الحياة
الاحد 9/4/2017
قبل عشرة أيام تقريباً نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية تحقيقاً يبدو غريباً في توقيته وموضوعه. فهو يتعلق بتعاون استخباري فرنسي - إسرائيلي استهدف طوال سنوات البرنامج السوري لتصنيع الأسلحة الكيماوية وتطويرها. العنوان العريض لهذا التعاون الذي بدأ، وفق الجريدة الفرنسية، قبل الحرب الأهلية الراهنة وأثناءها، هو مكافحة انتشار السلاح الكيماوي واستخدامه. تسنى للجريدة الحصول على تفاصيل عملية سرية للغاية خاضها جهازا الاستخبارات السرية الفرنسية والموساد الإسرائيلي. وحملت اسم «راتافيا» وتمت في فرنسا وأتاحت الحصول على معلومات دقيقة من ترسانة النظام.
وتجزم الجريدة بأن العناصر التي حصلت عليها من مصادر قضائية واستخبارية تكشف عن درجة عالية من اطّلاع القوى الغربية في 2010 على البرنامج السري السوري. يغرق التحقيق في استعراض الجانب الهوليوودي المتعلق باستمالة أحد العاملين في البرنامج التسليحي الكيماوي واستدراجه إلى فرنسا وربطه برجل أعمال إيطالي مزيف يعمل في الموساد. كل هذا بعد دراسة طبائع هذا الشخص «الحالم والرومنطيقي» والتقاط نقاط ضعفه، خصوصاً أنه مغرم بابنة أحد أركان النظام الأسدي. ومن دون أن يشعر هذا العاشق الطموح بأنه يفعل شيئاً يضر ببلده وبوطنيته. وعندما انتابته الشكوك في الهوية الحقيقية لرجل الأعمال الإيطالي كان الأوان قد فات بسبب المبالغ المالية التي تلقاها وبسبب حصول الموساد على ما يكفي من المعلومات الضرورية.
يمكننا أن نضع جانباً وجه الإثارة والتشويق المألوفين في روايات وأفلام الجاسوسية والأدب البوليسي، بما في ذلك لعبة الاختراقات المتبادلة بين أجهزة استخبارات تتعاون بمقدار ما تتوتر علاقاتها. فنحن نعلم أن الاستغراق في مثل هذه الوجوه يهدف إلى تعزيز سردية عن بطولة الأخيار وبراعتهم مقابل خبث الأشرار ولؤمهم. ومع أن التحقيق يؤكد التزامه التكتّم على أشياء لم يحن وقت الكشف عنها فإنه يمكن استخدام بعض العناصر لتقديم سردية أخرى. فالتحقيق يؤكد مثلاً أن مراقبة النظام السوري تشكّل منذ وقت طويل أولوية لدى الدولة العبرية وأن البرنامج السوري الذي يستخدم قرابة العشرة آلاف موظّف يقع ضمن أولويات الموساد. وينسب التحقيق إلى مصدر دبلوماسي فرنسي قوله إن الشبهات القوية حول ضلوع الاستخبارات الإسرائيلية في حادث خطير وقع عام 2007 في موقع سوري دفع بالنظام إلى المزيد من السرية والتشدد في التدابير الأمنية.
إذن في 2011 كان الموساد يمتلك معلومات كافية لتقديمها إلى الأميركيين المترددين، في عهد أوباما، في التدخل العسكري في الشرق الأوسط. ويؤكد التحقيق أن فرنسا والولايات المتحدة المزودتين، بالمهارة الاستخبارية الإسرائيلية، كانت قد أعدتا لعملية عسكرية في سورية بعد انتهاك «الخط الأحمر» العتيد الذي تحدث عنه باراك أوباما، أي قصف الغوطة بالسلاح الكيماوي في صيف 2013. إلا أن هذه العملية تمّ تجميدها في اللحظة الأخيرة.
