لذلك تبدو الامور اكثر تعقيدا على رغم التأزيم الذي يضع البلد في وضع شديد الصعوبة على خلفية رفض المحكمة وقرارها الاتهامي الذي يعتقد "حزب الله" انه سيتهم عناصر فيه بالتورط في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وتعتقد مصادر سياسية في بيروت ان لزيارة نجاد للبنان مفاعيلها من حيث تسليط الضوء على ما يدور في لبنان من حيث ان هناك حماية للحزب ويفترض ان يرسم الحضور الايراني خطا لهذه الحماية باعتبار ان العواصم المؤثرة وان كانت تتابع ما يجري في الداخل اللبناني، فانها تولي زيارة نجاد ومفاعيلها اهمية اكبر وهي تدرك مجموعة المرامي والاهداف لهذه الزيارة ومن بينها تعزيز الاوراق والموقع. اذ ان المصادر السياسية المعنية تضع الزيارة ايضا في الخانة نفسها للتحدي الذي يقيمه نجاد في وجه المجتمع الدولي وهو ان بلاده على رغم العقوبات والتضييق عليها لا تتأثر بما يحصل وتتابع مسارها الطبيعي لا بل تقوم برد فعل متشدد اكثر في الاندفاع نحو المزيد من التخصيب النووي ونحو الخارج لازالة هذا الانطباع ومنع ترسيخه. وهو الامر نفسه الذي ينطبق على وضع التأزيم الذي يواجهه الافرقاء في لبنان من بينهم "حزب الله" بالنسبة الى ايران في السياسة الهجومية نفسها.

وليس واضحا بالنسبة الى المصادر السياسية ما اذا كانت زيارة نجاد التي تشكل محطة تتوج التطورات الاقليمية الاخيرة ستوظف في خانة تعزيز موقع الحزب في اتجاه الضغط محليا واقليميا من اجل المزيد من التنازلات في الداخل اللبناني او ستؤدي الى رد فعل معاكس او الى الاثنين معا. ذلك ان الحزب وحلفاءه الاقليميين يضغطون في اتجاه تنازلات كثيرة حصلوا عليها ومن غير المستبعد ان يضغطوا للمزيد منها في كل المسائل الداخلية بما فيها ما يسمى "الشهود الزور". اذ ان الدراسة التي وضعها وزير العدل ابرهيم نجار قدمت الى الحزب خدمة جلى من خلال القول بامكان ان يفصل القضاء اللبناني في الموضوع على رغم ان هناك آراء قانونية تجزم بان لا صلاحية له في ذلك بل هو من صلاحية المحكمة الدولية باعتبار ان من ينظر في الاصل ينظر في الفرع ايضا. لكن التنازلات المستمرة من اجل اظهار حسن النية ودرء المخاطر عن البلد تبدو مشجعة لطلب المزيد حتى الغاء المحكمة او منع صدور القرار الاتهامي لان ارجاءه لن يؤدي الى اي نتيجة بل على العكس يؤجل المشكلة ويبقي السيف مصلتا كما هو الان. لذلك تبدو هذه الامور تفصيلية وثانوية والبعض يصفها بانها مجرد تضييع للوقت في الداخل من ضمن مسار عام متكامل بانعكاسات اقليمية يبدو انه يسعى الى اهداف محددة لكنها ايضا تزيد المخاوف مما يجري لوضع البلد فيه واللبنانيين ككل. وقد بدا على نحو واضح ان اي كلام مطمئن لا ينفع في هذا السياق ايا يكن قائله، اقله وفقا للكلام الاخير للامين العام للحزب السيد حسن نصرالله من ان الحزب لا يسعى الى الانقلاب لان كل ما يجري اقليميا ومحليا لا يشير الى اي حل جذري محتمل في الافق.

====================

بالنيابة عن المسلمين الجدد

عمر طاهر

الدستور المصرية

(1)

سيدي رسول الله...

أنا من أحدث أجيال المسلمين، تعرفت علي كيفية أداء مناسك العمرة من خلال مقاطع علي الYouTube، ولم أسافر إلي الأراضي المقدسة علي ظهر «ضامر» ولكن علي متن إحدي طائرات الإيرباص، وكنت أقف أمام قبرك للمرة الأولي مرتديا جينز فاتح وتي شيرت كتب عليها بحروف إنجليزية بارزةadidas ، أنا من المسلمين الجدد الذين فرحوا لوجود فرع لStarbukcs بالقرب من مسجدك حيث يمكن تناول بعض الأكسبريسو بين صلاتي المغرب والعشاء وأزاحوا عن عقولهم هم البحث عن الطعام لوجود فرع لKFC وآخر لPizza hut في المكان نفسه.

أنا من مسلمي الألفية الجديدة استعنت بالRed bull لمنحي القوة اللازمة لأداء مناسك العمرة مرتين في اليوم واستعنت بال صن بلوك لاتقاء شر الشمس الحارقة أثناء الطواف بين صلاتي الظهر والعصر، وشربت ماء زمزم مثلجا من الكولمنز المنتشرة في الحرم وتوجهت من الفندق إلي الكعبة عبر السلالم المتحركة، مسلم من الألفية الجديدة غلبه النعاس قبل صلاة الفجر وهو يستند إلي أحد جدران الحرم بفعل نسمات الهواء الباردة التي هبت عليه من أجهزة التكييف المنتشرة في كل مكان، وتفكر كثيرا عقب كل صلاة في مهندس الصوت الذي صمم خريطة السماعات في الحرم بحيث يهب عليك صوت الإمام من كل صوب قويا ونقيا ومؤثراً، وسأل عن نوع السماعات فلم يصل إلي إجابة لكنه عرف أن مهندس الصوت فرنسي «أكيد فرنسي مسلم» ، وتجول عقب صلاة العشاء في المولات الضخمة واضعا سماعات الإم بي ثري في أذنيه باحثا عن الهدايا التي طلبها منه أصدقاؤه وأقاربه وهي ليست سبحة وسجادة وقارورة زمزم لكنها آي فون وميموري كارد 50 جيجا وزجاجة بريفيوم دانهيل لندن50 مللي، وأحدث مؤلفات الكاتب الأمريكي جون جريشام من مكتبة جرير، جدير بالذكر أنني اشتريت من المكتبة نفسها أفلاماً غير متوافرة في مصر مثل هيتش لويل سميث وذا سمبسونز الموفي.

