مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

آخر تحديث يوم الأربعاء 12 - 05 - 2004م

ــــ التعريف دراسات  متابعات   قراءات  هوامشرجال الشرق من أرشيف الشرق | صحيفة الشرق العربي |ـ
ـ| مشاركات الزوار |ـجسور |ـجديد الموقع |ـكتب | مجموعة الحوار | تقارير حقوق الإنسان | واحة اللقاء | البحث في الموقع |
ـ

.....

   
 

أسئلةٌ لا تقبل التسويف

الدكتور خلف الجراد

يؤسِّـس الإعلام العربي كثيراً من تحليلاته وتوصيفاته ومقارباته: إمّا على التمنّيات والعواطف والإثارة، وإما على المنطلقات الأيديولوجية­ التعبويّة، التي تنسب غالباً الإخفاقات والأزمات والتعثّر في المشروعات الوحدوية والتنموية والتحديثية إلى العوامل الخارجية، وفي طليعتها «الغرب» وتجربتنا المريرة مع الاستعمار، والسياسات الغربية المتحيّزة لـ«إسرائيل» والصهيونية على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه الشرعية، وتجاهل كرامة العرب وتطلّعاتهم ومصالحهم وما قدّموه للغرب والحضارة الإنسانية على حدٍّ سواء.‏ ‏

ورغم صحّة وواقعية وخطورة العوامل الخارجية، لكنّها لا تفعل فعلها ما لم تجد البيئة الداخلية الملائمة. أمّا طغيان المقاربات العاطفية والأيديولوجية فيشكِّل عنصراً معرقلاً لمعرفة الحقائق من جهة، وعاملاً مرسّـخاً لتخلّف الخطاب السياسي­ الإعلامي من جهة أخرى. ونظراً لتداخل الإعلامي والثقافي والسياسي والمعرفي، فإنّ «الإنتاج» العربي ­باستثناء نسبة متواضعة منه­ أصبح محكوماً بالإعاقة المتبادلة.. وقد يكون منهج النقد هو المبدأ الأول في تخطّي الانسداد الحاصل، والخطوة الضرورية، إن لم تكن الأكثر أهمية في مجال تطوير الخطاب الإعلامي العربي المعاصر.‏ ‏

فإذا أردنا تأسيس خطاب إعلامي مُقْنِع وفاعل عربياً وعالمياً، فلابدّ لنا من الارتكاز الى المنطلقات الآتية:‏ ‏

ـ فصل العلمي والواقعي عن الأيديولوجي والبياني والتعبوي.

2ـ­ حرية الوصول إلى المعلومات مهما كانت مزعجة وفاجعة، وجعل ذلك حقاً ناجزاً وليس حالة خاصة أو ظرفية أو مزاجية.‏

3ـ الابتعاد عن الأساليب المنافية للمنطق العقلاني، المتمثلة بالتبسيط والاختزال والتعميم والأحكام المسبقة.‏

4ـ­ الاعتراف بالعلل المؤدية إلى تخلّف الخطاب الإعلامي العربي، وفي مقدّمتها: التخلّف المجتمعي المؤدّي إلى تخلّف العمل السياسي والإنتاجي؛ التخلّف المعرفي المؤدي الى تخلّف الإنتاج العلمي والثقافي والإبداعي؛ التخلّف المؤسّساتي المؤدّي إلى تغليب عوامل المقاربة الذاتية والعواطف والانتقائية والمزاجية على المعايير الموضوعية والعمل المؤسّساتي؛ تخلّف المسلكيّات المتمثّل بازدواجية المواقف، والانتهازية وعدم الصراحة والتدخل الفج في الحياة الشخصية للفرد، وإرغام الناس بعضهم لبعض على النفاق والتدليس والتكاذب الاجتماعي.‏

مع الجزم أن هذه الأشكال من التخلّف تبقى نسبية، مرتبطة بظروف نشأتها والعوامل المحفّزة؛ لكنها قابلة للتجاوز والتغيير، شرط تشخيصها ودراستها بعمق، وامتلاك الشجاعة في مواجهتها دون اصطناع المعارك في غير أوانها، أو ترك الأمور تنمو بصورة عفوية.. وعندئذ ستزداد هوّة التخلّف وعوامل الإعاقة والتكلّس والجمود.‏

وقد أشار أحد الباحثين العرب في سياق حديثه عن «الأزمة الأخلاقية العامّة»، التي يعاني منها المجتمع العربي، إلى أن البيئة التي تستند في ضبط السلوك إلى التخويف وإشاعة الرهبة في النفوس، وفي تحويل «التعاليم» و«المقتضيات» إلى وسائل للضبط القهري والاستبداد الجمعي «ينتج عنها حتماً نشوء ازدواجية أخلاقية/سلوكية مدمّرة، تحكمها فجوة رهيبة بين مظاهر السلوك الخارجي ولوازمه، وبين حقيقة السلوك الداخلي والمشاعر والأفكار الذاتية التي لا تتنفس غالباً إلا في الخفاء».‏

