الرئيسة \
تقارير \ في مواجهة عُقَدِ الأنماط السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتناقضة للسوريين
في مواجهة عُقَدِ الأنماط السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتناقضة للسوريين
24.07.2025
د. عبد المنعم حلبي
في مواجهة عُقَدِ الأنماط السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتناقضة للسوريين
د. عبد المنعم حلبي
سوريا تي في
الاربعاء 23/7/2025
لعل الكثيرين ممن اعتقدوا أن سقوط النظام كانت نهاية المعركة قد بدؤوا يدركون خطأهم، فالسقوط لم يكن إلا إيذاناً بتحوّل المشهد السوري من لوحة بانورامية تحكي قصص المأساة التي عانى منها شعبنا خلال سنوات الحرب، من تضحيات وخراب وهجرة وتشرُّد وتشرذم، إلى مسرحٍ مفتوحٍ يشترك فيه جميع السوريين، القاصي منهم والداني، مختلفين من تفاصيل شكل الدولة وهويتها وطبيعة الحكم فيها وآلية عمل مؤسساتها، إلى مبادئ نظامها الاقتصادي وسلوكه الأفضل بين الاستثمار في القطاع العام أو اقتصار الاعتماد على القطاع الخاص، في ظل منافسة غير متكافئة بين الاستيراد والصناعة الوطنية.
وذلك كله في أجواء صاخبة ازداد فيها الشقاق المجتمعي المبني على الاختلافات الإثنية، العرقية والمذهبية، تحت ضغط صراعات ما بعد السقوط، فاختلطت مشاهد الحشود العسكرية مع تجمعات احتفالات النصر، وامتزجت ابتسامات وقصص الأمل بالمستقبل، بدموع ودماء أبرياء جدد، في ظل اتهامات خطيرة عن وقائع جديدة مؤلمة بين السوريين، ليزداد تعدد وتناقض أنماط ولاءاتهم واختلافاتهم، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.
لا يمكن تجاهل تشكل أنماط اقتصادية مختلفة بين السوريين، كنتائج لآثار اقتصاد الحرب الذي عاشته البلاد، وفوضى الارتباط الاقتصادي بالخارج، ولاسيما عبر شبكات التهريب، أو الارتباط النقدي بالدولرة الشديدة أو الليرة التركية، أو المالي بالاعتماد على الحوالات الخارجية.
يحدث ذلك، بدون توفر مشروع أو جهود حقيقية لاستعادة منظومة اجتماعية وطنية منسجمة فيما بينها، وذات قدرة على طرح ممثليات سياسية شرعية، ذات خلفيات أو مصالح اقتصادية واسعة ومشتركة، لإنجاز انتقال سياسي واقتصادي آمن نحو المستقبل.
فسياسياً، وبعد سقوط النظام بدأ السوريون يتوزعون بين عدة فئات: الأولى، وتظهر أنها أغلبية، تؤيد السلطة الجديدة في كل ما تفعله، وإلى كل ما تعلن أنها ترمي إليه، مستخدمة مصطلح "الدولة" وفق مبدأ "شرعية احتكار القوة"، والتمسك بعناوين من قبيل "من يحرر يقرر" و"الشرعية الثورية"، وتطبيقاتها الواسعة في مؤسسات الدولة. وتتكون هذه الفئة من عناصر هيئة تحرير الشام ومؤيديها، أو البيئة الثورية عامةً، أو من المؤيدين الجدد، سواء أكانوا من معارضين سابقين للنظام والهيئة، أو حتى من مؤيدين سابقين للنظام نفسه، ضمن فئة جامعة بينهما، أُطلق عليهم جميعاً "المكوعون"، وهم من اقتصرت عليهم الدعوة لحضور مؤتمر "الحوار الوطني" كما تشير مصادر.
الفئة النمطية السياسية الثانية، هي تلك الفئة التي تؤيد السلطة الجديدة في مساعي استعادة الدولة، ولكن تريدها استعادة تشاركية، بإطار سياسي واسع، يسمح بالتنوع والتعددية. وحتى وإن لم تتجرأ هذه الفئة -حتى الآن- على استخدام المصطلحات الديمقراطية، التي كانت لا تفارقها في نضالها ضد النظام الأسدي الهارب، فإنهم يُوحون بإمكانية انقلابهم على السلطة الجديدة، إذا ما استمرت في "تطنيشهم". وفي الواقع فإن هؤلاء ليسوا حالياً في أيٍ من دائرتي الاهتمام الإيجابي أو الاستهداف السلبي من قبل السلطة، والتي ربما تنظر إليهم كلاعبين "احتياط"، يمكن الاستعانة بهم في حالة تطويعهم في وقت ما، بجوار سابقيهم من لاعبي "التكنوقراط" في أعلى هرمية الحكومة الانتقالية أو صفها الثاني.
أما الفئة الثالثة، وربما هي الأقل، فهي فئة اخذت تجهد في بدء رحلة تبدو طويلة وشاقة لبناء كتلة معارضة لسياسات السلطة الجديدة، والتي تعتبر بنظرهم سلطة أمر واقع تهدف لترسيخ وجودها لا غير. وتخاطب هذه الفئة قاعدة شعبية من الشرائح المتضررة والمهمَّشة من تلك السياسات، وتحاول أن تجمع حولها مؤيدين من طرفي الصراع السابق. وأخيرا تبرز بقايا الأغلبية السابقة كفئة رابعة، تحافظ على تراثها ونمطيتها وسماتها المعتادة، صامتة، مُراقِبة، قادرة على التأقلم مع كل الظروف، والسكون أمام كل تحوّل.
