ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الخميس 28/01/2010


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


سياستنا تجاه اليمن لا تبدأ أو تنتهي بالإرهاب

الاربعاء, 27 يناير 2010

ديفيد ميليباند ودوغلاس الكسندر *

الحياة

إن التهديد الذي يشكله تنظيم «القاعدة» جعل اليمن يتصدر عناوين الأخبار في الأسابيع الأخيرة. إلا أن الإرهاب ما هو إلا واحد من القضايا الصعبة التي ما زال يتعين على حكومة هذا البلد وشعبه معالجتها. والمجتمع الدولي، بما فيه المملكة المتحدة، عازم على تقديم دعمه لليمن. وبالتالي تجتمع اليوم 24 دولة ومنظمة دولية مع رئيس الوزراء علي محمد مجوًر في لندن لمناقشة التحديات التي تواجه اليمن.

يعتبر اليمن إلى حد بعيد أكثر الدول فقراً في العالم العربي. فمتوسط الدخل فيه يقل عن ألف دولار سنوياً، ونسبة البطالة40 في المئة. وموارد المياه تتقلص باضطراد، وإنتاج النفط في انخفاض سريع. وعلاوة على ذلك، فإن تعداد السكان سريع النمو بحيث من المتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2035.

قبل عامين كانت عائدات النفط تمثل ثلاثة أرباع الدخل الحكومي، لكن يتوقع البنك الدولي نضوب مصدر التمويل الحكومي هذا في غضون 10 الى 12 عاماً من الآن. وهذا يمثل مشكلة خاصة بالنسبة الى اليمن، فهو بلد يعتمد فعلياً على الواردات من المواد الغذائية، وتواجه حكومته صعوبات في توفير أبسط الخدمات الحكومية للمواطنين. كما أن ما يفوق نصف عدد اليمنيين بقليل فحسب يتمتع برعاية صحية، بينما أقل من نصف الذين يعيشون في المناطق الريفية لديهم ما يكفيهم من المياه.

لقد أجج عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي التوترات والصراعات التي تواجه الحكومة اليمنية صعوبات في مواجهتها. وربما يكون تنظيم «القاعدة» في اليمن قد احتل عناوين الأخبار في أوروبا وأميركا، لكن يتعين على الحكومة اليمنية إلى جانب ذلك أن تواجه حربا أهلية في صعدة، وحركة انفصالية في الجنوب.

ليست هناك حلول سريعة للمشاكل التي يواجهها اليمن، بحيث أن الحلول الوحيدة لمشاكله تتطلب التزاماً على المدى الطويل. وللمملكة المتحدة تاريخ طويل من العلاقات مع اليمن، ودعمنا لحكومته وشعبه كان بكثافة أكبر خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2007 اتفقنا على ترتيبات الشراكة لأجل التنمية على مدى عشر سنوات وبحلول عام 2011 سنكون قد انفقنا ما يفوق مئة مليون جنيه إسترليني، بهدف بناء قدرات الحكومة اليمنية، ومساعدتها في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي، وتوفير الخدمات وفرص العمل للمواطنين. ويعتبر ذلك في رأينا أفضل سبيل لمساعدة أفراد الشعب اليمني للحصول على أبسط الفرص التي يستحقونها، ومن شأن ذلك بدوره أن يساعد على معالجة دوافع عدم الاستقرار والصراع.

ويمثل لقاء لندن جزءاً من هذه الجهود الدولية الأوسع نطاقاً والأطول أجلاً. ويجمع هذا اللقاء بين حكومة اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي وشركاء أساسيين إقليميين ودوليين. والغرض من هذا اللقاء - بموجب ما اتفق عليه مع الرئيس علي عبدالله صالح - هو تناول ثلاثة أهداف:

الهدف الأول هو بناء إجماع دولي على طبيعة التحديات التي يواجهها اليمن. فبتضييق تركيزنا على التطرف والإرهاب - على رغم خطورة التهديد الناجم عنهما - فإننا نخاطر بعدم فهم أعراض المسببات. فإذا كان للدعم والمساعدة الدوليين أن يحققا أي فعالية، يتعين على أصدقاء اليمن فهم والمساعدة في علاج ليس المشاكل الأمنية التي يواجهها اليمن فحسب، بل كذلك المشاكل الاقتصادية والسياسية.

وبالتالي فإن الهدف الثاني هو بناء الزخم وراء أجندة الإصلاح السياسي والاقتصادي. وتقع مسؤولية معالجة هذه التحديات على الحكومة اليمنية أولا وقبل اي طرف آخر. إلا أن قدراتها ضعيفة وموازنتها مزعزعة. فمع نضوب النفط لدى اليمن ستجد الحكومة نفسها غير قادرة، وبشكل متزايد، على دفع الرواتب الحكومية المرتفعة ولا حتى تمويل دعم الوقود الذي يكلفها غالياً. وتنويع اقتصاد اليمن وزيادة دخله من الضرائب يعتبران ضروريين إذا ما كان للحكومة اليمنية أن تتمكن من الاستمرار في الخدمات التي تقدمها لشعبها، ناهيك عن تحسينها، وبالتالي معالجة انعدام الأمن والاستقرار.

وأخيراً، إذا كان يتعين على المجتمع الدولي دعم الرئيس علي عبدالله صالح بشكل فعال، فعلينا توفير موارد مناسبة وتحسين التنسيق في ما بيننا. إن اللقاء الذي نعقده اليوم ليس بمثابة مؤتمر لتقديم التعهدات، لكننا نأمل أن يركّز اهتمام الجهات المانحة الرئيسة. كما نأمل أن يتوصل اللقاء إلى اتفاق على خطوات لتحسين إنفاق أموال المساعدات التي تم التعهد بتقديمها بالفعل، وتعزيز التنسيق الدولي، ربما من طريق تشكيل «مجموعة أصدقاء اليمن». لأنه مثلما أن سياستنا تجاه اليمن لا تبدأ أو تنتهي بالإرهاب، فإن مساعدة المجتمع الدولي لليمن لا تبدأ أو تنتهي بهذا اللقاء في لندن.

إن المجتمع الدولي - بما فيه المملكة المتحدة - عازم على دعم اليمن، ليس فقط عندما يحتل عناوين الأخبار، ولكن أيضاً على المدى الطويل. والهدف في النهاية هو أن يكون اليمن بلداً مستقراً وآمناً وينعم بالاستقرار الاقتصادي، بلداً يمكنه حماية جميع أفراد شعبه وتوفير الخدمات لهم. وأولئك الذين يعرفون اليمن جيداً يعلمون أن تلك مهمة هائلة، لكننا نأمل أن يكون لقاء لندن خطوة مهمة في ذلك الاتجاه.

* وزيرا الخارجية والتنمية الدولية البريطانيان.

========================

ميتشل أو رفض الإذعان للمستحيل

الاربعاء, 27 يناير 2010

ادريان جولم *

الحياة

منذ خطواته الأولى، وصف عمل جورج ميتشل بـ «الوظيفة التي لا يحسد عليها». وغداة سنة على تعيين أوباما مبعوثه الخاص الى الشرق الأوسط، لم يكذب ميتشل التوقع القاتم والمتشائم هذا. ففي أثناء السنة المنصرمة، لم تسفر عشرات الرحلات واللقاءات والمحادثات في عواصم البلدان الاقليمية الى شيء يذكر والنزاع الاسرائيلي - الفلسطيني يبدو عصياً على الحل، على ما كان إن لم يكن أسوأ. ولكن ميتشل غير محبط. فشيخ ولاية ماين الديموقراطي سابقاً هو وارث حربين أهليتين من أطول حروب القرن العشرين الأهلية: الحرب الإرلندية من طريق أبيه، والحرب اللبنانية من طريق أمه. وهو على يقين من بلوغ الحروب كلها الحل وانقيادها لحل.

وهو يقول: «الحروب يصنعها بشر، وهم يقودونها ويغذّونها، وهي تنتهي على أيديهم. فحرب من غير حل أو خاتمة غير موجودة». وبين باريس وبروكسيل وبيروت والقاهرة ورام الله وعمان والرياض... يحدو هذا اليقين الشيخ البالغ 77 عاماً والعالي الهمة. وهو يعتقد أن مهمته لم تفشل. والسبب في اعتقاده أن الإدارة الحالية هي أول إدارة صرفت اهتمامها وعنايتها، منذ اليوم الأول، الى المسألة الإسرائيلية - الفلسطينية، على قوله الى الشبكة الأميركية بي بي إس. ويذكّر بأن أوباما دعاه الى البيت الأبيض بعد يومين من تنصيبه، وطلب اليه السفر الى الشرق الأوسط مساء يوم اللقاء.

وطريقة ميتشل تلخصها لفظة واحدة هي المثابرة. «حل السلام ارلندا الشمالية 800 عام بعد استقرار البريطانيين هناك. والذين يحسبون أن في الوسع حل مسألة تعود الى ما قبل، يخطئون الظن». وعندما عينه كلينتون، في 1995، مبعوثه الخاص الى ارلندا الشمالية، كان نزاعها آخر نزاع أوروبي عصي. وأخفقت مساعي إنهاء ثلاثين عاماً من «الاضطرابات» الدامية، الناشبة بين البروتستانت والكاثوليك، كلها، وتعثرت بمشاعر الحذر والكراهية العميقة.

وانتهج ميتشل في مسألة ارلندا الشمالية نهجاً متدرجاً. والمرحلة الأولى هي الاستماع بانتباه الى مطالب الطرفين. والمرحلة الثانية هي دعوة الطرفين الى التواضع على قواعد أساسية يلتزمانها. والمرحلة الثالثة تقتضي التزامهما موعداً نهائياً لختام المفاوضات، وإقرار وثيقة مشتركة يخرج منها نص المعاهدة المزمعة، على أن يحصل هذا على حدة من الإعلام ما أمكن. وأفلح ميتشل، على خلاف التوقع العام بفشله، في توقيع الطرفين الإرلنديين، يوم الجمعة الحزينة في 1998، الاتفاق الذي طوى النزاع. «ما تعلمته في ارلندا الشمالية هو أن (لا) الأولى ليست الكلمة الأخيرة، ولا (لا) الثانية، ولا (لا) للمرة المئة».

وأوفد كلينتون ميتشل الى الشرق الأوسط في ختام ولايته الثانية، في العام 2000، وكانت الانتفاضة الثانية دمرت عملية السلام التي ابتدأت في أوسلو. ونبه تقريره يومذاك على مشكلة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية. وغداة 9 أعوام، تفاقمت خطورة المشكلة. فالمستوطنات توسعت في الضفة الغربية، وانقسم الفلسطينيون كيانين متعاديين.

وحكومة نتانياهو الجديدة أضعف ميلاً من سابقاتها الى الانسحاب من الأراضي المتنازعة. والى اليوم، رفض الطرفان دعوة ميتشل الى استئناف المفاوضات، وحمّل واحدهما المسؤولية عن الانسداد الى الآخر. ويبدو أن اشتراط الأميركيين عدم الاستيطان عقّد المشكلة فوق تعقيدها الأول. وأعقب تردد نتانياهو وتملصه التزامه التعليق عشرة أشهر. ولم يرض الاقتراح أحداً. ويصر محمود عباس على التجميد الكامل قبل العودة الى المفاوضات. ويردد نتانياهو أنه فعل أقصى ما يمكنه فعله.

ويقول ميتشل: «حصلنا على تعليق 10 أشهر، وهذا أقل ما أملناه، ولكنه أكثر مما سبق أن تعهدته حكومة اسرائيلية من قبل». وفي الأحوال كلها، فابتداء مفاوضة هو على الدوام أصعب من ختامها. وهو عازم على الاستفادة من التعليق في سبيل انتزاع اتفاق على حدود الدولة الفلسطينية القادمة. ويلوّح للمرة الأولى باللجوء الى اجراءات قهرية: «في جعبتنا الجزرة والعصا». ويلمح الى الضمانات المصرفية التي تقدمها الولايات المتحدة الى اسرائيل. ويقر بوجوب استعمالها بحذر. وهذا تنبيه الى أن الولايات المتحدة عازمة على استعمال الوسائل كلها في حل أكثر ملفات العلاقات الدولية تعقيداً وتشابكاً. وهو على يقين من أن الحل في ختام سنتين «عسير ولكنه غير ممتنع».

* مراسل الصحيفة في القدس المحتلة، عن «لوفيغارو» الفرنسية، 14/1/2010، إعداد و.ش.

========================

الجاذبية التركية

آخر تحديث:الأربعاء ,27/01/2010

فيصل جلول

الخليج

يرحب الرأي العام العربي يوماً بعد يوم بالموقف التركي في مواجهة الكيان الصهيوني . وتزداد شعبية رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في كل مرة ينهر فيها ممثلاً “أسرائيلياً” في ملتقى دولي أو يؤنب مسؤولاً آخر إثر ضربات عسكرية في غزة أو يطلب اعتذاراً صهيونياً علنياً جراء إهانة لحقت بسفيره لدى “الكيان” أو يحذر من التعرض العسكري لإيران . ويتصاعد التأييد العربي لتركيا عندما تتقارب مع سوريا وتلغي التأشيرات لمواطني عدد من الدول العربية أو عندما تقول لا لغزو عسكري جديد في الشرق الأوسط وتمانع الدولة الاعظم في العالم في عدد من القضايا المتصلة بالمنطقة جريا على موقفها من الحرب على العراق عام 2003 .