أنا التطور الطبيعي للمسلمين أخرجت من ملابس الإحرام فوق الصفا قائمة بالدعوات التي كلفني بها الأصدقاء، لم تكن مجرد دعوات مطلقة بالصحة والستر والرضا لكنها كانت محددة بدقة ...طلب مني صديق أن أدعو له أن يبعد حماته عن شئون بيته ودعوت لآخر أن يعينه الله علي تسديد أقساط بيته الجديد في التجمع الخامس، ودعوت لصديق بنجاح فيلمه الذي سيعرض في الصيف، ودعوت لصديق آخر مطرب أن يصبح «بنص طلبه» أنجح مطرب في مصر، ودعوت لقريب أنه «يلاقي شغل في إيطاليا»، ودعوت لآخر أن يكسب القضية التي رفعها علي المصنع الذي استغني عن خدماته دون مبرر، ودعوت لصديق «حسب طلبه» أن يعينه الله علي الإقلاع عن تدخين الحشيش «لم أكن أعرف أنه يدخنه قبل أن يوصيني بالدعاء..لذلك أخلصت في الدعاء له.. بس شكله هو اللي مش عايز يبطل» ، دعوت لصديقة أن يوفقها الله في قضية الخلع التي رفعتها علي زوجها ولأخري أن يرزقها بطفل لا حبا في الأطفال لكن حتي لا يتزوج رجلها الذي تعشقه بأخري، دعوت لقريبة «حسب طلبها» أن «تخس شوية علشان تعرف تتجوز» ويبدو أن الله استجاب حيث أصيبت بفيروس في المعدة جعلها تعيش الشهرين الماضيين علي الطعام المسلوق والفاكهة الأمر الذي أفقدها عدة كيلوجرامات أغرت قريباً لنا أن يطلب يدها بعد أن رآها في عزاء والدته.

أنا من المسلمين الجدد الذين يقاطعون المنتجات الدنماركية ويطلبون الفتوي بالتليفون ويصلون علي سجاد صيني الصنع مزود ببوصلة لتحديد القبلة ويستخدمون الأدعية المسجلة في الحرم وأغاني سامي يوسف كرنات للموبايل وآية «ولسوف يعطيك ربك فترضي» كخلفية لشاشته ويبدأ الدي جي أفراحهم بأسماء الله الحسني لهشام عباس ويذهبون إلي الحسين من أجل الشيشة التفاح وإلي السيدة زينب من أجل كفتة الرفاعي وكلما ذكرت أمامهم رابعة العدوية تذكروا نبيلة عبيد أو شارع الطيران علي أقل تقدير.

(2)

أنا من المسلمين الجدد الذين يديرون قصصهم العاطفية بصلاة الاستخارة، ويربطون بين مشاريعهم التجارية والدين قدر استطاعتهم، فصاحب محل العصير يضع لافتة (شرابا طهورا) وصاحب مناحل العسل يصدر بضاعته بأنه فيه شفاء للناس، وهناك المبالغون الذين يربطون تجارتهم بالدين بالعافية مثل الحلاق الذي كنت أسكن إلي جواره في الهرم وكان يضع لافتة (وجوه يومئذ ناعمة)، أو صاحب كشك الحلويات علي طريق إسكندرية الصحراوي الذي كتب علي الواجهة (كشك النبي) (لن أتحدث عن كشري الصحابة وحاتي المدينة المنورة)، بعضنا يستعين بآيات القرآن عن وعي وإيمان ومنا الجاهل الذي وضع علي خلفية فراش الزوجية استيكر (دعاء الركوب)، منا المستسلمون للمشيئة بقلوبهم ومنا من يتعامل مع المشيئة بجهل مثل صاحب محل البقالة الذي يرد علي التليفون قائلاً: (سوبر ماركت مجدي إن شاء الله)، بعضنا يكره التعصب لأنه ضد روح الدين وبعضنا يتمسك بالتعصب كأهم مظهر للتدين، بعضنا يعالج بالقرآن والبعض بالرقية الشرعية والبعض متمسك بالأعشاب والبعض متمسك بالعلم الحديث ويري كل ما فات جهلاً، لكن وللأمانة كلنا مرضي.

أنا من المسلمين الجدد الذين يبحث بعضهم عن عظمة الخالق في غابة شجر في ألمانيا نبتت الأشجار فيها بطريقة تشكل جملة (لا إله إلا الله)، وفي الأردن حيث صور الفتاة التي تحولت إلي مسخ لأنها سبت النبي، وفي أعماق المحيط حيث عثروا علي سمكة نقش علي جسمها لفظ الجلالة، وعبر القمر الصناعي الذي اكتشف نوراً يخرج من الكعبة، لا يبحثون عن عظمة الخالق في المعجزات التي تحدث من حولهم طوال اليوم مثل أن يخرج من بيته ويعود إليه سالما في بلد مثل الذي نحيا به، يبحثون عن عظمة الخالق في التشفي (تسونامي وتشرنوبيل وإنفلونزا الخنازير) وكأن غرقي السلام 98 كانوا من عبدة الأوثان.

أنا من أحدث أجيال المسلمين الذين لم يحظوا بشرف رؤيتك وآمنوا بك عن بعد، نحن الذين لم نذق حلاوة الدخول في الإسلام علي يديك سرا أو جهرا، ولم نصل خلفك ولم نشاركك طعاما أو غزوة أو مجلس علم وإن كنا شاركناك علي البعد في العذاب الذي مازلنا نلقاه علي يد الكفار، بالمناسبة معظمنا لا يقوي علي حمل سيف ليضرب به أعناق المنافقين أو الكافرين نحن نحمل السيوف فقط لنرقص بها في الزفة الدمياطي وفي الأفراح الشعبية، ولا أحد منا يقدر أن يتحمل لسعة سوط من يد أحد المشركين دون أن يتخلي عن إيمانه، فالحقيقة أن قلماً واحداً من مخبر جاهل يجعل التخين فينا يتخلي عن أعز ناسه، نحن الذين فاتنا شرف تلقي العلم علي يد سيدنا علي لكننا للأمانة نتلقي بعضاً منه بطريقة كوميدية علي يد سيدنا حسين يعقوب، ولم نر بأعيننا الشيطان وهو يهرب من طريق سيدنا عمر بن الخطاب لكننا رأيناه - بعد أن هرب- يستقر بيننا متيقظا 24 ساعة، لم يسعفنا الحظ لنقف عند مدخل المدينة المنورة لنستقبلك أنت والصديق بعد رحلة الهجرة لكننا سهرنا الليل كله في مطار القاهرة ننتظر عودة بعثة المنتخب الوطني بكأس أفريقيا.

