الشرق الاوسط
الاحد 9/4/2017
فجر الجمعة الماضي كان علامة فارقة في تعاطي الولايات المتحدة الأميركية مع الأزمة السورية، فعندما انطلق 59 صاروخاً من طراز توماهوك باتجاه مطار الشعيرات، كان ذلك إيذاناً بأول هجوم مباشر على نظام بشار الأسد تقوم به الولايات المتحدة منذ اندلاع الثورة السورية قبل 6 سنوات، هذا الهجوم أيقظ نوماً سريرياً عميقاً مارسته السياسة الأميركية تجاه تعقيدات حرب أفرزت أسوأ أزمة إنسانية في التاريخ الحديث، بالطبع من المبكر الحديث عما إذا كانت واشنطن بدأت فعلياً في تصحيح مواقفها وعدم الجلوس في مقاعد المتفرجين، فربما تكون مجرد خطوة يتيمة ورد فعل وقتي لمجزرة حدثت مثلها عشرات المجازر من نظام بشار الأسد، إلا أنها على الأقل إشارة أن العالم أمام إدارة أميركية جديدة فعلت في أقل من أربعة أشهر ما لم تفعله نظيرتها السابقة في ثماني سنوات.
الهجوم على مطار الشعيرات، وإن كان لافتاً ومفاجئاً وتطوراً مهماً، فهو خطوة صغيرة جداً في تغيير الوقائع على الأرض وإنهاء المأساة السورية، ربما لو تم الهجوم عندما هدد باراك أوباما بالخطوط الحمر عام 2013 وقبل التدخل العسكري الروسي، لكان تأثيرها أكبر بكثير وساهمت في دعم المعارضة وإضفاء ضغط هائل على نظام بشار الأسد، فضربة منفردة بطبيعة الحال لن تغير من طريقة تعامل نظام الأسد البشع مع المدنيين، كما أنها لن تؤثر على قوته، حتى ولو كانت ستمنعه من استخدام الأسلحة الكيماوية قريباً، ومن جهة أخرى فإن واشنطن تعتبر أن النظام السوري استخدم الأسلحة الكيماوية في مجزرة خان شيخون، وترى أن من يستخدم هذا السلاح لا بد من معاقبته، وخلال الحرب الإيرانية - العراقية ساندت أميركا العراق ضد إيران، غير أنها سريعاً ما انقلبت ضد نظام صدام حسين إثر استخدامه السلاح الكيماوي في كردستان، كما أن هجوم الشعيرات يمكن اعتباره إنذاراً لموسكو في أن تكون هناك عواقب لأفعال حليفها الأسد، فالروس خدعوا المجتمع الدولي في اتفاق 2013 الذي أقر تسليم الأسد ترسانته من الأسلحة الكيماوية، مع علم موسكو باحتفاظه بمخزون مكنه من استخدامها لاحقاً دون مواجهة أي عواقب حقيقية من قبل المجتمع الدولي، ونفذ النظام غارات جوية على مدى سنوات قتلت مئات الآلاف من الأبرياء السوريين، واستخدم تكتيكات التجويع والاستسلام، وقصف المستشفيات مراراً، كما نفذ عدداً من الهجمات بالأسلحة الكيماوية، ومع ذلك لم يواجه الأسد أي عواقب فعلية ولو مرة واحدة على وحشيته هذه، أما هذه المرة فقد رأت إدارة ترمب أن عليها تدمير أحد مطارات نظام الأسد العسكرية لمنع طائراته من قصف الأبرياء وإسقاط غاز السارين عليهم.
صحيح أن الهجوم الأميركي على مطار الشعيرات خطوة رمزية هائلة، إلا أنها في الوقت نفسه ستعتبر تكتيكاً محدوداً إذا ما تمت مقارنتها بالوقائع على الأرض، وإذا كان شعار ترمب «أميركا أولاً»، فلا يعني هذا أن يكون تعريفه اللامبالاة الكاملة تجاه قضايا العالم، بل يعني أن تبقى أميركا قوية وتقود العالم، فالولايات المتحدة ليست سويسرا حتى تنأى بنفسها عن النزاعات الدولية، و59 صاروخ «توماهوك كروز» وحدها لن تغير من الأمر كثيراً، وإذا ما قررت الإدارة الأميركية استخدام الخيار المنخفض التكلفة نسبياً والمتمثل بالرد العسكري المحدود مثل ضربات صواريخ كروز، فيمكنها أيضاً أن تتخذ خطوة دولية فعالة ضد تصرفات نظام الأسد تقتضي بالدرجة الأولى ممارسة الضغوط من أجل تطبيق القرارات الدولية بإقامة مناطق آمنة.
