الرئيسة \  واحة اللقاء  \  ست سنوات من الحروب

ست سنوات من الحروب

16.04.2017
مصطفى زين

الحياة
السبت 15/4/2017
بدأ «الربيع» في سورية قبل أي دولة عربية. كان اسمه «ربيع دمشق». أطلقته مجموعة من المثقفين السياسيين، بينهم ميشال كيلو وبرهان غليون وعارف دليلة وجورج صبرا وغيرهم... كان تصور هؤلاء أن الخريف انتهى بموت الرئيس حافظ الأسد وأن مرحلة أطلت بصعود ابنه بشار، فبدأوا نشاطاً غير معهود في بلد حكمه حزب البعث عشرات السنين، واستطاعوا تحقيق بعض الإصلاحات الطفيفة. لكن سرعان ما اصطدمت طموحاتهم الكبرى بالسلطة، فسجن بعضهم وتراجع آخرون. وكالعادة، وجد هؤلاء متنفسهم الوحيد في لبنان، حيث استقبلتهم الأحزاب المناهضة لسياسة دمشق وصحفها بحفاوة كبيرة. وشكل البيان الذي أصدروه بتوقيع «ألف مثقف» عام 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري، مرحلة جديدة في تحالفاتهم الخارجية وصدامهم مع السلطة، خصوصاً بعدما بدأت جهات إقليمية ودولية استخدام تحركهم للضغط على النظام الذي كان متهماً بعملية الاغتيال.
بين عامي 2005 و2017، جرت دماء كثيرة في سورية وباقي العالم العربي. بعض مطلقي «ربيع دمشق» غرقت أحلامه ومطالبه في الدماء، وبعضهم أغراه مجد السلطة، بعدما طردت سورية من الجامعة العربية، وراحت عواصم غربية تستقبله استقبال الرؤساء (عام 2012 استقبل فرنسوا هولاند رئيس «الائتلاف» أحمد معاذ الخطيب على درج الإليزيه وأهداه مبنى السفارة السورية).
كانت مطالب أصحاب «الربيع» محقة. وكان توجههم السلمي في الاتجاه الصحيح. لكنهم فيما كانوا يعقدون المؤتمرات في اسطنبول وباريس وغيرهما من المدن والعواصم، لم ينتبهوا، على رغم وضوح الصورة، إلى أن هذه المطالب لا تعني شيئاً للمحتفين بهم. وأن المسألة السورية معقدة أكثر مما يتصورون. لم ينتبهوا إلى أن مشروعهم، إذا كان صادقاً، يتناقض جذرياً مع مشاريع مضيفهم، وأنهم مجرد واجهة لتغيير سياسات الحكم بالقوة. ولم يهتموا كثيراً بتدفق السلاح والمسلحين من كل المشارب عبر الحدود التركية، حيث يقيمون ويعقدون مؤتمراتهم. تحولت المسألة الوطنية لديهم إلى «خلاف» شخصي مع الأسد (إما هو أو نحن حتى لو كان الثمن تدمير البلد). هم «ضمير الأمة»، لكنهم لم يربطوا ما حصل في العراق وليبيا بما يجرى في هذه «الأمة». قرأوا، مثل غيرهم، أن الولايات المتحدة تسعى إلى «شرق أوسط جديد» تعمّه «الفوضى الخلاقة». أي أن المسألة أكثر تعقيداً مما يتصورن، وربطها بصدام حسين أو القذافي أو أسامة بن لادن، مجرد لعبة لإيهام الرأي العام بأن قطع الرأس يحرر البُلدان.
بعد ست سنوات من الحروب في سورية وعليها، نُسيت كل المطالب الإصلاحية. لم يعد أحد يهتم بها إلا من قبيل رفع العتب والقول إن لديه مشروعاً وطنياً لكل السوريين، وأن من يقف ضد تطبيقها شخص واحد. وهي في واقع الأمر متعددة الأهداف، هي حروب جيواستراتيجية لتحديد مصالح الدول الكبرى ورسم معالم نظام عالمي، وتثبيت مراكز النفوذ. حروب تخوضها بالنيابة جماعات لا تأثير لها في مجرى الحوادث. لكنها تتوهم أن الذيل يحرك الرأس، على ما يقول المثل الإنكليزي.