أنا من المسلمين الجدد الذين شهدوا ازدهار الصين وبلوغها أوج مجدها كما قلت منذ زمن بعيد عندما أمرتنا أن نطلب العلم ولو من الصين، يؤسفني أن أقول لك إننا لم نطلب العلم ولكننا طلبنا بضاعة، طلبنا الفوانيس وأجهزة الموبايل والخلاطات وكل ماهو استهلاكي، أنا من المسلمين الجدد الذين يفعلون ما هو بعد المستحيل لحفظ فروجهم خاصة بعد أن أصبح (الجنس الآمن للجميع) بالبيع العلني للعوازل والفياجرا وحبوب الإجهاض، الأمر الذي يفسر فشلنا في المهمة أحيانا، نحن الذين شهدنا انهياراً جزئياً في نظرية تزويج من ترضون دينه مقابل نجاح نسبي لنظرية الراجل مايعيبوش إلا جيبه، نحن الذين أطلق بعضنا لحيته تأسيا بتامر حسني، أما من أطلقها حسب السنة فهو موضع تفكير إما من جهة مباحث أمن الدولة أو من جهة البسطاء الذين خدعوا كثيرا بمحتالين كانت اللحية هي عدة عملهم الوحيدة، نحن الذين انحزنا عند تطبيق السنة ل (التيمن) و(العقيقة) أكثر من تحيزنا لوصيتك بالإحسان للجار وأن نتقن عملنا.

 

سيدي رسول الله

أما بعد..

أسير علي حبل مشدود محاولا الحفاظ علي توازني في هذا الزمن الصعب، وعزائي الوحيد أن «الامتحان صعب علي الكل»، الجميع يتحدثون ويفتون وكلما أدرت محطة تليفزيون وجدت من يتحدث باسم الدين في كل شيء من السياسة إلي تفسير الأحلام، مئات الفتاوي المتناقضة نحن ضحيتها، ومئات من علماء الدين الذين يصلحون لكتابة أفلام الرعب، هل يطلب منا الله عز وجل أن نعبده خوفا وهو الذي سبقت رحمته غضبه «أي رحمة فقط وإلي الأبد» أم أنه يريدنا أن نعبده محبة منا وطمعا في محبته؟، لماذا تخبئ السماء أسرارها عنا؟، ولماذا ينقطع عنا أحيانا النور الذي يطمئن قلوبنا ويمنحنا الونس؟

 

سيدي رسول الله..

نحمد الله علي نعمة الحياة ولكنها أحيانا تصبح ثقيلة مالم يبعث الله أنواره فينا..

اللهم إني أسألك أنوارك الساطعة، وأسألك الجنة بلا عمل عملته، اللهم إن كنت عصيتك فقد تركت من معاصيك أبغضها إليك وهو الإشراك بك، وإن كنت قصرت عن بعض طاعتك فقد تمسكت بأحبها إليك شهادة أنك الواحد وأن رسلك جاءت بالحق عندك لا نفرق بين أحد من رسلك، اللهم لا تحرمني خير ما عندك بسبب شر ما عندي، اللهم لا تكلني إلي نفسي أو إلي الناس فأضيع، اللهم امح ما في قلبي من كذب أو خيانة واجعل مكانهما صدقا ونورا، اللهم إني أعوذ بك من الضلال ومن وسوسة الشياطين ونغزات النفس، أعوذ بك من أن يجنح قلبي إلي الظلام، اللهم أتمم علي نعمتك حتي تهنأ لي معيشتي واختم لي بخير حتي لا تضرني ذنوبي، يا لطيف يا من علوت بعظمتك وخضع كل شيء لسلطانك اجعل لي من كل هم وغم أصبحت أو أمسيت فيه فرجا ومخرجا إنك علي كل شيء قدير، و صلي الله علي سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق والهادي إلي صراطك المستقيم وعلي آله حق قدره ومقداره العظيم

===============

أميركا في استراتيجية الانكفاء العسكري المؤقت

امين محمد حطيط

السفير

12-10-2010

عندما توقفت الحرب الباردة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي في العام 1989 رأت اميركا ان الابواب شرعت امامها لتنفيذ مشروعها الامبراطوري الكوني، بدءاً بالسيطرة على قلب العالم  الشرق الاوسط  حيث الطاقة والممرات. واعتمدت للتنفيذ استراتيجية «القوة الصلبة» التي رأت فيها طريقا سريعاً للانجاز وترجمتها فورا، بحرب «تحرير الكويت» التي احتلها صدام حسين، وانتهت الحرب في العام 1991 الى تكريس انتشار عسكري اميركي في منطقة الخليج، وتمركز في قواعد عسكرية أنشئت بغرض «حماية المنطقة» من خطر ما! وبعد ان استقرت اميركا في انتشارها هذا، جاءت في 11 ايلول 2001 بمقولة «العمل الارهابي» في نيويورك، فغزت افغانستان واقتلعت حكم طالبان وبسطت سيطرة عسكرية اميركية عليها بشكل سريع، اغراها في تنفيذ الخطوة الثالثة في سياق استراتيجيتها، فغزت العراق في العام 2003، وأقامت حكمها العسكري المباشر بصفة «دولة احتلال» شرع وجودها بقرار من مجلس الامن الدولي الذي تسيطر عليه.

شكل احتلال العراق في العام 2003 المحطة الثالثة التي ثبتت الخط التصاعدي لنجاحات المشروع الغربي بالقيادة الاميركية ولنجاعة «استراتيجية القوة الصلبة» المعتمدة، وبات المسرح الاستراتيجي الكبير الذي تسميه اميركا بمصطلحاتها وتقسيماتها العسكرية «المنطقة الوسطى» ميداناً تنتشر فيه قوى اميركية بحجم ربع مليون عسكري، ويلتحق بهم ما يربو على 150,000 عسكري من قوى جاءت من دول حليفة وتابعة او ملحقة، ولم يكن ليعكر صفو هذا النجاح الا «النكسة» التي تعرض لها المشروع في العام 2000 في لبنان على يد المقاومة التي اخرجت اسرائيل (احد الاركان الرئيسية في المشروع الغربي)، فكان القرار الاميركي وفي الاسابيع الاولى «للنجاح في اجتياح العراق» العمل مباشرة على اجتثاث من يشكل بوجوده قلقاً مستقبلياً او«عقبة» تعرقل المسيرة او تفسدها. وظنت اميركا ان انتصاراتها وما آل اليه وضع البيئة الاستراتيجية في منطقة الشرق الاوسط بعد احتلالها لثلاث مناطق استراتيجية فيه، سيوقع المنطقة، او من تبقى من الممانعين لمشروعها، في «انهيار ادراكي» فيستسلم ويتخلى عن المقاومة، فيستقيم الامر لها وتستقر في شرق اوسط تبنيه له ولا ينازعها في السيطرة عليه احد، لكن هؤلاء الممانعين خيبوا ظن اميركا فثبتوا في مواقعهم ما ادى بوضوح وبعد احتلال العراق الى ظهور المواجهة الحادة في المنطقة بين مشروعين:

 مشروع احتلالي هجومي تقوده اميركا ويرمي الى اقامة الشرق الاوسط الاميركي وينطلق معتمداً استراتيجية القوة الصلبة والحروب.

 ومشروع دفاعي تنخرط فيه قوى اقليمية (دول وغير دول) يعمل للمحافظة على المنطقة بشعوبها وإقامة «شرق اوسط لاهله» ويعتمد المقاومة غير التقليدية نهجاً للمواجهة من دون اسقاط دور الجيوش حيث يمكن.