 

وتشهد تركيا تظاهرات متلاحقة مؤيدة للقضية الفلسطينية . وتنتج القطاعات الفنية في هذا البلد اعمالاً جريئة مناهضة للكيان الصهيوني وتلغي حكومة أردوغان مناورات عسكرية وتستبدلها بأخرى مع سوريا ولا ينحصر الموقف التركي في الدفاع عن القضية الفلسطينية فهو يطال أيضاً العراق حيث يصر الأتراك على وحدة أراضي هذا البلد ورفض الانفصال الكردي ويعبّرون عن تأييدهم المطلق للوحدة اليمنية وبناهضون الانتهاكات “الإسرائيلية” للاراضي اللبنانية . . الخ . كل ذلك يلهب الرأي العام العربي الذي صار أشبه بالصبية المغرمة التي تقول لشريكها في لحظة تجل يمكنك الآن أن تقول لي أي شيء فاصدقه من دون تحفظ أو شك .

 

والملفت في هذا المسار السياسي الطارئ أنه طوى خلال فترة زمنية قصيرة صفحات أليمة ظلت مفتوحة لعقود طويلة بين العرب والأتراك وهي مستمدة من مخلفات السلطنة العثمانية ومن الحرب العالمية الأولى والغاء الخلافة الإسلامية وما تخللها من دعاوى التتريك والعلمنة والرد عليها بسياسات التعريب والتشدد القومي العربي وما رافقها من خلافات حدودية ومائية مع سوريا والعراق .

 

والثابت في هذا المسار التركي أنه ليس مبنياً على قطيعة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ولا يرمي إلى قطع العلاقات مع “إسرائيل” ولا يعني كما يزعم البعض أن انقرة أدارت ظهرها لأوروبا أو أنها ترد على العقبات التي تعترض اندماجها الأوروبي بالاندماج الشرق أوسطي . ولا يمكن ربطه جوهرياً وحصرياً بالتيار الإسلامي الناهض في هذا البلد رغم أهمية الإسلاميين وجرأتهم وحيويتهم في انتهاج سياسة خارجية قومية تصالحية مع المحيط التركي المفتوح على فضاءات استراتيجية عديدة ومتنوعة ومهارتهم في الدفاع عن مصالح بلادهم حيثما تكون وبالوسائل المناسبة لهم .

 

وينسى الذين يتحدثون عن انتقال السياسة الخارجية التركية من التحالف الوثيق مع الغرب إلى الشرق الأوسط أن انقرة ما برحت عضواً فاعلاً ومؤسساً للحلف الأطلسي وأنها جزء لا يتجزأ من هذا الحلف الذي يدير الحرب في أفغانستان وتشترك في القوات الدولية في لبنان ذات الغالبية الأطلسية وهي ملتزمة بالسقف الأطلسي الذي يحكم علاقتها مع الولايات المتحدة والغرب . ولا ينتبه هؤلاء إلى أن الانفتاح التركي على العالم العربي هو جزء من انفتاح أكبر يطال المحيط التركي برمته من روسيا على البحر الأسود إلى إيران وبلغاريا وجورجيا وأذربيجان وارمينيا وقبرص واليونان .

 

والواضح أن الجاذبية التي تتمتع بها تركيا لدى الرأي العام العربي ناجمة أيضاً عن تلكؤ الدول العربية عن الاضطلاع بالقضايا العربية المركزية وضعف إرادتها في مواجهة التحديات التي تواجه العرب . فعندما يغيب المحور العربي من الطبيعي أن يحضر غيره، وعندما تتخاذل الجامعة العربية وتمتنع عن سحب مبادرة السلام بعد طول إهمال واهانة “إسرائيلية” فمن الطبيعي أن تتحول مشاعر الرأي العام العربي نحو طرف مسلم يجرؤ على الصراخ بوجه الغطرسة الإسرائيلية ويقول لقادة إسرائيل ما لا يجرؤ بعض العرب على قوله .

 

ربما على العرب المهتمين بصعود الدور التركي في فضائهم وفي فضاءات إقليمية أخرى أن يدركوا أن هذا الدور بني طوبة طوبة على الشراكة مع أصحاب القرار في هذا العالم وليس على التبعية لهم فالشريك وليس التابع يمكنه أن يقول لصاحب القرار أريد هذا ولا أريد ذاك هنا مصالحي وهنا مصالحك ولكل الحق بالدفاع عما يخصه . ويمكن للشريك وليس التابع الصراخ بوجه القوي من موقع الند ويرسم له الحدود بين ما ينبغي وما لاينبغي . والشريك وحده يمكنه ان يحمي مصالحه وأمنه ومستقبل شعبه في عالم تسوده الذئاب .

 

قبل خمسة قرون تولى الأتراك شؤون العالم الإسلامي ومن ضمنه العالم العربي وقد تم لهم الأمر بعد قصور العرب عن تولي شؤونهم وإيكالها لمماليكهم وها هم الأتراك بعد خمسة قرون يرفعون صوتهم عالياً بعد احتلال العراق وتمادي الصهاينة في إهانتنا والعبث في منطقتنا ويقولون لمن يرغب: الشرق الأوسط ما كان ولن يكون فضاء مشرعاً إلى ما لا نهاية للعربدة الصهيونية .

========================

السعي لإعادة اتساق العلم مع الواقع

المستقبل - الاربعاء 27 كانون الثاني 2010

العدد 3550 - رأي و فكر - صفحة 19

مراجعة: هاشم دبس

ترتبط وظيفة العلم في الحضارة الإسلامية وتتحدد بحسب فائدته في إقامة المجتمع على وجه العموم وتحقيق الأهداف الأخلاقية على وجه الخصوص، لذلك فالعلوم التي ازدهرت في تلك الحضارة والمتمثلة في علوم الفلك والرياضيات والجغرافيا والطب كان لها علاقة بتحقيق المبادئ الدينية والأخلاقية.

وإذا كانت النظرة العربية الإسلامية، تطرح مفهوم المعرفة كما كانت تطرحها مسيرة العلم في أوروبا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر والتي تحولت بعد ذلك إلى دراسة العلم والفلسفة والمنطق لذاته، نرى أن مسيرة العلم وتطورها في الإسلام ظلت تعتمد على الدور الشرعي لرجل العلم في سياق الآراء الدينية السائدة وفي الإطار الشرعي المسموح به في التشريع الإسلامي.

عنى تطور العلم عند العرب وتقدمه بدرجات متصاعدة من الاستقلالية، والبعد من الالتزام بالنظرة الإسلامية ـ العربية إلى العالم، وتحوله إلى حالة العلم الحديث، التحول إلى نظرة جديدة للعالم تعتمد الحتمية الكاملة ووجود قوانين شاملة تحكم العالم، والتحول من السببية الاحتمالية الى نسبية الحتمية. ونتيجة عدم الاتساق بين هذه النظرة والتطورات العلمية على أرض الواقع بفعل التناقض ضمن الحضارة الواحدة توقف العلم العربي وبدأ التراجع.

إذا كان العلم العربي قد حقق بعض العناصر العلمية الحديثة وكان له الأثر في ظهور العلم الحديث في الغرب، فهذا يدعو الى التساؤل لماذا لم يتابع العرب السير حتى الثورة العلمية الحديثة والتي لم تكن تتطلب أكثر من نماذج رياضية؟..

ثمة سبب حقيقي لتوقف مسيرة العلم، في رأي الباحث، يكمن في مشكلة عدم الاتساق، فعلى مستوى الاعتقادات الأساسية مثل الموضوعية وحدود المعرفة وقضية العلم، ظل الفكر الإسلامي متحفظاً إزاءها ووضع العلم في حدود الدين، فالمعرفة الدينية هي الأسمى والمعارف العلمية يجب أن تتبعها.

أرجع المفكر توبي هاف، توقف مسيرة العلم العربي إلى عناصر مذهبية تتمثل في المعارضة المذهبية لتطور العلم، وعناصر بنيوية تتمثل في الاقتصار على التعليم الفردي وغياب المؤسسات، والارتباط بمركزية الحكم والاستبداد السياسي وغياب الحرية الكاملة للبحث العلمي، نتيجة للمحاذير الدينية الإسلامية.

وقد ساهمت ثلاث محاولات خاصة في الانتاج العلمي.

أولاً، جاءت محاولة ابن رشد للمزاوجة بين الفكر الصوري اليوناني والفكر الديني الإسلامي في صورة حقيقتين مستقلتين منفصلتين أو حقيقة نهائية واحدة يمكن الوصول اليها بواسطة منهجين مستقلين منفصلين.

كان واضحاً في عصر ابن رشد أن العلم يتجه الى الحتمية الطبيعية باعتبارها مرحلة ضرورية كنتيجة لشروط موضوعية في طبيعة العلم وكان معنى ذلك هو التزايد المستمر في عدم الاتساق بين النظرة العربية الإسلامية والنظرة الحتمية الطبيعية الناشئة لذلك وجد ابن رشد أنه من اللازم أن يقدم محاولته في تحقيق الاتساق بين النظرتين. فكانت نظريته في الحق الواحد عن طريقين ومنهجين والتي هي في حقيقتها نظرية في ازدواج الحقيقة.

أما ابن خلدون، ثانياً، فقد حاول أن يقدم منهجاً جديداً لمعالجة البحث التاريخي، وفي الوقت نفسه محاولة لتقديم علم جديد هو علم العمران ودراسة المجتمعات البشرية على أسس من العقلانية. ولما كان ابن خلدون يعتمد الحتمية في تفسيره للتاريخ والمجتمع والتي تناقض النظرة العربية الإسلامية الى الواقع، جاءت محاولته تعبيراً عن محاولة الاتساق بينهما، فهو من الزاوية العلمية يضع المجتمع الإنساني في إطار من العلمية الحديثة كما يبدو في مقدمته.

وعلى الرغم من النظرة الحتمية الطبيعية لشؤون الاجتماع الإنساني والظواهر الاجتماعية فإنه في مكان آخر في المقدمة يضع إدراك الغيب في سياق نظرته العلمية للاجتماع الإنساني، ما جعله عرضة للنقد من أكثر من جهة.

يقول الجابري: إن ابن خلدون أراد أن ينشئ علماً جديداً بمفاهيم قديمة، ولم يكن ذا منهج تجريبي بالمعنى الحديث للكلمة، لأن المنهج التجريبي إنما قام على أنقاض المفاهيم الأرسطية وكل القوالب القديمة التي حلت محلها مفاهيم جديدة تماماً انطلاقاً من غاليلو.

اعتمد ابن خلدون على مناهج عدة في الوقت ذاته، وهو لم ينجح كونه لم يعتمد الحتمية الطبيعية بشكل كامل التي تمثل جوهر الفكر العلمي الحديث.

وفي سياق تحقيق الاتساق بين العلم والنظرة العربية ـ الإسلامية قام الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ثالثاً، بتأسيس مفهوم الإعجاز في القرآن الكريم كمفهوم ديني مستقل، ثم قام على الجانب الآخر بتأسيس علم جديد لم يكن موجوداً سابقاً هو علم النظم. وفي هذا العلم استخلص الصورة التي تترابط بها الألفاظ بشكل سببي حتمي لتنتج المعنى واستبعد من مفهومه للنظم كلاً من البعد المجازي (الفني) والبعد الديني (الإعجاز) بشكل تام فأصبح لديه قضيتان منفصلتان تماماً هما قضية الإعجاز كمفهوم ديني وقضية المعنى كمفهوم علمي لغوي.

وفي ضوء التحولات الفكرية التي شهدها العصر الحديث، والتي فرضت المشاركة الإيجابية في كل الثقافات المعاصرة قام رعيل من المفكرين الذين درسوا في الغرب بتأسيس النهضة العربية المرتكزة على التطور العلمي ومعارف العلم الحديث ومن هؤلاء شبلي الشميل، فرح أنطون، سلامة موسى وغيرهم والذين دعوا الى نظرة واقعية وعلمية ومادية للعالم واعتماد العلمانية كنظام سياسي وفصل الدين عن الدولة.

[ الكتاب: العلم والنظرة العربية إلى العالم (التجربة العربية والتأسيس العلمي للنهضة)

[الكاتب: سمير أبو زيد

[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2009

========================

لماذا يدافع الامريكيون عن ديمقراطية مغشوشة؟!

