منذ بلفور... النكبة نكبات والهزيمة هزائم
05.06.2017
مصطفى كركوتي
الحياة
الاحد 4/6/2017
نصف قرن مرّ على كبرى هزائم العرب في العصر الحديث في حزيران (يونيو) 1967، وقبل أيام قليلة صادف مرور 70 عاماً على ما سُمي النكبة في ذكرى تأسيس دولة إسرائيل في أيار (مايو) 1948 نتيجةً لإعلان بلفور قبل قرنٍ من الآن، وهو ما أسمته قيادة العرب آنذاك "وعد بلفور المشؤوم". وهو جاء بعيد الكشف عن خطة المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، فرنسا وبريطانيا، رسم خطٍ في رمال المشرق وتقسيمه بينهما في ما عُرف باتفاق "سايكس-بيكو". هذه الضربات العنيفة المتتالية أسست لواقعٍ حقيقي مرير قوامه سلسلة مترابطة من نكبات وهزائم تزداد بشاعة وتغور عميقاً في جسد العرب المنهك حتى هذه اللحظة.
مباشرة بعد نهاية الحرب الأولى وتقوّض الإمبراطورية العثمانية، بدأت المأساة الحقيقية في عهد حكومة ديفيد لويد جورج الائتلافية، مع أول سطر في خطابٍ وجهه وزير خارجيتها لورد آرثر جيمس بلفور في 1917 إلى زعيم الحركة الصهيونية في بريطانيا آنذاك، لورد والتر روتشيلد، متعهداً "إقامة وطن يهودي في فلسطين". وطُلب من روتشيلد تسليم الخطاب إلى "الاتحاد الصهيوني الفيديرالي في بريطانيا العظمى وشمال إرلندا"، الذي كان يرأسه حاييم وايزمن. محتوى الخطاب ذاك، الذي عُرف لاحقاً بـ "إعلان بلفور"، ألزم بدقة بريطانيا الإمبريالية بإقامة وطن لليهود في فلسطين، إذ أصبح الإعلان وثيقة رسمية تقضي بـ "منح من لا يملك أرضاً لمن لا يستحق".
"وعد بلفور" أدى طبعاً إلى حالة عارمة من الفوضى امتدت على طول وعرض عرب المشرق الذين خرجوا للتو من سبات عثماني عميق استمر 460 عاماً، لا سيما إثر ضم فلسطين للانتداب البريطاني في 1920. بالإضافة إلى ذاك التصرف الاستعماري الخبيث، فشلت القيادة العربية آنذاك في استيعاب ذلك الحدث، ولم تقدم طوال السنوات اللاحقة أي صيغة ائتلافية قانونية لتنظيم التعايش مع يهود فلسطين الأصليين وإقامة نظام حكم مشترك قبل تدفق أفواج الهجرة اليهودية من بقاع الأرض المختلفة. وهم لم يكونوا في مستوى مكر الحركة الصهيونية العالمية التي كانت أكثر تقدماً ووعياً وأوسع ارتباطاً بمواقع النفوذ في العالم.
الصدمة الكبرى التالية التي تلقاها عرب ذاك الزمن وقعت بعد 22 يوماً على الكشف عن إعلان بلفور بنشر الاتفاقية السرية التي كانت قد وُقعت في العام السابق، أي 1916، بين القوتين المنتصرتين في الحرب، بريطانيا وفرنسا. وكان ديبلوماسيان، البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج-بيكو، ممثلا حكومتيهما، قد وقعا تلك الاتفاقية التي حددت بوضوح رغبة الطرفين في "تقسيم مناطق نفوذ وسيطرة يُتفق عليها بينهما في جنوب غربي آسيا".
في 1916 كان من المطلوب أن تحصل بريطانيا وفرنسا على موافقة روسيا القيصرية على الاتفاقية، وقد حصل ذلك بالفعل مقابل منح روسيا جزءاً من أراض قريبة من حدودها مكافأة على ذلك. لكن بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا، فضحت صحيفتا "إزفستيا" و "برافدا" السوفياتيتان نص اتفاقية سايكس-بيكو في 1917، كما نُشر النص أيضا بعد ثلاثة أيام باللغة الإنكليزية في صحيفة "الغارديان" البريطانية.
