الرئيسة \
تقارير \ ضباط نظام الأسد المعتقلون "مختبر" العدالة الأول في سوريا
ضباط نظام الأسد المعتقلون "مختبر" العدالة الأول في سوريا
06.08.2025
إسماعيل درويش
ضباط نظام الأسد المعتقلون "مختبر" العدالة الأول في سوريا
اسماعيل درويش
الاندبندنت عربية
الثلاثاء 5/8/2025
يستغرب البعض أن تكون محاكمات ضباط الأسد أمام القضاء العادي وليس القضاء العسكري.
منذ سقوط نظام الأسد اعتقل مئات من كبار ضباطه بينهم أقارب للأسد وقادة مطارات ومتورطون في تعذيب وقتل المعتقلين، يحتجز هؤلاء اليوم في أماكن شديدة الحراسة بانتظار محاسبتهم.
مئات من ضباط النظام السابق باتوا في الزنازين ذاتها التي قتلوا بها ضحاياهم، وعلى رغم ذلك لا يبدو أن المزاج الشعبي راضٍ عن مسار العدالة الانتقالية، خصوصاً بعد ظهور شخصيات من النظام السابق وهي في أمان مثل القيادي فادي صقر، فضلاً عن العلاقات الجيدة مع روسيا، وهي التي تستضيف بشار الأسد وعائلته كلاجئ.
على وقع قصف بكل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً قبل الخفيفة شنَّ النظام السوري السابق حملة عسكرية على محافظة إدلب شمال سوريا مطلع عام 2020، تمكن بعدها من السيطرة على قرى وبلدات عدة في ريف إدلب الجنوبي. لم يكتفِ المهاجمون بعمليات القتل الجماعي والتهجير القسري، بل وصل الأمر حد الرقص على جثث الضحايا، ففي فبراير (شباط) 2020 انتشر على نطاق واسع تسجيل مصور، يظهر الضابط في جيش الأسد عبدالرحمن دحروج وهو ينبش قبور من قتلهم النظام. وفي تسجيل ثانٍ يظهر ضابط آخر وهو يستمع للأغاني ويدخن السجائر ويضرب شواهد القبور بأقدامه، ثم يرقص في المقبرة، تلك المشاهد حينها أثارت غضب السوريين، بيد أنه ليس باليد حيلة.
مشاهد دحروج لم تكن يتيمة، بل كان هناك آلاف الضباط بمختلف الرتب بجيش النظام السابق ممن تورطوا في جرائم حرب، وعدد منهم على قائمة العقوبات الدولية، استطاعت قوى الأمن في سوريا الجديدة إلقاء القبض على المئات ما بين ضباط وعناصر، بينما لا يزال كثر منهم فارين. وهنا يُطرح كثر من الأسئلة معظمها في ملف العدالة الانتقالية، كيف يمكن إلقاء القبض على الضباط الفارين؟ كيف يمكن محاسبة من ألقي القبض عليهم؟ أين يتم احتجازهم؟ كيف ستتم محاكماتهم وهل تتحقق العدالة للضحايا؟
أبرز من جرى اعتقالهم
منذ سقوط نظام الأسد، وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، ألقت وزارة الداخلية السورية على المئات من الضباط والعناصر التابعين للنظام السابق والمتهمين بارتكاب جرائم حرب. من بين هؤلاء ثلاثة من قادة المطارات العسكرية، إضافة إلى ستة ضباط برتبة عميد وخمسة ضباط برتبة لواء، بينهم اثنان من أهم أقارب بشار الأسد، ووزير الداخلية السابق، إضافة إلى نساء شاركن في جرائم.
آل الأسد خلف القضبان
وسيم الأسد، مواليد عام 1980 في مدينة القرداحة بريف اللاذقية، وهو ابن عم بشار الأسد وأحد أبرز تجار المخدرات على الحدود السورية - اللبنانية، هو على رأس المطلوبين في قوائم العقوبات الدولية. وخلال سنوات الانتفاضة السورية كان يظهر بين الفينة والأخرى بتسجيلات مصورة، وهو يشمت بالمعارضة السورية وبضحايا النظام. ومع إعلان انتصار الانتفاضة اختفى من المشهد كلياً وسط شكوك بهربه إلى لبنان، لكن جرى استدراجه وإلقاء القبض عليه في عملية محكمة نفذت في الـ21 من يونيو (حزيران) الماضي، مما حظي بترحيب شعبي واسع ومطالبات بمحاكمته ومحاسبته على جميع جرائم الحرب المتورط بها.