خضير بوقايلة

27/01/2010

القدس العربي

الحكومة العراقية لا تريد بعثيا واحدا في البرلمان القادم ولا في أية مؤسسة رسمية أو أهلية في العراق، فالبعث شيطان رجيم يجب أن لا يبقى له أثر ولا ذكر في عراق الغد، عراق العهد الديمقراطي التحرري. أكثر من 500 شخصية عراقية شطبها جهاز استئصال البعث والبعثيين من قائمة المرشحين للانتخابات البرلمانية المقبلة في العراق بحجة انتمائهم السابق إلى النظام الصدامي البائد الممثل في حزب البعث. هذه هي الديمقراطية في بلاد العرب، كلما حكمت أمة لعنت أختها وحاربتها كما يحارب العدو عدوه بل أشد، صدام حسين أقصى كل من يخالفه الرأي وحارب بكل ما أوتي من سلاح وجبروت كل من حاول النشاط خارج مظلة البعث، ثم ها هم خلفاء الحكم الراشد في بغداد يحاولون أن يذيقوا البعثيين من نفس الكأس التي تجرعوها أيام الديكتاتورية الصدامية. هيئة المساءلة والعدالة المنبثقة عن هيئة اجتثاث البعث أصدرت قائمة بأسماء الممنوعين من الترشح للانتخابات مع أنها هيئة مشكوك في شرعيتها وأهليتها بشهادة رئيس الجمهورية العراقي جلال الطالباني نفسه.

هل تريد الحكومة العراقية تنظيم انتخابات ديمقراطية ونزيهة فعلا أم أنها ترفض التفريط في الحكم الذي تسلمته من قوات التحالف وهي تخشى أن يخرج عليها شبح صدام من قبره ذات يوم؟ لا أحد يمكن أن يلوم النظام الحاكم في العراق على تشديده وإصراره على إقصاء البعثيين من الحياة السياسية العامة لو أنه عرف قدره واعترف أنه نظام لا يختلف عن باقي أنظمة حكام الجمهوريات العربية الشعبية والديمقراطية، لكنه عكس ذلك يحاول أن يُفهم العالم أن الديمقراطية العراقية هي رديفة الديمقراطية الأمريكية والناس فيها هم الذين يختارون بكل حرية حكامهم ومن يمثلونهم في مختلف المؤسسات الرسمية. لكن الواقع يعاكس ذلك تماما ويدفع العراقيين إلى أن يشهدوا الزور ويختاروا ممثليهم من ضمن قائمة اختارتها الحكومة سلفا، تماما كما تفعل حكومات عربية أخرى في الجزائر ومصر وتونس وسورية والقائمة طويلة.

صدام حسين وحزب البعث الذي كان يتستر وراءه لارتكاب آثامه على الشعب العراقي قد يكونان نسيا منسيا في ذاكرة العراقيين نظرا لأن لا أحد يتمنى أن يعود العراق إلى ذلك العهد المظلم، لكن هذا لا يمكن أن يبرر بأي حال الممارسات الحكومية الإقصائية. البعث لم تعد له قوة وحشود تسمح له بتزوير الانتخابات أو ترهيب العراقيين لكي يمنحوه أصواتهم، لكن مع ذلك إذا أفرزت صناديق الاقتراع أغلبية تنتمي إلى هذا الحزب أو موالية لنظام صدام حسين فإن ذلك لا يمكن إلا أن يعبر عن أمرين لا ثالث لهما، إما أن العراقيين يريدون فعلا أن يُحكموا بقوة الحديد والنار وأن يأتيهم واحد من أشباه صدام لحكم العراق، وإما أن الحكومات المتعاقبة في ظل الاحتلال هي أنكى وأمرّ من حكومة صدام والشعب صار مضطرا لأن يختار الأخف ظلما واستكبارا وتعسفا وإقصاء.

أما إذا صدقنا ما تقوله الحكومة وكثير من الموالين لها من أن البعث انتهى ولم يعد له وجود ولا مستقبل في المشهد العراقي الجديد، فلماذا إذن لا يُسمح للبعثيين أو حتى للمحسوبين على نظام صدام حسين بالترشح ليتأكدوا من جهة أن الحكومة هي فعلا حكومة ديمقراطية وأنها من طينة الديمقراطية الأمريكية فعلا، ويتثبتوا من جهة ثانية بأن العراقيين لم يعودوا يرغبون لا في البعث ولا في أي شخص يذكّرهم بحقبة صدام حسين العبثية. السفير الأمريكي في بغداد كريستوفر هيل أكد هو أيضا في تصريحات نقلت عنه أن (حزب البعث مات ولم يبق له وجود وليس هناك أي احتمال لعودته إلى السلطة)، لكن الأمريكيين كانوا أكثر ذكاء عندما دعوا حكومة بغداد إلى نبذ الأساليب الإقصائية التي ميّزت فترة حكم صدام حسين وطلبوا منها تنظيم الانتخابات القادمة من دون السماح لهيئة المساءلة والعدالة بالتدخل وإقصاء المرشحين البعثيين أو المحسوبين على البعث، وقد كانت تلك أصل المهمة التي قادت جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي إلى بغداد قبل أيام.

تدخل الأمريكيين على خط محاربة الحكومة لحزب البعث قد يحمل تأويلا آخر غير ذلك الذي يفيد أن إدارة الرئيس أوباما تريد أن تكون الحكومة العراقية مثالا للعرب في الحكم الديمقراطي وأن يقود العراق الحديث قاطرة الحكم الراشد في العالم العربي، فالدفاع الأمريكي عن بقايا البعث أو بعض رموز العهد البائد قد يكون التزاما بصفقة سرية بين الأمريكيين وهؤلاء المقصيين مقابل خدمات سيقدمونها حفاظا على الأمن العام في العراق أو لخدمات سبق لهم أن قدموها وكان من نتائجها سقوط بغداد وانهيار نظام صدام حسين بطريقة هوليوودية.

أما ترديد الحكومة العراقية رفضها أي تدخل أجنبي في تسيير شؤون البلد الداخلية فإنه لا بد أن يبقى في خانة الكوميديا السوداء التي تضحك المرء من شدة البكاء. ذلك أن التدخل الأجنبي لم يترك ركنا من أركان البيت العراقي إلا دخله والنظام العراقي القائم هو أول نتائج هذا التدخل الأجنبي مثلما أن محاولات إقصاء البعثيين هي نتيجة تدخل أجنبي آخر ليس أمريكيا بالضرورة.

' كاتب وصحافي جزائري

========================

سنة أولى إسرائيلية مع باراك أوباما: أهل النظام العربي يستدعونه لاحتلال بلادهم!

طلال سلمان

السفير

27-1-2010

ليس هناك ما يستحق الاحتفال، عربياً، لمناسبة الذكرى السنوية الأولى لتسلم باراك أوباما سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية... بل ان الذين بالغوا في الرهان على الرئيس الأسمر الذي تخالط دماءه بعض الجذور الأفريقية ـ الإسلامية قد تشاغلوا عن الحفاوة بهذه الذكرى وتركوها تمر باهتة، باردة، فيها من خيبة الأمل أكثر مما فيها الابتهاج بتحقق الوعد بالإنجاز.

قبل أن ينتهي العام الأول على أوباما رئيساً كانت الأحلام بالتغيير في السياسة الأميركية تجاه القضايا العربية عموماً، والقضية الفلسطينية، وهي الأساس والجوهر، قد انطفأت مخلّفة مرارة كثيفة.

عاد البيت الأبيض ـ مرة أخرى ـ ليتبنى الموقف الإسرائيلي، متذرعاً، كالعادة، بضغوط اللوبي الإسرائيلي على إدارته، خصوصاً أن هذا اللوبي قد اخترق أسوار البيت الأبيض وفرض على الرئيس بعض أركانه الذين صاروا يملون عليه سياسته إزاء «النزاع في الشرق الأوسط»، تماماً كما على الذين من قبله.

لكن «النظام العربي»، وكأي تاجر مفلس، استمر يراهن على تحولات قدرية قد تطرأ ... ثم تقدم خطوة أخرى فبدأ يعدل في أسلوب المقاربة، ثم في جوهر المطالب ذاتها، لعله يساعد هذا «الرئيس الطيب» في معركته ضد «الأشرار» الذين حاصروه، وأخذوا يفرضون عليه التراجع عما تعهد به في خطب علنية وفي مناسبات تاريخية!

تناسى أهل النظام العربي كل ما سمعوه في خطب «رئيس التغيير» الذي اكتسح الانتخابات الرئاسية، وحقق فوزاً باهراً، وأحدث خرقاً تاريخياً في النظام الذي لم يبرأ تماماً من لوثة العنصرية، واندفعوا يحاولون مساعدته بأن يقدموا له المزيد من التنازلات عن حقوقهم في أرضهم حماية لأنظمتهم المتهالكة والتي لا تملك بديلاً من دعم «الأخ الأكبر» في واشنطن.

نفضوا رؤوسهم فأسقطوا من ذاكرتهم التعهدات التي أطلقها من اتهم بأنه «الرئيس المسلم»، وتجاوزوا ما سمعوه منه مباشرة، سواء في خطب علنية، وفي محطات فاصلة، كمثل خطابه الذي جاء الى القاهرة خصيصاً لكي يلقيه من جامعتها (بعدما اعتذرت السعودية عن عدم المساح له بأن يطلق نداءه منها)، وأسقطوا ايضاً ما كانوا قد سمعوه منه مباشرة، في جلسات مغلقة، ثم ما أعلنه على شكل «مسودة مبادرة» تنطلق من انتزاع تسليمهم بإسرائيل بدولة يهود العالم مقابل وعد غامض بالمساعدة على أن يكون للفلسطينيين «دولة ما» على بعض البعض من أرضهم، على أن تشطب «القضية» تماماً، فيعيش الشعب صاحب الأرض كرهينة وحرس حدود لدولة الاحتلال المحصنة بالدين وبالسياسة معاً، باعتبارها أساس المصالح الغربية والاستراتيجية الأميركية في المنطقة التي كانت عربية وصار ضرورياً تجهيل هويتها لتغدو «الشرق الأوسط».

أولى «الهدايا» التي قدمها أهل النظام العربي تمثلت في إسقاطهم «المبادرة العربية» التي هدد مطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز، ذات قمة، بأنها «لن تبقى على الطاولة الى الأبد»... وهكذا تقاطرت وفودهم الى واشنطن ليقدم كل منها تنازلاً جديداً،

تكفي مراجعة بسيطة للتصريحات التي أطلقها بعض رموز النظام العربي، مباشرة على ألسنة حاملي رسائله، لتبين حجم التراجع المخزي عن النصوص الحمالة الأوجه التي صيغت بها «المبادرة العربية» بتدخل أميركي مباشر.

أما تصريحات وزيرة خارجية «رئيس التغيير» السيدة هيلاري كلينتون فقد تجاوزت الاستفزاز الى الإهانة الجارحة والمباشرة، في الأيام القليلة الماضية، وحين طالبت أهل النظام العربي بالتحدث مباشرة مع الإسرائيليين، معتبرة أن الإدارة الأميركية قدمت ما عندها وأنها لا تستطيع أن تفرض على إسرائيل ما يهدد أمنها، متراجعة عن كل وعود «الرئيس الأسمر» وتعهداته، بل حتى عن تعهدات سلفه جورج .و. بوش بوقف الاستيطان كشرط لكي يبقى للفلسطينيين من أرضهم الوطنية ما يكفل إقامة دويلة ما، ستكون ـ في أحسن الحالات ـ محمية إسرائيلية ودورها الفعلي أن تكون «حرس حدود» لدولة يهود العالم فوق أرض فلسطين العربية، أو التي كانت عربية.

وأما الموفد الخاص ذو الابتسامة البلاستيكية جورج ميتشل فيواصل جولاته ليجمع التنازلات العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً، في ظل الانقسام الخطير بين «السلطتين»... وها هو يختتم التاسعة برفض إسرائيلي لكل تلك التنازلات. وغداً قد يأتي موفد جديد ليبدأ منها... ولا قضية!

لقد ذهب كل من أهل النظام العربي بهمومه ومخاوفه داخل بلاده... وبديهي والحالة هذه أن يعطي إسرائيل ـ عبر واشنطن ـ من القضية التي كانت مقدسة لكي يعود بما يطمئنه على دوام تسلطه على شعبه، ودائماً بذريعة انه انما يقوم بدوره في حماية المصالح الأميركية (والغربية) في المنطقة، وأهمها وأخطرها: إسرائيل!

توالت التنازلات العربي فكان منطقياً أن يتعاظم الرفض الإسرائيلي لما كان بعض الحكومات الإسرائيلية، قبل نتنياهو ـ ليبرمان، قد أظهرت استعداداً لمناقشته، دائماً مع واشنطن وليس مع أصحاب الشأن.

