ـ

ـ

ـ

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وقولوا للناس حسنا

اتصل بنا

اطبع الصفحة

أضف موقعنا لمفضلتك ابحث في الموقع الرئيسة المدير المسؤول : زهير سالم

الأربعاء 22/09/2004


أرسل بريدك الإلكتروني ليصل إليك جديدنا

 

واحة اللقاء

 

إصدارات

 

 

    ـ أبحاث

 

 

    ـ كتب

 

 

    ـ رجال الشرق

 

 

المستشرقون الجدد

 

 

جســور

 

 

التعريف

أرشيف الموقع حتى 31 - 05 - 2004

ابحث في الموقع

أرسل مشاركة


ندوة عن الفساد !

ميشيل كيلو

جمعتني ندوة حول الفساد مع بعض المتخصصين في الشأن السوري، طلب مدير الجلسة تعريف الفساد، فقالت إحدى المشاركات: إنه ـ في تعريف البنك الدولي ـ استغلال المنصب من أجل منفعة شخصية، ثم سردت أعراضه العديدة وأشكال وجوده في بلدنا، حين وصل الدور إليّ، تساءلت: كيف نعرّف الفساد عندما يتخطى الحالة الفردية أو تصير هذه حالة عامة؟ ورددت على تساؤلي مؤكداً أن الفساد صار عندنا بنية تحتية تزداد رسوخاً وتتحول أكثر فأكثر إلى أرضية ينهض عليها بناء فوقي متشعب يخترق كل شيء: من الإدارة إلى الوضع الاقتصادي الذي أنجبه نمط تنمية بحاجة إلى تغيير جدي، إلى نمط ثقافة يسود الشارع، إلى هيكلية تنظيمية تجعل بعض مالكي السلطة قادرين ـ وفي حالات معينة مجبرين ـ على ترجمة ملكيتهم الرمزية والمعنوية إلى ثروة، ويتظاهر في غياب المؤسسية، التي تتعين بالقانون وتنضبط به، وغياب المشاركة ودور الرأي العام والرقابة الصحفية المؤثرة والفاعلة، والقضاء النزيه والمستقل، والسلطة التشريعية التي تمارس رقابة عامة وشاملة، وأخيراً غياب الشفافية عن الدولة التي تجعلها بنيتها على درجات بعضها ظاهر وبعضها الآخر خفي، مع أن الظاهر لا سلطة له على الخفي، والخفي يعمل بآليات وأساليب لا شأن للظاهر بها ولا سلطان له عليها... الخ.

سرد أعضاء الندوة أمثلة ملموسة عن الفساد، وأوردوا حكايات مضحكة، مبكية، وقاموا بجولات على حلقاته المختلفة قادتهم من الجمارك إلى المطار فالمحافظة فالمدارس والجامعات فدوائر الدولة الأخرى... الخ، قبل أن يعرجوا على فساد المناقصات وحتى الكوارث الطبيعية والوطنية، أخيراً، قال أحدهم إن الفساد ليس فقط مد اليد إلى المال العام أو الخاص، بل هو كذلك شيء معنوي وأخلاقي، شيء في النفوس والقلوب، يؤكده قبول أشخاص كثيرين مناصب ليسوا أهلا لها، وقيام مسؤولين كثيرين بمنع المتخصصين وأصحاب القدرات من العمل في دوائرهم أو مرافقهم، كي لا يشكلوا خطراً عليهم، وتمسك مسؤولين آخرين بمناصبهم طالما بقوا أحياء... الخ، أمام هذه الصورة القاتمة، قال أحدهم إن الفساد بنية، وقد بلغ هذا الحد من الانتشار لأنه طبيعة في النفس البشرية.

