الرئيسة \
تقارير \ على السوريين نسيان أطروحات الديمقراطية في الوقت الراهن
على السوريين نسيان أطروحات الديمقراطية في الوقت الراهن
24.07.2025
مصطفى إبراهيم المصطفى
على السوريين نسيان أطروحات الديمقراطية في الوقت الراهن
مصطفى إبراهيم المصطفى
سوريا تي في
الاربعاء 23/7/2025
حتى وقت قريب اعتاد منظرو السياسة حول العالم ربط التنمية السياسة والاقتصادية بالديمقراطية التي اعتبرت شرطا أساسيا لكل تنمية، وكان التفوق الاقتصادي للدول الغربية التي تعتمد الديمقراطية الليبرالية كأسلوب للحكم هو المستند لهذه الأطروحات، لكن الصعود الصاروخي للاقتصاد الصيني في ظل نظام شديد المركزية أربك هذه النظرية.
اليوم تُعقد المقارنات بين الفساد والفوضى الباديين للعيان في السياسات الديمقراطية الهندية وبين كفاءة صنع القرار وسرعتها في الصين. القادة الصينيون لا يقيدهم حكم القانون، ولا المساءلة الديمقراطية. إذا أرادوا بناء جسر ضخم، أو جرف أحياء بكاملها لشق طريق سريعة أو بناء مطارات، أو تقديم رزمة حوافز اقتصادية ملحة، فيمكنهم فعل ذلك بطريقة أسرع بكثير من الهند الديمقراطية.
تراجع الديمقراطية
في كتاب "أصول النظام السياسي" يقول "فرانسيس فوكوياما": "تجمع الديمقراطية الليبرالية الناجحة في عالمنا اليوم بين مؤسسات الفئات الثلاث (يقصد السلطات الثلاث) في توازن مستقر. وحقيقة وجود بلدان قادرة على تحقيق هذا التوازن يشكل بحد ذاته معجزة السياسة الحديثة". وإن كنا نتوافق مع "فوكوياما" حول فكرة المعجزة بالتحديد فإننا نتوافق أيضا مع إسهابه وغيره من المفكرين أيضا عند الحديث عن السياق التاريخي والخبرة التراكمية والطريق الطويل الذي عبرته هذه المؤسسات إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم، وبالتالي يمكننا تفسير ظاهرة تراجع الديمقراطية على مستوى العالم، فبعد أن أصبح أكثر من 60 بالمئة من دول العالم المستقلة ديمقراطيات انتخابية بعد "الموجة الثالثة من الدمقرطة" كما أسماها "هنتنغتون". وبعد أن بلغت هذه الموجة ذروتها بعد أواخر التسعينيات، أعقبها فترة ركود ديمقراطي، فقد شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين انتكاسات للتجربة الديمقراطية في بعض الدول؛ إما ارتدادات إلى الحكم الاستبدادي، أو تآكلا مهما وانحطاطا في مؤسساتها الديمقراطية.
كل علماء السياسة والمفكرين يودون اكتشاف طريقة لتحويل بلدان فقيرة ومتخلفة إلى بلدان لديها مؤسسات سياسية واقتصادية ناجحة.
عندما تغرس الديمقراطية
في موضع آخر من كتاب "فوكوياما" يذكر الكاتب أنه حين غُرس النظام السياسي البريطاني في "ميلانيزيا" كانت النتيجة فوضى عارمة؛ لأن معظم ناخبي "ميلانيزيا" لا يصوتون لبرامج سياسية، بل يدعمون رجلهم الكبير. وإذا استطاع هذا الرجل الوصول إلى البرلمان، فسوف يستخدم النائب الجديد نفوذه لرد الجميل وتوجيه موارد الحكومة إلى جماعته ومؤيديه في أمور مثل أقساط المدارس وتكاليف الدفن ومشاريع البناء. وعلى الرغم من وجود حكومة وطنية تتمتع بكل مظاهر السيادة والاستقلال،
كالعلم الوطني والجيش، تتمتع قلة قليلة من سكان "ميلانيزيا" بحس المواطنة والانتماء إلى أمة أكبر، أو بكونهم جزءا من عالم اجتماعي يتجاوز محيطهم الضيق. لذلك لا يوجد في كثير من الدول التي تشبه هذا النموذج أحزاب سياسية متماسكة، بل مجموعة زعماء أفراد يجهد كل واحد منهم للعودة بأكبر قدر من اللحم ليوزعه على القاعدة الضيقة من مؤيديه. الأخطر من ذلك هو عندما تكون هذه الأنماط من سلوك الساسة هي أحد أشكال العرف الاجتماعي، فبينما يصنف المراقب المحايد هذا السلوك كشكل من أشكال الفساد؛ تعتبر القاعدة الاجتماعية السلوك المغاير خيانة وخروجا عن الأعراف والتقاليد.