ومع تنصل إدارة «الرئيس الأسمر الذي تجري في عروقه الدماء الإسلامية» من تعهداتها، بات منطقياً أن يتحول نتنياهو الى الهجوم، وأن يجاهر برفض مبدأ الدولتين، وأن يمضي قدماً في بناء المزيد من المستوطنات لاستقدام المزيد من المستوطنين الذين باتوا الآن قوة ضغط مؤثرة وفي الوقت ذاته ذريعة جاهزة لتبرير رفض التنازل أو الخوف من الإقدام على استفزازهم... فهم الآن «الصوت الوازن والمرجح» في أي انتخابات إسرائيلية... أي انهم صاروا ـ بكل تطرفهم ـ صانعي السياسة الإسرائيلية ومقرريها، ونفوذهم يمتد الى قلب البيت الأبيض بعدما اضطر الرئيس أوباما الى قبولهم فيه، والتخلي عمن وضع اللوبي الإسرائيلي الفيتو عليه فاستحال أن يكون الى جانب صاحب القرار، ولو كمستشار.

لقد أدركت إسرائيل ما لا يحب أن ينتبه إليه أهل النظام العربي: ان الولايات المتحدة الأميركية متورطة في حروب استعمارية مكلفة، أخطرها في أفغانستان، وهي تنذر بالتمدد الى باكستان التي تعيش حالة اضطراب خطير تنذر بتفكك كيانها الذي أنشأه الاستعمار البريطاني، لأغراض تخصه ولا علاقة لأهلها بها، بل كانت رداً على انتصار الوطنية الهندية بالقيادة الفذة للمهاتما غاندي.

إن أعباء الحرب الأميركية على شعب أفغانستان، تتعاظم كلفة، بالأرواح والمال، ومعظم حلفائها أخرجوا عسكرهم أو هم في الطريق الى إخراجهم من الميدان، رافضين أن يتكبدوا التضحيات الجسام من أجل حكم عميل أقيم بالزور ويستمر بالتزوير المفضوح، وعلى حساب حياة أبناء شعبه وحقهم في الحياة..

ثم ان الاحتلال الأميركي في العراق الذي استطاع لفترة أن يشغل القوى السياسية العراقية عنه بخلافاتهم وصراعاتهم على السلطة وعلى الثروة خلال السنوات القليلة الماضية، مهدد بأن يواجه تفجر الأوضاع مجدداً بين معظم من نصّبهم حكاماً، لتمويه هيمنته على القرار.

ها هي السنة الأولى من ولاية أوباما تنتهي بنكسة سياسية خطيرة في الداخل، فيخسر حزبه مقعد آل كنيدي (التاريخي) في ولاية ماساشوستس، وينتصر عليه الحزب الجمهوري.

وها هم العسكر (وعلى رأسهم المخابرات) يقررون سياسته الخارجية، فيضطر الى زيادة قواته في أفغانستان، بينما يرفض حلفاؤه المضي في هذه المغامرة الدموية الى النهاية.

ولان الحرب مفتوحة وفي أرض يرفض شعبها قوات الاحتلال، فإن العسكر سيستمرون يطالبون بمزيد من القوات، وبالتالي بمزيد من الإنفاق الثقيل الوطأة، وهكذا يتحول «الرئيس الأسمر بجذوره الإسلامية» الى رهينة في يد الجنرالات وأجهزة المخابرات، هذا إذا اعتبرنا انه يرفض مطالبهم بل إملاءاتهم، ويمضي في حروب الإبادة ضد شعبين في دولتين إسلاميتين.

إن الجيوش الأميركية تقاتل شعوباً وأمماً في دول بعيدة جداً، لم تكن معادية بالسليقة للولايات المتحدة.

أما في بلادنا فإن الاحتلال الإسرائيلي وحده من يحق له أن يحتفل بانتصاره على الرئيس الذي كان وعداً فتحول الى رهينة.

إن أهل النظام العربي يحتمون بالإدارة الأميركية لكي تحميهم من شعوبهم.. وما دامت إسرائيل شريكتها ووكيلتها في المنطقة فهم بحاجة الى ضمان بألا تحرجهم إسرائيل لا بالقتال، أي بإذلالهم أمام شعوبهم، ولا بفضح خيانتهم للشعب الفلسطيني.

إنهم يكرهون شعوبهم. يتمنون لها الذلة والانكسار لتظل خاضعة خائفة لا تهتم إلا بلقمة العيش.

إنهم يريدون إسرائيل حليفاً، ولكن تحت غطاء أميركي. وهم يضخمون الخطر الإيراني لكي يبرروا طلب الحماية الأميركية و«التحالف» مع إسرائيل. بل إنهم يسلمون إسرائيل قرار المنطقة، متذرعين بإيران، بالقاعدة، بالأصولية لطلب الحماية.

فهل يجوز بعد هذا كله أن نستغرب تعاظم قوة التيارات الإسلامية، سواء منها الأصولي أو الإرهابي، ونزولها الى الميدان بالسلاح، بما يهدد بعض أهل النظام العربي الذين يهرولون الى واشنطن طالبين بإلحاح أن تتفضل بإرسال قواتها لاستعمارهم حتى لا تنتصر «القاعدة» على مركز الديموقراطية في الكون، الولايات المتحدة الأميركية التي يحكمها الآن رئيس تجري في عروقه دماء افريقية مطعمة بشيء من الإسلام الموروث.

إن أهل النظام العربي يعودون بشعوبهم قرناً كاملاً الى الخلف.

الطريف أن الاستعمار يتمنع عن العودة ويحاول تفاديها بأن يعطيهم السلاح، وبأن يبعث بطائراته لتغير على شعوبهم فتقتل عشوائياً من سيباهي النظام بالانتصار عليهم والقضاء عليهم بوصفهم إرهابيين.

هل نقول: الى العام الثاني من ولاية أوباما الذي يتحول من «أمل للشعوب» كما وصفه بعض السذج الى كابوس أميركي جديد؟!

لقد أورثه جورج بوش حربين ومجموعات من الاشتباك بالسلاح مع العرب والمسلمين، وها هو يتابعها جميعاً.

سنة حلوة يا أسمر يا جميل!

[ تنشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية

========================

شتاء ساخن وصيف حار

آخر تحديث:الأربعاء ,27/01/2010

ميشيل كيلو

الخليج

لا أتذكر متى سمعت هذا المصطلح لأول مرة  . أعرف أنني لم أعش يوماً واحداً من دون أن يطرق مسامعي، وأنه كان على الدوام واحداً من أكثر المصطلحات ترداداً في لغة السياسة العربية، التي واكبتها بدرجات مختلفة من الفهم، منذ خمسينات القرن الماضي، وأقلعت عن تصديق كلمة واحدة مما تقوله، منذ حرب حزيران/يونيو عام 1967 .

 

لم يمر عليّ، خلال هذه الحقبة المديدة، شتاء واحد إلا وكان ساخناً . ولم أعرف صيفاً واحداً لم يكن حاراً . ومع أن الصيف لا يكون عندنا بارداً بل حاراً، فإن لغتنا السياسية زجت به في تنافس حراري مع شتاء ساخن، وأخذت تكرر صفته هذه بتلذذ . بينما ظل الشتاء ساخناً حتى أثناء موجات البرودة، التي كانت تحملها بعض الأيام والأسابيع والأشهر، وتدوم بدوام تيارات الهواء القادمة إلينا من سيبريا، التي تجعلنا نشعر بالتجمد ونكاد نهلك ونحن لصيقون بالمدفأة المنزلية، طيلة “الشتاء الساخن” .

 

لا يعمل من أطلقوا هاتين الصفتين على الشتاء والصيف في سلك الأرصاد الجوية، وليسوا من معدي نشرات أخبار المناخ في التلفازات والصحف . إنهم بالأحرى سياسيون يحتلون مواقع رفيعة في السلطة والدولة، ولهم كلمة مقررة في شؤون بلدانهم، لكنهم يجهلون، على ما يؤكد مصطلحهم، الذي يجعل “الشتاء ساخناً والصيف حاراً”، ما قد يقع في المستقبل القريب، الذي يمثله الشتاء والصيف القادمان، لذلك تراهم يطلقون نبوءتهم التشاؤمية، التي تبلغ الشعب العربي أنه سيواجه وضعاً عصيباً لا حيلة لهم فيه، يتسم بقدر من العراك والصراع سيعجل بوقوع معجزات تحدث بقوة السياسة مرة، كجعل الشتاء ساخناً، وبعجزها مرة أخرى، كجعل الصيف حاراً .

 

إلى هذا، يقول المصطلح السياسي، المتدثر بلغة طبيعية مفارقة، إننا لسنا الجهة التي ستجعل شتاءنا ساخناً وصيفنا حاراً . وتحذرنا، نحن الشعب العربي الذي لا حيلة له في أموره ولا يسأله أحد عنها أو يسمح له بالإدلاء بدلوه فيها، من إغلاق أعيننا ولو للحظة واحدة في الشتاء والصيف، لأن أولهما سيكون ساخناً وثانيهما حاراً، على الصعيد السياسي طبعاً، فكأننا نحن وليس هم من يجب أن يتحمل المسؤولية عن نتائج الانقلاب السياسي في الأحوال الطبيعية، أو كأنه ليس من واجبهم إعداد أنفسهم وسلطتهم وجيوشهم وأحزابهم لملاقاة تأزم المناخ السياسي المنتظر، والسماح لنا بقدر من المشاركة في الشأن العام يتيح لنا مساعدتهم على تبريد الشتاء وتسخين الصيف، فلا نقع فريسة سخونة الأول وحرارة الثاني، ولا يضيعون ويضيعوننا، بسبب استئثارهم بكل شيء، وركننا في زوايا أوطاننا المهملة .

 

لم تسمع أذن من عايش نصف القرن الماضي من العرب غير هذا المصطلح مقترناً بمصطلح يشبهه يتحدث عن “هذا الظرف الصعب والمنعطف الخطير واللحظة الحرجة” . بين شتاء ساخن وصيف حار، وظرف صعب ومنعطف خطير ولحظة حرجة، ضاع كل شيء: العمر والأمل والوعد، وحل عوضاً عنها زمن تدهور حثيث ومتواصل، جعل الشتاء البارد طبيعياً ساخناً سياسياً، والصيف حاراً طبيعياً وسياسياً، وزاد صعوبة الظرف وخطورة المنعطف وحرج اللحظة، بينما لم يبدل مرور الأيام وتغير الحكام من الأمور شيئاً، وجعل بوسع أية جهة برانية أو خارجية، مهما كانت ضعيفة ومتهالكة، أن تكدر عيشنا، وتتلاعب بمصيرنا، وتقرر لنا ما يجوز وما لا يجوز، من نحب ومن نكره، ما نقول وما لا نقول، وصار بمستطاع قبضة من الأشخاص التمرد على أية دولة ومحاربة أية سلطة إلى ما شاء الله، ومنازلة الجيوش العربية بأسلحة لا تقل فتكاً وتقدماً عن أسلحتها، ففي كل دولة دول مضادة، وفي كل مجتمع مجتمعات معاكسة ومتمردة، هذا إذا تساهلنا واعتبرنا ما هو قائم على صعيد السياسة والمؤسسات والبنية الفوقية دولة، وعلى صعيد البنية التحتية مجتمعات! .

 

تغيرت العلاقات وتبدلت القوى العظمى التي تسيطر على المنطقة العربية والعالم، واختفت أدوار وظهرت أدوار بديلة لها، وقامت ثورات تحولت إلى ثورات مضادة، وبرزت زعامات ملهمة واختفت لصالح زعامات ملتهمة، وتوسعت “إسرائيل “إلى ما وراء حدود فلسطين، ونجحت في ضرب وتحجيم قوى عربية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وأفشلت ما وعدت بتحقيقه من مشاريع نهضة وتغيير . ومع ذلك، بقي العجز العربي وتعاظم، فظل بسببه الشتاء القادم ساخناً والصيف الآتي حاراً، ولم تخرج أمة العرب من الظرف الصعب والمنعطف الخطير واللحظة الحرجة، التي لا يعرف ولا يستطيع أحد من أولي الأمر أن يقول لنا إلى متى ستدوم، وهل ستتناقص في يوم من الأيام سخونة الشتاء وحرارة الصيف، بحيث يمكن احتمال العيش فيهما؟

 

ملأ أسماع أجيال خمسة عاشت حقبة نصف القرن المنصرم، الحديث عن الشتاء الساخن والصيف الحار . في الآونة الأخيرة، خلال السنوات العشر الماضية، أخذ الربيع يصير ساخناً وحاراً بدوره، في حين انقلب الخريف من طقس انتقالي لطيف إلى مناخ متوعد، لن يكون حالنا معه أفضل من حالنا مع بقية فصول سنواتنا . إنهما ربيع وخريف محملان بمخاطر أين منها مخاطر سخونة الشتاء وحرارة الصيف، وما جلبتاه لنا دوماً من كوارث وبلايا . لا يبقى لنا، في مناخ عربي كهذا، غير أن نسأل الله عز وجل الستر وحسن العاقبة، ونأمل ألا يكون زماننا القادم أشد من زماننا الراهن عصفاً بنا، بعد أن بلغنا من الأوضاع أسوأها، وغدونا ريشة في مهب رياح الفصول، وغطت أزماتنا الربيع والخريف والشتاء والصيف، وتخطت مصائب الشتاء والصيف، مع أنهما لم يعودا أشد سوءاً في السنوات الأخيرة من ربيع العراق “احتل في ربيع عام 2003”، وخريف لبنان وغزة “دمر أولهما على مشارف خريف عام 2006 وضربت ثانيهما في نهاية خريف عام 2008” .

