الرئيسة \  تقارير  \  هل ترى أنقرة في تقارب دمشق و"قسد" تهديدا أم فرصة؟

هل ترى أنقرة في تقارب دمشق و"قسد" تهديدا أم فرصة؟

06.08.2025
إسماعيل درويش



هل ترى أنقرة في تقارب دمشق و"قسد" تهديدا أم فرصة؟
اسماعيل درويش
الاندبندنت عربية
الثلاثاء 5/8/2025
ملخص
يرى مراقبون أن أنقرة غير راضية على الاتفاق بين "قسد" ودمشق، لكن تعتبره أقل الحلول كلفة، في حين يرى آخرون أن من مصلحة تركيا تطبيق الاتفاق في أسرع وقت ممكن، فيما تؤكد المصادر الدبلوماسية أن آخر مهلة لـ"قسد" لبدء عمليات الاندماج ستنتهي في الـ15 من أغسطس (آب) الجاري.
دمشق، مساء الـ 10 من مارس (آذار) 2025، وبصورة مفاجئة، يظهر الرئيس السوري أحمد الشرع، وإلى جانبه قائد "قوات سوريا الديقمراطية" مظلوم عبدي، ليوقعان على اتفاق من شأنه دمج "قسد" ضمن الدولة السورية الجديدة، التي تبني نفسها بعد عقد ونصف عقد من الحرب، وخمسة عقود من حكم الاستبداد.
ليست خفية هي العلاقات السورية - التركية بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، فكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أول الواصلين إلى دمشق. سبقت هذه العلاقات مع سوريا الجديدة علاقات قديمة تجمع تركيا مع المعارضة السورية التي كانت تسيطر على إدلب، لذلك كانت أبواب دمشق مفتوحة أمام أنقرة في سوريا الجديدة.
وليس خفياً أن التنظيمات الكردية المسلحة هي العدو الأول لتركيا في سوريا، وشنت سابقاً عمليات عسكرية جوية وبرية في ريف حلب والرقة والحسكة، كما نفذ الطيران التركي المسير عمليات تصفية لعدد من القيادات في القامشلي، إلا أن اتفاق "قسد" مع دمشق، إضافة إلى إعلان "حزب العمال الكردستاني" حل نفسه، أسهما في وقف التصعيد العسكري، واللجوء إلى لغة الحوار، وفي الوقت نفسه تبقى اليد على الزناد.
منذ إعلان الاتفاق المذكور في مارس، رحبت تركيا رسمياً به، ودعت إلى تطبيقه في أكثر من مناسبة، لكن هل ترضيها جميع بنوده؟ وهل تسهم تركيا بالفعل في تطبيقه أم تعرقله؟ وهل حقاً هي مطمئنة أم أن هواجس الأمن القومي ما تزال تؤثر في صنع القرار؟ هل ترضى تركيا حقاً بأن تكون "قسد" شريكاً في بناء الدولة الوليدة، على رغم أنها منذ تأسيسها تصنف في أنقرة على أنها تنظيم إرهابي يشكل تهديداً مباشراً لأمن تركيا، هذه الأسئلة وغيرها تحاول "اندبندنت عربية" الإجابة عنها في هذا التقرير مع عدد من المختصين.
مماطلة على أمل التغيير
الباحث والسياسي الكردي علي تمي يرى أن "قسد جلست على طاولة المحادثات مع الحكومة السورية تجنباً لعملية عسكرية تركية، كانت أنقرة بالفعل تجهز لها، لكن لجوءها للمفاوضات كان سبباً في الالتفاف على هذه العملية، لكن ما تزال "قسد" لليوم تماطل في تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع، إذ إن قادتها يلعبون على عامل الوقت على أمل حصول تغيير في المشهد السياسي السوري". ويضيف تمي أنه يعتقد أن "تركيا تريد تنفيذ الاتفاق وتدعمه بحسب تصريحات وزير الخارجية (هاكان فيدان)، وكذلك تصريحات (الرئيس رجب طيب) أردوغان، لهذا فإن مماطلة قسد في تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع تعطي مبررات قوية للتدخل العسكري التركي كما حصل سابقاً في عفرين عام 2018".
