الرئيسة \
تقارير \ هل هناك حتمية للصراع بين الأكثرية والأقلية في الشام؟
هل هناك حتمية للصراع بين الأكثرية والأقلية في الشام؟
26.07.2025
محمد فواز
هل هناك حتمية للصراع بين الأكثرية والأقلية في الشام؟
محمد فواز
سوريا تي في
الخميس 24/7/2025
في كل مرة تشتعل فيها نار الصراع في بلاد الشام، يُعاد إحياء خطاب يروّج لحتمية التوتر بين "الأكثرية" و"الأقلية"، وكأنَّ التعايش أمر استثنائي، والاقتتال قدر لا مفر منه. غير أن قراءة التاريخ، بعيون أقل انفعالًا وأكثر عمقًا، تفضح هشاشة هذه الفرضية، وتُظهر أن الطائفية لم تكن يومًا قدرًا ذاتيًا، بل صناعة خارجيّة، استُخدمت كأداة للهيمنة والتمزيق.
على مدى قرون، لم تكن بلاد الشام ساحة صراع طائفي دائم، بل شكّلت واحدة من أندر البيئات التي احتضنت تنوعًا دينيًا ومذهبيًا وعرقيًا، وأدارت خلافاتها ضمن أطر اجتماعية وثقافية ناضجة. كانت الشام ملاذًا طبيعيًا للأقليات المضطهدة في مناطق أخرى، من الدروز إلى العلويين، ومن الموارنة إلى الأرمن، مرورًا بالطوائف الإسلامية والمسيحية واليهودية التي تقاسمت المدن الكبرى بل كانوا جزء من النسيج الاجتماعي والسياسي للمنطقة حتى وصلوا لأعلى مراتب الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة.
دمشق، على سبيل المثال، كانت تضم حارات ومقامات لأديان ومذاهب متعددة تعيش في تداخل يومي لا يفصل بينه حاجز إلا ما كان من اختلاف العبادات، لا المعيشة. وحلب كانت نموذجًا للتبادل الثقافي والاقتصادي بين المسلمين والمسيحيين واليهود. أما جبل لبنان، فظل لعقود طويلة ميدانًا للتكامل بين الموارنة والدروز.
لم يكن هذا استثناءً في التاريخ، بل في الوقت الذي كانت فيه أوروبا، خلال القرون الوسطى، تغرق في مذابح طائفية وصراعات مذهبية دموية، كانت منطقة الشام تكاد تخلو حتى من سؤال الطائفية السياسي، أو من إشكالية علاقات المكونات المختلفة. ويكفي للتدليل على ذلك الموقف الذي اتخذته معظم الطوائف المسيحية في الشرق خلال الحروب الصليبية، حيث انحازت، في غالبيتها، إلى أبناء المنطقة من المسلمين وغيرهم، في مواجهة الهجمات الصليبية. واللافت أن الصليبيين كانوا، من الناحية العقائدية، أقرب إلى هذه الطوائف الشرقية، لكن الولاء لم يكن طائفيًا بل مناطقيًا وحضاريًا. وهناك أمثلة لا تُحصى على طبيعة هذه العلاقة العميقة بين مكونات المنطقة، التي بُنيت على أساس التعايش والمصير المشترك، لا على التمذهب والانقسام.
فرنسا تبنّت الموارنة وأرادت تحويل جبل لبنان إلى كيان مستقل عن المحيط الإسلامي. وبريطانيا دعمت الدروز تارةً والسنّة تارةً أخرى، بهدف كسر الهيمنة الفرنسية.
التدخلات الخارجية: صناعة الطائفية كأداة استعمارية
لكن الرغبة في الانفلات في المنطقة العربية دفعها القوى الغربية لزرع سؤال الطائفية بين أبناء المنطقة الواحدة. فقد بدأ التحول الحقيقي مع مطلع القرن التاسع عشر، حين بدأت القوى الأجنبية، خاصة فرنسا وبريطانيا، تنظر إلى "الطوائف" باعتبارها وحدات سياسية يمكن الاستثمار فيها. فمع تراجع الدولة العثمانية وتصاعد "المسألة الشرقية"، ظهرت الطائفية كأداة لتقسيم النفوذ لا كواقع اجتماعي عضوي.