وقد اتخذ المشروعان من نتائج عمل المقاومة في العام 2000 قاعدة انطلاق للعمل مع اختلاف في النظرة اليها، فالاول رأى فيها خسارة وعقبة تجب ازالتها واجتثاث من احدثها، والثاني قرأها انتصاراً واتخذها مدماكا يمكن البناء عليه مع تفعيل من انجزها، ومن اجل ذلك توجهت اميركا الى لبنان وأحدثت فيه الانقلاب السياسي الذي عولت عليه للتخلص من المقاومة، وكان قتل رفيق الحريري بعد القرار 1559 هو المدخل الاجرائي، لكن المقاومة افسدت الخطة واستوعبت المتغيرات وفوتت على اميركا مشروعها، فكان الرد حربا نفذتها اسرائيل في العام 2006 بقرار اميركي، لتكون الحلقة التنفيذية الاخيرة التي بها يفتح الباب لصياغة الشرق الاوسط المطلوب.

انتهت حرب 2006 بكارثة استراتيجية لحقت بالمشروع الاميركي، لان اخفاق اسرائيل في تحقيق الاهداف اهدى القوى المضادة  الممانعة نصرا يضاف الى نصر 2000، وكشف عجز استراتيجية القوة الصلبة ثم ترسخ الانكشاف بعد ان تمكنت المقاومة في العراق من زعزعة الحلم الاميركي باستقرار الاحتلال، كما أظهر الميدان الافغاني المتاعب المتزايدة في وجه قوى التحالف الغربي، وانكشف المشهد العام عن عقم استراتيجية القوة الصلبة في تحقيق الامل المنشود. وبذلك كان على اميركا ان تتخذ قراراً من اثنين: الاعتراف بالفشل والتراجع، او التمسك بالاهداف والعمل على تحقيقها باستراتيجية جديدة، ورسا القرار على الحل الثاني واعتمدت استراتيجية «القوة الناعمة الذكية» التي قامت على اركان:

أ  تبريد الجبهات وطمأنة الخصم لحمله على الاسترخاء، ب  انتزاع اوراق القوة من يد الخصم وإرباكه وإشغاله بذاته، ج  الدعوة الى التفاوض وبالشروط الاميركية بين فريقين متفاوتي القوة، د  وأخيرا مفاجأة العدو الذي لا يتنازل على طاولة المفاوضات بحرب سريعة تؤدي الى انهياره الميداني.

انطلقت اميركا في تنفيذ استراتيجيتها الجديدة بعد ان بدأت بالإعداد لها منذ توقف الاعمال الحربية في العام 2006، وراحت تدفع الى اصدار القرارات من مجلس الامن للضغط على اصحاب مشروع «الشرق الاوسط لاهله» فتعاقب هذا وتحاصر ذاك وتشجع عملاً تخريبيا هناك، وتجهد لفك التحالف الاستراتيجي الاساسي بين ايران وسوريا. وجاء العام 2008 ليشهد المتغيرات الكبرى في المواجهة، حيث خسرت اميركا الرهان في لبنان في أيار من ذاك العام، وخرجت المقاومة منتصرة من الفخ الذي نصب لها، وكسرت سوريا الحصار الذي فرض عليها وتجاوزت الاعمال التخريبية التي استهدفت امنها، ونجحت ايران في معالجة واستيعاب ما خطط لها في الداخل اثر الانتخابات الرئاسية وفي معالجة مفاعيل العمليات الارهابية وتعقب الجناة عبر الحدود، اما في غزة والتي كان فيها حرب جس نبض واختبار، مع توجه  ان توفرت ظروفه  لتغير ما في القطاع، فإنها لم تعط في نتائجها تشجيعاً لدعاة المشروع الاستعماري.

ومع هذا لم تستسلم اميركا وتقر بالهزيمة، بل نظرت الى ما لديها من قوة وطموح، ورأت ان الامر لا يتعدى اخفاق مشروع واستراتيجية، يمكن استلحاقه بتغيير في الخطط، وتعتبر الاستراتيجية الجديدة تطويراً لاستراتيجية القوة الناعمة الذكية عبر:

 اسقاط فكرة الحرب راهنا وإجراء فض اشتباك للقوى في الميدان المشتعل، ما امكن.

 احداث الحرائق والفتن الداخلية في ساحة الخصم لاشغاله وتآكل قواه.

 التركيز على الملفات الخاصة بخصومها للضغط المتعدد الوجوه عليهم.

 السعي الى التفاوض العقيم الذي لا ينتج حلا الا اذا اذعن الخصم.

 التهويل النووي لارباك الخصم وإخافته.

لقد تقلبت اميركا في استراتيجياتها خلال عقدين من الزمن من القوة الصلبة، الى القوة الناعمة الذكية، فإلى القوة المنكفئة المتحفزة للانقضاض عندما تتهيأ ظروفه، وهي اليوم بصدد تمرير الوقت من غير حرب او حل حتى تؤمن تلك الظروف، ومن اجل ذلك ستستمر في الضغط الانتقامي وإشاعة القلق ودفع الناس للاقتتال لتحضير البيئة التي تلائمها حتى وإن كان الامر على حساب من حالفها من قوى محلية وإقليمية وهي تعلم أنها ستكون الخاسر الأول من هذه الاستراتيجية.

===================

جرائم الشرف في تقرير روبرت فيسك المثير

ياسر الزعاترة

الدستور

12-10-2010

بحسب تقرير نشرته صحيفة "إندبندنت" البريطانية (8  9) للصحافي الشهير (روبرت فيسك) ، فإن عدد اللواتي يقتلن تحت مسمى جرائم الشرف في الدول العربية وعدد من الدول الإسلامية يراوح في حدود العشرين ألف فتاة (ركز التقرير على باكستان ، مصر ، الأردن والضفة الغربية وغزة).

في التقرير قصص تثير الغثيان حول عدد ممن قتلن بالتهمة المذكورة ، ويبدو أن الكاتب كان متعاطفا مع القضية إلى درجة المبالغة وقبول روايات من الصعب التحقق منها ، كما أن حشر بعض قضايا الانتحار في سياق جرائم الشرف هو أمر إشكالي أيضا ، لأن الانتحار ظاهرة موجودة تحصد مليون إنسان في العالم سنويا تتوقع منظمة الصحة العالمية أن يصلوا إلى مليون ونصف المليون خلال السنوات المقبلة.