ليس التحقيق الصحافي الغارق في الدعائية هو موضوعنا. بل المجزرة الرهيبة التي حصلت في خان شيخون ويدور حولها سجال ساخن في مجلس الأمن قد لا يفضي إلى قرار بسبب فيتو روسي متوقع. والحال أن التحقيق المذكور عينة عن المناخ الدعوي الذي يلف لعبة المناورات والتلاعبات الساعية إلى التحكم بمسار الفظاعة المستفحلة في سورية. موضوعنا يتعلق بالتساؤل عن إمكان الصراخ ضد تجارة العواطف المزدهرة لدى كل أطراف النزاع ورعاته. وسط الفظاعة السورية وتكاثر أوحالها وحبال الدموع التي نختنق بها، هل يمكننا بعد أن نسأل عن صلاحية الحق في معارضة نظام شرس من دون القبول بلعبة الرسائل القذرة؟ هل أصبح صعباً إلى هذا الحد أن ينتفض المقهورون والمسحوقون وأن يرفضوا في الوقت ذاته تسويغ الكذب والتلفيقات وتحويل البشر إلى بيادق وأكياس رمل وذرائع للنفوذ والتدخل؟
إن المقولة المرفوعة علماً على ماهية السياسة أي «الغاية تبرر الوسيلة» قد تصل في الكثير من الأحيان إلى عكسها بحيث تصبح الوسيلة غاية في حد ذاتها.
ها هي مجزرة خان شيخون تتحول مثل مجازر أخرى سابقة وربما لاحقة إلى مسرح اتهامات تكاد تتساوى فيه كل القراءات والتشخيصات. وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد من العبث نكون قد دخلنا في متاهة العدمية السياسية. الحكومة السورية تنفي نفياً قاطعاً استخدامها أسلحة كيماوية والحليف الروسي قدّم تفسيراً يقول إن طائرات النظام استهدفت مستودعاً لجبهة النصرة يحتوي على مواد كيماوية، فيما القوى الغربية المناوئة للنظام تبدو متأكدة من هوية المنفذ حتى قبل أن يرتكب جريمته. وبما أن من المفترض أن يكون النظام السوري قد سلّم للمفتشين الدوليين كل أسلحته الكيماوية بمقتضى تفاهم روسي - أميركي بعد مجزرة الغوطة، فقد وجد مسؤولون أميركيون الجواب في الاعتقاد بأن النظام لم يسلّم كل ترسانته علماً بأن هيئة التفتيش الدولية أكدت آنذاك حصول هذا التسليم. ويسعهم أن يضيفوا بأن تصنيع السلاح الكيماوي ليس أمراً صعباً. وتنطبق المعادلة على لاعبين آخرين. ولن نعرف الحقيقة. إذا كان السؤال هو هل يمكن نظام الأسد أن يرتكب مثل هذه المجزرة فالجواب هو بالتأكيد نعم وأكثر من نعم. المشكلة هي أن هذا النوع من الأسئلة يمكن أن يطاول أيضاً العديد من الدول الكبرى والمتوسطة والزاعمة التزام فلسفات القانون وحقوق الإنسان مع فارق كبير هو استحالة محاكمتها ومحاسبتها ناهيك عن معاقبتها. لائحة الشواهد والأمثلة طويلة وليست بعيدة زمنياً وفي مقدمها حرب العراق واستخدام أسلحة محظورة في الفلوجة، وحرب غزة التي صدر في شأنها تقرير دولي يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب ولكن من دون تبعات.
السؤال الفعلي يتعلق بمصلحة النظام في إرباك حليفيه الروسي والإيراني، ودفع ترامب إلى تغيير موقفه بعد أيام قليلة على تصريحات أميركية غير معادية للأسد، وذلك من خلال ارتكــاب مجزرة كيماوية يصعب التعامل معها كما لو أنها لم تحصل. فالمجزرة عززت داخل الإدارة الأميـــركية وإدارات أخرى الاتجاه المؤيد للتدخل العســـكري المباشر وتنحية الأسد. وهذا ما يعرفه النظام. التفسير الوحيد في هذه الحالة لا يتعلق بقسوة النظام أو تعففه المزعوم بل بجنون أقرب إلى الانتحار وهذا لا ينطبق على سينيكية النظام الأسدي، وإن كان يهوى لعبة الرسائل القذرة.