سقوط سورية اليوم الحلقة الأخطر
23.07.2025
غازي العريضي
سقوط سورية اليوم الحلقة الأخطر
غازي العريضي
العربي الجديد
الثلاثاء 22/7/2025
توقّع كثيرون التوصّل إلى هدنة في غزّة مدّتها 60 يوماً، أثناء زيارة بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي إلى واشنطن. لم تنجح كلّ الاتصالات، ولا استنفار قطر ومصر، إلى جانب واشنطن، للوصول إلى اتفاق. يؤكّد نتنياهو عدم الانسحاب من غزّة، ويُصرّ على البقاء في مناطق أساسية، وبالتالي يريد أخذ كلّ شيء من حركة حماس من دون الالتزام بشيء في المقابل، ويصرّ على استكمال الحرب، حتّى لو اضطرّ إلى الوصول إلى اتفاق فهو سيفعل ما فعله ترامب مع إيران، يعني هدنة 60 يوماً وبعدها مباشرة يعود إلى ممارسة حرفة وهواية القتل، الذي لم يتوقّف.
في محصّلة الأيام الماضية، مئة شهيد تقريباً يومياً، وقسم منهم في مصيدة المساعدات. أُعدموا رمياً بالرصاص من الجنود الإسرائيليين على مرأى من العالم كلّه عبر شاشات التلفزة، ومنهم من أصيب بالإغماء، بعد رشّ رذاذ الفلفل في عيونهم من رجال أمن أميركيين. ورغم كلّ المناشدات الفرنسية والبريطانية والأوروبية عموماً، لعدم استهداف المدنيين، فإنّ نتنياهو متمسّك بسياساته، وإذا أبدى انفتاحاً شكلياً على أيّ مطلب لكسب الوقت، انقضّ عليه بن غفير وسموتريتش رافضَين أيّ وقف لإطلاق النار، وأيّ انسحاب من أيّ منطقة في غزّة.
يريد نتنياهو حماية حكومته وضمان نجاحه في الانتخابات المقبلة، والثمن دماء الفلسطينيين
ومع استقالة وزراء، بات نتنياهو أسير هذين أكثر من أيّ وقت مضى لضمان استمرار حكومته. وبالتالي؛ فالمذبحة بحقّ الفلسطينيين مستمرّة. في هذا الوقت، حصل أمران؛ الأولُ ذهاب رئيس الموساد إلى واشنطن، وعقده اجتماعات مكثّفة مع المسؤولين الأمنيين والسياسيين في إدارة ترامب لتسريع المساعي لدى الدول الأفريقية، التي بدأ البحث معها للحصول على الموافقة النهائية لتهجير الفلسطينيين إليها، إذ لا تراجع عن التهجير وتكريس الاحتلال. هذه هي الضمانة الوحيدة لإسرائيل كما قال، والأميركيون ليسوا بعيدين من هذه الفكرة. وصرّح وزير الطاقة الإسرائيلي إيدي كوهين: "يجب أن تبقى غزّة مدمّرة عقوداً وإسرائيل لا تنوي المساعدة في إعادة بناء البنى التحتية في القطاع بعد انتهاء الحرب". ويترافق ذلك كلّه مع أعمال عدوانية مفتوحة في كلّ الاتجاهات في الضفة الغربية، من القدس إلى الخليل وغيرها، وتوسيع دائرة إنشاء المستوطنات الجديدة، إذ ارتكب المستوطنون في بلدة الطيبة في رام الله اعتداءً على كنيسة تاريخية، وقتلوا في بلدة سنجل الشاب الفلسطيني الأميركي سيف الدين مصلط، ما دفع السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى زيارة البلدة والدعوة إلى محاسبة الذين استهدفوا الكنيسة وقتلوا الشاب، لا أن يُكتفى بتوبيخهم. وتصاعدت وتيرة حرب الإبادة في غزّة في ظلّ اهتمام المنطقة والعالم بما يجري في سورية، إذ تواصل إسرائيل تدخّلها بغرض تكريس احتلالها وتوسّعها في أكثر من منطقة.