 

في لغتنا، تبدو القضية مناخية تتعلق بفصول ساخنة وحارة . أما في الواقع، فهي قضية يفرضها علينا ضعف عام فرضته نظم تخوفنا من الشتاء والصيف القادمين، عجزت منذ نيف ونصف قرن عن فعل أي شيء للحد من سخونة الأول وحرارة الثاني السياسيتين .

 

إلى متى يبشروننا في نهاية كل خريف بأن الشتاء سيكون ساخناً، وفي بداية كل ربيع بأن الصيف سيكون حاراً؟ . إلى متى سيعمل قادتنا كراصدين جويين ومنجمين مناخيين، ومتى يبدأون العمل كسياسيين بين مسؤولياتهم جعل فصولنا، وحياتنا، طبيعية ومعتدلة وجميلة وقابلة للاحتمال؟

========================

مع اسرائيل كل شيء يحتاج إلى "مُقابل"

- 36 –

سركيس نعوم     

النهار

27-1-2010

أجبت عن سؤال المتعاطي الآخر مع عملية السلام في احدى ابرز "الدوائر" داخل الادارة الاميركية حول انعكاس سير اميركا في مشروع سحب مزارع شبعا وتلال كفرشوبا من الاحتلال الاسرائيلي ووضعها تحت وصاية الامم المتحدة على الحكومة واحتمال  تفجيره اياها، قلت: لا اعتقد ذلك. اولا، لأن الفكرة ليست اعطاء لبنان المزارع بسبب رفض سوريا توقيع خريطة تؤكد لبنانيتها وارسالها الى الامم المتحدة، بل هي وضع هذه المنطقة تحت انتداب المنظمة الدولية. لذلك ليس مطلوباً من لبنان ان يتخذ موقفاً رسمياً من ذلك سواء رفضا او قبولاً. وعمل كهذا ينزع احدى الذرائع التي يستعملها "حزب الله" للاحتفاظ بسلاحه، وحتى لشن حرب على اسرائيل لو طلبت ايران منه ذلك لان شعبه لا يحتمل حربين مدمرتين خلال اربع سنوات وان حقق نصراً فيهما. اما سوريا فيمكن ان يُقال لها ان المزارع موضوعة في عهدة الامم المتحدة. واثناء المفاوضات لاحقاً يمكن إثبات هويتها اللبنانية او السورية. علّق: "كنت افكر في امر هو وقف الانتهاكات الاسرائيلية الجوية للبنان. اذا فعلت اسرائيل ذلك على ماذا تحصل في المقابل؟" اجبت: لا يمكن ان يعطيها لبنان شيئاً في مقابل ذلك. لا تفكر في هذا الامر. ماذا يستطيع ان يعطيها؟ على اسرائيل ايضاً الا تفكر انها تستطيع بواسطة الغجر او المزارع أن تأخذ من لبنان شيئاً مهماً كعودة التفاوض بينهما مثلاً. ذلك مستحيل، لا يستطيع. علّق: "كنت اتحدث مع مسؤول اسرائيلي رفيع في احدى المرات، سألته عن جدوى الطلعات الجوية العسكرية بل عن التحليق المنخفض للطائرات الحربية الاسرائيلية في اجواء لبنان. وسألته عن جدوى خرق جدار الصوت الذي ينجم عن ذلك والاهداف التي يمكن ان يحققها كل ذلك، فكان جوابه: لكي يعرفوا (اي اللبنانيين) اننا هنا". قلت: هذا القول يدل على عدم ثقة بالنفس. ردّ: "قلت للمسؤول الاسرائيلي الرفيع ان ذلك معروف اي "انكم هنا" ولا حاجة الى ان تظهروا ذلك بهذا الشكل. فكان جوابه: سأحاول ان افعل شيئاً في هذا الخصوص. على كل حال - اضاف المتعاطي الاميركي نفسه مع العملية السلمية  - في اسرائيل شيئان. شيء اسمه "سندويش شوربة" وشيء اسمه الـ(Frier) و(Frie) تعني الرجل الحر. و"فراير" تعني انساناً يريد في يده كل شيء. اذا انا او اي مسؤول اميركي توجه بفكرتك الى اي مسؤول اسرائيلي فانه سيقول لك: اذا واجهت مجلس الوزراء او الكنيست بطلبات كهذه (لأن الانسحاب من المزارع يقتضي تصويتاً في الكنيست كونها رسمياً جزءاً من الجولان) هل تعرف ماذا سيقولون وكيف يردون عليّ؟ سيتهمونني بمزيج من الغضب والسخرية والضحك بانني "فراير". وهذا امر لا تمكن مناقشته في رأيهم. كل شيء يحتاج الى مقابل".

ماذا في جعبة مسؤول في دائرة بارزة اخرى في الادارة الاميركية يتابع مباشرة عملية السلام وخصوصاً على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي؟ سألته في بداية اللقاء اذا كانت عملية السلام "فارطة" رغم الجهود التي يبذلها الرئيس باراك اوباما وادارته الجديدة؟ اجاب: "كلا. هناك صعوبات مهمة. لكن يمكن معالجتها. امامنا اسابيع صعبة. لكن تذكّر ان ايرلندا الشمالية كانت مشكلتها صعبة. وبسياسة الخطوة خطوة استطاع جورج ميتشل الموفد الرئاسي الى المنطقة المكلّف المساعدة على اعادة عملية السلام الى السلطة ان يحلها". علّقت: لكن مشكلة ايرلندا ورغم عمرها المديد تختلف كثيراً عن ازمة الشرق الاوسط والصراع الفلسطيني – الاسرائيلي. انها اقل تعقيداً بكثير. طبعاً انا لا اقلل بذلك من براعة ميتشل، لكن هذه هي الحقيقة. يُقال في العالم العربي ان اوباما تراجع عمّا قاله في خطاب القاهرة قبل اشهر وخصوصاً عن تجميد الاستيطان اليهودي في الاراضي الفلسطينية المحتلة. فهو بموقفه هذا اصعد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الى رأس الشجرة. وهو (اي عباس) يحتاج حالياً الى من ينزله عنها. لم يعد في استطاعة عباس قبول اقل من ذلك وخصوصاً ان على "الكتف حمّال" اي "حماس" ورعاتها الاقليميين. ردّ: "اولا ليس اوباما من اطلع عباس الى الشجرة، لكنه يحتاج الى من ينزله عنها. هذا صحيح. الفلسطينيون يقولون انه كي ينزل عن الشجرة يجب ان تؤكد ادارة اوباما موضوع حدود الـ1967 لدولة فلسطين. حسناً، ان ذلك محدد في "خريطة الطريق" (RoadMap). وقد عبّر عن ذلك اوباما ايضاً في احدى خطبه اللاحقة. لا مشكلة في هذا الأمر. عباس ضعيف. هناك "حماس". وهناك مشكلات داخل "فتح"، لا يستطيع عباس اجراء انتخابات في موعدها، رئاسية كانت او تشريعية، لا احد يستطيع حل موضوع "حماس". لا اسرائيل استطاعت حله بالحرب وقد ثبت ذلك بالدليل الملموس. ولا الفلسطينيون قادرون على حله ايضاً لأن ذلك يعني حرباً اهلية بين الفلسطينيين. هناك إمكان لاتخاذ خطوات عدة تبني الثقة بين الطرفين وتعزز وضع السلطة الوطنية. اجراءات اقتصادية واجراءات امنية. عباس ضعيف ويجب تقويته. الوضع في الضفة الغربية يتحسن في استمرار وفي سرعة. يجب اعادة الطرفين الى طاولة المفاوضات اي اسرائيل والفلسطينيين". هل نتنياهو رجل سلام؟ سألت. اجاب: "نعم، نتنياهو  قبل اكثر من كل رؤساء وزارات اسرائيل ورؤساء جمهوريتها موضوع الدولة (Statehood). اما موضوع حدودها فكيف يحله عباس اذا لم يتفاوض مع نتنياهو؟ لا بد من عودة التفاوض بينهما. اما مرجعيات السلام (References of peace) التي يتحدث عنها عباس ومعاونوه فقد اكدها اوباما اكثر من مرة. واميركا لن تتراجع عنها". متى يعود ميتشل الى المنطقة؟ سألت. اجاب: "لم يُبحث في الامر بعد. لكن ربما في الاسابيع المقبلة". البعض في اميركا وخارجها يدعو ادارة اوباما واسرائيل الى التفاوض مع "حماس". ردّ: "على "حماس" في المقابل ان تعترف بحق اسرائيل في الوجود وان تنبذ العنف وان تعترف باتفاق اوسلو وملاحقه اذذاك وساعتها يمكن التفاوض معها". قلت: عباس مشكلة من دون حلها لا يمكن حل اي شيء وخصوصاً في ظل ضعفه وضعف حركة "فتح". هل تدفعون العرب وتحديداً حلفاءكم كي يحاولوا الضغط على "حماس" للتصالح مع "فتح" وتالياً لتصبح الطريق سالكة امام عودة التفاوض الفلسطيني – الاسرائيلي؟ رد: "هذا امر يجري في استمرار". ماذا عن المسار اللبناني؟ سألت. اجاب: "هل هناك مسار لبناني؟" ضحكت وقلت له: مساران. ردّ: "في موضوع المزارع اسرائيل مستعدة. لكن لا بد قبل ذلك من اعتراف سوري خطي بلبنانيتها. لأن كل الوثائق تقول انها سورية وكذلك الامم المتحدة". ماذا عن الغجر؟ سمعت الربيع الماضي من زميل لك في ادارة اخرى في واشنطن ان اسرائيل ستنسحب منها خلال شهر، كحد اقصى. لم يحصل ذلك. ردّ: "صحيح تريد اسرائيل الانسحاب من الغجر، لكن هناك مشكلة سكانها وموقفهم السلبي من ذلك. فضلاً عن ان هناك في لبنان واسرائيل من ينتظر الحكومة الجديدة وآلياتها لمعرفة "لهجتها" حيال المقاومة وسلاحها. وذلك قد يؤثر في موضوع الانسحاب من الغجر سلباً وايجاباً". هل نتنياهو قوي لكي يصنع سلاماً؟ سألت، اجاب: "قوي وعنده تحالف من 73 نائباً". لكن عنده (وزير خارجيته افيغدور) ليبرمان. علّقت. ردّ: "عنده اخطر منه مثل "شاس" الذي له موقف سلبي جداً في موضوع القدس. لكنه (اي نتنياهو) قوي ويستطيع، اذا اضطر، إقامة تحالف آخر قوي مع "كاديما". لكن أي "كاديما"؟ قد يكون هناك اثنان، واحد لليفني وآخر لموفاز".

ماذا في جعبة مسؤول رفيع في "الدائرة" البارزة الاخرى نفسها داخل الادارة الاميركية؟

========================

ماذا بعد فشل مهمة ميتشل باعتراف أميركي ؟

ساركوزي أبلغ الحريري بدء التحضير لمؤتمر للسلام

سمير منصور   

كان الموفد الاميركي جورج ميتشل يجول في بعض عواصم المنطقة عندما أبلغ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ضيفه الرئيس سعد الحريري الاسبوع الماضي عزم فرنسا على الدعوة الى مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط. وبدا الرئيس الفرنسي مدركا سلفا ان ميتشل لا يحمل جديدا في جولته ولا سيما على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي، وان مهمته محكومة بالفشل، وهذا ما ثبت لاحقا، وكانت واشنطن سباقة الى اعلان الفشل في المهمة التي كانت تحت عنوان "المساعي الاميركية لمعاودة مفاوضات السلام" العالقة منذ اكثر من سنة. ومن اين لها هذا وقد استبق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو التحرك الاميركي باعلان "اللاءات" الاسرائيلية المستمرة منذ ايام سلفه ارييل شارون، وفحواها رفض تقاسم القدس مع الفلسطينيين وبقاؤها "عاصمة موحدة للدولة اليهودية مهما كانت شروط معاهدة السلام المحتملة"، ورفض الانسحاب من الاراضي التي احتلتها بعد عام 1967.

