لماذا يجب محاسبة مجرمي الحرب في سوريا؟
20.07.2025
فاطمة عبود
لماذا يجب محاسبة مجرمي الحرب في سوريا؟
فاطمة عبود
سوريا تي في
السبت 19/7/2025
تفرض مقتضيات العدالة محاسبة مجرمي الحرب بعد سقوط بشار الأسد، إذ لا يمكن بناء سوريا جديدة على ركام الإفلات من العقاب، ولا يمكن ترميم الهوية الوطنية من دون مساءلة الذين مارسوا انتهاكات جسيمة ومنهجية، طالت المدنيين والبنى التحتية والنسيج الاجتماعي في سوريا. ذلك لأنَّ منظومة العنف التي أسَّس لها النظام البائد لم تكن مجرد ردّ فعل على انتفاضة شعبية، إنَّما كانت امتداداً لعقيدة سلطوية تجذَّرت في أجهزة الأمن والمؤسسة العسكرية، وتحوَّلت إلى أداة لتدمير الحياة نفسها. لذلك فإنَّ المحاسبة يجب أن تكون فعلاً تأسيسياً يعيد ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويرسِّخ مبدأ سيادة القانون، ويؤسِّس لمسار انتقالي، يُنهي زمن الطغيان، ويمنع تكرار الجرائم التي دمَّرت العقد الاجتماعي.
إنَّ المحاسبة تتجاوز حدود المسؤولية الفردية، لتطول البُنى المؤسساتية التي شاركت في ارتكاب الجرائم، وأسهمت في تعويم النظام، عبر خطاب دعائي موازٍ للعنف المادي، وهي بنية لا يمكن إلغاؤها بمجرد تغيير رأس السلطة، بل يجب تفكيك منظومتها بالكامل، ومعالجة آثارها النفسية والسياسية والاجتماعية، ذلك أنَّ الجرائم التي ارتُكبت في سوريا كانت جزءاً من استراتيجية منهجية هدفت إلى سحق الحراك الشعبي، وإعادة بناء الذهنية السورية، وفق منطق الولاء القسري والخضوع الأمني. وقد توزعت هذه الجرائم بين استخدام السلاح الكيميائي والقصف العشوائي والتجويع الممنهج والاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والاغتصاب والتطهير الطائفي، وهي انتهاكات موثَّقة في تقارير أممية ومنظمات حقوقية دولية لا تقبل الشكَّ أو النفي.
إنَّ أيَّ مشروع سياسي جديد في سوريا من دون محاسبة عادلة مبنية على أسس قانونية واضحة وشفافة سيكون عرضة للتآكل الداخلي، إذ ستظلُّ جراح الضحايا مفتوحة، وستتعذَّر المصالحة الوطنية، فالعدالة الانتقالية أداة ضرورية لتفكيك منطق الانتقام، وتحويله إلى مسار قانوني يعيد الحقوق لأصحابها، ويمنع استمرار الإفلات من العقاب الذي يغذِّي الاستبداد والفوضى في آن واحد. كما أنَّ مساءلة مجرمي الحرب تعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتفتح الباب أمام بناء نظام سياسي يرتكز على المساءلة والشفافية والمؤسساتية بعيداً عن العنف والولاءات الضيقة.
تُشكِّل المحاسبة أيضاً رسالة إقليمية ودولية مفادها أنَّ الجرائم ضدَّ الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وأنَّ حماية المدنيين واجب لا يسقط بالسياسة أو الحسابات الجيوسياسية؛ لأنَّ ترك المجرمين بلا حساب يشكِّل سابقة خطيرة تشجِّع الأنظمة القمعية على استخدام العنف من أجل البقاء، وهو ما يهدِّد السلم الإقليمي والدولي، لذلك فإنَّ محاسبة من تلطَّخت أيديهم بالدم السوري تمثِّل خطوة في سبيل تعزيز منظومة العدالة الدولية، وتعويض الإخفاق الأممي الذي فشل، طوال سنوات الحرب، في فرض إجراءات رادعة أو تقديم المجرمين للعدالة، سواء عبر مجلس الأمن أم عبر آليات المحاكم الدولية الخاصة، وهو ما يحتِّم على السوريين أنفسهم أن يجعلوا من هذا الملف محوراً مركزياً في مشروعهم الوطني القادم.
