العربي الجديد
الثلاثاء 11/4/2017
فعلت أميركا ما كان متوقعاً منها منذ ست سنوات، بعد جريمة مروّعة ارتُكبت ضد المدنيين في مدينة خان شيخون في أثناء غارة جوية، قتَل فيها طيارٌ بارد القلب أطفالاً من المدينة مع عائلاتهم، وردت الصواريخ الأميركية بأن دمرت مؤونة المطار من السلاح الحربي.
أكّد النظام السوري، مع كفيله الروسي منذ ثلاث سنوات، أن مستودعات الجيش السوري أصبحت خالية من السلاح الكيماوي، وادّعى الطرفان أن هذا السلاح قد دُمِّر نهائياً خلال العملية التي تمت بإشرافٍ دولي، وفق اتفاقية وقِّعت بسرعة، ونفذت بسرعة أيضاً. لكن على عكس ما اعتقد الرئيس الأميركي (السابق) باراك أوباما، عرّاب الحلول السلمية، لم يُجنّب أطفال سورية المصير الخانق الذي يمنع الأكسجين عنهم. وبيّنت الأيام الأخيرة أن النظام الذي دأب على المواربة مارس ما يُحسنه مجدداً، وأنه أخفى ما أخفى من الغازات السامة، ليستعملها عندما تواتيه الريح، من دون أن يلقي بالاً لقانون أو محاسبة.
استمع النظام إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه غير معني بمصير الرئيس السوري، وفهم منها وضوحاً بترك الأسد وشأنه وما يفعل، كما احتفل النظام بعباراتٍ مطابقة من مسؤولين أميركيين بأنهم معنيون، بالدرجة الأولى، بمحاربة الإرهاب، ويقصدون الإرهاب الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية. وفي الليلة التالية، ألقى النظام قنابله السامة، وكأنه يرغب بتحدّي كل شيء، حتى التصريحات المطمئنة له.
ابتكر نظام الأسد، في عصر القنابل الذكية، سلاحاً فريداً، وهو البراميل العمياء التي تسقط بقوتها الذاتية، ولا توجهها إلا الثقالة. وتستهدف، بنسبة خطأ تتجاوز مئات الأمتار، المستشفيات والمخابز وأماكن التجمع المدني البريئة. وعلى الرغم من ذلك، بقي في مأمن من القصاص، فقرّر تكرار استخدام السلاح الكيماوي، متكئاً على التصريحات الأميركية غير المبالية بوجوده، معتبراً إياها عجزاً، أو تسليماً بالواقع.
ضربات كيميائية من هذا النوع، وفي هذا التوقيت، لم يكن للنظام أن ينفرد بها من دون أن يستشير رعاته في إيران وموسكو، وقد أصبح مرهوناً لتعليماتهما منذ أمد. والمرجح أنه حصل على موافقةٍ ثنائية، وكان توقيت الضربة مهماً، فالأمر بالنسبة إلى قطيع القتلة مجرد رسالة سياسية وعسكرية، ولو قتل عبرها أبرياء كثيرون. أراد الروس إخضاع الحليف الأميركي المفترض للتجربة، وأرادت إيران اختبار النوايا تجاهها، وأراد النظام قتل المزيد. كان القصور السياسي عنوان المغامرة الكيميائية التي أقدم عليها الثلاثي، اعتماداً على القرار العشوائي في الاختبار، وهو التجربة والخطأ، ثم التصحيح حسب النتيجة، والنتيجة كما يبدو سقوط أخلاقي جديد وإعطاء ترامب سبباً ليستخدم عضلات عسكرية، يغطي بها على أدائه الرئاسي المرتبك.
وجد النظام فرصة ليبيع مناصريه جرعةً من الشعور بالأمن والأمان، باستخدامه ضد المناطق المعارضة أقسى أنواع القوة، وأكثرها انحطاطاً، وبإشراف مباشر من رعاته الرسميين، وأراد أن يطلق في الهواء بالوناتٍ لمعرفة اتجاه الريح، ولكنه فوجئ بمن فقعها في وجهه، وترك مناصريه في حيرة ودهشة وخيبة أمل، بعد أن نفذ ترامب ما هدّد به. وعلى الرغم من قلة عدد الصواريخ الأميركية التي أُطلقت، إلا أنها كانت كافيةً لتزلزل أركان قصر الشعب على سفح قاسيون، وتشهر إصبعاً متحديةً في وجه المعربد الروسي الذي كان مندوبُه غاضباً وقلقاً في جلسة مجلس الأمن، فأعطى توجيهاً لمندوبة أميركا بتذكيرها أنها جديدة على كرسي رئاسة المجلس، ويفترض بمنصبها الحياد، ونسي أنه هو نفسه جديد على كرسي تمثيل الاتحاد الروسي، وبالطبع لا يمثل أي حياد.