الأمر الثاني، الاتفاق بين أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا على تحديد مهلة 60 يوماً لإيران لتوقيع اتفاق نووي معها. يعني، وفي تكرار للجولة الأولى من الحرب معها منذ أسابيع، أنّه إذا انتهت المهلة من دون اتفاق، فستشنّ إسرائيل في اليوم التالي تماماً ضربات ضدّها. خلال هذه المهلة يكون جيش الاحتلال قد أمّن مستلزمات الجولة الجديدة من خلال المساعدات الأميركية التي شملت قنابل متطوّرة وأنظمة دفاعية حديثة قادرة على تمكين إسرائيل من إسقاط الصواريخ الإيرانية التي دمّرت مواقع أمنية وعسكرية ونفطية عدّة في أكثر من منطقة في الجولة الأولى.
لن تتوقّف الحرب الإسرائيلية المفتوحة في أكثر من منطقة؛ الحرب ضدّ لبنان، والحرب ضدّ سورية التي استهدفت مجدّداً وزارة الدفاع وقواعد عسكرية ومحيط القصر الجمهوري، وضدّ إيران، وغزّة والضفة، وحركة أنصار الله في اليمن. والأخيرة تؤرّق الإسرائيليين، خصوصاً بعد الضربات التي نفّذتها أخيراً ضدّ سفن في البحر الأحمر، أغرقت بعضها وكانت متجّهة إلى إسرائيل، وأطلقت صواريخ ضدّ الداخل الإسرائيلي أيضاً. لذا؛ لن يتوقّف نتنياهو قبل أن يحقّق أهداف حروبه، وهو حقّق نجاحات كبيرة.
لم يعد مطلوباً إلّا الحدّ الأدنى من الوعي والشجاعة، والاستفادة ممّا تبقى في هذا العالم العربي من إمكانات قبل الغرق الجماعي
صحيح أن ضربات موجعة وُجّهت إلى الجيش في أرض غزّة، وأن دبّابات تعتبر الأكثر حماية في العالم دمّرها مقاتلون فلسطينيون، وأن العسكر الإسرائيلي يعيش حالة توتّر وقلق، وسُجّلت حالات انتحار في صفوفه، وقال بعضهم: "دمّرنا كلّ شيء في غزّة، فلا نجد مأوى يحمينا. وإذا بقيت منازل فنخشى الدخول إليها لأنها قد تكون مفخّخةً. نحن مكشوفون"... هذا كلّه صحيح، والخسائر البشرية ارتفعت في الأيام الماضية، لكنّ نتنياهو مصرّ على الاستمرار في الحرب، يريد حماية حكومته، وضمان نجاحه في الانتخابات النيابية المقبلة، والثمن: دماء الفلسطينيين. وهكذا يفعل في سورية تحت عنوان حماية الدروز، مستفيداً من انجراف بعضٍ من هؤلاء معه. وآثار هذه الحرب الجديدة ستكون كارثيةً على مستوى المنطقة كلّها. الموقف العربي أصغر بكثير من هذه المخاطر والتحدّيات كلّها، لا تأثير عربياً ولا دور عربياً فاعلاً. ثمّة نوع من الهروب إلى الأمام، الهروب من الحقائق والوقائع، فماذا ينتظر المعنيون؟
لا المال الذي دُفِع لترامب نفع، ولا الاتفاقات مع إسرائيل نفعت، ولا العلاقات غير المُعلَنة تحمي، وإسرائيل تمارس سياسة الضغط والابتزاز. والنتيجة في مثل هذه الحالة: سيطرة إسرائيلية تامّة، مباشرة وغير مباشرة، وسقوط عربي كامل. للأسف، لم يعد مطلوباً إلّا الحدّ الأدنى من الوعي والشجاعة، والاستفادة ممّا تبقى في هذا العالم العربي من إمكانات قبل الغرق الجماعي في مستنقعات الفتن والفوضى المذهبية والسياسية. وسقوط سورية اليوم هو الحلقة الأخطر في المشروع الإسرائيلي.