المدينة
الاحد 2/4/2017
«ونعرف كيف نُمسكُ قبضة المنجل. وكيف يُقاومُ الأعزل. ونعرف كيف نبني المصنع العصريّ. والمنزل. ومُستشفى. ومدرسةً. وقنبلةً. وصاروخًا. وموسيقى. ونكتب أجملَ الأشعار».
في زمن الخيبة والنكسات والانكسارات. ورغم كل الألم والخراب المعشش اليوم في أغلب بلاد العرب. وفي عصرٍ أصبح فيه جلدُ الذات هوايةً مألوفة، كما حصلَ مرةً أخرى، بعد القمة العربية منذ أيام. يبقى ثمة عربٌ متشبثين بالحلم الكامن في كلمات محمود درويش المذكورة أعلاه.
في هؤلاء شبابٌ وكهول. وبينهم رجالٌ ونساء. ومثقفون وكُتّاب وأطباء ومهندسون وعُمّال وصِغارُ كَسَبة ومعلمون وإعلاميون وطُلاب ورجال أعمال وعاطلون عن العمل. بل إن فيهم مسؤولين وساسة وصُناع قرار.
كتب نزار يوماً: أنا يا صديقةُ مُتعبٌ بعروبتي فهل العروبة لعنةٌ وعِقابُ؟ ثم انفجر بعد سنوات، كما هو الحال مع الشعراء، وبطريقتهم في التعبير، فتساءلَ في قصيدةٍ مشهورة: متى يُعلنون وفاة العرب؟.
ولئن كان في العروبة كثيرٌ من التعب، لكنها لا يجب أن تكون بالضرورة لعنةً وعقابًا. أما وفاتُها، التي باتت حُلمًا يُراود الكثيرين، فستظل حلمًا لا أقل ولا أكثر.
يأتي موسم القمة العربية كل عام. وتأتي معه كل ما يمكن تَخَيُّلهُ من اتهامات للعرب والعروبة. يهاجم العرب أنفسهم قبل أن يهاجمهم الآخرون. يهجون ذاتهم. يصدحون في هذا الموسم بجميع سيمفونيات الاتهام والنقد، وحتى الشتيمة، لشعوبهم ودولهم ومؤسساتهم وحاضرهم ومستقبلهم. تتكرر القصائد والتحليلات والدراسات والمقالات والتصريحات عن عجز الجامعة العربية. وعن الانقسام العربي. وعن فشل العمل العربي المشترك. يقاطع القمة زعماء. بعضهم لأسباب منطقية وموضوعية. والآخرون لأسباب لا يعلم بها إلا الله (والراسخون في العلم).
ورغم ذلك تُعقد القمة. وتشارك فيها كل دولة عربية. مهما كان مستوى تمثيلها صغيرًا. ثم ينفضُّ السامر. وبعيدًا عن التفاصيل، تبقى مناسبة انعقاد القمة العربية دليلًا عمليًا أقوى من كل كلام عن طبيعة هذا الرابط المسمى (عروبة).
سيشعر كثير من العرب بالضجر والملل. وربما حتى بالقرف من انتمائهم. لكن قلّةً قليلةً لا يُعتدُّ بها ستجرؤ على تقديم استقالةٍ معلنةٍ من ذلك الانتماء. أما البقية، فلا مفر أمامهم من التعايش معه. وبما أن التعايش مع الضجر والملل يصبح مستحيلًا في مرحلة معينة. لن يكون أمامهم عندها خيارٌ آخر غير الإصلاح والتغيير والتطوير.
ستحاول كثير من الأنظمة أن تتصرف بوحي مصالحها الوطنية الخاصة، وإلى درجة الأنانية أحيانًا، كما يحصل اليوم. غير أنها ستدرك عاجلا أو آجلا حجم التداخل والتشابك المعقّد بين المصالح العربية. وسترى استحالة فكّ ذلك التشابك. عندها أيضًا، سيتبين أنه ليس ثمة خيارٌ ثانٍ، وأن الخيار المطروح وحيد: الإصلاح والتغيير والتطوير.
سيحاول البعض أن يتماهى مع (الواقع العالمي) الجديد.. ثم لا يلبث أن يوقن أن هناك حدودًا لا يمكن له أن يتجاوزها. سيتقدَّم البعض الآخر خطوات، ويحاول أن (يدفع) العرب للتماهي مع ذلك الواقع العالمي الجديد. لكنه سيجد واحدًا على الأقل من (الجدران) التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية لهذا البيت العربي الكبير أمامه في كل خطوة وعلى كل مفترق.
ليست هذه مرافعةً عاطفية عن العروبة. ولا هي للتبشير بغدٍ عربيٍ قريبٍ مليء بالورود والرياحين. إنما هي محاولة للقراءة من خلال قوانين التاريخ وقوانين الاجتماع البشري وقوانين الواقع المعاصر.
يمكن للعرب أن يستمروا في جَلد ذاتهم. يمكن لهم أن يمعنوا في ممارساتهم التي توحي بأن توافقهم مستحيل. يمكن لهم أن يظلوا دائرين في هذه الحلقة المفرغة إلى ما شاء الله. ولكن، لا يمكنهم أن يُغيّروا حقائق التاريخ والجغرافيا قيد أنملة. لا مخرج للعرب من هذه الورطة المسماة عروبة. لكن عجب المرء لا ينقضي من هذه المفارقة. حين يكون شيءٌ ما هو الداء والدواء. فيه المشكلة وفيه الحل. لهذا، ستبقى العروبة بالنسبة للعرب «لعنةً وعقابًا». وفي أقل الأحوال، غصةً في الحلق ليس منها شفاء. إلى أن يجدوا أنفسهم، ويؤمنوا بحتمية الإصلاح والتغيير والتطوير، مرةً واحدة وبشكلٍ نهائي لا يقبل التردد والتأخير.