وسيم الأسد سبقه إلى القضبان عاطف نجيب، وهو ابن خالة بشار الأسد، ويحمل رتبة عميد، متهم باعتقال أطفال درعا في مارس (آذار) 2011، والمسؤول عن مقتل الطفل حمزة الخطيب الذي تحول إلى واحد من أهم رموز الانتفاضة السورية.
يعد عاطف نجيب من أبرز الشخصيات المقربة من الأسد، وشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، وبقي يقاتل مع النظام حتى سقوطه، ثم اختفى مثله مثل باقي الضباط. وفي الـ31 من يناير (كانون الثاني) الماضي أعلنت وزارة الداخلية السورية إلقاء القبض عليه في محافظة اللاذقية بعد عملية استغرقت نحو 15 يوماً.
السجان سجين
ممن ألقي القبض عليهم أيضاً أربعة من أبرز السجانين في سجني صيدنايا وفرع فلسطين، وبينهم المدعو محمد كنجو الملقب بـ"سفاح صيدنايا"، إضافة إلى المدعو أوس سلوم الملقب بـ"عزرائيل صيدنايا"، وكذلك جرى إلقاء القبض على القياديين في "لواء القدس" فخري درويش وعدنان السيد، وكذلك بشار محفوض، وهو أحد المقربين من قائد "الفرقة 25" سهيل الحسن، وهو أيضاً متورط في الهجوم على قوات الأمن العام في الساحل السوري في مارس (آذار) الماضي. وكان للنساء نصيب من الاعتقال، إذ اعتقل الملازم أول قمر دلا، التي كانت تقاتل ضمن مجموعات مسلحة نسائية لمصلحة النظام تحمل اسم "اللبوات"، إضافة إلى المدعوة ناريمان مصطفى حجازي، والتي شاركت شخصياً بالمجازر التي ارتكبها النظام في مدينة داريا بريف دمشق.
ومن أبرز وأهم الأسماء الأخرى التي تم إلقاء القبض عليها هم الضباط ثائر حسين وميزر صوان وموفق حيدر ورامي إسماعيل وفادي العفيس وإبراهيم نضال عثمان وعادل ريحان ودعاس حسن علي ورياض حمدو الشحادة والوضاح سهيل إبراهيم ومالك علي أبو صالح، وغيرهم.
الداخلية: لا مكان للهرب
في تصريحات خاصة أفاد مصدر من وزارة الداخلية السورية بأن "قوات الأمن الداخلي تواصل عملها لإلقاء القبض على الضباط الذين ما زالوا فارين ومتهمين بارتكاب جرائم حرب في عهد النظام السابق". ويضيف المصدر "أنه لا مكان لهرب هؤلاء، وسيحاسبون على الجرائم التي ارتكبوها في حق الشعب السوري، وقد ألقينا خلال الأشهر الماضية القبض على عدد من كبار الضباط، وجزء منهم كان له دور في محاولة زعزعة الاستقرار في المناطق الآمنة، كما تبين أن جزءاً من ضباط النظام السابق ما زالوا على تواصل مع ماهر الأسد ورامي مخلوف وضباط النظام الذين هربوا من بعد تحرير سوريا".
تضيف وزارة الداخلية أن "رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع أصدر في مايو (أيار) الماضي مرسوماً تشريعياً يقضي بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية، هذه الهيئة تتولى كشف الحقائق في شأن انتهاكات النظام السابق ومحاسبة المسؤولين عنها وتعويض الضرر الذي لحق بالضحايا. الهيئة ستسهم أيضاً في تحقيق العدالة التي تعد ركيزة أساسية لبناء دولة القانون وضمان حقوق الضحايا وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة". وتوضح الوزارة أن "الضباط الذين ألقي القبض عليهم سيمثلون أمام القضاء وسيتم إجراء محاكمة قانونية لهم، وذلك لضمان محاسبتهم على كل ما اقترفوه. وهناك ضباط هاربون لم يكتفوا بالجرائم التي ارتكبوها طوال الأعوام الماضية، بل عملوا أخيراً على زعزعة الأمن، ومثال على ذلك أسفرت العمليات الأمنية عن اعتقال العقيد السابق في الحرس الجمهوري مالك علي أبو صالح، وهو رئيس ما يعرف بغرفة عمليات الساحل، التي كانت تشرف على التخطيط والتنسيق لاستهداف المواقع العسكرية خلال أحداث مارس الماضي. وأكدت التحقيقات تورطه المباشر في التنسيق مع جهات خارجية مشبوهة، وتلقيه دعماً لوجيستياً مشبوهاً بهدف تنفيذ مخططات تخريبية تهدد أمن واستقرار المنطقة".