على قدر ما أصابت ضربة مطار الشعيرات عدة عصافير بحجر واحد، فإنها مع مرور الوقت ستكون ذات أثر محدود إن ظلت خطوة يتيمة وليست استراتيجية جديدة. ست سنوات من الحرب أثبتت أن روسيا وإيران و«حزب الله» يعبثون وحدهم في الأراضي السورية دعماً لنظام منهار فعلياً، وربما تكون الضربة العسكرية لنظام الأسد خطوة أولى نحو إعادة الاعتبار للقرارات الدولية، وتحمل المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، دورهم في إنهاء المأساة السورية.
========================
سوريا... واستيقظت أميركا
عبد الله بن بجاد العتيبي
الشرق الاوسط
الاحد 9/4/2017
الضربة الأميركية بتسعة وخمسين صاروخ توماهوك لإحدى أهم القواعد الجوية التابعة لنظام بشار الأسد هي الحدث الذي كان منتظراً منذ سنواتٍ رداً على حجم البشاعة التي أبداها نظام الأسد في قتل شعبه والتحالف الذي تم تعزيزه بين الأسد وإيران وروسيا.
إنه حدثٌ يمثل خطوة مهمة بحدّ ذاته، بغض النظر عن الجدل حول ما سيلحقه، إنها رسالة بالغة الأهمية للحلفاء الثلاثة في سوريا بأن مرحلة انتهت وأخرى ابتدأت فيما يتعلق بالأزمة السورية وكل ما يتبع ذلك.
ما يمكن أن يقال حول هذه الضربة المستحقة هو أنها تغيير مهم لقواعد اللعبة في سوريا، تقول لروسيا صراحة بأن عليها أن تعرف حجمها الطبيعي بعيداً عن طموحات التوسع ودعم المشروع الإيراني التخريبي في الشرق الأوسط ودعم نظام الأسد المجرم.
مضى عهد أوباما المتخاذل الضعيف والانعزالي وجاء عهد ترمب الذي يريد أن يعيد للولايات المتحدة هيبتها ويرعى مصالحها الكبرى ويدافع عن حلفائها ولا يسمح لروسيا ولا لغيرها بالتلاعب بالأنظمة الدولية واستخدام الأسلحة المحظورة دولياً دون رادعٍ، ملايين المشردين السوريين ومئات الآلاف من القتلى والجرحى من الشيوخ والنساء والأطفال كلهم حمولة أخلاقية بشعة ستظل سواداً قاتماً في تاريخ أوباما.
في النهاية فإن الحلول السياسية هي الأبقى والأكثر دواماً ولكنها الحلول السياسية التي تتغير صياغتها وعدالتها بالقوة على الأرض وباستخدامها وبالتهديد بها، ويمكن تذكر تذمر جون كيري في آخر عهد أوباما من أنه لا يسمح له حتى بالتهديد باستخدام القوة، الوضع اليوم مختلفٌ والعالم كله يعلم ذلك يقيناً بعد هذه الضربة العسكرية.
قوة روسيا الحقيقية ومعها إيران وتابعهما الأسد في السنوات الأخيرة إنما جاءت في الأساس بسبب تخلي أوباما عن العالم بأسره وتنازلاته المضرة بالمصالح الأميركية أولاً وبمصالح العالم من بعد، بينما صرّح الرئيس ترمب بأن «أميركا أولاً» وهذه الضربة تنطلق من هذا المبدأ، هي ليست فعلاً خيرياً لأحدٍ ولا خدمة لحليفٍ، وهذا ما لم يكن يفهمه أوباما.
كان قرار تجريب صرامة ترمب خطأً استراتيجياً، من الأسد وإيران وروسيا، وقد جرّبوه فأتاهم الجواب فعلياً بالصواريخ الأميركية لا بالتهديد ولا بالوعيد، وأثبت أنه حين يضع خطاً أحمر فإنه يعنيه وليس كمثل خطوط أوباما التي لم تزده سوى وهن وسخرية.
هذه الضربة العسكرية هي رسالة واضحة لكل أشرار العالم بأن النظام الدولي عاد له من يحميه ويصونه بعيداً عن كل محاولاتهم الخطيرة في السنوات الثماني الماضية من نظام الأسد إلى النظام الإيراني إلى كوريا الشمالية.
بعد الحرب العالمية الثانية كاد العالم ينسى الأسلحة الكيماوية وبشاعتها وفتكها وشناعتها، ونتذكر في المنطقة استخدام صدام حسين لها في مذبحة حلبجة 1988 أي قبل تسعة وعشرين عاماً، وقد أعادها للواجهة من جديد نظام الأسد، الذي ارتكب المجزرة تلو المجزرة بالسلاح الكيماوي وبمشاركة فاعلة من إيران وروسيا، ولكنه بعد هذه الضربة لن يفكر لا هو ولا حلفاؤه في استخدامه مجدداً، لأن الضربة والتأييد الدولي الواسع الذي حصلت عليه تقول صراحة إن ثمة قيادة جديدة عادت للعالم الذي كان يفتش عنها، والمواقف الأوروبية في مجلس الأمن أوضح مثالٍ.
