الرئيسة \  واحة اللقاء  \  رسائل وتداعيات الضربة الأميركية في سوريا

رسائل وتداعيات الضربة الأميركية في سوريا

09.04.2017
خطار أبو دياب

 العرب
السبت 8/4/2017
رسالة واضحة من المؤسسات الأميركية فحواها أن موسكو لا تتحكم لوحدها بالورقة السورية، وأن واشنطن مصممة على استرجاع زخم فقدته إبان إدارة أوباما.
فعلها “الدونالد” ولَم يتردد في إحياء الردع الأحادي الأميركي انطلاقا من الساحة السورية في قلب الشرق الأوسط الملتهب. عبر هذه الضربة التحذيرية والمحدودة ضد قاعدة الشعيرات الجوية التي انطلق منها سرب طائرات قامت بالمجزرة الكيميائية في خان شيخون، نلمس تمهيدا لتغيير في قواعد اللعبة إن لناحية عدم إفلات المنظومة الحاكمة من العقاب أو باتجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالذات الذي استفاد من تساهل الإدارة السابقة كي يكرس انتدابا على سوريا بالتناغم مع النفوذ الإيراني. وبالطبع يتوجب الحذر من استنتاجات متسرعة قبل اتضاح مآل الحوار المنتظر بين الجانبين الأميركي والروسي قبل أيام من زيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى موسكو.
لن تعدل هذه الضربة، التي فيها جانب استعراضي، في أولويات واشنطن. لكن بالإضافة إلى رسائلها المتعددة الاتجاهات، ستلي هـذا التطور على الأرجح بلـورة سياسة أميركية متماسكة وفعالة في الملف السوري.
ما بعد الهجوم الكيميائي في خان شيخون ليس كما قبله، ومما لا شك فيه أن هول الصدمة إزاء الشراسة وقتل الإنسانية وعدم احترام اتفاق العام 2013 دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليعلن من دون مواربة أن “سوريا باتت مسؤوليتي” وسرعان ما تغيرت اللهجة في واشنطن.
لم يعد يسري مفعول تصريحات الأسبوع الماضي عن ترك مصير بشار الأسد معلقا مع إمكان التسليم ببقائه أو بتأهيل نظامه، وبات خيار إزاحتـه في مرحلة لاحقة مطروحا.
وهناك بالطبع من يتساءل عن أسباب إقدام النظام السوري على القيام بهجوم كيميائي، بينما ميزان القوى يميل لصالحه وهو غير مضطر عسكريا إلى ذلك، وعلى الأرجح ارتكب بشار الأسد خطأ في التقدير واعتبر أنه غير خاضع لأي عقاب ممكن وأنه يملك رخصة مفتوحة للقتل بعد تصريح أميركي عن عدم أولوية إسقـاط النظام، وهكذا يشبه هذا الوقوع في المحظور ما ارتكبه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عندما فسر كلام السفيرة الأميركية إبريل غلاسبي في يوليو 1990 بـأنه نوع من الضـوء البرتقالي للمغامرة في الكويت وكانت النتيجة المعروفة. بيد أن تمادي النظام في استخدام كل أساليب القتل ومتاعبه العسكرية في ريف حماة ليس بعيدا عن تمركز حاضنة قاعدته السياسية، ربما يفسر سبب هذا التهور والثقة الزائدة بالنفس.
مقابل هفوة أو خطيئة المنظومة الحاكمة في دمشق، والتي حصل الكثير مثلها في السنوات الأخيرة، أتت المفاجأة من ردة الفعل الأميركية لأن إدارة دونالد ترامب المتعثرة وجدت ضالتها عند ارتكاب النظام السوري هذه الحماقة كي تتحرك، تماما ولو وفق مقاييس أخرى كما حصل إبان الحرب العالمية الثانية عندما شن الجنرال الياباني ياماموتو هجوم بيرل هاربر الذي كان سبب دخول أميركا الحرب.
