سوريا 2025.. بين نيران الداخل وضغوط الخارج
20.07.2025
عبدالله السيد الهاشمي
سوريا 2025.. بين نيران الداخل وضغوط الخارج
عبدالله السيد الهاشمي
الاتحاد
السبت 19/7/2025
في الجنوب السوري، لم تعد الأوضاع مجرد توترات موضعية بين مكونات اجتماعية، بل تحوّلت إلى مشهد أكثر تعقيداً، يُنذر بانفجار شامل إذا لم تُحتوَ تداعياته سريعاً. السويداء، التي لطالما مثّلت نموذجاً لخصوصية التعايش الديني والاجتماعي، وجدت نفسها فجأة مسرحاً لاشتباكات عنيفة بين فصائل درزية ومجموعات بدوية مسلحة، في ظل عجز واضح للأجهزة الأمنية عن فرض السيطرة أو حتى إدارة الأزمة بمستوى مقبول من الحياد والكفاءة.
سقوط أكثر من 500 قتيل في أيام معدودة، ونزوح مئات العائلات، يعكس حجم الفراغ الأمني والانقسام المجتمعي الذي يُعيد رسم خرائط السيطرة والهويات على الأرض. لكن ما جرى في السويداء لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع. فإسرائيل، وعلى غير عادتها في التكتم حول تدخلاتها، نفّذت ضربات عسكرية نوعية استهدفت مواقع حساسة في دمشق، منها وزارة الدفاع ومراكز عمليات يُعتقد أنها مقرّبة من النظام القديم، في رسالة واضحة تتجاوز البُعد العسكري إلى البعد السياسي.
وإسرائيل، بحسب بعض التحليلات، أرادت إرسال تحذير مزدوج: أولًا للنظام السوري بعدم التدخل في صراعات الجنوب، وثانياً للمجتمع الدولي بأن “الخط الأحمر” الإسرائيلي يمتد إلى حماية المكوّن الدرزي داخل سوريا، انطلاقاً من التزامات داخلية ترتبط بمكانة الدروز في المشهد الإسرائيلي. وفي هذا التوقيت الدقيق، جاء الموقف الجماعي لدول الخليج العربي، إلى جانب الأردن وتركيا ومصر، ليعيد التوازن إلى المشهد.
والإعلان المشترك بدعم وحدة سوريا واستقرارها، ورفض أي تدخل خارجي في شؤونها، لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل كان بمثابة إعلان نية لبناء تكتل إقليمي يعيد الاعتبار للسيادة السورية ويحميها من الانزلاق نحو الفوضى أو التقسيم.
فمع خروج بشار الأسد من المشهد، باتت المرحلة الانتقالية في سوريا عرضة لاختبارات قاسية، تفتح شهية الطامحين من الداخل والخارج لإعادة هندسة الدولة على أسس طائفية أو مصلحية، وهو ما يُعد تهديداً مباشراً للأمن العربي. اللافت أن واشنطن، رغم سعيها لاحتواء التصعيد عبر اتصالاتها بالجهات الإسرائيلية والروسية، لم تُبدِ موقفاً حاسماً إزاء الهجمات الأخيرة، واكتفت بدعوة “كل الأطراف لخفض التصعيد”، وهو ما يفتح المجال أمام تل أبيب لمواصلة تدخلها متى شاءت، بحجة الدفاع عن أمنها القومي أو حماية الأقليات، بينما الهدف الحقيقي هو فرض شروط جديدة على أي نظام قادم في دمشق، بما يضمن بقاء سوريا في دائرة الضغط والعزل.
إن استقرار سوريا اليوم لا يُقاس بوقف نار مؤقت في محافظة أو نجاح وساطة محلية هنا أو هناك، بل بقدرة العرب على حماية هذا البلد من أن يتحوّل إلى ساحة مفتوحة لكل الطامعين. وما يجري في الجنوب السوري هو اختبار لإرادتنا الجماعية، فإما أن نعيد صياغة دورنا في سوريا الجديدة بديناميكية مسؤولة تحفظ لها وحدتها وسيادتها، أو نتركها فريسة لتدخلات خارجية تُفرغ كل انتصار سياسي من مضمونه.
وإذا كانت السويداء هي العنوان الحالي للأزمة، فإن الأعين الإسرائيلية لا تغفل عن مناطق أخرى قابلة للاشتعال، وقد يكون تدخلها في الجنوب بداية لسياسة استباقية جديدة، تُفكك ما تبقى من مركزية القرار السوري.
وهنا، لا بد من دعم واضح وفعّال للحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق، وتعزيز قدراتها الأمنية والإدارية، وبناء شبكة إقليمية تحاصر التدخلات وتؤمّن الأرض السورية سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فقط إعلان دعم، بل إرادة تنفيذ، تبدأ بفتح قنوات تنموية حقيقية، وتنتهي بإعادة بناء مؤسسة الدولة على قاعدة تمثيل وطني جامع، بعيداً عن الحسابات الضيقة التي دمّرت ما بقي من أنسجة الدولة. وإنْ لم نفعل ذلك الآن، سنجد أنفسنا بعد سنوات أمام سوريا مختلفة تماماً، ليست سوريا التي نعرفها، ولا تلك التي نريدها.
*لواء ركن طيار متقاعد