وقبل غيره، استبق الرئيس الاميركي باراك اوباما انتهاء جولة موفده، اذ اقر بأنه اخطأ في تقدير فرص السلام في الشرق الاوسط وبالغ في التوقعات بقدرته على اقناع الاسرائيليين والفلسطينيين ببدء عملية تفاوض جديدة. وقال في مقابلة نشرتها مجلة "تايم" في عددها الاخير:

"اعتقد اننا بالغنا في تقدير قدرتنا على اقناعهم (الاسرائيليين والفلسطينيين) بمعاودة مفاوضات السلام" مشيرا الى ان الاسرائيليين والفلسطينيين وجدوا ان "البيئة السياسية وطبيعة التحالفات او الانقسامات داخل مجتمعاتهم بلغت درجة جعلت من الصعب عليهم البدء في حوار مفيد". واضاف: "اعتقد انه من الصحيح تماما اننا لم نتمكن من تحقيق الانفراج الذي كنا نرغب فيه"، لافتا الى انه لو توقعت ادارته الصعوبات السياسية على الجانبين "لما رفعت التوقعات الى هذه الدرجة". واوضح اوباما ان عباس يواجه تحديات مستمرة من حركة "حماس" التي "ترفض السلام مع اسرائيل ولا تتوقف عن انتقاد عباس لرفضه الكفاح المسلح ضد الدولة اليهودية، فيما رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مكبل بقيود تفرضها عناصر يمينية متشددة في حكومته الائتلافية تعارض تقديم تنازلات من اجل السلام". وفضلا عن المشاكل لدى الطرفين، انحى اوباما باللائمة في تبديد آماله على افراط ميتشل في التفاؤل ازاء الاشارات الصادرة عن اسرائيل حيال وقف الاستيطان. اذ لم يدرك ان ذلك غير كاف بالنسبة الى الفلسطينيين. وزاد تعقيد مهمة ميتشل، اعلان نتنياهو الاربعاء الماضي عن شرط مسبق جديد، وهو احتفاظ اسرائيل بوجود على طول الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية المقبلة في المنطقة المحاذية للاردن، الا ان الفلسطينيين رفضوا تماما هذا الاقتراح. ونقلت صحيفة "هآرتس" قبل يومين، عن وزير بارز مقرب من نتنياهو لم تكشف عن اسمه، قوله ان فرص معاودة محادثات السلام "ضعيفة"، فيما ذكرت صحيفة "يديعوت احرونوت" ان المسؤولين الاسرائيليين يعتقدون ان الادارة الاميركية ستضع المسألة الاسرائيلية في ادنى قائمة اولوياتها، ونقلت عن مسؤول لم تكشف عن اسمه قوله: "ستواصل هذه الادارة محاولاتها لمعاودة المفاوضات ولكنها لن تتعب نفسها كثيرا"!

ولئن اعتقد البعض ان جولة ميتشل لم تكن اكثر من محاولة لقطع الطريق على الاتحاد الاوروبي للقيام بدور بديل من الدور الاميركي في المنطقة بعدما اعترفت الادارة الاميركية نفسها بالفشل، فان فرنسا التي تقود هذا التحرك، بدأت اتصالاتها تحضيرا لمؤتمر سلام خاص بالشرق الاوسط في باريس، وهي تدرك ان في استطاعة الولايات المتحدة ان تعرقل هذا المؤتمر وتحول دون نجاحه اذا لم تكن راضية عن انعقاده، ولكن فرنسا، في كل الحالات، ومعها الاتحاد الاوروبي، لن يخسرا شيئا اذا تدخل الاميركيون للعرقلة، وبالتأكيد سيربحان في حال نجاح المؤتمر.

وثمة احتمال هو حاجة الاميركيين الى دور اوروبي على خلفية اصوات داخل العواصم المعنية، الى "مظلة دولية" يؤدي خلالها الاتحاد الاوروبي دورا كشريك اساسي في صنع السلام في المنطقة الى جانب الوسيط الاميركي "الفاشل"، بعد تبخّر الوعود التي قطعها اوباما في خطابه الشهير في جامعة القاهرة واخفاقه في تنفيذ الحد الادنى من هذه الوعود، وقد عزا الفشل الى طبيعة التحالفات الحزبية القائمة عليها الحكومة الاسرائيلية من جهة و"حال الانقسام داخل المجتمع الفلسطيني" من جهة اخرى.

ومما يعزز احتمال نجاح التحرك الفرنسي والاوروبي، ما نسب الى مصدر ديبلوماسي اميركي في واشنطن إذ كشف عن اجتماع سيعقد برئاسة اوباما بمشاركة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومستشاري شؤون الشرق الاوسط في الادارة الاميركية والموفد الاميركي فور انتهاء جولته الشرق اوسطية على خلفية "اشارات الفشل الواضح" لمهمته. ونسب الى المصدر قوله في الوقت نفسه "ان هناك اصواتا داخل بعض العواصم الحليفة لواشنطن في العالم تدعو الى مظلة دولية لطاولة المفاوضات حيث هناك حاجة الى مؤتمر دولي للسلام ذي هالة كبيرة تقترب من هالة مؤتمر مدريد، يذيب الاشتراطات المطروحة من هذا الجانب او ذاك"، وتلميحه الى وجود "فرصة لعقد هذا المؤتمر في موسكو خلال الاسابيع القليلة المقبلة".

وسط هذه الاجواء تستمر المواقف على حالها، ولا نجاح مرتقبا لاي تحرك اذا لم يحمل جديدا في الضغط على الاسرائيليين للسير جديا في مفاوضات للتسوية او للسلام، بدءا بالقبول بقيام دولة فلسطينية بالمعنى المتعارف عليه للدولة، وبوقف الاستيطان واحتلال المزيد من الاراضي الفلسطينية، والاعتراف بحق العودة للفلسطينيين الى ارضهم.

واخيرا، من البديهي ان موقفا عربيا موحدا من شأنه ان يزيد من "فاعلية" الضغط الاميركي والدولي على الجانب الاسرائيلي الذي طالما راهن تاريخيا، على الخلافات والمحاور، بل ادى دورا "محوريا" في تأجيجها!

========================

ما وراء خيبة الأمل بعد عام من أوباما

 بقلم :د.منار الشوربجي

البيان

27-1-2010

 مفارقة مدهشة فعلا، أن يكون العشرون من يناير 2009 احتفالا عالميا بتنصيب أوباما رئيسا للولايات المتحدة، ثم يصحو العالم يوم العشرين من يناير 2010، أي في العام التالي مباشرة على هزيمة مدوية تلقاها الرجل. فقد خسر حزبه مقعد مجلس الشيوخ الذي شغله السناتور الديمقراطي الراحل تيد كيندي لعقود طويلة.

 

جوهر الهزيمة متعدد الأبعاد. فالمقعد الذي خسره الديمقراطيون هو أحد مقعدي ولاية ماساتشوستس، وهي ولاية من ولايات الشمال الشرقي المعروفة بميلها الكاسح للديمقراطيين. بل إن أوباما فاز فيها بالرئاسة على منافسه جون ماكين بفارق 26 نقطة كاملة.

 

أكثر من ذلك، كان أوباما قد ذهب بنفسه للولاية قبل الانتخابات بأيام، للدعاية لمرشحة الحزب الديمقراطي، فوضع الرئيس شعبيته ومكانته على المحك لإنقاذ المقعد بلا جدوى.

 

لكن الأهم من هذا وذاك، هو أن خسارة ذلك المقعد ستكلف الديمقراطيين الكثير داخل مجلس الشيوخ نفسه. فعلى عكس مجلس النواب الذي يدار العمل فيه وفق الأغلبية البسيطة (50% +1)، فإن قواعد مجلس الشيوخ تجعل الكثير من الأمور في ذلك المجلس تحسم بأغلبية 60 صوتا.

 

والديمقراطيون كانوا يشغلون قبل انتخابات ماساتشوستس 58 مقعدا (من أصل مئة) مقابل 40 مقعدا للجمهوريين، بينما يشغل المستقلون مقعدين. لكن لأن المستقلين كانا في الأغلب يصوتان مع الحزب الديمقراطي، فقد كانت لدى الديمقراطيين فرصة تمرير ما يريدون. لكن بانتخاب جمهوري لمقعد ولاية ماساتشوستس، صار للجمهوريين 41 صوتا يستطيعون من خلالها في الواقع تعطيل كل ما تريده الأغلبية الديمقراطية.

 

ما الذي حدث من يناير 2009 إلى يناير 2010؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة للمستقبل؟ في ظني، تكمن الإجابة عن تلك الأسئلة في مفارقتين؛ الأولى مفارقة تتعلق بالعلاقة بين أوباما والحركة التي دعمته لحظة الانتخابات، والثانية ترتبط بطبيعة المعركة الأهم على الإطلاق التي خسرها أوباما.

 

أما في ما يتعلق بأوباما الحركة وأوباما الرئيس، فيحسن بنا العودة قليلا للوراء لحظة الانتخابات الرئاسية. ففي أثناء تلك الانتخابات كانت كاتبة السطور قد قدمت على هذه الصفحة، اجتهادا في تحليل ظاهرة أوباما وآفاقها، مؤداه أن هناك فارقا بين أوباما المرشح وأوباما الحركة.

 

واعتبرت أن الأمل لا بد وأن يكون على الحركة لا المرشح، لأن الحركة أكثر تقدمية بكثير من مرشحها. ومن ثم فإن حدوث أي تحول في السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية بتولي أوباما، «لن يتحقق إلا إذا استطاعت تلك الحركة أن تنظم نفسها من الآن، لتصبح قوة ضاغطة عليه تدفعه دفعا لاتخاذ مواقف جريئة بشأن القضايا المختلفة».

 

فأميركا محافظة بطبيعتها، لكنها تعرضت أيضا في العقود الأخيرة لتحولات كبرى، أدت لتغير هيكلي في البنية الفكرية والتنظيمية والحركية، صارت ترجح بوضوح كفة اليمين. لذلك، كان من الضروري لإحداث أي تحول حقيقي في الخطوط العريضة للسياسة، أن تبرز قوى جديدة قوية وقادرة على إحداث التوازن السياسي.

 

وغياب هذه القوى هو الذي جعل كلينتون «الديمقراطي» يحكم في الواقع من اليمين، حتى إن فترة حكمه لم تمثل في الحقيقة ابتعادا محوريا عن جوهر سياسات الجمهوريين منذ ريغان، وفرصة حدوث ذلك التحول لم تبرز في الأفق إلا في العام الماضي. ولم يكن ذلك مصدره أن أوباما «الديمقراطي» فاز بالرئاسة، ولا لأن أوباما كان «ديمقراطيا» يختلف عمن سبقوه، وإنما لأنه جاء للحكم محمولا بحركة واسعة تضم قوى أكثر تقدمية منه بكثير، كان المأمول أن تنظم نفسها للضغط عليه.

 

لكن ما حدث طوال العام الماضي، كان العكس بالضبط. فبدلا من أن تنظم الحركة نفسها للضغط على أوباما، إذا بها تسمح لأوباما أن يوظفها هو لدعم مواقفه وبرنامجه! والفارق كبير بين الحالتين. فبدلا من أن ترفع الحركة سقف الممكن، عبر إجبار الرئيس على وضع مواقفها في حسبانه، راح الرئيس يسعى لتمرير برامجه عبر تنظيم من ناصروه في الحملة، من أجل مناصرته كرئيس.

 

لكن الرئيس كان يبدأ في كل قضية، ليس من سقف مواقف أنصاره، وإنما يبدأ بموقف «توفيقي» سعيا لاجتذاب اليمين في حزبه، ثم يخوض مفاوضات تنتهي إلى صفقات، تنطوي بالضرورة على المزيد من التنازلات لتيار اليمين عموما، لا في حزبه فقط. وطوال الوقت، كان المطلوب من أنصار أوباما أن يؤيدوا ذلك كله، باعتباره الممكن سياسيا.

 

أضف لذلك أن الكثير من تلك التنازلات كان يتم في الغرف المغلقة، بعيدا عن أعين المناصرين الذين كثيرا ما فوجئوا بها، الأمر الذي خلق حالة إحباط وخيبة أمل داخل الحركة. اللافت للانتباه هو أن أوباما لم يفلح، بعد كل ذلك، في استقطاب اليمين لأي من مشروعاته.

 

المفارقة الأولى إذن، هي أن حركة أوباما لم تنظم نفسها لتشكل قوة ضغط على أوباما توازن اليمين، وسمحت لأوباما بأن يسعى هو لتوظيفها، فكانت النتيجة هزيمة للاثنين.

 

أما المفارقة الثانية فهي التي تبلورت في ضوء موقف اليمين من أوباما. فالواضح أن هناك نية مبيتة لعدم السماح للرئيس بتحقيق أي إنجاز، عبر عرقلة كل برامجه أو رفضها بالمطلق.

 

والمفارقة هنا هي أن أوباما خسر معركة الأفكار والإعلام، وهي مفارقة جديرة بالتأمل حقا. فالرئيس المفوه صاحب الكاريزما، والسياسي الذي استطاع أن يوظف الإعلام لصالحه ببراعة في الانتخابات، هو نفسه الذي سمح لليمين بأن يتولى نيابة عنه تعريف القضايا، بل وتعريف الناس بطبيعة برامجه وجوهرها.

 

بعبارة أخرى، انكفأت حركة أوباما على نفسها وأصابتها خيبة الأمل، بينما هيمن اليمين في ساحة الأفكار وفاز في معركة الإعلام.

ومن هنا، صار المستقبل مرهونا بمصير حركة أوباما وموقفها منه، وبقدرة أوباما على حسم موقفه إزاءها.