إزاء إقلاع صعب للرئيس الجديد إن في موضوع قراراته التنفيذية حول الهجرة وتأشيرات الدخول، أو في موضوع التأمين الصحي الذي أقره باراك أوباما، وأمام حملة الشكوك المحيطة بعلاقة فريق ترامب الانتخابي مع روسيا بوتين وخاصة بعد إقصاء الجنرال مايكل فلين عن مجلس الأمن القومي وإبعاد ستيف بانون المثير للجدل (المستشار الاستراتيجي للرئيس) عن المشاركة في عضويته، أثرت هذه العوامل الداخلية في قرار ترامب الذي انتهز الفرصة كي يثبت بعده عن “بوتين”، وفي نفس الوقت يسترجع هيبة أميركا كما وعد خلال حملته الانتخابية.
ونظرا لأن ترامب وعد أيضا باحتواء إيران ويعمل على فك الارتباط الاستراتيجي بين موسكو وطهران، أراد الرئيس الأميركي من وراء هذه الرسالة العسكرية المحدودة (حتى هذه اللحظة لأن التتمة تتوقف على ردة الفعل الروسية وتفاعلات هجوم التوماهوك) توجيه رسـائل سياسية قـوية عن القيادة الأميركية ومحاولة تبييض الصـورة بالنسبة للـدفاع عـن القيم الإنسانية.
ومن رسائل هذه الضربة رسالة واضحة من المؤسسات الأميركية فحواها أن موسكو لا تتحكم لوحدها بالورقة السورية، وأن واشنطن مصممة على استرجاع زخم فقدته إبان إدارة أوباما.
ومن الرسائل الأميركية الأخرى هناك طمأنة واشنطن لحلفائها الإقليميين وتبين ذلك من ردود الفعل المرحبة من المملكة العربية السعودية وتركيا وإسرائيل في آن معا.
بعد أقل من مئة يوم على بدايات صعبة ومتعثرة لولايته، يلبس الرئيس دونالد ترامب ثوب القائد الأعلى ويُقلد سلفه الجمهوري دونالد ريغان حينما أمر بضرب ليبيا في العام 1986، بعد اتهام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي بالوقوف وراء الاعتداء على ملهى في برلين الغربية، سقط فيه جنود أميركيون.
وبالطبع ستكون لهذه الضربة ضد مطار الشعيرات مفاعيلها على مدى أسرع مما كانت انعكاسات ضربة ريغان.
وفي خطابه بعد الهجوم كان دونالد ترامب واضحا عندما قال “لقد فشلت سنوات من المحاولات السابقة لتغيير سلوك الأسد، وقد فشلت فشلا ذريعا، ونتيجة لذلك، لا تزال أزمة اللاجئين تتفاقم، ولا يزال استقرار المنطقة يتزعزع ويهدد الولايات المتحدة وحلفاءها”.
هكذا لم يعد اقتلاع تنظيم داعش ومحاربة الإرهاب الأولوية المطلقة بشكل معزول عن باقي أوجه المأساة السورية.
انطلاقا من السيطرة على مطار الطبقة والانطلاق إلى الرقة ودير الزور تأمل واشنطن في التحكم في منطقة حيوية بعد طرد داعش منها، والسعي بعد هذه الرسالة القويـة إلى الحوار مع موسكو لتقليص الدور الإيراني وإبعاد الميليشيات الموالية لإيران. وتحقيق هذين الهدفين يسهل إنجاح العملية السياسية وفق القرار 2254. بيد أن هذا التصور الأميركي الأولي لإستراتيجية عمل في سوريا سيخضع لتداعيات ضربة السابع من أبريل وتفاعلاتها.
========================
بسط النفوذ في سورية بالحرب على المدنيين
محمود الريماوي
العربي الجديد
السبت 8/4/2017
لا جديد في المجزرة الوحشية التي استهدفت المدنيين في بلدة خان شيخون السورية، وأودت بعدد يتراوح بين سبعين ومائة ضحية، عدد كبير منهم من الأطفال. بات استهداف المدنيين، وبالذات الأطفال، منهجاً راسخاً، فمن شأن تقتيل الكائنات الضعيفة الصغيرة بثّ الرعب الممزوج باليأس لدى العائلات، ثم لعموم الحاضنة الشعبية للمعارضة. لقد دأب النظام على استخدام هذا الأسلوب، وخصوصا في المراحل التي يعاني فيها من تراجع عسكري أمام المعارضة المسلحة، وبينما تؤدي المواجهة مع فصائل المعارضة إلى وقوع خسائر، فإن استهداف المدنيين يحقّق نتائج مضمونة، وبغير خسائر تذكر في صفوف المعتدين.