هاتان الصدمتان، في سياقهما التاريخي، فتتتا الدول العربية الناشئة ودمرتا بعمق حلم العرب وأملهم باستقلال ناجع بعد قرون من السيطرة العثمانية، ولكن في الحقيقة كان لوعد بلفور الذي أدى في النهاية إلى خلق إسرائيل في قلب العالم العربي، الأثر العميق في تكوين الفوضى المستمرة التي لا يزال يعاني منها الفلسطينيون والعرب جميعاً على حد سواء. وكانت الهزيمة الكبرى في 1967 خير شاهد على ذلك، إذ تبين أن الشحن التعبوي على مدى عقدي حكم الراحل جمال عبد الناصر كان أساسه مجرد رمال متحركة سرعان ما أطاحت بآمال أمة وتدمير طاقاتها المادية والتنموية بالكامل. كما ظهر جلياً في العقد اللاحق كيف أن بهجة اختراق "خط بارليف" في تشرين الأول (أكتوبر) 1973، ألغتها بسرعة بالغة "ثغرة الدفرسوار" لإرييل شارون وإعادة تثبيت احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية، ثم لاحقاً توسعها في جنوب لبنان. وأخيراً جاءت الصدمة الأخرى بتحوّل آخر أشكال المقاومة ممثلة بميليشيات "حزب الله" كبارقة أمل أخيرة، إلى مجرد كتيبة عسكرية بيد المخططين في طهران، حيث قتلت من السوريين عشرات أضعاف ما قتلته من الإسرائيليين.
إنها بحق ذروة مأساة درامية لسلسلة هزائم بدأت بخطة بريطانيا الإمبريالية في فلسطين ذات الغالبية العربية، والتي تعمدت استقطاع ثلثي الدولة لملئها بمهاجرين يهود جدد من مختلف أنحاء العالم بإشراف كامل للمنظمات الصهيونية القوية في أوروبا، وبحرية شبه مطلقة. وبدأت هذا العملية بالتدريج في 1920 ومُنِحَتْ مباركة غير قانونية من قبل عصبة الأمم في 1922، ووصلت إلى ذروتها في مطلع الأربعينات، قبل وقوع "نكبة" 1948. في ذلك التاريخ، ووفقاً لوثائق الأمم المتحدة، تم إجلاء مئات آلاف الفلسطينيين من أراضيهم بالقوة وإحلال القادمين من اليهود المهاجرين محلهم.
عصبة الأمم لعام 1922 كانت خاضعة لنفوذ بريطانيا وفرنسا، إذ بقيت الولايات المتحدة خارج ذاك الصراع حيث وجدت إدارة وودرو ويلسون أن الانسحاب من الأزمات الخارجية هو الاختيار الأفضل بعد خسائرها الكبيرة في الحرب الأولى. الاتحاد السوفياتي الوليد اكتفى بإعلان بلفور مجرد خطوة تعكس "سياسة التوسع" الأنغلو-فرنسي، علماً بأن موسكو باتت لاحقاً بين عواصم العالم الأولى التي اعترفت بدولة إسرائيل في 1948.
لكن معاهدة سايكس-بيكو التي أعقبت إعلان بلفور هي التي حطمت الروابط بين أوروبا والعرب إذ اعتبرها هؤلاء بمثابة "خيانة" وفقاً لقائد الثورة العربية حينئذ الشريف حسين، واتهم الإنكليز بنكث تعهدهم للقادة العرب بسط سلطتهم فوق المشرق الموحد أو "سورية الكبرى"، وهو تعهد نقله إليهم العقيد البريطاني توماس إدوارد لورنس، مقابل دعم العرب لهم في الحرب ضد الأتراك.
العرب، في نكباتهم وهزائمهم المتتالية في الجزء الأكبر من القرن العشرين وما تلاه، باتوا ضحايا الخيانة والوعود المكسورة، ليس فقط من الغرب والشرق، بل أيضاً من قياداتهم المحلية والوطنية.