تعلن، أخيراً، وزارة الدفاع الأميركية أن روسيا كانت على علمٍ مسبقٍ بالضربة، الإعلان بذاته يدلل على تصعيد أميركي قد يطيح حالة الاطمئنان التي يعيشها النظام بدعم حلفائه المطلق والنهائي، الأمر الذي سيقلص العربدة الروسية، ويُفشل الشعور بالأمان الذي أراد النظام نقله إلى جمهوره، ويوحي بأن هناك عواقب وخيمة أكّدتها الضربة الأميركية الأولى التي نفذت في قلب الجزء الذي يعتبره النظام "سوريّاه المفيدة".
========================
لئلا نخدع أنفسنا في سورية
نداء الدندشي
العربي الجديد
الثلاثاء 11/4/2017
ما يفصل مجزرة الأسلحة الكيماوية في الغوطة الغربية عن المجزرة الأحدث في خان شيخون ليس مسافة زمن فقط، بل سلسلة من الأحداث والتغيرات، سلك العالم فيها طريق التحول في مواقفه من الثورة السورية، من رافض ظاهري لبقاء بشار الأسد في تسلطه على سورية إلى مرحلة القبول العلني للأمر الواقع، والإقرار بضرورة التعامل معه، ليس على الصعيد الاستخباراتي الذي كان يجري في الخفاء، بل أيضا بصيغة بقائه على سدة الحكم في سورية، وفق التصريحات المعلنة.
حدث هذا إثر مواجهة أوروبا مشكلات مجتمعية، تتصدّرها مسألة الدفاع عن الهوية والثقافة المحلية التي هدّدت بقدوم أفواج من اللاجئين، يحملون ثقافات مختلفة، ويرفضون الانخراط في المجتمعات الأوروبية، إضافة إلى أن أعدادهم سوف تتضاعف في المستقبل القريب، لا البعيد، نتيجة الولادات الكثيرة التي هي من سمات المجتمعات التي جاؤوا منها، يقابله عزوف كثيرين من جيل الشباب الأوروبي عن الإنجاب تحت ذرائع شتى، تتصدّر الرغبة للتفرّغ للعمل إحداها، وهذا يعني أن عدد السكان المحليين سيتضاءل في المستقبل أمام حالةٍ من النمو المرتفعة التي تشهدها مجتمعات الوافدين. أيضا الهجمات التي تعرّضت وتتعرّض لها هذه المجتمعات من أفرادٍ بعينهم، كنتيجة حتمية لنمو الجماعات المتطرّفة في الدول التي تشهد صراعات داخلية، يقابله غض الدول الغربية الطرف عن الأسباب الحقيقية التي ولّدت مثل هذه الحالات الشاذة في مناطق الصراع. والأهم من هذا كله هو إخفاء المعرفة بمصادر التمويل الحقيقي لهذه الجماعات، والإعلان عن مصادر تمويل غير مقنعة لشح مردودها (تجارة الآثار والنفط في غياب المرافئ التي يجب أن يصدّر عبرها ليقدم مردودا جيدا) مقارنة مع الإمكانات المادية الكبيرة التي تتمتع هذه الجماعات بها، والآليات المتطوّرة التي تستخدمها. هذا إن لم نشأ طرح السؤال عن كيفية حصولهم على هذه المعدات في ظل حصارٍ، يفترض أن يحول دون ذلك، مع الإشارة إلى أهمية التمويل واحداً من أهم أسباب بقاء هذه الجماعات ونموها، وتمدّد نفوذها في
"شهدت سورية أكثر من 140 حالة هجوم بمواد سامة تسببت بوفاة كثيرين، إضافة إلى حالات الولادات المشوّهة، نتيجة استنشاق الأهل المواد السامة، من دون أن يتحرّك العالم بشكل جدّي" أرجاء العالم الإسلامي، ثم باتجاه الدول الغربية على شكل "ذئاب منفردة"، تعمل على بث الرعب، ونشر الموت في الدول التي يستهدفونها، ما يجعل من مواقف الساسة أمرا يدفع إلى الإرتياب، ويبعد الثقة عن حكومات العالم، مرجّحا فكرة فقدانها مصداقيتها.