أخلاقية العلن هي أخلاقية الجماعة المتجبّرة في «فضائلها» المنسوبة إلى إرث معنوي مستمد من الآباء والأجداد غير قابل للمراجعة والتصحيح.. وأخلاقية الخفاء هي السلوكية الحقيقية والفعلية للفرد المكبوت في ممارساته لمستلزمات حياته ومتطلّبات غرائزه ودفق مشاعره وتساؤلات عقله.‏

وفي هذا السياق أيضاً، يقول المفكر العربي القومي قسطنطين زريق: «إن سلّم قيمنا مقلوب رأساً على عقب.. فالبطلان يعلو عندنا على الحقيقة، والنفاق على الصدق، وطلب الحقّ على أداء الواجب، والأخذ ­مهما يكن سبيله­ على العطاء، والأثرة على الغيرية، وشهوة التسلّط على نزعة التعاون والتآلف، والتعلّق برواسب الماضي على تحرّي مطالب المستقبل، والنزوع إلى الحرية العشوائية على الانضباط بروح المسؤولية.. وهذه كلّها وجوه لواقع مرير، هو واقع تخلّفنا الخلقي».‏

نستنكر حملات الظلم والتشويه والإساءة للشخصية العربية في وسائل الإعلام الأجنبية ومراكز الأبحاث والمؤسّسات المرتبطة بأعدائنا.. لكننا نتجاهل بشاعات الهجاء العربي­ العربي، الذي يعطي المادة «الحيّة» المساعدة لتشويه صورة العرب في العالم.‏

ورغم أنه تشكّلت في العالم الغربي على مدى قرون عديدة مواقف واتجاهات وأنماط من التصوّرات الذهنية عن العرب والمسلمين (لامجال هنا للخوض فيها)؛ فإنه بالمقابل وجد عددٌ من المفكّرين وأساتذة الجامعات والباحثين والسياسيين والإعلاميين والمستعربين، الذين حاولوا اختراق المألوف والذهنية الجماعية السائدة لإظهار الحقائق وإزالة الأباطيل وتصحيح التصوّرات المغلوطة.. فهل تواصلنا معهم بصورة فعّالة؟! وهل وقفنا الى جانبهم وشددنا من أزرهم، من خلال مدّهم بالمعلومات الصحيحة والمعطيات الواقعية، وإيجاد علاقات مؤسّساتية منتظمة معهم؟! أم اكتفينا بنقل بعض أخبارهم وإبداء العطف والتعاطف معهم؟؟!.. وهل هناك تواصل إيجابي وحقيقي مع ملايين الناس في أوروبا والولايات المتحدة ممن وقفوا ويقفون ضد الهيمنة واستخدام القوة لفرض إرادات وسياسات واستراتيجيات على العراق وغيره من دول المنطقة؟!‏ ‏

ألا يستحقّ الدبلوماسيون المستعربون البريطانيون ونظراؤهم الأمريكيون، الذين وجّهوا الرسائل التي تُعرب عن الاستياء من سياسات قادة أمريكا وبريطانيا حيال العراق والقضية الفلسطينية، وموضوع التسوية العادلة والشاملة على أساس الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة؛ ألا يستحقون الاتصال والتواصل المباشرين معهم، وتعزيز مواقفهم، والتفكير جدّياً بدعوتهم وتنظيم لقاءات فكرية وثقافية وإعلامية معهم، والإفادة من آرائهم وأطروحاتهم لمخاطبة الرأي العام الغربي؟!.‏

أسئلة نعتقد أنّ من الصعوبة إهمالها أو الوقوف السلبي حيالها، إذا كنّا بوصفنا مثقّفين وقادةً ومفكّرين وإعلاميين، نحمل هواجس الأمّة وتطلّعاتها، ونعمل فعلاً من أجل مشروع حضاري نهضوي، يضعنا على الطريق الصحيح نحو تنمية مجتمعية­ مستقبلية شاملة.‏

دمشق/صحيفة تشرين/كلمة تشرين

الاثنين 10 أيار 2004 السابق

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

for

S&CS

للأعلى

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إليه ، أو غير معزو .ـ

   

ــ التعريف دراسات  متابعات   قراءات  هوامشرجال الشرق من أرشيف الشرق | صحيفة الشرق العربي |ـ
ـ| مشاركات الزوار |ـجســـور |ـجديد الموقع |ـكــتب | مجموعة الحوار | تقارير حقوق الإنسان | واحـة اللقـاء | البحث في الموقع |
ـ