الأردن وفلسطين يتصدران التقرير رغم أن عدد الحالات فيهما متواضع جدا (حوالي 15 حالة في الأردن سنويا) ، الأمر الذي يثير أسئلة يدركها المعنيون ، والسبب المعلن هو وجود نص قانوني يخفف العقوبة على القاتل ، والذي تضغط سائر المنظمات الدولية باتجاه شطبه ، ليس من أجل بناتنا وروح العدالة بالطبع ، بل من أجل تشجيع الرذيلة وتفكيك منظومة الأسرة ، الأمر الذي تؤكده الكثير من النشاطات التي تقوم بها تلك المنظمات التي لن نصدق للحظة أنها حريصة علينا وعلى واقعنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

والحق أن كثيرا مما يجري على هذا الصعيد لا صلة له بالدين ، بدليل تأكيد التقرير على أن بعض جرائم الشرف ترتكبها عائلات مسيحية ، أي أن القضية ذات صلة بالعادات والتقاليد أكثر من الدين الذي لم يفرق في جريمة الزنا بين الرجل والمرأة ، ولم يقل بقتل المرأة الزانية (حكم الرجم خلافي بحسب بعض العلماء ، وليس هذا مجال الخوض فيه) ، مع العلم أن أكثر جرائم الشرف تمارس بحق الفتيات وليس النساء المتزوجات. والخلاصة أن الحكم الشرعي معروف للقاصي والداني ، لكن المعنيين لا يطبقون قانون الشرع ، وإنما قانون القبيلة والأعراف السائدة ، أما مسألة التخفيف في الحكم فلها أصل في الشرع أيضا ، إذ أن بوسع وليّ المقتول أن يعفو عن القاتل.

من الصعب الحديث عن أي براءة في سياق التركيز على جرائم الشرف على النحو الذي نتابعه منذ سنوات طويلة ، وها هو "فيسك" يتورط فيه بكثير من المبالغة وإثارة المشاعر. نقول ذلك لأن ثمة جرائم كثيرة ترتكب بحق البشر من قبل أمريكا وحلفائها لا يتم التوقف عندها (لا ينسحب هذا على روبرت فيسك الذي ينتصر كثيرا لقضايا المستضعفين) ، ولنسأل عن عدد ضحايا الحرب الأمريكية المجنونة على العراق ، وعدد الضحايا في أفغانستان ، بل وباكستان أيضا. ألا يمكن القول إنها تساوي عدد ضحايا جرائم الشرف خلال عشرات ، بل ربما مئات السنين؟،

ثم ماذا عن ضحايا الفيضانات والأوبئة؟ لماذا تدفع الملايين على منظمات تتابع قضية من هذا النوع ، بينما يبخل على ضحايا الفيضانات في باكستان بالمساعدة ، وعندما تقر المساعدات المحدودة يذهب أكثرها للمصاريف الإدارية ، ولا يصل المساكين منها إلا النزر اليسير؟،

المؤكد أن أحدا لا يقتل ابنته أو أخته وهو في حالة حبور وفرح ، لكنه ضغط الواقع الاجتماعي ، مع العلم أن من تفرط بعرضها طائعة (نكرر طائعة) وهي تعلم ما يعنيه ذلك بالنسبة لأسرتها وعشيرتها هي مجرمة من دون شك ، كما أن شريكها مجرم أيضا ، بل لعله أكثر جرما نظرا لفعله ذلك عن سبق إصرار وتصميم ، ولا شك أن القانون ينبغي أن يلتفت إلى أمثال هؤلاء بتغليظ العقوبة ، مع أن الأفضل والأنجع هو تطبيق الحد الشرعي. أما إذا كان المعني مغتصبا ، فهو مفسد في الأرض يستحق القتل.

في مقابل الذين يقتلون بناتهم ، هناك آخرون يفعلون العكس ، حيث يسترون عليهن ويذهبون نحو عمليات ترقيع البكارة ، أو يلملمون الموقف بطرق أخرى ، لاسيما إذا أدركوا أن الأمر كان محض خطأ أو نتاج استدراج ، وليس صحيحا أن كل من علم بأمر معيب على ابنته يبادر إلى قتلها.

لا نريد رش السكر على الموت ، لكننا نقول إن في معالجات القضية الكثير من المبالغة غير البريئة ، بل المقصودة ، وينبغي للعقلاء أن يوازنوا بين التورط فيما يشجع التسيب والفلتان الأخلاقي وبين التسامح مع جرائم تخالف الشرع وتأخذ بالشبهة ، فالقيم الأسرية هي آخر حصوننا ولا ينبغي السماح لأحد بتهديدها بدعوى الحرية وحقوق الإنسان.

====================

رد نتنياهو المهين على الاعتدال العربي

رأي القدس

2010-10-11

القدس العربي

تقدم بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي بعرض 'سخي' لاستئناف المفاوضات المباشرة، يشترط تجميد الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة مقابل اعتراف الفلسطينيين باسرائيل دولة يهودية.

عرض نتنياهو هذا جاء بعد يومين من مصادقة حكومته على قانون يلزم المتقدمين للحصول على الجنسية الاسرائيلية بقسم الولاء للدولة اليهودية، وهو القانون الفريد من نوعه على مستوى العالم قاطبة.

انه الابتزاز الاسرائيلي في ابشع صوره واشكاله، ففي الوقت الذي يمنح فيه وزراء الخارجية العرب الادارة الامريكية مهلة لمدة شهر لازالة العقبات التي وضعتها حكومة نتنياهو امام العملية السلمية، يخرج علينا نتنياهو بهذا الشرط التعجيزي المهين، وما ينطوي عليه من استخفاف ليس فقط بالعرب وانما بالعالم بأسره.

نتنياهو يعلم جيداً الموقف العربي من هذا العرض المهين، ولكنه لا يتورع عن طرحه امام الكنيست ليكشف عن مدى استهتاره بالعملية التفاوضية، والشريك العربي فيها.

رفض السلطة الفلسطينية لهذه الاهانة الاسرائيلية لم يكن كافياً، وكان يجب عليها ان تتخذ اجراءات اكثر فاعلية للرد على هذه الحكومة الاسرائيلية العنصرية مثل وقف التنسيق الامني، او ربط استمرار هذا التنسيق بتجميد الاستيطان على اقل تقدير.

استمرار السلطة بتعهداتها باتفاقات امنية مع الحكومة اليمينية الاسرائيلية، وخاصة الشق المتعلق بقمع اي انتفاضة، واعتقال الناشطين الفلسطينيين، هو الذي يشجع هذه الحكومة ورئيسها على اصدار القوانين العنصرية الفاشية، تمهيدا لطرد مليون ومئتي الف فلسطيني يقيمون في المناطق المحتلة منذ عام 1948.

الاستيطان في الاراضي المحتلة هو جريمة تطهير عرقي تتناقض مع كل المعاهدات والقوانين الدولية، ومن يرتكب مثل هذه الجريمة لا يجب ان يفرض شروطه، او يحصل على مكافآت مقابل ارتكابه لجريمته، وانما يجب ان يقدم للعدالة ليواجه العقاب الذي يستحق.

