البيان
الاربعاء 12/4/2017
قامت الولايات المتحدة بضربات صاروخية على سوريا استهدفت المطارات التي انطلقت منها الطائرات التي قامت بالضربات الكيماوية على السكان العزل، وكل الدلائل تشير الى أن الضربات كانت محدودة لإيصال على ما يبدو رسالة واضحة إلى النظام بأن هناك ثمناً سيدفعه النظام جراء استخدام أسلحة محرمة دولياً.
الضربات كانت ذا مغزى سياسي أكثر منه عقوبة عسكرية، ومازال الميزان العسكري في صالح النظام القائم في دمشق.
إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى إحداث تغيير استراتيجي لكان الهجوم أوسع لشل التفوق الجوي للنظام السوري، وإعطاء المعارضة فرصة حقيقية للإطاحة بالنظام الذي يتهم بقتل ما يزيد على خمسمائة ألف من الرجال والنساء والشيوخ والعجائز والأطفال.
وحسب تصريحات وزارة الدفاع الأميركية، فإن الإدارة أبلغت موسكو عزمها على القيام بهذه الضربات على سبيل تفادي أي تصادم مع القوات الروسية في سماء سوريا، والحقيقة أن إدارة ترامب نسقت وتوافقت مع روسيا على القيام بضربات محدودة ضد النظام السوري، حسبما ذكر نائب وزير الخارجية في إدارة أوباما، أنثوني بلينكن، بغية حفظ ماء الوجه وإرسال رسائل عديدة إلى العالم أن واشنطن مازالت تلعب دور الشرطي ولن تسمح بمخالفات مستمرة للأعراف والقوانين الدولية، وان الإدارة الجديدة تختلف عن سابقتها في اتخاذ قرارات حاسمة.
هذا من الناحية الصورية، ولكن وراء الأكمة ما وراءها، فطبيعة الضربات محدودة ولا تشي بنتائج استراتيجية، أو حتى سياسية، من ناحية أنها لم ولن تخلق وضعاً مختلفاً على الأرض، وكانت واضحة المعالم إذ إن الضربات كانت مقصورة على استخدام الأسلحة الكيماوية وليس على النظام، ولم يتعرض النظام أو أركانه إلى ضربة أو تقويض، بل أن تقييم الخسائر توضح بجلاء محدودية الضربة، حيث قامت الطائرات من المطار المستهدف مستخدمة المدرجات دون إعاقة بعد تنفيذ الضربات بيوم واحد.
جاءت الضربة العسكرية خلال زيارة مهمة قام بها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى الولايات المتحدة في أول مقابلة مع الرئيس الأميركي الجديد ترامب، ولا يخفى على أحد أن الرئيس شي المتمرس في السياسة وقائد الحزب الشيوعي سيقابل رئيساً غضاً لا يملك كثيراً من الخبرة السياسية ويتسم برعونة سياسية وطيش ونزق لا حدود لها، ولعل ترامب أراد أن يرسل برسالة واضحة لضيفه أن صفاته السيئة ليست كلها سلبية ولكن رصيداً يرهب فيه خصومه.
الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون أسر لكبير موظفي البيت الأبيض، بوب هالدمن، انه يريد أن يرسل رسالة إلى الفيتناميين بأن نيكسون مجنون وقد يفعل أي شيء بما فيه استخدام القنبلة النووية لإنهاء الحرب في فيتنام، وقال إن هذا الاعتقاد سيجعل «هوشي مين يأتي بنفسه إلى باريس خلال يومين يستجدي السلام».
وتحتل كوريا الشمالية مكاناً مهماً في أجندة اللقاء بين ترامب والزعيم الصيني، وقد فرضت الأحداث نفسها على المباحثات بين الرئيسين، حيث قامت كوريا الشمالية باختبار صاروخي جديد بينما كان الرئيس الصيني في طريقه إلى الولايات المتحدة.
وقد هددت واشنطن أنها ستتخذ إجراءات صارمة تجاه كوريا الشمالية، وأنها تتوقع من بيجين ممارسة ضغوط على بيونغيانغ للتوقف عن تطوير أسلحة نووية ووسائل إيصالها، وهناك معلومات استخبارية بأن كوريا الشمالية تحاول تحميل صواريخها بقنابل نووية والتي ستهدد الولايات المتحدة وحلفاءها.
فالرسالة الثانية أن ترامب طائش وقد يفعل أي شيء كما قال وصف نيكسون نفسه بنظرية «الرجل المجنون»، تخدم هدف بث الرعب في قلب بيونغيانغ وجعلها تنصاع إلى القرارات الدولية والكف عن تعريض الأمن والسلم الدوليين إلى الخطر.
وإذا ما اعتقدتا الصين وكوريا الشمالية بأن إدارة ترامب جادة فإن هذا كفيل لثني الأخيرة عن تحميل رؤوس نووية لصواريخها البالستية.
وهناك أيضا السياق المحلي والذي تهم أي رئيس أميركي قابع في البيت الأبيض، فالمتحدث بالكونغرس الأميركي الأشهر، تيب اونيل، كان يقول إن «كل السياسات محلية». ولا يبدو أن حالة الرئيس ترامب مختلفة عن سابقيه، فالرئيس ترامب يعاني من تدني شعبيته حيث تصل نسبة الرضاء عنه 39 %، وهي نسبة متدنية بالنسبة لرئيس في أول مائة يوم من حكمه.
وهناك تحقيقات يقوم بها الكونغرس وآخرون بشأن علاقة ترامب ومساعديه الكبار بروسيا، وتشير مصادر النيويورك تايمز أن وكالة الاستخبارات الأميركية (السي آي إيه) أطلعت قيادات الكونغرس الصيف الماضي، أي قبل الانتخابات الرئاسية، على أن موسكو تسعى حثيثاً لمساعدة ترامب للفوز بالانتخابات الرئاسية، كما أن مكتب التحقيقات الفيدرالية أبدى قلقاً على تزايد التدخلات الروسية في الشأن الداخلي الأميركي.
ومشكلة ترامب والفضائح التي تلاحقه والتحقيقات التي تليها تضعف من شعبية الرئيس وحزبه الجمهوري، ويخشى الكثير أن انتكاسة الرئيس سيكون لها تداعيات على انتخابات التجديد النصفية في 2018، وقد يخسر الحزب الجمهوري سيطرته على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو كليهما، وإذا ما حصل ذلك، فإن رئاسة ترامب ستكون «بطة عرجاء» إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2020. وليس هناك وسيلة لكسب شعبية وبسرعة مثل أزمة خارجية يتبعها عمل عسكري.