وعلى الصعيد الاقتصادي، لا يمكن تجاهل تشكل أنماط اقتصادية مختلفة بين السوريين، كنتائج لآثار اقتصاد الحرب الذي عاشته البلاد، وفوضى الارتباط الاقتصادي بالخارج، ولاسيما عبر شبكات التهريب، أو الارتباط النقدي بالدولرة الشديدة أو الليرة التركية، أو المالي بالاعتماد على الحوالات الخارجية. وفي الواقع، فإنه يَسْهُلُ -اقتصادياً- أن نُميز فئة صغيرة جداً تمثل الأثرياء الجدد المرتبطين باقتصاد الحرب وشبكات التهريب، عن فئة أخرى أوسع من الرواد محدودي القدرات المالية، الذين كَونوا مشاريع صغيرة محلية رغم الفوضى، بينما ترزح الأغلبية الساحقة مسحوقةَ تحت وطأة الفقر الشديد، والاعتماد على المساعدات بكافة أشكالها، وبأدنى محدودية من الموارد ومستوى المعيشة.
وبينما يتلاشى الخلاف حول مصير القطاع العام نحو التسليم للاستثمار الخارجي ودور ريادي للقطاع الخاص، فإنه يظهر في هذا الأخير تناقض بين فئتين: الأولى فئة الصناعيين الوطنيين الذين صمدوا، أو عادوا، أو أنهم راغبون بالعودة إلى البلاد لاستعادة القدرات الصناعية السابقة، وبحاجة لسياسة دعم حمائية في مواجهة فوضى الاستيراد، وفئة أخرى تجارية- ريعية ارتبطت بالأسواق الخارجية خلال سنوات الحرب، كوكلاء تجاريين لشركات أجنبية، وهم يؤثرون باتجاه استمرار اعتماد السوق على الاستيراد، ويُلاحظ إحاطتهم بمراكز القرار في دمشق.
نحن بحاجة إلى نموذج اقتصادي تحرري حقيقي، تعزل فيه الحكومة نفسها عن أي مصالح في السوق، وتنهي أي ارتباطات مصلحية لها مع القطاع الخاص، وتشجع اقتصاد المبادرات الفردية، والاقتصاد المحلي، واللامركزية الإدارية والمالية.
وعلى مستوى المجتمع، نعرف أن أهم ما نتج عن الحرب، من خلال ضرب النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية للشعب السوري، هو ترسُّخُ الانتماء العامودي الانعزالي، الطائفي والعرقي بين السوريين، إضافة إلى المناطقية والعشائرية. كما انقسم السوريون إلى مجتمع منهك ومقيد في الداخل، ومجتمع شتات باحث عن النجاة بكرامة بعيداً عن البلاد، وفئات منسوجة بالولاءات المسلحة أو الدينية أو الأهلية المرتبطة بمراكز قوى ذات علاقات خارجية قوية.
وهكذا فمن الواضح تماماً أن إدارة هذا المشهد السوري الانقسامي غير المسبوق هي عملية معقدة للغاية، وتحتاج إلى قدرات نوعية عليا، لاسيما مع موجات العنف والاقتتال التي تكررت مرتين منذ سقوط النظام، في الساحل، ثم السويداء. وحيث إن الساحة السياسية هي في الأصل بحاجة إلى عملية تأهيل جماعي للوعي السياسي، وتدريب عميق على الحياة العامة، والقبول بالتعددية، قبل الجرأة في الحديث عن أي تداول سلمي للسلطة، فإن عقدة العودة إلى نموذج الدولة المركزية الرعائية التي كانت مفروضة في ظل النظام البائد تعتبر مشكلة حقيقية ينبغي معالجتها بمرونة. فإمكانية فرض الوحدة المجتمعية من أعلى الهرم، تبدو مستحيلة، لذلك لابد من العمل على ذلك انطلاقاً من القاعدة، من البلديات والمجالس المحلية الحرة، من مجتمع مدني مستقل ونابض بالحياة، ومن مسارات مصالحة حقيقية. كما أن إعادة بناء المجتمع يتطلب مشروعاً وطنياً جامعاً، ما زال مفقوداً، مشروعٌ يتجاوز أخطار الثأر والخوف، ويعيد الاعتبار للقيم المشتركة: العدالة، والمواطنة، والتعددية، بما يسمح بالخروج من عقدة (من يحكم سوريا؟) إلى قضية (أي سوريا نريد أن نُحْكَمَ بها؟).
وبالتوازي مع ذلك، نحن بحاجة إلى مناخ قانوني ومؤسساتي آمن وعادل لجميع السوريين، ونحن بحاجة أيضا إلى نموذج اقتصادي تحرري حقيقي، تعزل فيه الحكومة نفسها عن أي مصالح في السوق، وتنهي أي ارتباطات مصلحية لها مع القطاع الخاص، وتشجع اقتصاد المبادرات الفردية، والاقتصاد المحلي، واللامركزية الإدارية والمالية الجغرافية السورية، فيما يتعلق بفرص العمل وإقامة المشاريع التنموية.
وفي الختام، إن كل ما سبق مما ينبغي عمله، يرتبط بصورة مباشرة بنجاح ولادة جديدة لدولة سليمة، أو ولادة مسخٍ مشوهٍ غير مرغوب في بقائه. وأمامنا جميعاً، السلطة والشعب، فرصة نادرة وقاسية بنفس الوقت، بأن ندرك أن التغيير لم ولن يُختزل بزوال رأس النظام وهروبه، بل في استبدال عقليته، والقضاء بصورة قطعية على علاقاته وأشباهها، وإزالة أنماط السيطرة والنفوذ التي كان يفرضها على شعبنا خلال عقود خمسة، لنكون قادرين على أن نحيا في بلادنا شعباً متنوعاً، حراً، وشريكاً في مستقبله.