من المؤسف ان الادارة الامريكية الحالية تتحمل المسؤولية الاكبر عن مثل هذا الاستخفاف الاسرائيلي، بعرضها حزمة من الحوافز على نتنياهو مقابل تجميد الاستيطان لمدة شهرين، من ضمنها صفقات اسلحة حديثة لم يسبق ان قدمتها الى دولة اخرى، ورسائل ضمانات بمرابطة قوات اسرائيلية على حدود الدولة الفلسطينية المنتظرة مع الاردن، واجبار العرب على التطبيع مع اسرائيل.

مثل هذه العروض السخية التي رفضها نتنياهو دفعته للتقدم بعرضه المهين هذا، ولن نستغرب اذا ما تبنته الادارة الامريكية، وعملت على فرضه على الجانب العربي، والفلسطيني منه على وجه الخصوص، مثلما فرضت المفاوضات غير المباشرة، ومن بعدها المفاوضات المباشرة، ودون تحقيق اي تقدم في الاولى.

ميوعة المواقف العربية الرسمية ايضا وعدم التفكير ومن ثم اللجوء الى بدائل رادعة لاسرائيل وحكومتها اليمينية العنصرية الحالية هي التي تدفع نتنياهو الى التغول في عنصريته واساليبه الابتزازية.

ان مثل هذه المواقف الابتزازية المستخفة بالعرب والرأي العام العالمي، تعكس عقلية عنصرية لا تضع السلام على جدول اهتماماتها، وانما تخطط لسحق الآخر واذلاله.

====================

تركيا وفنزويلا: قراءة في انتصارين انتخابيين!

ميشيل كيلو

2010-10-

القدس العربي

عايشنا مؤخرا حدثين انتخابيين على قدر كبير من الأهمية، فصلت بينهما أيام قليلة، وقع أولهما في تركيا، وثانيهما في فنزويلا.

 أما الحدث التركي فهو انعطافي وتحولي بما للكلمة من معنى، ذلك أنه شكل لحظة فاصلة بين زمنين: سيطر الجيش على الأول منهما، الذي يبدو أنه انصرم مع التصويت المؤيد لتعديلات الدستور.

بينما بدأ الثاني من موقع قوة، وبإرادة شعبية لا شك فيها، وافقت على قصقصة أجنحة المؤسسة الأتاتوركية في الجيش والقضاء والتعليم، وأفقدتها بعض أهم وسائل سيطرتها، ومنحت قوى السياسة المدنية أرضية واسعة للمناورة، وهامشا طويلا من الوقت، يرجح أن يعزز ويكمل التطور الديمقراطي، الذي بدأت تركيا تاريخا جديدا معه، وأن يضع حدا لسيطرة عسكرية سلطوية حملت اسم مؤسسها كمال أتاتورك، دأب الجيش على حمايتها مرارا وتكرارا عبر قوة عارية ضبط من خلالها المجال السياسي وفرض قواعد حدت من قدرة قواه وأحزابه ومؤسساته على تنظيم أوضاعه وحل مشكلاته عبر اللعبة البرلمانية والنظام التمثيلي.

مع نتائج التصويت، بدا وكأن زمن التدخل العسكري قد ولى، وأن زمنا جديدا يفرض نفسه: تحت قيادة مدنية اتخذت القيم الإسلامية موجها لها، وعرفت كيف تربطها بمهارات سياسية / عملية حديثة، عززت قدرة الحركة الشعبية الجديدة على إصلاح الدولة، فلا عجب إن حظيت بتأييد أغلبية مجتمعية وازنة، منحت 58 ' من أصواتها لبرنامجها الإصلاحي، وتدفق 77' من الناخبين على صناديق الاقتراع، التي يبدو أن استمرار نجاحها سيدخل منطقتنا وجوارها في طور مختلف، يرجح أن تصل آثاره الإيجابية إلى كل مكان منها، وأن تلعب دورا في فتح دروب جديدة أمامها، تمكنها من تنويع خياراتها، والخروج من الاحتجاز الذي ترزح تحته منذ نيف ونصف قرن.

 كانت انتخابات فنزويلا حدثا مهما بدوره، فقد أظهر تحولات ميزان القوى داخل البلاد، والتبدل الذي أصاب مواقف الشعب من هذا الطرف أو ذاك، وقدم صورة أولية عن احتمالات التطور في المستقبل القريب، مع أنه ثبت حزب الرئيس شافيز 'الاشتراكي الموحد' في الحكم، ومنحه أغلبية نيابية واضحة، تتيحها له المقاعد ال 95 التي نالها من أصل 165 مقعدا، وملايين الأصوات، التي جاوزت الخمسة ملايين ونيفا وأربعمئة ألف صوت، في حين فازت المعارضة بعدد من الأصوات يربو على خمسة ملايين وثلاثمئة صوت، عادت عليها بعدد قليل نسبيا من مقاعد المجلس النيابي بلغت 64 مقعدا. رغم الفارق بين عدد نواب الحزبين وتقارب أعداد ناخبيهما، فإن أحدا لم يعترض أو يحتج على نتائج الانتخابات، التي وصفت بالنزيهة والعادلة، وسعدت جميع أطرافها بنتائجها ومجرياتها، فأعلن شافيز فوز حزبه، بينما قالت المعارضة أن عدد نوابها يحرم الحكومة من أغلبية الثلثين البرلمانية، الضرورية لتمرير مشاريع القوانين الاشتراكية، التي تفكر بإقرارها.

لا تقل انتخابات فنزويلا أهمية عن انتخابات تركيا، وليس جديدها أقل دلالة من الجديد التركي. وإن اختلفت عنها من حيث الرهان، الذي دارت حوله، وهو: هل يمكن أن تتقدم الدولة نحو النظام الاشتراكي بإرادة شعبية حرة؟ وهل يحمي الشعب تحولا اشتراكيا: إنتخابيا وسلميا؟ وهل ستكون الديمقراطية من الآن فصاعدا أداة تتحدى نظم تحررية وذات توجهات اشتراكية خصومها من خلالها، وتصارعهم بنجاح، بعد ان فشلت اشتراكية الدولة في البقاء؟ وإلى أي مدى سيعتمد من الآن فصاعدا تعريف لينين  كتاب: 'الدولة والثورة'، الذي يقول: 'الاشتراكية هي الديمقراطية مدفوعة إلى حدها الأقصى'؟ وهل نتعلم نحن العرب من تجربة قارة مجاورة للولايات المتحدة، اعتبرت تقليديا 'حديقة واشنطن الخلفية'، هي قارة أمريكا اللاتينية، التي ما أن فشلت ثوراتها المسلحة ضد السيطرة الأمريكية والنظام الرأسمالي المحلي الفاسد، حتى اعتمدت الخيار الديمقراطي وسيلة لتحقيق ما عجز السلاح عنه، وها هي تبلغ الكثير من أهدافها بصندوق الانتخاب والنضال الديمقراطي: السلمي والمفتوح، الذي لا يستبعد أحدا أو يقمع معارضة، ويحتكم في كل خطوة إلى الشارع، وإلى ما كان روسو يسميه 'الإرادة العامة'، بينما تبدو واشنطن حائرة لا تدري ما تفعله، بانتظار تراكم أخطاء قادة بلدان القارة الديمقراطيين إلى الحد الذي يتسبب في تقويض تجربة اشتراكية الخطاب عدالية التوجهات، تتم عبر الديمقراطية وبوسائلها، لتؤكد عندئذ ما قالته الرأسمالية دوما، وهو أن الديمقراطية لا تصلح سلاحا ضدها أو بيد الطبقات الفقيرة والمضطهدة، وأن اشتراكية أمريكا اللاتينية، شأنها شأن الستالينية، تناهض الديمقراطية وتتعارض معها، وتعجز عن بناء نفسها في حاضنتها فتتخلى عنها بقدر ما يتقدم بناؤها، المعادي بالضرورة للحرية، حجر أساس النظام الديمقراطي.