ففرنسا تبنّت الموارنة وأرادت تحويل جبل لبنان إلى كيان مستقل عن المحيط الإسلامي. وبريطانيا دعمت الدروز تارةً والسنّة تارةً أخرى، بهدف كسر الهيمنة الفرنسية. حتى وجدت استثمارها الأخير في زرع اليهود في فلسطين. أما القوى الأوروبية جميعها تدخلت في أحداث عام 1860 الدموية بين الموارنة والدروز، ليس لإنقاذ الأرواح، بل لإعادة رسم المشهد السياسي لصالحها وهو ما تركز مع قيام إسرائيل ومع الانتداب وتثبيت المنطلقات الطائفية في حكم هذه المنطقة.
من الاستعمار إلى الأنظمة: إعادة تدوير الطائفية
بعد الاستقلال، لم تنجُ المنطقة من إعادة تدوير الموروث الطائفي. فبعض الأنظمة اعتمدت في شرعيتها على خطاب حماية الأقليات، فيما ردّت بعض الحركات المعارضة بخطاب أكثرية مظلومة تسعى لاستعادة "دورها". في هذا السياق، تحوّل التنوع إلى عبء سياسي، لا رصيدًا حضاريًا، وانزلقت المجتمعات إلى حساسيات كانت غائبة أو كامنة في الذاكرة الجمعية.
الصراع في الشام ليس بين أكثرية وأقلية، بل بين مشاريع تستخدم الهوية الطائفية كواجهة لخدمة مصالح داخلية وخارجية. وما يُقدَّم أحيانًا كصراع مذهبي، ما هو إلا غلاف لصراعات سلطة ونفوذ وإقليم. التدخل الإيراني في سوريا لم يكن لحماية العلويين، بل لحماية نفوذ سياسي واستراتيجي. وكذلك الحال مع التدخل الإسرائيلي باسم "حماية الدروز"، أو الغربي تحت لافتة "الديمقراطية التعددية".
القول بوجود صراع أبدي ودائم بين مكونات المجتمع على أساس انتماءاتها الطائفية هو قول غير دقيق، بل مجافٍ للواقع التاريخي والمعاصر.
الواقع اليوم
لا يمكن اعتبار الصراع القائم اليوم صراعًا طائفيًا حتميًا لا مفر منه، إذ إن داخل كل طائفة توجد وجاهات وقيادات رئيسية متناقضة في التوجه، وهو ما يجعل من الصراع سياسيًا في جوهره، تستخدم فيه الطائفة أداة اشتعال، لا كمنطلق أو هدف بحد ذاتها.
فزعامة الدروز السياسية الأولى ما تزال في قصر المختارة بيد آل جنبلاط، الذين يعلنون تأييدهم لوحدة سوريا واستقرار نظامها. وفي السويداء، تم التوصل إلى اتفاق مع الشيخ يوسف الجربوع لتهدئة الأوضاع، غير أن الشيخ حكمت الهجري لم يعترف به، مما يعكس الانقسام داخل البيت الدرزي نفسه.
الشاهد أن القول بوجود صراع أبدي ودائم بين مكونات المجتمع على أساس انتماءاتها الطائفية هو قول غير دقيق، بل مجافٍ للواقع التاريخي والمعاصر. فالديناميات الداخلية، لو تُركت لتتفاعل وحدها دون تدخل خارجي – كما هو الحال في دعم "قسد" في الشرق، وبعض المجموعات المسلحة في الجنوب السوري – لكانت الأوضاع قد اتجهت نحو التهدئة والاستقرار والتعايش. لكنّ هذا الاستقرار، وتلك اللحمة الداخلية، يتعارضان مع مصالح بعض القوى الخارجية، كما يتقاطعان مع طموحات فئات داخلية سريعة الانزلاق نحو الفتنة.
وهذا ما أكده الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في تصريحاته الأخيرة، حيث قال بوضوح: "نرفض أي حماية خارجية"، مشيرًا إلى أن "الإسرائيليين يؤججون النار، ويريدون وضع الدروز في مواجهة مع كل مكونات المجتمع السوري". وأضاف: "يجب تثبيت وقف إطلاق النار في السويداء، ثم الدخول في حوار بين جميع المكونات الدينية والسياسية والطائفية مع الدولة السورية"، محذّرًا من تكرار أخطاء الماضي كما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية، حين "ادعت إسرائيل أنها تحمي البعض، فانتهى الأمر بكوارث".
هذه المقاربة، التي يعبّر عنها جنبلاط، تعبّر عن إدراك عميق بأن الحماية الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل من وحدة الداخل السوري وحوار مكوناته الوطنية، بعيدًا عن الاستخدام الطائفي والمناطقي للمجتمع كوقود في مشاريع إقليمية.