قال أحد الحاضرين: لو كان الفساد طبيعة لدى البشر، لكان حديثنا عنه وتشخيص سبل الخروج منه ضرباً من العبث وإضاعة الوقت، إلا إذا كنا نظن أن بوسعنا تغيير النفس البشرية عبر كلمات تطلق في فضاء جلسة حوار عابرة، ولو كان طبيعة لما كان بالأمس أقل منه اليوم، ولكانت محاربته مستحيلة، ليس الفساد طبيعة بل هو نتاج الواقع، ومن يراقب تاريخه الأخير سيجد أنه يرتبط بالسلطة أكثر من المجتمع، وبالرسميين أكثر من الشعبيين، وبأصحاب النفوذ أكثر من غيرهم، وهناك، على كل حال، مجتمعات ودول لا تعرف الفساد كبنية، وإن عرفته كحالات فردية متفرقة، وهناك بلدان لا يحكم الفساد علاقات الناس فيها ببعضهم وبمؤسسات الدولة، ويكاد يستحيل فيها تقديم رشوة إلى شرطي أو مدرس أو أستاذ جامعي أو موظف جمارك أو أحوال مدنية أو قضاء، لأن ضوابط قانونية ورقابية فاعلة تنظم عمل الموظف فيها، الذي يغطي دخله حاجاته ويكفيه مذلة مد يده إلى جيوب المواطنين أو جعلهم يمدون أيديهم إلى جيوبهم لإعطائه بعض ما فيها، وإلا عطل أعمالهم ومصالحهم وأعمال ومصالح الدولة، وبلادنا يمكن أن تبلغ وضعاً كهذا، إذا ما توفرت فيها ضوابط قانونية ورقابية فاعلة، وحصل عاملها على دخل يكفيه، وتغير نمط الإدارة القائم، الذي يمكن بعض مالكي السلطة والنفوذ من وضع أنفسهم فوق القانون ويتعاملون مع المال العام وكأنه مالهم الخاص، وبالتالي يضع الجميع تحت سلطة القانون.

كيف نصل إلى وضع كهذا؟ سأل رئيس الجلسة متشككاً، فاتفقت الأصوات، التي كانت قد اختلفت على تعريف الفساد وهويته، وقالت كلاماً متقارباً عن الجوانب المختلفة من الرد المطلوب، وأجمعت على أنه يستحيل محاربة الفساد كبنية إلا ببنية مقابلة تنفي الأسباب والآليات التي ولّدته، على أن تبدأ من مشروع جديد يترجَم إلى خطط عمل وواقع ملموس، يحمله الشعب السوري، الذي يرى في التخلص من الفساد مصلحة وطنية عليا، ويتعطش إلى الإصلاح وحكم القانون والمؤسسية، ويريد قدرا من العدالة يكفيه ذل الفساد، ويؤمن العمل والحياة الآمنة لبناته وأبنائه، شخّص الحاضرون مداخل البنية الجديدة، فقال أحدهم إنها تربوية وتعليمية، وإن عليها تعزيز مكانة الإنسان في الحياة العامة وتأكيد دوره في الشأن العام، وأكدت إحداهن أنها القضاء النزيه والقادر على محاربة الفساد، وأضاف ثالث: بل هو الصحافة الحرة، التي تنطلق من حق الرأي العام في المشاركة السياسية والرقابية، وأردف رابع منبهاً: لا تنسوا الإدارة وأهميتها في بناء الدول والأمم، ولا تقللوا من دورها الخطير في كشف بلادنا أو تحصينها ضد أخطار التحولات التي تنتظرها على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا تتجاهلوا دور البيروقراطية إن هي عملت بطريقة مختلفة من الآن فصاعداً، علق المتحدث الأخير قائلاً: ما قيل صحيح كله، وهو يعبر عن ثقتنا بأن سوريا ستقضي على الفساد من خلال التدابير التي تتخذها اليوم ضده، حين صمت ضحك القوم، نظر إليهم لبرهة باستغراب ثم انتبه إلى ما قاله، فضحك معهم ‍وهو يهز رأسه مثلهم يأساً‍.

ونحن نصعد الدرج في طريقنا إلى خارج المكتب، كان أحدهم يهمس: يا أخي، والله بياع البسطة بيعرف كيف بيحاربو الفساد، والله المشكلة ما عند الشعب!

مجلة أبيض وأسود السورية المستقلة / العدد 96  الصادر في: 13\9\2004

 

أعلى الصفحةالسابق

 

الرئيسة

اطبع الصفحة

اتصل بنا

ابحث في الموقع

أضف موقعنا لمفضلتك

ـ

ـ

من حق الزائر الكريم أن ينقل وأن ينشر كل ما يعجبه من موقعنا . معزواً إلينا ، أو غير معزو .ـ