تمديد اتفاق أضنة
لكن الباحث الكردي يرى أن "تركيا لديها مشروعها الخاص في سوريا، وذلك مع ما يسمى عملية السلام التي تمت مع عبدالله أوجلان، وعملية تسليم عناصر حزب العمال الكردستاني لأسلحتهم، وقسد هي جزء من هذه المنظومة ككل، وأي تهرب سيؤدي إلى تعديل اتفاق أضنة الذي ينص على السماح للجيش التركي بالدخول بعمق خمسة كيلومترات داخل الأراضي السورية في حال وجود تهديد للأمن القومي التركي، وفي حال جرى التعديل سينص التعديل الجديد على السماح بدخول تركي لعمق 35 كيلومتراً". ويوضح تمي أن "تعديل اتفاق أضنة هو أحد الخيارات البديلة أمام تركيا في حال فشلت عملية تطبيق الاتفاق بين دمشق وقسد، وبالتالي تأمين غطاء شرعي وغطاء جوي في حال شن عملية عسكرية مشتركة بين الجيشين السوري والتركي".
الحل الأقل كلفة
أما من وجهة نظر الصحافي التركي عبدالجبار جواش، فإن "أنقرة اليوم تضع الاتفاق بين قسد والحكومة على الطاولة كأحد الحلول الأقل كلفة لمعالجة معضلة أمنها القومي المرتبطة بشمال شرقي سوريا، وتنظر إليه باعتباره حلاً جيداً في حال تنفيذه وفق الشروط التركية، وعلى رأسها رفض أية صورة من صور اللامركزية السياسية أو الفيدرالية لـ"قسد"، لذا فهي تراقب بدقة ما يجري من خطوات لتنفيذ الاندماج، والمفاوضات الجارية بين قسد ودمشق على شكله وترتيباته". ويضيف جواش أن "تركيا لن تتردد في الدخول على الخط بأساليب ضغط دبلوماسية على الحكومة السورية من جهة، والتلويح بالقوة ضد قسد من جهة أخرى لتعطيل أي توافق لا يلبي طموحاتها الأمنية، وفي الوقت ذاته فإن تركيا لن تعارض تطبيق الاتفاق بصورته الحالية في حال لم تؤد المشاورات بين قسد ودمشق إلى تغيير بعض بنوده، بل وربما ترى فيه فرصة لاستنساخ التجربة السورية في حل المسألة الكردية لتطبيقها بعد نهاية صراعها مع حزب العمال الكردستاني ورغبتها في تسوية نهائية لملف أكراد تركيا".
عناوين عريضة من دون تفاصيل
الباحث في مركز "أبعاد" للدراسات فراس فحام ينفي أن تكون لدى تركيا أية نية لتعطيل الاتفاق مع "قسد"، ويقول "على العكس تماماً الحكومة التركية تدعم تنفيذ الاتفاق، وتطالب بصورة مستمرة وعلنية بضرورة تنفيذه، لأن الاتفاق يتضمن بنداً مهماً جداً بالنسبة إلى تركيا، وهو البند المتعلق بتأكيد وحدة الأراضي السورية، لكن من جانب آخر الاتفاق كان إطارياً وبعناوين عريضة من دون الخوض في التفاصيل، ولم يذكر بالضبط كيف سيتم دمج قسد ضمن الجيش السوري، وبالتالي أنقرة تراقب كيفية تنفيذه على أرض الواقع، لأن موضوع بقاء قسد ككتلة مستقلة على أن تنسق مع دمشق، غير مناسب لا للحكومة السورية ولا لأنقرة". ويضيف فحام "بالنسبة إلى الخيارات البديلة لتركيا، فالمسؤولون الأتراك يضعون الخيار العسكري على الطاولة ولا يستبعدونه، وهو يستخدم كورقة ضغط، وقسد تدرك أنها غير قادرة على مواجهة التصعيد العسكري التركي، خصوصاً قدرة تركيا على استهداف الكوادر والقيادات، لما تمتلكه من قدرات قتالية بما فيها التطور في صناعة الطيران المسير، لذلك تضع أنقرة دائماً الخيار العسكري على الطاولة ولا تستبعده لضمان تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى اتصالات تركيا مع إدارة ترمب والعلاقات القوية بين أنقرة وواشنطن التي بدورها يمكن أن تضغط على قسد".