أيدت المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج العربي الضربة العسكرية كما أيدها عددٌ من الدول العربية والكثير من الدول حول العالم، لأنها تمثل رادعاً حقيقياً عن الفوضى التي كانت تعيث فساداً في سوريا، ولأنها تعيد ترتيب التوازنات الدولية في المنطقة وتوضح لروسيا تحديداً أن شهر العسل الذي منحها إياه أوباما لترتكب المجازر وتدعمها قد ولى وانقضى، وأن الحل في سوريا سيبنى على توافقات دولية بمعايير أكثر عدالة واتزاناً.
ستتجه إيران إلى ترتيب بيتها الداخلي وتتجه من جديدٍ للاعتماد على المحافظين سياسياً وتقوية الحرس الثوري، وستتجه لطريقتها الثابتة في نشر الإرهاب ودعمه سنياً وشيعياً، تنظيماتٍ وميليشياتٍ، ولكنها ستضطر مجبرة وخائفة وحذرة للتخفيف من استخدام الإرهاب ذلك أنها تعلم جيداً أن إدارة الرئيس ترمب بكاملها تعرف جيداً وبالتفصيل علاقاتها الواسعة ورعايتها الكاملة للإرهاب وبالتالي فإن أي خطوة غير محسوبة ستضرّ بها ضرراً فادحاً.
وفيما يتعلق بمواجهة تنظيم داعش سيكتشف العالم بسرعة أن مهمة القضاء عليه لا تمثل معجزة كما كان يصوّرها أوباما بل هي أمرٌ سهلٌ حين يتمّ التعامل معه بالجدية المطلوبة والفهم العميق، شذّاذ آفاقٍ ومجرمون وجهلة وجدوا فراغاً سياسياً فملأوه بدعمٍ إقليمي ودوليٍ، وستفرّ قياداته إلى ملجأ سريعٍ يكمن في إيران نفسها أو عبر تسهيل مرورهم لأفغانستان من جديدٍ في رحلة عودة سترعاها كما رعت رحلة القدوم أول مرة بعد 2003.
داعمو الأسد من بقايا اليسار العربي المتهدّم ومدّعو القومية العربية والناصرية وأذناب محور ما كان يعرف بالمقاومة والممانعة سيرتفع صوتهم بنفس الخطاب المتهالك القديم الذي عفّى عليه الدهر وشرب، وستنكشف عورتهم في الدفاع عن نظامٍ لم يشهد القرن الحادي والعشرون له مثيلاً في الإجرام والوحشية، وسيذهب لتّهم وعجنهم أدراج الرياح لأن التاريخ مضى في دربه والدول والشعوب تتعامل مع الواقع وتفتش عن المصالح وتشرئب أعناقها لمستقبل أفضل.
احتار هؤلاء تجاه هذه الضربة العسكرية وسيحتارون أكثر تجاه الترحيب العريض الذي حظيت به من الشعب السوري نفسه ومن ممثليه في المعارضة وفي الجيش السوري الحرّ كما احتاروا من قبل مطلع سبتمبر (أيلول) 2011 حين خرج الشعب السوري بأسره مطالباً بالحماية الدولية.
من الطبيعي أن تكون السعودية هي الدولة العربية الأولى التي أعلنت دعمها للضربة العسكرية فهي كانت من أول يومٍ تقف بقوة مع الشعب السوري المظلوم ودافعت وتدافع عن حقوقه وترفض قاتليه وقد جاءت اللحظة التي يبدأ منها تعديل موازين القوى دولياً وإقليمياً تجاه أزمتهم الطويلة ومأساتهم الاستثنائية.
ليس من مصلحة روسيا بأي معيارٍ أن تدخل في حربٍ باردة جديدة مع أميركا وحلفائها، فضلاً عن حربٍ ساخنة، فهي تعلم أنها ستخسر قطعاً، وربما تصعد خطابياً لتحمي بعض مكتسباتها وليس أكثر من ذلك.
أخيراً، أرادت روسيا التعبير عن موقفٍ حادٍ فخطب مبعوثها في مجلس الأمن مهدداً متوعداً، وأثناء خطابه أعلنت وزارة الدفاع (البنتاغون) أنها تشك في دورٍ روسي في «مجزرة خان شيخون» بعدها أعلن بوتين عن أسفه لما أحدثته الضربة من ضررٍ في العلاقات مع واشنطن.