تقف أمريكا عاجزة أمام إرادة ديمقراطية عامة تبديها شعوب أميركا اللاتينية، وقد أصيبت بالحيرة بعد انقلاب الديموقراطية إلى سلاح ضدها بيد خصومها، وزاد من حيرتها ان الحرية لم تفض إلى تراجع تأييد الشعوب لحكوماتها المنتخبة ديمقراطيا، وأن خصوم هذه الحكومات هم الذين ينقلبون على إرادة مواطنيهم، ويدبرون الانقلابات العسكرية ويثيرون الفتن والقلاقل الاجتماعية، ويستخدمون عصابات القتل والجريمة المنظمة لكبح التطور الديمقراطي.

يحدث هذا هناك. أما هنا، في وطن العرب التعيس، فتعلن الحكومات بصوت واحد أن الديمقراطية سلاح امريكي/ صهيوني، وأن من يطالبون بتطبيقها عملاء للخارج، وتستشهد على صحة ما تقول بما جرى في العراق، فإذا وجدوا أن قولهم لا يقنع أحدا، لتعارض الغزو الامريكي مع أي مبدأ ديمقراطي أو ممارسة حرة، استنجدوا بالصهيونية، التي تفقد عندئذ صفاتها العنصرية والاستعمارية وتصير فجأة حركة ديموقراطية تطبق سياسات يمليها نظامها الديمقراطي، يطلق جيشها النار على الفلسطينيين لا ليقتلهم، بل لكي يجعلهم ديمقراطيين، أو ليضع حدا لعدائهم للديمقراطية!. يقال هذه في دول عربية تعلن إعجابها غير المحدود بتجربة 'ثورة اجتماعية امريكية لاتينية تتم بواسطة الديمقراطية والإرادة الشعبية الحرة'، تتهم، كالبلدان المعادية للثورة، من يطالبون بما يشبهها أو يماثلها في ديار العرب بالعمالة للإمبريالية والصهيونية!.

ثمة تجربة ديمقراطية / انتخابية تحدث قربنا، في تركيا، وعلى بعد منا، في أمريكا اللاتينية، لا بد أن تثير قدرا كبيرا من اهتمامنا وتعاطفنا، نحن الديمقراطيين العرب، وأن نجد فيها خيارا لا بد من دراسته بعمق، لما في الأخذ به من عون لأمتنا، التي خذلتها نظمها الفاشلة، ومن ربط يبدو ناجحا بين السياسي والاجتماعي، المجتمعي والدولوي، في زمن يبحث مستضعفوه عن بديل لتبعيتهم وبؤسهم، ويريدون الخروج من أسر رأسمالية خارجية وداخلية،لا يرون منها غير الاستغلال النهب والقمع، بينما توفق الديمقراطية في أمريكا اللاتينية بين التعبير الحر عن إرادة الشعب وبين مطلب العدالة الاجتماعية، وتقدم لنا، بحديها هذين، أرضية ملائمة لتحرر امتنا ولجمع شملها، بعد طول تجزئة وضعف.

هل يرتكب قادة الثورة السلمية والديموقراطية، التي تعيشها أمريكا اللاتينية، الأخطاء التي تنتظرها واشنطن، وتؤدي إلى تقويض الثورة؟ هذا هو اليوم الخطر الرئيسي على ما يتحقق من تحرر وتقدم في أمريكا اللاتينية. أما الحلقة المركزية في هذا الخطر فتكم في ارتداد هذا النظم أو بعضها عن الديمقراطية أو في العمل على تقييدها. ومن يراقب سياسات أمريكا، يجد أنها تركز على دفع أنصار الثورة، وخاصة منهم الرئيس الفنزويلي شافيز، إلى تقويض الطابع الديمقراطي للثورة، التي تنجز بإرادة الشعب وعبر صناديق الاقتراع والانتخاب. تستغل واشنطن أي خطأ يقع فيه هؤلاء، لتجعل نجاحهم أصعب. وهي تعمل على إثارة التناقضات بين الوجه السياسي والوجه الاجتماعي للثورة، لاعتقادها أن أي انحياز إلى وجه منهما على حساب الآخر سيعني بداية سقوط الثورة ونهايتها.

بعد انهيار التجربة السوفييتية، وانتشار الاقتناع بأن الاشتراكية لم تعد تحديا راهنا أو مستقبليا، تقدمت قطاعات واسعة من قارة بكاملها هي أمريكا اللاتينية، إلى ساحة الصراع، وأعلنت إيمانها بعدالة اجتماعية (يسمونها هناك اشتراكية) تتحقق بإرادة مواطنيها الأحرار، والتزامها بترابط العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية، واستعدادها للتخلي عن الحكم، إن سحب الشعب ثقته منها.

في الماضي، كان الاشتراكيون يعتقدون أن الاشتراكية مقدمة لقيام ونجاح الديمقراطية، واليوم، يعتقد اشتراكيو أمريكا اللاتينية أن الديمقراطية هي المدخل إلى الاستقلال الوطني، والثورة الاشتراكية والعدالة الاجتماعية. بعد الآن، لن يقول العقل التقدمي: من الاشتراكية إلى الديمقراطية، بل سيقول: من الديمقراطية إلى الاشتراكية.

إنها صفحة جديدة في تاريخ المسعى البشري إلى العدالة والمساواة، ستبقى وستستمر ما بقيت خيارا إنسانيا: ديم قراطيا وحرا.

' كاتب وسياسي من سورية

====================

تركيا وأمريكا.. إحلال واحتلال السياسة

أيمن خالد

2010-10-11

القدس العربي

 تقترب المنطقة من نموذج جديد غير مسبوق، يفضي إلى رحيل احتلال السياسة الأمريكية للمنطقة، وحلول النموذج التركي للسياسة، ويمكن أن أقول، الساعة السياسية على وشك أن تدق حسب التقويم التركي.