كما ليس جديداً أن الحليف الروسي استبسل في الدفاع عن مرتكبي المجزرة، واستبق ذلك بتدمير ما تبقى من مشافٍ ومخابز في إدلب وريفها، وهو أسلوب طالما دأب عليه هذا الحليف (في حلب مثلا)، لحرمان الناس من أسباب الحياة وأولوياتها، ودفعهم إلى النزوح والتشرّد، بعد أن أدرك هذا الحليف أن النصر، كما يرسمه النظام، يتطلب إنقاص عدد السوريين بنسبة كبيرة. وبينما انكبّ الروس، عقب وقوع المجزرة، على اختراع سيناريو يبرئ القتلة ويدين الضحايا، فإن موسكو لم تلبث أن هتفت: وجدتها، حين اخترعت قصفاً للنظام على مخازن أسلحة كيماوية، تمتلكها المعارضة، ما أدى إلى انتشار الغازات السامة! وقد وصف الروس السيناريو الذي وضعوه بأنه "موضوعي وغير منحاز". لكن الموضوعية الخرقاء لم تلبث أن تبدّدت، حين أنكر نائب المندوب الروسي في مجلس الأمن، فلاديمير سافرونكوف، وقوع المجزرة من أساسها، قائلاً إن "الأدلة على وقوعها مزيفة"، وقد وقف العالم مذهولاً أمام الجريمة المروعة، على الرغم من أنها ليست الأولى من نوعها، ثم تجدّد هذا الذهول، حين انبرت دولة كبرى، هي الاتحاد الروسي، للتشكيك في ذكاء البشر ومداركهم العقلية عبر الإنكار، على الرغم من أن جثث الضحايا ما زالت على الأرصفة، وعلى عتبات البيوت، وتشهد على الفظاعة، حيث تبدو المشاهد وكأنها تعيد إنتاج تفجير هيروشيما وناغازاكي في اليابان عام 1945.
لا يبالي نائب المندوب الروسي أبداً بما يحدث، وينكر وجوده، فيما الرسالة الخفية هي أن على العالم الاعتياد على المجازر، والتطبيع معها. إرهاب الدولة الذي تعرّضت له خان شيخون،
"الحديث الروسي عن وقف إطلاق نار أو حل سياسي سلسلة خدع وأساليب تمويه على هدف بسط النفوذ"  ومن قبلها عشرات البلدات السورية، ينكر مرتكبوه وقوعه، ويكرّر الحليف الروسي الإنكار، وهو ما يفسّر أن أركان النظام، ومعهم الإيرانيون والروس، يتفادون، على الدوام، إبداء أي التزامٍ أو تعهدٍ من أي نوع بتجنيب المدنيين ويلات الصراع. إنهم يكادون لا يأتون على ذكر المدنيين وحمايتهم، ويعتبرونهم بلا قيمة، ولا وزن لهم على الإطلاق .
وما دأب عليه النظام من طرح أخلاق الحرب جانباً التقطه الروس، كما فعل الإيرانيون من قبلهم، فكل ما يؤدي إلى تحسين ميزان القوى يتعين فعله، من دون إيلاء أخلاق الحرب أي اعتبار، بل مع ازدراء هذا المبدأ. لهذا، تخصص الأصدقاء الروس بتدمير المخابز والمشافي والأسواق الشعبية، وأحيانا قصف النازحين المشرّدين. وهذه هي طريقتهم المنهجية في مكافحة الإرهاب، مع ثقةٍ مفرطةٍ للغاية بأن استخدام عبارة "مكافحة الإرهاب" سوف يُعطل حواس من يستمع إليها في العالم كله، وخصوصا في "الغرب الساذج".