لقد شهدت سورية بين التاريخين الآنفي الذكر أكثر من 140 حالة هجوم بمواد سامة تسببت بوفاة كثيرين، إضافة إلى حالات الولادات المشوّهة، نتيجة استنشاق الأهل المواد السامة، من دون أن يتحرّك العالم بشكل جدّي، ويتخذ موقفاً يعمل على إيقاف نزيف الدم السوري، ويمضي فعليا إلى الأمام لدعم الحل السلمي الذي تم ترويجه بعناية، من دون أن يظهر على سطح الأحداث سوى تراجع القوى الكبرى عن موقفها في دعم محادثات السلام التي انتهت إلى أيدي من يساهمون بالحرب، إلى جانب حكومة النظام، داعمين له ومدافعين عنه، وهذا يجافي منطق الأمور التي تقول "إن الشريك في الفعل لا يمكن أن يكون قاضيا يبت بأمره لعدم حياديته"، ما يعكس عدم الاهتمام الفعلي بما يجري في تلك البقعة من العالم، على الرغم من حيوية موقعها شرق البحر المتوسط، أو هوية دول الجوار التي حتمتها الجغرافيا والمواقف العالمية التي طمست يوما هوية دولة، لتصنع دولة أخرى بجرّة قلم. هذا إن لم نشأ القول إن ما يجري يخدم المواقف غير المعلنة.
يشير ظاهر الأمور إلى تبدل مفاجئ في المواقف الدولية، بعد جريمة الثلاثاء الأصفر المريرة التي أصابت بلدة خان شيخون السورية، بلغت ذروتها بالضربة العسكرية التي وجهت إلى المطار السيئ السمعة. عمد المحللون السياسيون في أميركا وبعض أنحاء العالم إلى توضيح ما جرى من الزاوية التي يرون بها الحدث، وهي زاوية تقارب المنطق، كونها لا تعتمد العاطفة مفتاحاً لفهم الأحداث، بل لغة العقل التي أعادت بوصلة ما جرى إلى المصالح الحيوية التي أخذت بالاعتبار، وتقع ضمن دائرة اهتمام الإدارة الأميركية في ظل نجاح الحزب الجمهوري في الانتخابات، وهو الحزب الذي عرف أنه يوجه جل اهتمامه إلى تعزيز صورة أميركا قوة تقود العالم، صورة اهتزت بعمق نتيجة لسياسة الرئيس السابق، باراك أوباما، التي وصفت بالمتردّدة، بينما دلت مجريات الأحداث التي مضت أنها كانت تعتمد سياسةً جديدةً ترسم بحنكةٍ، تهدف إلى قلب موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم العربي.
تتوجه الإدارة الجديدة للبيت الأبيض إلى العمل على إعادة الاعتبار للكرامة الأميركية التي مرّغت، وبشكل سيئ، في وحل تصرفات دولة إيران، قوبل بانصياع أعمى وضعيف من حكومة أوباما للمطالب الإيرانية، ما لبثت وسائل الإعلام الأميركية أن كشفت اللثام عنها وتناقلتها، إضافة إلى غياب الدور الأميركي عمّا يجري من أحداث حول العالم، مفسحا المجال لروسيا لكي تأخذ دور الريادة في الظهور لاعباً بالغ الاستهتار على مسرح الأحداث العالمية، يملي شروطه، وينفذ مآربه، مستخدما ذرائع مخابراتية عفا عليها الزمن، لكنها نجحت في خدمة أغراضه، بل أدت إلى ظهور بوادر تصالح وتشارك بين اللدودين، حتى طفت على السطح مسألة التدخل الروسي في سير الانتخابات الأميركية، مشكلة قد تقوّض سلطة الحزب الجمهوري إن ثبتت، وتهدّد منصب الرئيس الحالي. وجاءت الفرصة السانحة إثر مهاجمة خان شيخون، البلدة الصغيرة في وسط الشمال السوري، لتكون الذريعة لقلب موازين الأمور، وتحويل مسار الدور الأميركي، من ضعيف ومتهاون إلى فاعل لا يتردّد باتخاذ موقف فردي سريع ومفاجئ، على الرغم من أن التصريحات أشارت إلى وجود تنسيق عسكري بين القوتين العظميين سبق الحدث، لكنه يظل موقفاً يخدم الأهداف في الداخل الأميركي، المعروف عنه سرعة تجاوبه مع ما يقدّمه الإعلام له.
قد يبدو هذا مخيبا لآمال كثيرين ممن حمّلوا الضربة الأميركية أكثر من طاقتها، بل علقوا عليها آمالا قد تخيبها الأيام المقبلة، وكان عليهم ألا يفعلوا، فالدبلوماسية العالمية تعمل الآن في أروقة الأمم المتحدة لترتيب مآلات الأمور، وفق ما تقتضيه مصالحهم، بعيدا عن أنظار السوريين وعن آمالهم وتطلعاتهم.