كاتبة مصرية

========================

هاييتي ومأساة البحر الكاريبي

بقلم :سيار الجميل

البيان 27-1-2010

عندما وصل كريستوفر كولومبوس سواحل جزر البحر الكاريبي، ظن أنها مليئة بالذهب. وبعد خمسة قرون تضمنها تاريخ سياسي استعماري استبدادي، واجتماعي تمييزي، واقتصادي مدقع وصعب جدا.. تحل كارثة زلزال مدّمر بلغت قوته 0,7 في واحدة من تلك الجزر الجميلة، واسمها هاييتي، في يوم 12 يناير 2010 بمأساة مدمرة لتزيدها تدميرا. وهاييتي أفقر بلد على امتداد الأميركتين عموما، ويعيش سكانها تحت خط الفقر لنقص مواردهم، واضطراب أمنهم، وتشّرد أبنائهم، وعقم سياسة بلادهم..

 

لقد قتل الزلزال وعصفه الهائل، عددا كبيرا لا يحصى من البشر في العاصمة بورت أو برنس، وتتراوح التقديرات حتى الآن حول قرابة ربع مليون إنسان قتيل، وربما ذهب المزيد من المفقودين تحت الأنقاض، وهم أكثر بكثير من أولئك الذين يعيشون تحت الأعمدة والصفائح في الأكواخ التي تبدو كأنها موجودة من عصور ما قبل التاريخ، وقد تحّول المجتمع المجروح إلى فوضى عارمة من الاعتداءات والنهب والانتهاكات، في ظل المأساة والجوع والعري وعويل الأطفال التائهين!

 

ربما كان الحدث المرير مفاجأة للعالم باختفاء قرابة ربع مليون إنسان تحت الأرض فجأة، ولكن المجتمع الهاييتي يعيش مأساة تاريخية واجتماعية منذ أزمان طويلة، وربما كانت ظروفه هي الأقسى من بين مجموعة الجزر الكاريبية كلها.. وإذا كان العالم، قد بدأ الآن يساعد هاييتي، بعد أن كان قد قطع مساعداته عنها، كون المساعدة الإنسانية الآن هي الخيار الوحيد الذي يمكن تقديمه لشعب منكوب، فإن الناس الذين ينتظرون المال والأدوية والملابس والإسعافات الأولية.. والأطفال الذين ينتظرون من يتبناهم في عموم العالم..

 

وحتى التعاطف الوجداني إن أتى من مشاهير وفنانين كبار، لإقامة حفلات من أجل التبرع بأموالها لهاييتي..، فان ذلك لن ينقذ الناس إن بقيت حالة البلاد تائهة بين لجج الأمواج، وغير قادرة على تخّطي مصاعبها وتحدياتها وآلامها.. ولكن يجب أن لا تكون المأساة ذريعة لدفن شعب بكامله، الأموات منهم والأحياء..

 

إن على جمهورية هاييتي أن تنقذ نفسها بنفسها، لتبدأ حياة جديدة أسوة بغيرها من جزر الكاريبي، فهي ليست اقل من جمهورية الدومينيكان الملاصقة لها في جزيرة هيسبانيولا الساحرة جمالا وجاذبية، والتي تعيش على السياحة الدولية.. كما إن الملايين من الهاييتيين الذين شردهم العصيان المسلح وسوء التدبيرات السياسية منذ عشرين سنة، نحو الأميركتين الشمالية والجنوبية، لهم القدرة على إنقاذ وطنهم الأم من المأساة التي تلم به منذ عهد طويل.

 

صحيح إن المنطقة موبوءة بالأنشطة الزلزالية، ولكن ينبغي تعلّم الدرس من مناطق ودول أخرى في العالم معرضة للزلازل يوميا، لاحتواء تموجات الأرض.. إن الاستقرار لا يمكنه أن يبدأ، إن لم يقض على الاضطرابات السياسية التي تعصف بالبلاد.

 

لقد دفع الشعب الهاييتي أثمانا باهظة على امتداد التاريخ الحديث، نتيجة معاناته الطويلة مع الاستعمارين الاسباني والفرنسي حتى حصوله على الاستقلال. ويكاد يكون شعب هاييتي هو الوحيد في العالم الجديد، الذي استطاع أن ينجح بثورته التي أسموها «ثورة العبيد الهاييتيين»، ولكن الانقسامات الاجتماعية كانت قد ترسخّت منذ الماضي، ذلك أن 90- 95% من الهاييتيين هم من أصول إفريقية، وكانوا قد فروا من سطوة الأوروبيين الذين جلبوهم عبيدا إلى العالم الجديد، ففروا من الاضطهاد.

 

واستوطنوا هذه الجزر المعزولة، ولكنهم تحملوا سطوة الاستعمار بشكل لا يصدق، فكانوا أهل ثورة دائما من أجل الاستقلال أو الحكم الذاتي، وخصوصا بعد أن ضحوا بقرابة مئة ألف ضحية من أجل الحرية، وبقوا في نضال دائب ضد سلسلة حكومات استبدادية، جعلت الآلاف المؤلفة منهم تهرب وتتشرد في الأميركتين، وخصوصا بعد أن أصبحت تحت حماية الولايات المتحدة الأميركية بين عامي 1905 و1934.

 

إن مشكلة هاييتي قد استمرت مع حكم دوفالييه الأب والابن، والذي استمر لثلاثين سنة في حكم البلاد. انشأ الدكتور فرانسوا دوفالييه الحزب الواحد، وأعلن نفسه رئيسا مدى الحياة، حتى العام 1971، عندما ورثه ابنه جان كلود بيبي دوك دوفاليه ليحكم مدى الحياة أيضا..

 

وقد عانت هاييتي من الاستبداد والسرقات، وحدثت سلسلة انقلابات مع رحيل بيبي دوك وزوجته عام 1986، ومجيء طغم عسكرية حتى وصول الأب جان برتران أريستيد، الكاهن الكاثوليكي الذي تحول إلى الراديكالية واليسار الثوري..

 

وكانت لديه خطة ممتازة لاستعادة هاييتي اقتصاديا من خلال المساعدات الخارجية، معتبرا ذلك منفعة تقدمها حكومات غربية ساذجة، ولكن قّوضت خطّته بعد سبعة أشهر من انتخابه عام 1991، بعد أن أطاح به انقلاب عسكري قاده راؤول سيدراس!

 

وعلى مدى ثلاث سنوات حاول بيل كلينتون التدخل المباشر في الشأن الهاييتي.. وفي عام 1994 تم غزو هاييتي للقضاء على بلطجة الجنرال سيدراس، وحدثت فوضى داخلية من دون أية إدارة، سمحت لارستيد أفالاس بأن يحكم هاييتي، كي يصل الفساد ذروته، وبحلول 2001 صوّت الاتحاد الأوروبي لحجب المساعدات عن هاييتي.

 

وقد أطيح بحكم سيدراس في انقلاب آخر عام 2004، وتم اختطافه من قبل جنود المارينز، ليكون تلميذه رينيه بريفال رئيسا للجمهورية منذ 14 مايو 2006 حتى اليوم. وكان بريفال قد شغل سابقا منصب الرئاسة خلال الفترة من 1996 إلى ,2001. ولكن بلاده كانت ولم تزل تتضور جوعا وانقسامات حتى نكبتها الأخيرة!

 

فهل ستبدأ هاييتي زمنا جديدا بعد تاريخ حقيقي من المأساة؟ أم أن هاييتي ستكون لقمة سائغة في فم الحوت الأكبر، لتلحق بها ما تبقى من جزر البحر الكاريبي؟

مؤرخ عراقي

========================

يقف الاستيطان بالمقاومة وليس بالتنسيق الأمني والحرد السياسي

ياسر الزعاترة

الدستور

27-1-2010

من الواضح أن هناك من يريد بيع إصرار السلطة (حتى الآن بالطبع) على رفض العودة إلى طاولة المفاوضات بوصفه نوعا من البطولة والصمود والإصرار على الثوابت ، متجاهلا أنه بذلك يدين نفسه أكثر من أي شيء آخر ، إذ لماذا لم يكن هذا الشرط قائما منذ أوسلو ، ولغاية الآن ، وهي المرحلة التي شهدت أكبر عملية استيطان في تاريخ الاحتلال للضفة الغربية ، ولماذا لم يوضع هذا الشرط على الطاولة بعد مسيرة أنابوليس ، وبخاصة سنوات أولمرت الذي كانت حكومته الأكثر نشاطا على هذا الصعيد باعتراف الدوائر الصهيونية ذاتها؟،.

 

ليس مهما ذلك كله ، فهم يعولون دائما على ذاكرة الجماهير القصيرة ، لا سيما ذلك الجزء الذي يرفض الاعتراف بفشل خيار التفاوض والاعتراف المجاني ، في حين يصعب علينا نحن أن ننسى ، ليس فقط لأن القصة أصلا لا تزال حديثة ، ولم يتطاول عليها العمر ، بل أيضا لأننا مقتنعون بأن عودة القوم إلى التفاوض ليست بعيدة بحال تبعا لنبذهم الحاسم للخيار الآخر.

 

أسوأ ما في هذا المشهد الذي ورثناه من أوسلو ، وتاليا أنابوليس في ظل القيادة الجديدة التي سيطرت على حركة فتح ومنظمة التحرير بعد عرفات وأعلنت القطيعة مع خيار المقاومة والانحياز الكامل لخيار التفاوض ، أسوأ ما في المشهد المذكور هو أنه لا يلد غير المصائب ، سواء فاوض القوم أو تمنّعوا واشترطوا وقف الاستيطان.

 

إذا فاوضوا وباعوا وهمْ السلام ، وسمحوا لدولة العدو بتسويق نفسها كدولة محبة للسلام ، فإن النتيجة هي المزيد من التطبيع مع العالم العربي والإسلامي ، والأسوأ مزيدا من الاستيطان والتهويد الذي يتحرك بشراسة في ظل المفاوضات ، بينما يتراجع في ظل المقاومة والانتفاضة.

 

أما إذا رفضوا العودة إلى طاولة التفاوض قبل وقف الاستيطان ، فإن هذا الأخير لن يتوقف ، اللهم إلا بطريقة نتنياهو التي أعلن عنها (تجميد جزئي لمدة عشرة أشهر يستثني القدس ويستثني قرارات البناء القديمة التي تخرج من الأدراج تباعا ، مع رفض المستوطنين الالتزام الفعلي بقرار التجميد).

 

سبب ذلك أن الاستيطان لا يتوقف كما قلنا إلا في ظل المقاومة والانتفاضة ، وهذه غير موجودة ولا متوفرة باستثناء "الشو" التقليدي في بلعين ونعلين ، وعدم وجودها لا يتعلق بتقاعس الشعب الفلسطيني وتراجع قابلية التضحية بين أبنائه ، بل يتعلق باستمرار التنسيق الأمني ومطاردة المقاومين من الفصائل ، وأخذ التعهدات من الفتحاويين منهم بعدم العودة إلى "العنف".

 

إذا كان التنسيق الأمني ماضيا بكل تلك الحماسة ، ومعه مطاردة المقاومة وتهدئة الوضع ، والحرص على الاستثمار وبناء المؤسسات ، بحسب تعبير سلام فياض ، فلماذا يوقف الصهاينة الاستيطان؟ نعم لماذا يوقفوه بينما يطارد عدوهم مسار الدولة العتيدة ، ليس على حدود الرابع من حزيران ، وبالشروط الثمانية كما يردد كبيره في كل خطاب ، بل على (مناطق أ و ب) أو حدود الثامن والعشرين من أيلول عام 2000 ، أي تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى؟، هذا هو ما يطاردونه عمليا برعاية الجنرال دايتون ، والسيد توني بلير ، بينما يتوسل السيد جورج ميتشيل إلى نتنياهو على أمل أن يمنح القوم مزيدا من الحوافز (إزالة بعض الحواجز ، تسليم الإدارة الأمنية لمزيد من المناطق ، الإفراج عن بعض المعتقلين) ، وذلك كي يحسّنوا وضعهم الداخلي ويعودوا بجرأة إلى طاولة التفاوض.

 

من أراد أن يوقف الاستيطان بجد ، فعليه بالمقاومة ، إن لم يكن بالمقاومة المسلحة ، فليكن بالمقاومة السلمية (ألم يوجعوا رأسنا بهذا المصطلح زمنا طويلا؟،) ، لكن ذلك يتناقض كليا مع التنسيق الأمني ، ومع مطاردة خيرة أبناء الشعب الفلسطيني ، كما يتناقض مع اعتبار بناء المؤسسات مقدما على تحرير الأرض.