ولا شك الآن في أن التحدّي المتمادي الذي تشهره موسكو في وجه الأسرة البشرية، في الدفاع عن القتلة، وحرمان الضحايا من نيل حقهم في العدالة، نادر، وقد تخصصت به من قبل الدولة العبرية المحتلة، فلطالما اعترفت قوى استعمارية بما ارتكبت من جرائم وأنكرت أخرى، ولطالما تعهدت بالتوقف عن ارتكابها، أما الأصدقاء الروس فيواظبون بلا توقفٍ عن الطلب من البشر التخلي عن مداركهم، وعن حواسهم، وعن ضمائرهم، وأن يتعاموا عن وقوع الفظائع. ويستعمل الروس، في هذا المعرض، ذرائع من قبيل "سيادة الدول"، وكأن سيادة أي دولة في العالم تجيز لها الفتك بشعبها، وبما تيسر من أبناء الدول المجاورة، أو كأن السيادة تبطل أي عقاب أو مساءلة للفاعلين. وبهذا السلوك، تجري محاولة دفع العالم إلى النكوص إلى الوراء، إلى حقب سابقة على صدور مواثيق حقوق الإنسان وحق تقرير لمصير للشعوب، وحماية المدنيين في الحروب، وقبل أن تتشكل المنظمات الحقوقية، وحتى قبل أن تتشكل منظمة الأمم المتحدة، وقبلها عصبة الأمم. ولذلك، اقترن التدخل الروسي في سورية، منذ زهاء عشرين شهراً، بتصعيد الحرب على المدنيين، وبمشاركةٍ نشطة من طيرانهم الحربي، وتم إغلاق أبواب الحل السياسي، وجرت مباركة النهج الاستئصالي للنظام.
نشرت صحيفة المدن الإلكترونية، يوم 9 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حواراً أجراه مازن 
"الهدف النهائي بالنسبة لروسيا هو الحصول على اعتراف من الولايات المتحدة كقوة نديّة" عزّي مع الخبير الروسي مدير معهد كارنيجي-موسكو، ديمتري ترينين، ذكر فيه الخبير، وهو ضابط روسي سابق، أن "الروس في المرحلة بعد السوفياتية لا يسعون إلى نشر مفهوم إيديولوجي، فهم يعتقدون بأنهم جاؤوا إلى "عالم قذر"، ومن الآن فصاعداً ستقوم السياسة على البراغماتية: "لن نُعلّمَ أحدا شيئاً، ولن نأخذ دروساً من أحد. سنقبل العالم كما هو". ويشدّد الخبير على أن بسط النفوذ هو الهدف الأعلى والوحيد للروس حاليا. وينعت القيادة الروسية بأنها "محافظة للغاية، تنظر إلى الثورات على أنها حروب قذرة. وتعتبر أن ثورة عام 1917 هي أسوأ ما حدث لروسيا". ويقول "في نظر النخبة (الحاكمة) اليوم، الثورة بحد ذاتها ليست فعل تحرّر بل فعل تدمير، الثورة تصبح غير قابلة للتلافي، إذا ما عجزت الطبقة الحاكمة عن التكيّف مع التغيّرات في المجتمع. التفكير الروسي الرسمي يعتقد بضرورة التكيّف، وليس من الضروري أن يكون التكيّف ديموقراطياً". وتفيد العبارة الأخيرة بأن واجب السلطات هو التكيف مع التغيرات في المجتمع بقمعها، وهذا هو سر الإعجاب الروسي بنظام دمشق. وفي موضع آخر من الحوار، أوضح الخبير الروسي أن موسكو "كانت معادية للربيع العربي".
وبالعودة إلى الوضع الراهن، ورداً على سؤال إن كانت موسكو ستضبط، في مرحلة ما، الفوضى في سورية، يجيب الخبير الروسي: "لا أبداً. هم لا يريدون ذلك. فالهدف النهائي بالنسبة لروسيا هو الحصول على اعتراف من الولايات المتحدة كقوة نديّة". تكشف المقتطفات الطويلة عن طريقة تفكير القيادة الروسية، وبمقارنتها بالسلوك في سورية وفي أوكرانيا أيضا، يتضح أن موسكو عازمة على أن تفعل كل شيء، وأي شيء، في سبيل بسط نفوذها. مع أقصى استغلال لتخبط الولايات المتحدة في صوغ سياستها في الشرق الأوسط، وأن الحديث الروسي عن وقف إطلاق نار أو حل سياسي هي سلسلة خدع وأساليب تمويه على هدف بسط النفوذ الذي يتطلب خوض معارك النظام الذي يمنح الكرملين فرصة بسط النفوذ بلا قيود.