من دون مبالغة في الأمر، الخروج الأمريكي، يمنح بشكل تلقائي السياسة التركية حضورا واسعا على صعيد المنطقة، فأمريكا عمليا بدأت تغادر المنطقة، بغض النظر عن الحروب المحتملة القادمة، وعن القواعد العسكرية التي يمكن أن تستمر عقدا من الزمن وتجد من يدافع عنها ويحفظ وجودها من العرب، لكنها تغادر عمليا من الناحية السياسية، وهي فلسفة غير منطقية، لأن القاعدة أن القوة العسكرية تفرض اللعبة السياسية وفق منطق السياسة ذاتها.

أبرز ما في المسألة هو المنطق الأخلاقي، الذي تكتسبه السياسة التركية، التي تدخل من الباب الواسع، فهي شعبية بامتياز، وهي تولد تعاطفا معها كيفما ولى الساسة الأتراك وجوههم، فالساسة الأمريكان قدموا السياسة الأمريكية كسياسة انتهازية منحازة مدمرة، تمارس شتى صنوف القهر الإنساني وتستخدم كامل مفردات الإمبراطوريات البائدة، فهذه السياسة تمر اليوم أمام مرحلة مكاشفة حساسة ولو غير متكافئة بالمنطق والصورة، فلا تستطيع هذه السياسة أن تفرض انحناء السياسة التركية تحت لوائها ولا هي أيضا تستطيع إزاحتها وصناعة بدائل للمنطقة، لان الأمريكان بمفردهم ومع أنظمة المنطقة استنفدوا كامل قدراتهم في عالمي السياسة والحرب، وأيقنوا أن حركة التاريخ لم تعد تسير وفق المنطق القديم. فالأمريكان لا يستطيعون الوفاء حتى لحلفائهم، ولا يملكون ضمانات مستقبلية لهم، وحتى الأماكن التي تدخلوا بها عسكريا بغية إحداث التغيير المنشود، تحولت إلى أعباء جديدة، أمام ناظر البلدان والشعوب التي تراها مجرد سياسة تجريبية تعمل على افتراض المنطقة كمختبرات تجريبية، في وقت باتت فيه التكنولوجيا المتاحة وصنوف المعرفة تفرض وعيا يعري ويكشف طبيعة الهيمنة الأمريكية، التي هي متقدمة على الصعيد التقني على كل العالم، ولكنها متأخرة على الصعيد الإنساني والبشري.

وبالتالي فمنطق العصر، لا يمكن أن يبقى وفق عقلية الماضي التي تنصاع فيها الشعوب أمام هاجس الرعب، ففي اغلب البلدان ونتيجة التجويع والقهر والإذلال، أصبح يستوي منطق الموت والحياة، فالقهر الذي بلغته الشعوب وهي حية وتعيشه وتتمرغ فيه يوميا، بات يصنع نقيض الخوف، فروح التحدي تصنع من فقراء أفغانستان ودول كثيرة، قنابل ترغب بالانفجار في كل وقت ومكان، أكثر من رغبتها بالهروب والوقوف في طوابير اللاجئين، كما هي قراصنة الصومال، فهي ببساطة مزاحمة وسط الموت للقراصنة الكبار، فالمنطقة بمستضعفيها تشهد تمردا على النمط السياسي القديم، وبات يداعب عقول الناس إحلال منطق مختلف، وتعامل مختلف مع الشعوب.

فأمريكا تعجز كليا عن أن تجعل شعوب المنطقة تستظل بالإحباط، خصوصا بعد حربي تموز وغزة، في مشهد يؤشر نحو رحيل المنطق الأمريكي، وإذا كنت افترض النموذج التركي بديلاً، فذلك لأن تركيا الجديدة وساستها نشأوا في ظروف مشابهة عاشتها المنطقة العربية، وإذا كنت استثني سياسة عربية راشدة، فالزعماء العرب لا يزالون بمعزل عن شعوبهم، ولم يصنعوا بعد مراكب فضائية للتواصل بينهم وبين شعوبهم. السياسة الأمريكية ترتكب نوعا من الجنون الذي لا يستوعبه عقل، فهي تريد أن تكون كامل منطقة الشرق الأوسط مجرد (أشباه دول) كما هي الصومال، وهو منطق معقد، فمرحلة أشباه الدول، التي تقوم على أساس تأجيج الصراعات الطائفية والعرقية، وتشعل روح الانقسامات، وفي نهاية المطاف، لا تعي أمريكا منطق التطرف الذي بات يتمدد وسط هذه الفوضى، وهو منطق يولد في أشباه الدول، وهو مرض يصيب صانعه بالعدوى فمركزية الدولة، هي ضمانة فوق الفوضى مهما كان حجم المشكلات السياسية الداخلية. فاحتلال أفغانستان مثلاً، جعل مجموعات وأفرادا في صحراء افريقيا، المنطقة الأكثر عطشا في الكون، جعلها الآن تمتص من خيرات أوروبا، ولعل الترجمة في أزمات الرهائن.

السياسة الأمريكية تتجه نحو الرحيل، لأن أمريكا تجفف منابعها في بلادنا، فهي سياسة صفراء لا يلوح منها ما يبشر بخير، ولا تُطمئن حتى حلفاء أمريكا، فالملك العقيم، يستشعر استجابته لأمريكا عنوان زواله، فالرهان ليس على الشعوب فحسب، خصوصا ان حركة الشعوب بطيئة، بعد أن جردت من كامل مقومات القوة، لكنه رهان قد لا يبدو منطقياً، أن تستشعر ذات القوى الحاكمة شكلا جديدا للسياسة، ولعل في نموذج كردستان العراق ذلك الهمس الهادئ، فالأكراد غضوا الطرف عن كركوك، وسيفعلون المزيد، وسيتوجهون من جديد عربياً، فالجسور مع تركيا ستعيد الطبع إلى أصله.

ومن الأمثلة، أن السدود التي بنتها الحكومات التركية السابقة بالتعاون مع إسرائيل من اجل منع الماء عن سورية، هذه السدود تحولت الآن في سياسة تركيا الجديدة، إلى خزانات احتياطية لمساعدة سورية، بينما إسرائيل  التابع الأمريكي- نقلت هذه التجربة إلى إثيوبيا لأجل أن تعطش مصر، رغم وجود كامب ديفيد الذي أخرج مصر من دائرة المواجهة، هذا هو منطق السياسة الأمريكية التي لا تفهم غير الهيمنة، بمقابل منطق السياسة التركية التي ستكون بديلا طبيعياً، أمام الرحيل الأمريكي المرتقب.

كاتب فلسطيني

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