إنَّ غياب العدالة ينتج سرديات متناقضة حول الماضي، ويترك فراغاً معرفياً تستثمره القوى المضادة للثورة لتشويه ذاكرة الضحايا، وإعادة تدوير الجلادين في صيغ جديدة، لذلك فإنَّ المحاسبة في جوهرها معركة ضدَّ النسيان، ومعركة لتثبيت سردية تاريخية تستند إلى الوقائع لا إلى الأيديولوجيا. إذ لا يمكن لضحايا المجازر والمعتقلات أن يكونوا رقماً في معادلة سياسية، لأنَّهم شهود على حقبة سوداء من تاريخ سوريا الحديث يتعيَّن التعامل معها بأدوات العدالة التي ترفض التسويات.
إنَّ غياب العدالة ينتج سرديات متناقضة حول الماضي، ويترك فراغاً معرفياً تستثمره القوى المضادة للثورة لتشويه ذاكرة الضحايا، وإعادة تدوير الجلادين في صيغ جديدة، لذلك فإنَّ المحاسبة في جوهرها معركة ضدَّ النسيان
من الناحية القانونية فإنَّ النظام السوري يواجه اتهامات متراكمة بارتكاب جرائم ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضدَّ الإنسانية، وهو ما تؤكِّده وثائق صادرة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة، ومراكز التوثيق السورية، والمحاكم الأوروبية، التي بدأت فعلياً بإصدار أحكام ضدَّ بعض رموز النظام السابقين، وهو ما يعني أنَّ الأرضية القانونية متوفرة، والشهادات موثَّقة، والمطلوب فقط هو إرادة سياسية سورية ودولية لمواصلة هذا المسار القضائي حتى النهاية.
إنَّ العدالة الانتقالية تشمل آليات متعدِّدة ولا تقتصر على المحاكمات، مثل لجان الحقيقة والتعويض وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار، وهي أدوات يجب أن تتكامل في إطار رؤية وطنية للعدالة، تستند إلى تشخيص دقيق لطبيعة الانتهاكات وحجمها وارتباطها ببنية النظام السياسية والأمنية والاقتصادية؛ لأنَّ الاكتفاء بمحاكمة بعض الأفراد من دون المساس بجذور الاستبداد يُبقي الباب مفتوحاً أمام إعادة إنتاج العنف في صور مختلفة. كما أنَّ العدالة الانتقائية التي تُعاقب بعض الجناة وتتجاهل آخرين تعمِّق الانقسامات، لينتهي بها الأمر إلى فقدان المصداقية؛ لذلك فإنَّ شرط العدالة هو الشمولية والوضوح وعدم الرضوخ لضغوط التوافقات السياسية التي تُفرغ العدالة من مضمونها وتحوُّلها إلى أداة تجميلية بدلاً من أن تكون مساراً حقيقياً للتحوُّل الديمقراطي.
فالمحاسبة ستعيد الاعتبار لقيم المواطنة والحرية والكرامة، وهي قيم لا يمكن أن تقوم فوق أنقاض المقابر الجماعية أو جدران السجون أو ركام المدن، لذلك فإنَّ أيَّ عملية إعادة إعمار حقيقية تبدأ بإعادة إعمار العدالة؛ لأنَّها الركيزة التي تقوم عليها شرعية الدولة الجديدة، وسندها الأخلاقي في الداخل والخارج.
إنَّ محاسبة مجرمي الحرب هي امتحان للضمير الإنساني، واختبار لقدرة السوريين على تحويل مأساتهم إلى فرصة لإعادة التأسيس الأخلاقي والسياسي، لوطن مزقته الحروب والتدخُّلات والانقسامات، وهي خطوة لا يمكن تأجيلها ولا الالتفاف عليها إذا كانت هناك إرادة حقيقية لبناء سوريا ديمقراطية تعددية قائمة على الحق والقانون والتعايش السلمي بين أفرادها بمختلف أطيافهم، فمحاسبة مجرمي الحرب في سوريا ليست فعلاً ماضوياً بقدر ما هي نقطة الانعطاف التي تحدِّد إن كنَّا نسير نحو جمهورية الخوف مجدداً أم نحو عقد اجتماعي جديد يعيد تأسيس الانتماء على قاعدة المشاركة لا الإخضاع. بذلك وحده يمكن للسوريين أن يستعيدوا وطنهم من بين أنقاض الصمت، ويؤسِّسوا لحياة سياسية تستحق تضحياتهم التي قدّموا خلال سنوات الحرب الماضية.