 

لن نتحدث هنا عن عبثية خيار التفاوض في ظل نتنياهو ، مع أنه كان كذلك أيضا مع باراك ومع أولمرت وليفني ، فتلك حكاية باتت مملة ، وهم لا يخجلون منها ، إذ ما دامت الحياة مفاوضات وبناء مؤسسات ، فإن استمرار هذه اللعبة ليس مشكلة ، ولو إلى يوم الدين ما دامت أمور القوم ومن يحبون في أحسن حال وأهدأ بال ، إذ لا يوقفون عند الحواجز ، ولا يُمنعون من السفر ، ولا يُحرمون من رخص الاستيراد وبناء الشركات ، وحتى المدن ، وأقله الأحياء "الراقية"،،.

========================

الأزمة التالية لأوباما

إيفان إيلاند - «أنتي وور»

الدستور

27-1-2010

منذ أن تسلم السلطة ، كان على باراك أوباما أن يتعامل مع اقتصاد يتهاوى بسرعة ودون توقف ، ومع "أزمة" رعاية صحية أوجدها بنفسه ومحاولته "الإصلاح" ، ومع تمرد طالبان المتزايد في أفغانستان. حتى الآن ، العراق هادئ بشكل كاف إلى حد أن العديدين في الإعلام وبين عامة الناس حولوا اهتمامهم إلى حروب الساعة في أفغانستان واليمن والصومال. السلام النسبي في العراق (الذي تقطعه هجمات عنيفة متباعدة) ربما يكون على وشك أن يتلاشى ويتسبب بأزمة اخرى للرئيس.

 

لجنة العدالة والمساءلة العراقية لا تطبق العدالة ولا تقوم بالمساءلة ، تعمل في السر ، ويرأسها أحمد الجلبي ، الذي يشتبه بأنه عميل لإيران ، والذي خدع إدارة بوش ، التي كانت على استعداد للاستماع إليه ، واقنعها باجتياح العراق: وتضم فيصل اللامي ، الذي كان اعتقل بتهمة الإرهاب. أعلنت اللجنة عدم أهلية أكثر من 500 مرشح للانتخابات البرلمانية المقبلة في شهر آذار. كان أغلب المرشحين من السنة ، وهذا الحرمان القانوني يمكن أن يعيد إشعال التمرد السني بصورة شاملة ، أو الحرب الأهلية بين السنة والشيعة.

 

الحظر الذي صادق عليه رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي ، يساعد بصورة ملائمة تحالفه الانتخابي السني الشيعي المختلط ، وما يدعو للسخرية انه يدعى تحالف دولة القانون ، على تقويض منافسه الرئيس ، تحالف العراقية المختلط بصورة مشابهة ، الذي يضم نائب رئيس ، ورئيس وزراء سابق ، وسياسيا سنيا بارزا منع من خوض الانتخابات. بالطبع ، في نزاع المصالح النموذجي في العراق ، التحالف الشيعي للجلبي واللامي يستفيد أيضا من حرمان المرشحين السنة من خوض الانتخابات.

 

في عام 2005 ، شعر السنة أيضا بأنهم حرموا من حقوقهم المشروعة ، وهو ما أدى إلى تصاعد التمرد وإلى الحرب الأهلية مع الشيعة في عامي 2006 و,2007 لذا قد يكون لقرار هذه اللجنة غير الرسمية عواقب مأساوية.

 

يبدو أن القرار قد صعق الدبلوماسيين الأميركيين والأجانب ، الذين كانوا على ثقة أن انخفاض العنف في العراق قد حدث ، وأصبح فاعلا ، بسبب حملة "بناء المؤسسات" التي تقودها الولايات المتحدة ، الحملة التي فرضت بشكل مصطنع بالتهديد ، . لكن في معظم المجتمعات ، فإن القوانين والمؤسسات عادة ما تراقب الإجماع المجتمعي والاتفاق غير الرسمي بين الفصائل. القليل من هذا يظهر في العراق ، تبعا لذلك فإن الدستور ، والقوانين ، والمؤسسات التي جرى إقرارها تحت ضغط القوى المحتلة ، هي مجرد مظهر خادع. والإعلان الصريح لعدم أهلية المرشحين ، أمر متوقع من الدول الخاضعة لحكم فرد واحد مثل إيران ، هو مجرد علامة على طبيعة المجتمع العراقي الممزق بصورة متواصلة.

 

إلى أن يتم التعامل مع تلك التصدعات الخفية ، سيكون الانخفاض في مستوى العنف مؤقتا فقط ، هذا الانخفاض كان سببه في الأصل قيام أميركا بدفع الأموال للمتمردين السنة لوقف تمردهم ، والتطهير العرقي المسبق للفصل بين الفرق المتحاربة ، والإعياء التام من الحرب أكثر مما هو إجماع مجتمعي في بلد مصطنع. تاريخيا ، في نزاعات عرقية طائفية أخرى مشابهة ، كان العنف بين مد وجزر طوال الوقت. كما قال لاعب البيسبول الكبير يوغي بيرا ساخرا ، "لن ينتهي العنف حتى ينتهي كل شيء". ولا يبدو أن الأمر سوف ينتهي قريبا.

 

بالإضافة إلى منع المرشحين من خوض الإنتخابات ، هناك أعراض أخرى للشقاقات الحزبية المستمرة وهي الصعوبات بإقرار القوانين التي تحكم انتخابات شهر آذار والسيطرة على مصادر النفط ، والشجار الداخلي في التحالفات الانتخابية المختلطة التي يتكرر إطراؤها (خصوصا في العراقية التي أعلن عنها مؤخرا) ، وقيام الجيش الذي يسيطر عليه الشيعة بفرض الأحكام العرفية في مناطق السنة في بغداد ، وأكثر ما ينذر بالخطر هو الولاء الواضح لوحدات معينة من قوات الأمن العراقية لفصائلهم الطائفية - العرقية ، الكردية أو الشيعية أو السنية ، أكثر من ولائهم للدولة العراقية.

 

بسبب تكرار حرمان السنة من حقهم بالتصويت وإمكانية وقوع ردة فعل عدائية ، هناك ضغط للعمل من أجل تدخل قوي للولايات المتحدة لتحريض التحالفات العراقية على التوصل إلى تسوية بشأن المرشحين الممنوعين من الترشح للانتخابات ، وهكذا يتم تجنب العنف ويصبح هناك ضمان لعملية انتخاب أكثر سلاسة. وحتى إذا تم التوصل إلى تسوية ، فهذه التسوية لا تسدد ضربة لمشروع الولايات المتحدة المصطنع في أبقاء العراق وحدة متماسكة.

 

حرمان المرشحين قانونيا من خوض الإنتخابات هو مؤشر على وجود خطر ويؤكد بصورة كبيرة جدا التهديد بأن العنف المتجدد يربك خطة أوباما الجديرة بالثناء بسحب القوات الأميركية من العراق في نهاية العام المقبل.

========================

لبنان.. قاعدة المقاومة العربية والإسلامية

باسم الجسر

الشرق الاوسط

27-1-2010

في الساعة نفسها التي كان المبعوث العسكري الأميركي يبحث مع رئيس الجمهورية اللبنانية «تعزيز الجيش اللبناني بأسلحة متطورة»، كانت أحزاب وتنظيمات وشخصيات عربية وإسلامية تعقد - على مسافة كيلومترين أو ثلاثة من القصر الجمهوري - مؤتمرا لدعم المقاومة، ويعلن أمين عام حزب الله أنه سيهزم إسرائيل مرة جديدة، وسيغير وجه المنطقة بأسرها، وكانت شاشات التلفزيون تبث حديثا لأحد المسؤولين في أحد التنظيمات الفلسطينية المسلحة في لبنان يعلن فيه صراحة أن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات في لبنان، خط أحمر لا يستطيع أحد أن ينزعه من أيديهم، فالإنسان اللبناني، بل العالم بأسره، يعرف أن «عودة المقاومة» إلى لبنان بهذا الشكل والحجم الجديدين، أمر خارج عن توجه الحكم والحكومة، وعن رغبة قسم كبير من اللبنانيين، الذين يخشون أن يؤدي إلى عدوان إسرائيلي جديد، يدمر البنى التحتية اللبنانية وربما أكثر، ويعيد لبنان إلى ما كان عليه قبل عشرين سنة. لكن ما من لبناني يستطيع إنكار حق الفلسطينيين والعرب والمسلمين في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. كما أنه لا توجد حكومة لبنانية، ائتلافية كانت أم لا، قادرة على التنكر لحق المقاومة، فلسطينية كانت أم عربية أم إسلامية. وهكذا كان صوت المقاوَمات أعلى من صوت دعاة الاستقرار والتسوية السلمية في لبنان.

للوهلة الأولى يشعر الإنسان اللبناني بالاعتزاز ببلده جراء اختيار المقاومات الفلسطينية والعربية والإسلامية له كمركز أو كمنطلق أو منبر إعلامي لها. وتلك هي ثمرة الحرية السياسية التي ينعم بها، وشهادة على صدق انتمائه العربي، إلا أن تصدر لبنان جبهة مقاومة إسرائيل يستدعي بعض الملاحظات:

الملاحظة الأولى هي ما ستكون عليه ردة الفعل الإسرائيلية، ففي السبعينات والثمانينات احتلت إسرائيل قسما صغيرا ثم كبيرا من لبنان لصد المقاومة الفلسطينية التي اتخذته قاعدة لها. وفي عام 2006 قامت بعدوانها الذي لم يحقق أهدافه بفضل مقاومة حزب الله، ولكنه أحدث دمارا قدر بالمليارات. وهي منذ هذا العدوان الأخير تدرس وتخطط للحرب القادمة مع لبنان، ولأنها تعرف أن حزب الله قد جدد ترسانته الصاروخية ووسائل دفاعه الأخرى، فلسوف يكون عدوانها أقسى وأشد من العدوان الأخير، حتى ولو لم يحقق كل أهدافه. وهذا ما لا يريده أحد للبنان وللبنانيين، وفي طليعتهم حزب الله والمقاومون الآخرون. والسؤال هو: كيف سيستطيع لبنان المحافظة على سلامته واستقراره السياسي وتجنب عدوان إسرائيلي جديد، في الوقت الذي يتحول فيه تدريجيا إلى قاعدة رئيسية للمقاومة؟

الملاحظة الثانية هي قدرة الحكم اللبناني، لا سيما الحكومة الائتلافية، على التوفيق بين التجاذبات الإقليمية والدولية المتضادة التي تتنازعه، ونعني المحور الإيراني - السوري والمحور المصري - السعودي، والمحور الأميركي - الأوروبي، والنجاة من تصادمها. لقد تفادى الحكم نظريا، هذه التناقضات في البيان الوزاري والتصريحات التي تجمع بين «حق المقاومة» و«حق الدولة في بسط سيادتها على أراضيها» و«احترام القرارات الدولية» ولكن رغم اقتناع الجميع أن التوفيق بين هذه الخيارات ليس ممكنا، فإن الجميع تفهموا موقف الحكومة وعذروها. وسيستمرون في التفهم والعذر ما دامت الأمور سائرة في مجراها الطبيعي، وما دام الاستقرار غالبا. أما إذا دفعت أحداث دولية أو إقليمية الأوضاع نحو السخونة أو فجرتها، فإن هذا التوفيق يصبح صعبا، والخيار ملزما. ولكن أي خيار؟ ومن سيتحمل مسؤوليته؟

ومن يدفع ثمنه، إن لم يكن لبنان واللبنانيون؟

الملاحظة الثالثة هي أن هذه التطورات الأخيرة على المسرح السياسي اللبناني حملت إلى طاولة الحوار بندا جديدا يتعلق باستراتيجية الدفاع، وكيفية التوفيق بين «حق المقاومة» و«حق الجيش في بسط سلطة الدولة». وهذان الحقان يتناقضان مبدئيا، رغم كل التصريحات العسلية التي تتحدث عن تلاقيهما أو تكاملهما. ومن هنا السؤال حول تقوية الجيش اللبناني الذي يشارك فيه مع الولايات المتحدة ودول كبرى أخرى ودول عربية: هل يصل الدعم إلى حد تمكين الجيش من بلوغ القدرة على صد عدوان إسرائيلي، ولا نقول التغلب عليها؟ أم أن غاية الدعم هي تمكينه من الوقوف في وجه حزب الله الذي يصرح كبار المسؤولين في العالم بأنه أقوى من الجيش؟ إنه سؤال يسأل، حتى لو كان التعاون بين الطرفين قائما وضروريا في الظروف الراهنة.

لقد عرف لبنان في الأشهر الأخيرة موسما سياحيا ناجحا وهو يستعد لاستئناف حياة طبيعية في ظل الوفاق الوطني الجديد. ولكن تحت هذا الغطاء الاستقراري الجديد، ومن حوله، تتحرك قوى دولية وإقليمية متنافسة بل ومتحاربة، ليس من أولوياتها استقرار لبنان وسيادته واستقلاله ووحدته الوطنية. كما تتحرك إسرائيل التي تشعر بأن الرأي العام العالمي بات أقل تأييدا لها، وأن عليها أن تفعل شيئا ما يخلط أوراق المنطقة ونزاعاتها من جديد، وعندها قد يدفع لبنان فاتورة هذه النزاعات، مرة أخرى، وغاليا.

------------------------

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