الرئيسة \
تقارير \ في المقاربتين الأميركية والإسرائيلية حيال سورية
في المقاربتين الأميركية والإسرائيلية حيال سورية
26.07.2025
حسين عبد العزيز
في المقاربتين الأميركية والإسرائيلية حيال سورية
حسين عبد العزيز
العربي الجديد
الخميس 24/7/2025
على الرغم من اعتراف الرئيس الأميركي، دونالد ترامبـ، في ولايته الأولى بضم الجولان إلى إسرائيل، وعلى الرغم من الدعم الأميركي الهائل الذي تحصل عليه إسرائيل منذ 7 أكتوبر (2023)، إلا أن المقاربتين الأميركية والإسرائيلية حيال سورية ليستا متطابقتين.
عشية سقوط نظام الأسد، كان ترامب غير مبالٍ حيال سورية، وقد صرح في 7 ديسمبر/ كانون الأول الماضي بأن "سورية في حالة فوضى، لكنها ليست صديقتنا، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تُشارك في هذا، هذه ليست معركتنا، دعها تُحسم، لا تتدخّلوا". ولكن بعد سجال أميركي داخلي بين تيارين، أحدهما يطالب بالانفتاح على سورية الجديدة والآخر يصر على إبقاء القطيعة الأميركية، قرّر ترامب اعتماد التيار الذي يمثله وزير الخارجية ماركو روبيو وآخرون، بعدما تعرض لمطالب مشابهة من أنقرة، والرياض، والدوحة، وعمّان.
جاء لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، في الرياض، ليتوج هذا المسار التصالحي، ويجعل من ترامب غير نادم على اتخاذه هذا المسار، خصوصاً بعدما سمع من الشرع موافقته على المطلب الأميركي استعداده لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، واستعداده للتكفل بالسيطرة على المقاتلين الإسلاميين غير السوريين في سورية. ومنذ ذلك اللقاء، وإعلان ترامب رفع العقوبات الاقتصادية عن سورية، برز التباين بين الولايات المتحدة وإسرائيل حيال دمشق: بالنسبة لإسرائيل، تشهد سورية أسوأ حالاتها التاريخية، فلا تمتلك أبسط مقومات الدولة والقوة، وهذه فرصة تاريخية لإسرائيل لفرض أجنداتها المُعلنة والدفينة معاً. ولا يتعلق الأمر بالهيمنة الكاملة على الجولان، والبقاء في المناطق التي سيطرت عليها داخل الجغرافيا السورية بعيد سقوط نظام الأسد، لا سيما قمم جبل الشيخ (حرمون) فحسب، بل التحوّل إلى لاعب سياسي داخل سورية من خلال التيار الذي يترأسه شيخ عقل الدروز حكمت الهجري.
تقسيم سورية فكرة منبوذة من كل الدول الإقليمية والدولية باستثناء إسرائيل
ووفقاً لمحللين وكتّاب إسرائيليين، تقوم المقاربة الإسرائيلية على تقسيم سورية إلى كانتونات عدة: درزي، وكردي، وإذا سمحت الظروف بكانتون علوي، وإن كان الأخير صعباً لأسباب عديدة، منها الانتماء العروبي العالي في الأوساط العلوية. وربما لم تكن مصادفة أن يطلب الهجري من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فتح ممر برّي بين السويداء ومنطقة الجزيرة السورية (ممر داود). وستتيح لها هذه الكانتونات التي ترى إسرائيل إمكانية تحققها في الحالتين الدرزية والكردية أن تكون لاعباً اجتماعياً وسياسياً في سورية إلى جانب دورها العسكري، غير أن إسرائيل، التي تدرك في المقابل أن ثمة دروزاً كثيرين لن يتخلوا عن انتمائهم العروبي السوري، ولا يجدون كينونتهم الوجودية مع إسرائيل، تعمل على تأجيج الوضع الطائفي أكثر ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وربما أحداث السويداء أخيراً كانت الفخّ الذي نصبته للشرع، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الأميركي بطريقة مهذّبة، حين قال إن ثمة سوء تفاهم جرى.
مقاربة الولايات المتحدة لسورية أوسع بكثير من المقاربة الإسرائيلية، لأن واشنطن تأخُذ بالاعتبار مصالح حلفائها في المنطقة من جهة، وتدرك أهمية موقع سورية الجغرافي من جهة أخرى في استقرار المنطقة.
من وجهة نظر أميركية، يمكن تحقيق المطالب الإسرائيلية المتعلقة بأمنها الاستراتيجي، مثل إجراء تفاهم حول الجولان يرضي الطرفين، والبقاء في قمم جبل الشيخ على المديين القريب والمتوسط، وإقامة منطقة آمنة جنوبي سورية، لا تدخلها أسلحة ومعدّات عسكرية ثقيلة، وما إلى هنالك.
هذه المطالب مفهومة بالنسبة لواشنطن، ويمكن تحقيقها ضمن اتفاق سلام مع سورية، غير أن استمرار القصف الإسرائيلي على سورية، والعمل على تأجيج الوضع الطائفي، والعمل على تقسيم البلد، أمور تتعارض مع رؤية الولايات المتحدة التي تسعى وتؤكد على ضرورة إقامة دولة سورية موحدة. وتقسيم سورية فكرة منبوذة من كل الدول الإقليمية والدولية باستثناء إسرائيل، لأنها ستجعل من الشرق الأوسط بركاناً متحركاً يُلقي بحممه على المنطقة.
تركز مقاربة ترامب، الراغب بأن يحصل على جائزة نوبل للسلام، على تعافي سورية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لتصبح جزءاً من معادلة إقليمية متصالحة مع إسرائيل من جهة، وجبهة لمحاربة التطرف الإسلامي الراديكالي، على غرار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من جهة أخرى. ... وضمن هذا التباين الأميركي ـ الإسرائيلي، يمكن للشرع أن يلعب بدهاء سياسي لتغليب المقاربة الأميركية على الإسرائيلية، في ظل انعدام أي مقاربة عربية مغايرة.