غياب الوصفة السحرية
حتى هذه اللحظة؛ كل علماء السياسة والمفكرين يودون اكتشاف طريقة لتحويل بلدان فقيرة ومتخلفة إلى بلدان لديها مؤسسات سياسية واقتصادية ناجحة، وتحويلها إلى دول مستقرة ومزدهرة، إذ لا يبدو معقولا أن نتوقع في بلدان شديدة الفقر والفوضى القدرة على وضع مؤسسات معقدة في مكانها المناسب خلال وقت قصير؛ نظرا للمدة الزمنية الطويلة التي استغرقها قيام تلك المؤسسات وارتقاؤها في البلدان المتقدمة، ونظرا إلى أن المؤسسات تعكس القيم الثقافية للمجتمعات التي نشأت فيها. في العراق كانت الإدارة الأمريكية على قناعة بأن الديمقراطية واقتصاد السوق هما الوضعان الطبيعيان اللذان سيذهب العراق إليهما أوتوماتيكيا فور إزاحة نظام صدام حسين. وقد بدت الإدارة الأمريكية مذهولة فعلا حين انهارت الدولة العراقية ذاتها، وانغمس الشعب في حفلة جماعية من السلب والنهب والصراع المدني. وفي أفغانستان واجهت أمريكا عقبات مماثلة، حيث فشلت جهود عشرين سنة واستثمارات بمئات مليارات الدولارات في إنتاج دولة أفغانية شرعية ومستقرة.
إذا كان هناك من نصيحة يمكن تقديمها لهذه الحكومة فهي: يفضل لهذا العقد الاجتماعي أن يكون من صياغة وإنتاج السلطة ذاتها وليس بناء على منتجات حوار وطني شامل.
الاقتصاد أولا
يكاد القارئ في أدبيات السياسات المقارنة والنظم السياسية المقارنة والدراسات التي تبحث في البعد التاريخي والثقافي لأنظمة الحكم أن يصل إلى نتيجة واحدة تقريبا، وهي أن السياقات الثقافية لبلد مثل سوريا ومنطقة الشرق الأوسط بالعموم لا يمكنها أن تنتج سوى النظم الاستبدادية، ويكاد أن يصل لمرحلة من اليأس تدفعه للاستسلام للأمر الواقع. لكن الأمر ليس على هذه الدرجة من السوداوية، فالمجتمعات الإنسانية ليست أسيرة ماضيها، فإن كانت عوامل محددة تحكمت بصعود بعض الدول وارتقائها، فهذا لا يعني بالضرورة أنه يتحتم على باقي الدول الضعيفة اليوم استنساخ هذه التجربة إذا رغبت بالتحديث، فشروط التطور السياسي اليوم تختلف جذريا عما كانت عليه في الفترات التاريخية السابقة، فالنمو الاقتصادي يعيد ترتيب أوراق اللعب الاجتماعية باستمرار، والعوامل الدولية تؤثر إلى حد أبعد من ذي قبل. لذلك، في حين قد تقدم
الدراسات المقارنة كيفية وصول المجتمعات المختلفة إلى ما هي عليه اليوم، فإن مسارات وصولها إلى الوضع الحالي لا تحدد مستقبلها أو تقدم نماذج يتحتم على المجتمعات الأخرى استنساخها.
تبدو الحكومة الجديدة في سوريا – رغم أنها تتحدث عن تجارب أخرى – تميل إلى الاقتداء بالتجربة الصينية، وهي في ثنايا خطابها رفعت شعار الاقتصاد أولا. ومن خلال ما ورد سابقا تبدو الأفكار التي طرحها هذا المقال داعمة لهذه الفكرة، فالنمو الاقتصادي السريع في الصين يثير الإعجاب والحسد معا. ولكن رغم ذلك، فنموذج الصين الصارم للرأسمالية الاستبدادية لا يمكن توصيفه أو استنساخه بسهولة، ناهيك عن إمكانية تقبله، وضغوط البيئتين الداخلية والخارجية اليوم تثبت ذلك. يبدو أن الحكومة اليوم تجد نفسها وهي في إطار إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بحاجة إلى إجراء العديد من التسويات مع فئات ومكونات المجتمع السوري. ويبدو أنها مضطرة لصياغة عقد اجتماعي جديد بناء على ما اكتشفته من خلال المدخلات التي تكدست لديها خلال الأشهر السابقة. وإذا كان هناك من نصيحة يمكن تقديمها لهذه الحكومة فهي: يفضل لهذا العقد الاجتماعي أن يكون من صياغة وإنتاج السلطة ذاتها وليس بناء على منتجات حوار وطني شامل. ولكن لماذا لا يجب الاستناد إلى مخرجات مؤتمر وطني شامل؟! هذا ما يمكن تقديم الإجابة الواضحة والمفصلة عنه في مقال مخصص لهذا الموضوع.