الغد الاردنية
الثلاثاء 28/2/2017
وسط احتدام عسكري هو الأعنف منذ بداية العام الحالي، وفي ظل تشاؤم هو الأشد منذ خرجت الأزمة من بين أيدي الأطراف المحلية، نكتب عن مؤتمر جنيف الخاص بالكارثة السورية قبل أن يغادر المتفاوضون المقر الأوروبي للأمم المتحدة، وهم لا يلوون على شيء سوى تقاذف كرة المسؤولية، مرة أخرى، عمن يتحمل وزر إفشال الجهود الأممية في تحقيق أي تقدم يذكر على طريق تبريد لهيب النيران المشتعلة تحت المرجل السوري المغلق بإحكام.
ولعل السؤال هو: لماذا كل هذا التشاؤم إزاء أزمة لا مخرج لها، مهما طال أمدها، سوى الحل السياسي وحده؟ وكيف للمرء أن يطرح وجهة نظره المتطيّرة هذه، ويتمسك بها طوال الوقت منذ مؤتمر جنيف الأول، ثم في آستانا، ناهيك عن غيره من المؤتمرات في عدد من العواصم الأوروبية؟ ثم هل في وسع المتحاربين، فضلاً عن الداعمين لهذا الصراع الدموي المرير، مواصلة الانخراط في هذه الحرب إلى ما لا نهاية، من دون أن يصابوا بالتعب، أو يعتريهم الخوف من عقابيل الوصول إلى لحظة استعصاء شديدة، قد تعيد خلط الأوراق من جديد؟
أحسب أن أول سبب لهذا التشاؤم ماثل في حقيقة أن الأطراف المتفاوضة ليست هي الأطراف المتحاربة حقاً (الفنان جمال سليمان مثال صارخ)؛ أي إن قرار الحرب والسلم ليس في يد النظام السوري الذي رهن إرادته بإرادة حلفائه من زمن بعيد، أو في يد ما اصطلح على تسميته المعارضة المعتدلة، التي فقدت وزنها العسكري غداة معركة حلب، لصالح الفصائل الإسلامية، صاحبة الحل والعقد، وهي التي لا تعرف الحلول الوسط، ولا تؤمن بالتفاوض من حيث المبدأ، وتستثني نفسها، قبل أن يستثنيها الآخرون، من قواعد العملية السياسية.
السبب الثاني لهذه المقاربة التي تخشى إبداء التفاؤل، أن الأطراف الإقليمية والدولية المختطفة للقرار الوطني السوري، ذات مطامح ومصالح وهواجس أكبر من الرقعة الجغرافية السورية، لكل منها أجندة خاصة متعاكسة مع الأجندات الأخرى، إن لم نقل إنها تزداد تناقضاً مع تطورات الأوضاع الميدانية، على نحو ما يتجلى عليه الأمر في التباينات التركية–الإيرانية المتزايدة مع مرور الوقت، والمنجرفة باطراد نحو مواجهات سياسية وحربية غير مباشرة، وحدث ولا حرج من الخلافات الروسية–الأميركية.
غير أن السبب الثالث، وهو الأكثر أهمية، أن سائر المؤتمرات والجهود والقرارات الدولية التي تقترح حلولاً تبسيطية للحالة السورية المعقدة، لم يلامس أي منها لبّ هذه الأزمة التي تتراءى لكل طرف من زاوية مختلفة، باستثناء زاوية أنها ثورة شعبية ضد الاستبداد والفساد وحكم الأقلية المتوحشة (قبل أن يداهمها المتطرفون وتحاصرها المليشيات المذهبية)، هدرت فيها الطاقات وأهرقت فيها الدماء بغزارة، ليس من أجل تقاسم سلطة باتت تقف على قدمين: روسية وإيرانية، وإنما من أجل الخلاص من جمهورية الصمت والمسالخ البشرية، التي ليس لها شبيه إلا في كوريا الشمالية.
إزاء ذلك، فإن مؤتمر جنيف الرابع الذي من المقدر له أن ينتهي إلى لا شيء، مجرد لعبة تفاوضية مملة، كسابقاتها، هدفها تقطيع الوقت، وهو من دم، وإظهار المجتمع الدولي كمن يهتم بالمذبحة المستمرة ولو بالشكل (حيث المدخلات ذاتها تؤدي إلى المخرجات نفسها في كل مرة) فيما أعين القائمين على إدارة هذه اللعبة مشدودة إلى ما يلي من متغيرات قد تتفتق عنها ذهنية الإدارة الأميركية الجديدة، المتوعدة بإنشاء مناطق آمنة، وربما التدخل بصورة أعمق في الأزمة التي بدت في لحظة من اللحظات كلعبة "روليت" روسية خالصة.
من المؤسف حقاً أن يجد المراقب نفسه متشائماً إلى هذا الحد وهو يتابع فصول المأساة السورية، ولا يرى في نهاية نفقها الطويل ضوءاً ضئيلاً، على الأقل في المدى المنظور، طالما أن كل الجهود المبذولة تتحاشى تسمية الأزمة باسمها الحقيقي، وتخشى تشخيص المرض قبل أن تصف الدواء المناسب له، فيما الضحايا يسقطون بالعشرات كل يوم، ويموتون في أقبية التعذيب، والنار تأكل الأخضر واليابس وتفيض على المحيط المجاور، فيما اللاعبون الكبار في وسعهم بعد صب مزيد من الزيت على نار المرجل السوري، الذي بات يقول: وهل من مزيد؟