المدينة
الاحد 9/4/2017
بكل بساطةٍ وعفوية، وبعيداً عن الحسابات المعقّدة، وفي تعبيرٍ أكثر صدقاً عن الشخصية الأمريكية، غيّرَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في غضون يومين، رأيه فيما يجري في سوريا، وغيَّرَ رأيه في شخصية بشار الأسد، وغيَّرَ رأيه فيما يتعلق بدور أمريكا في العالم.
هكذا هي أمريكا مع العالم، وهكذا حالُ العالم مع أمريكا. فيها يصدرُ القرار الذي يرسم طبيعة العلاقة بين الطرفين، ومنها يجري تنفيذ القرارعملياً، وما على العالم إلا أن يتفرج، وفي أحسن الأحوال، يلهثَ باحثاً عن طريقة للتعامل مع القرار. قد يغضب البعض خارج أمريكا من هذا الواقع، وقد يفرح آخرون به، لكن هذا يبقى مجرد ضجيجٍ صغيرٍ هامشيٍ لايؤثر على القرار، ولا على طبيعته، ولا في كيفية تنفيذه.
يوم الثلاثاء الماضي، وفي انسجامٍ كاملٍ مع طبيعته الوحشية، ارتكب نظام بشار الأسد مجزرةً أخرى في بلدة خان شيخون السورية، مستخدماً السلاح الكيماوي.
في نفس اليوم، كان ترامب يُلقي كلمةً في المؤتمر السنوي لنقابة عمال البناء في أمريكا الشمالية، ومما قالهُ فيها: «لستُ، ولاأريدُ أن أكون، رئيساً للعالم. أنا رئيس الولايات المتحدة. ومن الآن فصاعداً ستكون أمريكا أولاً».
جاء التصريح منسجماً، أيضاً، مع الشعارات التي رفعها ترامب خلال حملته الانتخابية، وعبّرَ فيها عن زهده فيما يجري في بلدان مثل سوريا، ورغبته في التركيز على الشأن الأمريكي، والاقتصادي منه تحديداً، أكثر من أي شيءٍ آخر.
رغم هذا، صرّحَ ترامب بعد سماعه أخبارَ المجزرة بأنها عارٌ على الإنسانية، وأن بشار الأسد مسؤولٌ عنها، وأن ثمة «شيئاً يجب أن يُصنع».
لم يتطلب «صنع شيء» عقد اجتماعاتٍ مطولة لمجلس الأمن، ولم يحتج لمحاولات إقناع روسيا والصين بعدم استخدام الفيتو، ولا لتصريحات وبيانات نارية تتحدث عن اختراق خطوط حمراء. وعلى العكس تماماً مما فعله الرئيس السابق أوباما، حين وضع مثل تلك الخطوط ثم تجاهلها، لأنه رئيسُ أمريكا أولاً وآخراً، أصدر ترامب أوامره لقواته المسلحة، ولأنه رئيس أمريكا، وبينما كان يتعشى مساء الخميس مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في فلوريدا، كان بضعةٌ وخمسون صاروخاً من طراز توماهوك تضرب القاعدة العسكرية التي انطلقت منها طائرات النظام السوري التي قصفت مواطنيه بالسلاح الكيماوي.
هكذا، في لحظةٍ، يجب أن يتذكرها العالم، انكشف الغطاء، مرةً أخرى، عن الطبيعة الحقيقية لعلاقة أمريكا بهذا العالم. وفقدت قيمتَها آلافُ التقارير والتحليلات التي أنهكتنا وهي تتحدث عن قوة الدب الروسي الجديدة، وعن الويل والثبور وعظائم الأمور التي ينتظرها العالم منه، فتمثلت تلك القوة في تصريحٍ يتيم يُدين فيه الرئيس بوتين الضربة الأمريكية، وطلبٍ بانعقاد مجلس الأمن لمناقشة الموضوع.
والأرجح أن إخراج الضربة بحيث تحصل خلال اللقاء مع الرئيس الصيني كان مقصوداً بامتياز، ليحمل معه رسالةً أخرى إلى الصين، تُذكّرُها بوزن أمريكا الحقيقي، وطبيعة دورها في العالم.
باختصار، وبغض النظر عن توصيف الضربة الأمريكية لنظام الأسد، واعتبارها حقيقيةً أو استعراضية، إلا أن أهميتها تكمنُ في أنها ذكّرت أمريكا باستحالة استقالتها من العالم، وذكّرت العالم بوزن أمريكا الكبير والخاص فيه، بغض النظر عن كل المقولات والنظريات المستجدة عن توازن قوىً عالمي جديد، بات واضحاً أن ظهوره يحتاج إلى أمدٍ طويلٍ آخر، هذا إن كان سيظهر أصلاً في يومٍ من الأيام.
ثمة نقدٌ كثير قيل في الماضي عن كون أمريكا شرطياً للعالم. ورغم مايمكن أن يحمله ذلك النقد من صواب، إلا أن عبثية سياسات أوباما خلقت نظاماً عالمياً تتنافس للسيطرة عليه المافيات والعصابات، على شكل دول ورؤساء. وحين تُوضع البشرية أمام هذا الخيار، ستلجأ للخيار الأقل سوءاً نهاية المطاف.
المفارقة في الموضوع أن كل عودةٍ لأمريكا إلى العالم، خلال القرنين الماضيين، كانت تحمل معها للأمم والشعوب خارجها كثيراً من التحديات. فهل تبقى تلك الأمم والشعوب، ومنها العرب، على سلبيتها تجاه التحدي واستسلامها له؟ أم تُحولهُ إلى فرصةٍ لخلق نظامٍ عالميٍ جديد يكون حقاً أكثر عدالةً وأمناً وسلاماً؟ هذا هو السؤال الكبير.