النظام السوري … محاولة فاشلة لاستمالة الهند
24.03.2013
د.ذِكْرُ الرحمن
النظام السوري … محاولة فاشلة لاستمالة الهند
تاريخ النشر: السبت 23 مارس 2013
د.ذِكْرُ الرحمن
الاتحاد
زارت السيدة، بثينة شعبان، الهند في الأسبوع الماضي كمبعوثة للرئيس السوري، بحيث كان واضحاً أن المسؤولة السورية تبحث عن دعم الهند باعتبارها عضواً في مجموعة «بريكس» التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، ووقوفها إلى جانب نظام الأسد، والسبب هو اعتقاد دمشق أن المجموعة بما تمثله من وزن اقتصادي على الساحة الدولية قادرة على إيصال رسالة إلى الدول الغربية بتخفيف الضغط عن النظام.
وتكتسي الهند أهمية خاصة باعتبارها رئيسة الدورة الحالية لمجموعة «البريكس»، واستضافت في السنة المنصرمة قمة المجموعة على أراضيها، فيما يتوقع أن تؤول الرئاسة خلال وقت لاحق من السنة الجارية إلى جنوب أفريقيا. وفي الوقت الذي يواجه فيه الأسد انتفاضة شعبية تهدد بالإطاحة به ومفضلاً التعامل القمعي مع تطلعات شعبه والتعامل معها بقسوة ووحشية، بدأ يتجه مؤخراً في محاولة يائسة لإنقاذ نظامه إلى مخاطبة دول العالم، علها تساعده في البقاء، ورغم أن المسؤولة السورية التي حلت ضيفاً على نيودلهي، التقت بمستشار الأمن القومي، «شيف مينان»، ووزير الخارجية، سلمان خورشيد، إلا أنها لم تتمكن من رؤية رئيس الوزراء، «مانموهان سنج»، رغم محاولاتها المستميتة للقاء به، كما فشلت في الاجتماع برئيسة حزب «المؤتمر» السيدة، سونيا غاندي، وهو ما يكشف المزاج العام للقيادة الهندية تجاه ما يجري في سوريا، وقد حرص المسؤولان الهنديان خلال لقائهما ببثينة شعبان التأكيد على قلق الهند البالغ من معاناة الشعب السوري بسبب استمرار أعمال العنف وتصاعدها، فالهند كانت من مؤيدي اتفاق جنيف الذي جاء بخطة النقاط الست التي اقترحها المبعوث الأممي السابق لسوريا، كوفي عنان.
ومن بين تلك النقاط التي نص عليها الاتفاق تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات واسعة تضم أعضاء من طرفي الصراع وإطلاق حوار وطني، يؤدي إلى مراجعة شاملة للدستور، كما أن الهند كانت من الدول التي صوتت في العام الماضي لصالح القرار الذي وضعته جامعة الدول العربية في مجلس الأمن، والذي يطالب الأسد بالتنحي، وباختصار يتمثل الموقف الهندي في ضرورة الوصول إلى حل سلمي لإنهاء الأزمة السورية بمشاركة أطراف الصراع كافة مع الأخذ في عين الاعتبار التطلعات المشروعة للشعب السوري.
وفي محاولاتها لاستدرار عطف الحكومة الهندية على نظام الأسد سعت بثينة شعبان لتوريط المسلمين الهنود باتهامهم بالتسلل إلى سوريا عبر بريطانيا للقتال إلى جانب الثوار، ففي حوار أجرته معها صحيفة هندية ناطقة باللغة الإنجليزية قالت إن أحد أهداف الزيارة هي دفع الحكومة الهندية لاتخاذ موقف حيال مشاركة المسلمين الهنود في القتال بسوريا، مشيرة إلى أن الذين يحملون السلاح في سوريا ويقاتلون النظام هم من الجماعات المتشددة مثل «القاعدة» وباقي التنظيمات الجهادية، وبأن المسلمين الهنود جزء منهم، كما نصحت الحكومة الهندية بتوخي الحذر من الأطراف التي تمول بناء المساجد في الهند. وهو ما يعكس في الحقيقة استراتيجية الأسد لتأجيج المشاعر الطائفية والضغط على الهند بإقحام العامل المتشدد وتخويف مسؤوليها من المسلمين والتمويل الذي يحصلون عليه من بلدان أجنبية.
لكن ما لا تعرفه السيدة شعبان أن المسلمين في الهند كانوا على الدوام جماعة متسامحة تحب السلام وتحترم القانون، كما أن قادتهم وشيوخهم عرفوا بالاعتدال والابتعاد عن التطرف، ولم يعرف عنهم قط تدخلهم في الشؤون الداخلية للدول، بل يميلون إلى التركيز على قضاياهم الداخلية، وفيما هب المسلمون من جميع الأصقاع للقتال في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي لم يُسجل وجود هندي مسلم واحد بينهم، هذا ناهيك عن أن معتقل جوانتنامو الذي ضج بالنزلاء من بلدان إسلامية عديدة لم يدخله مسلم هندي.
ورغم وجود بضعة آلاف من السلفيين في الهند يسمون أنفسهم «أهل الحديث»، فإن اهتمامهم يقتصر على الدراسة الدينية والبحث الفقهي، كما أنهم معروفون في العالم الإسلامي بأبحاثهم الجليلة في مجال الفقه واجتهاداتهم القيمة.أما فيما يتعلق بالتمويل الخارجي، الذي حاولت بثينة شعبان العزف على وتره فربما لا تعرف السيدة أن القوانين الهندية، تجعل من الصعب جداً مرور فلس واحد دون مراقبة الأجهزة الأمنية.
والأكثر من ذلك أن عدد المساجد في الهند كبير ورثه المسلمون من الفترة التي حكموا فيها الهند ولا حاجة لديهم للمزيد منها، لا سيما وأنهم يواجهون صعوبة في إدارة تلك الموجودة حالياً، هذا إضافة إلى بقاء البعض منها خالية بعد تقسيم شبه الجزيرة الهندية وهجرة العديد من المسلمين إلى باكستان.
ورغم تورط الهنود المسلمين في عدد من الحوادث داخل الهند وليس خارجها، فإن الأمر كان بسبب قضايا ومظالم داخلية لا علاقة لها بما يجري في العالم سواء تعلق الأمر ببعض الحوادث المؤسفة مثل تدمير مسجد «بابري»، أو أعمال العنف الطائفية التي اندلعت في مومباي وولاية «جوجارات». وخلافاً لمسلمي الهند الذين انشغلوا بقضاياهم الداخلية كان نظام الأسد وطيلة 43 عاماً منخرطاً في أنشطة تؤثر على دول الجوار سواء كان في لبنان، أو فلسطين، بالإضافة إلى سياسة حافظ الأسد القمعية في مدينة حماة التي حولها إلى أنقاض ودمرها على رؤوس أبنائها، مخلفاً الآلاف من القتلى، واليوم يواصل ابنه، بشار الأسد، نهج والده في التمسك بالسلطة.
لذا لن تنفع محاولات شعبان الزج بالمسلمين الهنود في الصراع الجاري بسوريا ولن تستطيع استخدام ورقة المسلمين لإخافة الحكومة الهندية، أو الحصول على تعاطفها إزاء نظام الأسد، فالمسلمون في الهند لا يتدخلون في شؤون غيرهم ولا يثيرون مخاوف حكومتهم، وكان من الأفضل للنظام السوري إيقاف العنف والكف عن قصف الشعب والاستجابة لمطالبه المشروعة بدل إرسال مبعوثيه إلى الخارج في مهمة أقل ما يمكن القول عنها إنها ولدت ميتة.