وتؤكد وزارة الداخلية أن "الأجهزة الأمنية وقوى الأمن الداخلي على أهبة الاستعداد الدائم لكل تهديد يمس أمن الوطن والمواطن، ونقول للخلايا الإرهابية إن يد العدالة ستصل إليهم أينما كانوا وفي أي لحظة".
يقبع الضباط الموقوفون في السجون تحت حراسة مشددة، لكن ترفض وزارة الداخلية الإفصاح عن مكانهم الدقيق وذلك لأسباب تقول إنها أمنية.
وعود لم تَرَ النور
لكن المحامي المتخصص في العدالة الانتقالية فادي كردوس يقول إنه "وفقاً لبياني وزارة العدل والنائب العام للجمهورية العربية السورية الصادرين بتاريخ الـ30 من يوليو (تموز) 2025، فقد تم الإعلان عن تحريك الدعوى العامة في حق عدد من ضباط النظام السابق، وأحيلوا إلى قاضي التحقيق المتخصص لمباشرة التحقيق، واتخاذ الإجراءات القانونية أصولاً، مما يعني أن محاكمتهم ستكون أمام القضاء الجزائي العادي ولن تكون هناك محاكم استثنائية لمحاكمة هؤلاء الضباط، سعياً وراء تحقيق العدالة الانتقالية حسب البيانات الرسمية. وهذا يعني أن قانون العقوبات العام وقانون أصول المحاكمات الجزائية سيطبقان على محاكمتهم وسيمنحون جميع الحقوق التي يتمتع بها المتهم وفقاً لهذه القوانين".
ويستدرك كردوس "لكن من المستغرب أن تكون هذه المحاكمات أمام القضاء العادي وليس القضاء العسكري، وهناك عديد من الأمور غير الواضحة لجهة غرفة الطعون الخاصة بهذه المحاكمات أو الاختصاص المكاني لها... إلخ. وبالعودة إلى المرسوم رقم 20 الصادر بتاريخ الـ17 من مايو 2025، والذي نص على تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، نجد أن المرسوم أوجب على الهيئة تشكيل فريق عملها ووضع نظامها الداخلي خلال 30 يوماً من تاريخ صدوره، وهو ما لم يحصل حتى الآن على رغم مرور أكثر من شهرين على صدور المرسوم".
ويرى المحامي السوري أنه "يجب الإسراع بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ووضع نظامها الداخلي ومحاكمة الضباط السابقين وكل مرتكبي جرائم الحرب وجرائم الإبادة والجرائم التي تصنف على أنها جرائم ضد الإنسانية، وهذه هي الضمانة الوحيدة للعدالة الانتقالية، وحفظاً لحقوق الضحايا وذويهم، وجبراً للخواطر ودعم المصالحة الوطنية والسلم الأهلي".
بالمحصلة، المئات من ضباط النظام السابق باتوا في الزنازين ذاتها التي قتلوا بها ضحاياهم، وعلى رغم ذلك لا يبدو أن المزاج الشعبي راضٍ عن مسار العدالة الانتقالية، خصوصاً بعد ظهور شخصيات من النظام السابق وهي في أمان مثل القيادي فادي صقر، فضلاً عن العلاقات الجيدة مع روسيا، وهي التي تستضيف بشار الأسد وعائلته كلاجئ. والحكومة تبرر سياستها بضرورة التركيز على تنمية البلاد وبنائها، في حين يتهمها آخرون بالتقصير في محاسبة مجرمي الحرب، بل ويعترض حقوقيون على عرض هؤلاء الضباط على محاكم مدنية، مطالبين بأن تتم محاكمتهم في محاكم عسكرية أو محاكم استثنائية وتسريع إصدار الأحكام إنصافاً للضحايا.