تبدل أولويات المصلحة
من وجهة نظر أخرى، يربط الباحث السوري محمد السكري بين القضية الكردية في سوريا ونظيرتها في تركيا، فيقول إنه "لا يمكن فصل مسارات الداخل التركي بخصوص حل الملف الكردي أو ما يسمى تيار اليسار الديمقراطي المتطرف في تركيا، عن نظيره في سوريا، فهناك تقاطع كبير في المسار، فبينما استطاعت تركيا دفع حزب العمال إلى حل نفسه، وضعت قسد أمام خيار الحوار مع دمشق، وذلك بعد تبدل الواقع السياسي في المنطقة، وتبدل الأولويات المصلحية لواشنطن". ويضيف السكري أنه لا يعتقد أن "تركيا تريد عملاً عسكرياً في حال كان هناك توافق بين دمشق وقسد برعاية أميركية، في حال كانت التوافقات على لامركزية إدارية وليس كانتوناً، مما لا يمكن أن تقبله أنقرة، أي أن تركيا تريد تنفيذ التوافقات، ما دام أنها تؤدي إلى تفكيك مشروع قسد البنيوي، لكن الطروحات التي تحفظ خصوصية قسد في الجيش كمجموعات وليس كأفراد، أو ملف شكل اللامركزية قد تهدد التوافق، لكن كذلك أنقرة تحاول تحصيل الممكن ضمن هامش التوافقات مع واشنطن، مع التركيز على المدى المتوسط لتفكيك المشروع كلياً، لأن الخيار العسكري سيكون مكلفاً على دمشق وأنقرة معاً، لا سيما بعد صراع السويداء".
على رغم أن التصريحات التركية الرسمية، تقول إن أنقرة راضية عن الاتفاق شرط تنفيذه بالكامل، وهذا الشرط لم يجر تنفيذه حتى الآن على رغم بقاء أربعة أشهر فقط على نهاية العام الحالي، وهو ينص على تطبيق الاندماج بصورة كاملة قبل نهاية عام 2025، وفي حال لم يجر الإسراع بتنفيذ الاتفاق، يرى مراقبون أن تركيا قد تتجه لخياراتها الأخرى لسببين، الأول هو عدم رضاها في الأساس عن هذا الاتفاق، والثاني هو عدم الالتزام ببند تنفيذ الاتفاق في المدة المحددة.
ساعة الرمل
بحسب مصادر مطلعة، فإن "تركيا لم تكن في البداية راضية عن هذا الاتفاق، لكن الإصرار الأميركي والسوري عليه، دفع أنقرة للموافقة، إلا أن مرور أشهر عدة من دون أن ينعكس الاتفاق الموقع على أرض الواقع جعل الموقف التركي أكثر صلابة". ويشير مصدر دبلوماسي تركي إلى أنه "جرى إبلاغ قسد بضرورة الإسراع بتنفيذ الاتفاق قبل منتصف أغسطس (آب) 2025، وإلا فإن خيارات أخرى سيجري طرحها على الطاولة"، مشيراً إلى أن "لقاء جمع السفير توم براك مع مظلوم عبدي في العاصمة الأردنية عمان الأسبوع الماضي"، ويضيف أن "براك يتفق مع تركيا على ضرورة الإسراع إلى تنفيذ الاتفاق، ورفض طلباً من قسد بتمديد الاتفاق حتى نهاية 2026، وهو أيضاً ما رفضته أنقرة ودمشق".
وتوضح المصادر ذاتها "وجود خلافات بين قيادات قسد بخصوص هذا الاتفاق، إذ يريد مظلوم عبدي تطبيقه بينما تسعى إلهام أحمد إلى تأخيره بهدف الحصول على مزيد من المكاسب والضمانات". وتشير المصادر إلى أن "مظلوم عبدي أبلغ دمشق بأن قواته مستعدة للانسحاب من كامل دير الزور، وأجزاء واسعة من الرقة خلال شهر أغسطس".
بالمحصلة لا يتفق المحللون على أن تركيا تريد عرقلة الاتفاق، ويشير غالبهم إلى أن أنقرة تدعمه شرط تنفيذه في المدة المحددة، فيما تشير المصادر إلى أن المدة الممنوحة لـ"قسد" للبدء في الاندماج لا تتعدى أسابيع قليلة، وإلا فإن خيارات أخرى مطروحة على الطاولة، أولها زيادة الضغط الأميركية، وآخرها عمل عسكري ما يزال مستبعداً.