الرئيسة \  تقارير  \  مؤتمرات اقتصادية في سورية على واقع قلق

مؤتمرات اقتصادية في سورية على واقع قلق

28.07.2025
فاطمة ياسين



مؤتمرات اقتصادية في سورية على واقع قلق
فاطمة ياسين
العربي الجديد
الاحد 27/7/2025
تحاول حكومة دمشق أن تقلب الصفحة على التوترات العنيفة التي شهدتها محافظة السويداء في الجنوب السوري، بعد اقتتال كبير، شاركت فيه قوات حكومية، جرى بين العشائر البدوية والمجلس العسكري بقيادة شيخ العقل الدرزي حكمت الهجري، وتوجّه إدارة الرئيس أحمد الشرع الضوء نحو حدثٍ آخر لا يبعد أكثر من مائة كيلومتر، يقام في دمشق التي استضافت مؤتمراً استثمارياً ضخماً بمشاركة سعودية بارزة، يُركّز على صفقات بمليارات الدولارات، ويحكي عن خطوات منعشة لعملية إعادة إعمار البلاد وتعزيز اقتصادها.
ضم الوفد السعودي برئاسة وزير الاستثمار خالد الفالح، أكثر من 120 مستثمراً. وجرى الحديث عن 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم غطّت قطاعاتٍ مثل الطاقة والبناء والصناعة والاتصالات والنقل والصحة والترفيه، ربما أبرزها ما يتعلق بتأهيل مطار دمشق الدولي لاستيعاب خمسة ملايين مسافر سنوياً، مع خطط لبناء مطار جديد بسعة 30 مليون مسافر، والحديث عن أبراج وناطحات سحاب في قلب العاصمة، وإعلان تأسيس مجلس أعمال سوري سعودي لتعزيز الشراكة طويلة الأمد. ليست المرّة الأولى بعد سقوط النظام التي يسمع فيها السوريون عن وعودٍ بفرصِ عملٍ لعشرات آلاف من المواطنين، يتحدث عنها أكبر الشخصيات الحكومية، وعن حركة اقتصادية ضخمة تنسكب مع كلام المسؤولين. ولكن الجديد في المؤتمر السوري السعودي أخيراً كان الاهتمام بغزارة العناوين وتعداد الخطط واستعراض تفاصيلها، كالحديث عن إنشاء بنوك ومصارف عديدة تناسب كل "المعتقدات"، ولا تنتظر إلا وضع حجر الأساس.
شاركت في هذه المناسبة وجوه إعلامية مألوفة، استدعيت من شاشات التلفزيونات العربية، لتعطي زخماً إعلامياً للحدث، وتحلقت عيون السوريين حول المنصّات التي تعرضه منتظرة بشغف تحول هذه التصريحات إلى واقعٍ يستطيع المواطن العادي لمسه.
في مشهد آخر، وعلى المستوى الدبلوماسي، يحاول مسؤولون غربيون أن يكونوا إيجابيين قدر الإمكان في موقفهم من الحكومة السورية الجديدة، فيدعون إلى وحدة البلاد واستقرارها، وفي مقدّمتهم المبعوث الأميركي توماس برّاك الذي لا يألو جهداً في كيل المديح لحكومة دمشق ورئيسها، ويهرع الرجل الذي قارب الثمانين من عمره إلى التحرّك عبر الأجواء، من أجل إجراء تهدئة سياسية، عندما تهدّد إسرائيل أجواء العاصمة السورية وسلامتها، ويحثّ، من دون كَلال، الأطراف المسلحة في الداخل لجلوس بعضها مع بعض والاندماج في كيان الدولة.
يتلقّف المسؤولون السوريون تلك الإيجابية، ويردّون عليها بتكرار تصريحاتهم عن خطط التنمية وحرية السوق، وتجري لقاءاتٍ مع استشاريين على قدم وساق، تعد بسورية مزدهرة مفعمة بالطاقة، تنتظر المنتجين والمبدعين، وتفتح ذراعيْها لكل الراغبين في المساهمة. ويبدي مسؤولون عربٌ وأتراك رغبتهم في الدعم عن طريق الاستثمار. وبينما لا يزال الحديث عن إلغاء عقوبات قيصر مسار جذبٍ وشدٍّ بين أعضاء الكونغرس الأميركي، يعقد حاكم المصرف المركزي ووزير المالية السوريان اجتماعات "تاريخية" لإعادة دمج القطاع المصرفي السوري في النظام المالي العالمي، لتسييل الأموال والتحويلات وتسهيل حركة التجارة الدولية، فيما عناصر من العسكر في الداخل يوقفون حركة الناس على الحواجز الموجودة في أطراف المدن يفتشون في هويات المواطنين ويتوعّدون من لا يعجبهم انتماؤه بالجحيم.
نفهم أن تحدّيات الدولة جسيمة، وأن الطريق نحو تحقيق ما يحكى عنه طويلة، لكن مقدّماته يجب أن تكون واضحة على الأرض وتتجاوز الكلام على الشاشات لتتحول إلى حالة واقعية، حيث يبدو أن مشاهِدَ المسؤولين يتضاحكون ويتبادلون الأحضان، ويقلبون فناجين القهوة، لم تمنع حادث احتكاك بين القبائل البدوية وسكان من مدينة السويداء، من أن يتطوّر سريعاً ويحدث حالة من الخطف المتبادل والاقتتال، ثم انقطاع الخدمات وحريق المنازل، لينتهي بعملية إجلاء جماعي برعاية الدولة. يطرح هذا التباين الصارخ في المشهد بين حديث القاعات وواقع الشارع تساؤلاتٍ جدية عن حالة الثقة بين المكونات بعضها مع بعض ومع الحكومة، ويضع وحدة الأرض السورية ومصير الدولة الناشئة كلها في حالة تشكّكٍ من القادم.