الرئيسة \  تقارير  \  لماذا تسعى إسرائيل لعرقلة بناء سوريا الجديدة؟

لماذا تسعى إسرائيل لعرقلة بناء سوريا الجديدة؟

27.07.2025
سمير صالحة



لماذا تسعى إسرائيل لعرقلة بناء سوريا الجديدة؟
سمير صالحة
سوريا تي في
السبت 26/7/2025
تصعّد إسرائيل على أكثر من جبهة في الإقليم، وهي تشعر أن الفرص السانحة لها اليوم لتسجيل المزيد من التوغّل قد لا تتكرّر.
ماذا تخسر تل أبيب إذا استعادت دمشق عافيتها؟ ولماذا تقاتل على أكثر من جبهة لتأخير ولادة سوريا الجديدة؟
تراهن إسرائيل على المشاكل الداخلية التي تعيشها العديد من دول المنطقة، وعلى التفكك الإقليمي في التعامل مع غطرستها وممارساتها.
ما يفعله نتنياهو هو محاولة ملء الفراغ، معوّلًا على تراجع النفوذ الإيراني، وانشغال روسيا بأولويات أخرى، والدعم الأميركي الواسع، والسلاح الذي يلوّح به في وجه الجميع.
خروج سوريا من مشاكلها، على طريق بناء الدولة الجديدة، ليس من مصلحة تل أبيب، لأن استرداد دمشق لعافيتها وموقعها ودورها، يعني جلوسها أمام أكثر من طاولة استراتيجية، البُعد فيها بطابع سوري-عربي-إقليمي.
تخوض إسرائيل معركة استباقية خارج أراضيها، كما فعلت دائمًا، لكنها قلقة من احتمال خسارة الدعم الخارجي الذي عوّلت عليه لعقود.
قد لا يكون على لائحة أولويات تركيا الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، كما أن خيار دمشق التفاوض مع تل أبيب لا يزعج أنقرة، لأنه قد يحمل تفاهمات باتجاه التهدئة.
من المرجّح أن ما يقلق إسرائيل ويغضبها هو تمسّك السلطة السياسية السورية الجديدة بقطع الطريق على كل محاولات استهدافها من الداخل والخارج، وإصرارها على خيار وطني وحيد: أن تعود جميع المكونات السورية إلى حضن الدولة، تحت شعار الحوار الوطني الجاد، بهدف الدفاع عن سيادة الدولة ووحدة أراضيها، ورفض التنازل لأي طرف يعوّل على غير ذلك.
المواجهة إذًا، بحسب تل أبيب، هي مع أنقرة، التي تعارض الممارسات الإسرائيلية، وتريد حماية مصالحها المتزايدة في سوريا بعد إزاحة الأسد، ونجاحها في الوجود داخل تحالف عربي-غربي واسع يدعم مسار المرحلة الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع.
قد لا يكون على لائحة أولويات تركيا الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، كما أن خيار دمشق التفاوض مع تل أبيب لا يزعج أنقرة، لأنه قد يحمل تفاهمات باتجاه التهدئة.
لكن من أولويات تركيا حتمًا، رفض أي مشروع تفتيتي في سوريا، والتمسّك بالوقوف إلى جانب السلطة السياسية بقيادة الشرع، وضرورة حسم موضوع داعش وقسد، وتوسيع رقعة التكتل الإقليمي في مواجهة سياسات إسرائيل الإقليمية.
من بين أسباب الانزعاج الإسرائيلي أيضًا، التنسيق التركي-السعودي المدعوم عربيًا، في إطار خطة توزيع أدوار تتوحّد في الوقوف إلى جانب دمشق، ومساعدتها على تجاوز أزماتها، ومواجهة الضغوط الداخلية والخارجية التي تُمارَس عليها وتعرقل انطلاقتها الجديدة.
يُخطئ من يعتقد أن تل أبيب منزعجة من السياسة التركية وحدها في سوريا والإقليم. الغضب الإسرائيلي يمتد إلى الرياض أيضًا، التي حرّكت أسطولها الاقتصادي والاجتماعي والإنساني باتجاه دمشق، ولعبت دورًا رياديًا في تحريك المجتمع الدولي للوقوف بجانب سوريا في مرحلتها الانتقالية، وفعلت دبلوماسيتها مع الغرب، وواشنطن تحديدًا، للوصول إلى مشهد فتح الأبواب أمام الحكومة السورية الحالية.
كانت تل أبيب تستفيد إلى أبعد الحدود من مواقف وسياسات نظام بشار الأسد، في لعبة التوازنات الإقليمية التي سقطت قبل ثمانية أشهر.
خطوط حمراء فرضتها إسرائيل على أكثر من لاعب، طيلة قرن كامل في التاريخ السياسي الحديث.
لعبت أنقرة والرياض الدور الأول في سحب هذه الأوراق من يدها.
قرار نتنياهو بمواصلة سياسته المعتمدة حتى اليوم في سوريا، سيحمله المزيد من الأعباء، خصوصًا عند قراءته للتحولات الحاصلة في مواقف غالبية العواصم الأوروبية.
الغرب له مصالح مع أنقرة والرياض وبقية الدول العربية أيضًا، والمعادلة الجديدة التي تتشكّل في سوريا ومن حولها، لا تتطابق مع ما يقوله أو يفعله نتنياهو.
حذّر جوناثان أديري، مستشار الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، بلاده من مخاطر أن تجد إسرائيل نفسها متورطة في صراع جديد إذا لم ترسم حدودها الاستراتيجية بوضوح.
قال: "تركيا لم تعد تسعى إلى التكافؤ فحسب، بل تسعى الآن إلى القيادة".
البديل الذي يطرحه أديري هو ضرورة أن تعزّز تل أبيب شراكاتها مع اليونان ومصر والسعودية في مواجهة تركيا.
لكن كيف ستفعل ذلك، وهي تدمّر غزة، وتستهدف طوابير الجياع، وتصدر قرارات تحت سقف الكنيست باتجاه إلغاء سيادة الشعب الفلسطيني على الضفة الغربية، وتُعلن تمسّكها بلعب ورقة الأقليات في سوريا، وتهاجم العاصمة السورية التي تساهم الرياض في بنائها اليوم؟
كل ما تستطيع إسرائيل فعله الآن هو محاولة جسّ نبض "قسد" في شرق الفرات.
تحرّك واشنطن بهذا الاتجاه قد يُحرج إسرائيل أو يحدّ من نفوذها شرقًا، كما أن الحوار بين دمشق وقسد، بتشجيع عربي-تركي-أوروبي، سيكون ضربة مباشرة لطموحات إسرائيل بالتقسيم.
واشنطن لن تسمح لها بالدخول على خط ورقة من هذا النوع، وهي تبذل جهدًا مضاعفًا لصناعة حلحلة في هذا الملف.
خطوط حمراء فرضتها إسرائيل على أكثر من لاعب، طيلة قرن كامل في التاريخ السياسي الحديث.
"من يلتزم الصمت هو كمن يتكلّم دون أن يفعل" — هي المعادلة الجديدة التي ستقلق نتنياهو بعد الآن، سوريًا، وإقليميًا، ودوليًا.
تقف تل أبيب على مفترق استراتيجي حرج: إما الاعتراف بالمعادلات الجديدة في سوريا والمنطقة، أو التورّط أكثر في رهانات خاسرة، تقطعها عن شركائها التقليديين في الغرب.
هل تقرأ إسرائيل التحوّل، أم تُصرّ على إملاء شروطها من الماضي؟